أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عائشة العلوي - اقتصاد الريع، هل هناك سياسة لمواجهته؟...















المزيد.....

اقتصاد الريع، هل هناك سياسة لمواجهته؟...


عائشة العلوي
(Aicha Elalaoui )


الحوار المتمدن-العدد: 6305 - 2019 / 7 / 29 - 16:53
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


هل هناك فرق بين اقتصاد الانتاج واقتصاد الريع؟ هل هناك تداخل بين هذين الاقتصادين؟ هل يمكن القضاء على اقتصاد الريع؟ من أين يستمد اقتصاد الريع قوته؟ هل اقتصاد الريع فردي أم جماعي؟ هل يمكن للدول أن تمارس اقتصاد الريع؟ هل اقتصاد الريع جزء من مسار التطور الحديث للنشاط الاقتصادي أم أنه مسار متشعب ومرتبط بالإنسان وبتطور علاقاته في الجماعة أو المجموعة؟ هل يمكن اعتبار الريع اقتصادا وكيف؟ قَبْل التطرق لمناقشة هذه الأسئلة أو جزء منها (لأن هذا المقال لا يتسع لذلك)، لا بد من إعطاء تعريف لاقتصاد الريع.
يبدو الأمر للوهلة الأولى سهلا للغاية، فالتعريف المتعارف عليه لاقتصاد الريع (Economic Rent) "هو الفرق الذي يظهر بين ما يعتبر عاملاً للإنتاج (مثل رأس المال والأرض) وما يمكن كسبه فعليّاً من العمل" (المصدر: businessdictionary). بمعنى آخر، اقتصاد الريع هو المقابل المادي لاستغلال عوامل الإنتاج لكن بمبلغ أكثر من مقابله الفعلي. هنا يبدأ التداخل ما بين اقتصاد الإنتاج واقتصاد الريع. لا يمكن القيام بعملية الإنتاج إلا باستعمال وسائل الإنتاج المرتبطة أساسا بثلاث موارد (البشر، الأرض، الرأسمال) بمختلف خصائصها. فكل مورد يمكن أن يكون مصدر للريع ما دام أنه يمكن أن يكون استعماله مقابل مبلغ إضافي أكبر من مقابله الحقيقي، أي بثمنه المحدد والمعلوم وفق قانون السوق والقوانين التنظيمية المعمول بها. لنحاول العودة لأصل مفهوم الريع لتوضيح الأمر.
ارتبط ظهور مفهوم الريع ارتباطًا وثيقًا بدفيد ريكاردو، David Ricardo، (1772-1823) حيث اعتبره هو الثمن الذي يدفعه المزارعون لاستخدام الأرض، ويرجع سبب وجود الريع إلى جودة الأرض المستغلة من ناحية خصوبتها. فكلما كثر الناس، كلما تطلب من المزارع استغلال أراضي أقل جودة، وبالتالي يرتفع مقابل الأرض الأكثر خصوبة. لهذا عرفت نظريته باسم "نظرية الريع التفاضلي" (Theory of differential rent) لأن، حسب ريكاردو، هناك علاقة بين السكان والريع في تحديد قيمة المنتجات (الأسعار). مبدأ ريكاردو يمكن تلخيصه كما يلي: على المدى الطويل وبسبب قانون تناقص العائدات من الزراعة ومع النمو السكاني، يزداد المقابل لاستغلال الأراضي (الريع) في الكمية والقيمة المادية في المنتج الإجمالي (القمح)؛ وكذلك الأجور ليتماشى مع ارتفاع سعر القمح (المنتج)، ارتفاع الأسعار ليس بسبب الريع ولكن لأن الإنتاج يتطلب المزيد من العمل. وبالتالي، فإن زيادة الأجور والريع يقلل من معدل ربح رأس المال الذي سيؤدي إلى حالة استقرار، Steady state، (أي وقف تراكم رأس المال). وحسب ريكاردو، فإن الريع ليس مرتبط باحتكار الأرض، بل بالخصوبة غير المتكافئة للأرض. يعتبر تحليل ريكاردو أكثر عمقا من تحليل آدم سميث، حيث يرفض ريكاردو مبدأ الندرة لتحديد قيمة العمل من خلال التمييز بين البضائع النادرة والسلع الغير النادرة؛ فالصنف الأول هو أصل الريع. وبعبارة أخرى ، يتم تفسير الريع من خلال ندرة المورد الطبيعي الذي له أهمية كبيرة في الانتاج. وبالتالي، فإن الزيادة في الريع، حسب أدم سميث، هي علامة على زيادة الثروة الوطنية.
ربما الريع كمفهوم تمت محاوله فهمه في علاقة مع عملية الإنتاج وتحديد الأسعار (أسعار المنتوجات والأجور) من طرف ريكاردو وكذا من طرف ماركس. هناك اختلاف في كيفية تحديد قيمته وعلاقته مع قيمة وسائل الإنتاج الأخرى، لكن هناك شبه اتفاق كلي بين المفكرين على أنه مزعج للاقتصاد الحقيقي (أفضل هذا المصطلح على مصطلح الاقتصاد المنتج).
****
من خلال ما سبق، الريع هو المقابل المادي لاستغلال مورد الذي لا يساوي قيمته الحقيقية في الانتاج، وتزداد قيمته بازدياد الطلب عليه. هذا التعريف يجعلنا نتصور أن اقتصاد الريع يمتد إلى مختلف الموارد ويتطور ويتعقد مع التطور الاقتصادي والاجتماعي للبلد. ليس فقط البلد الواحد، بل يمتد في علاقة ريعية ما بين الدول.
إذا كانت أولى نشاطات الإنسان لم تتطلب ضرورة دفعه لمقابل مادي لمزاولة أنشطته الإنتاجية، إلا أنه مع تطور المجتمعات وتضارب المصالح السياسية والاقتصادية، كان ملزما عليه دفع مقابل خدمات تفوق قيمتها العائد الحقيقي للإنتاج والاستغلال. مع مرور الأزمنة، "اقتصاد الريع" ظهر بصيغ مختلف في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الناس. لكن اليوم، بسبب تعقد وتداخل الأنشطة الاقتصادية أصبح اقتصاد الريع أكثر اتساعا وخطورة على الاقتصاد الحقيقي وأخذ مسارات أخرى متشعبة ومظلمة.
لقد انتقل اقتصاد الريع من مجرد مقابل مادي لاستغلال مورد طبيعي (الأرض مثلا عند دفيد ريكالدو) إلى أنشطة غير مادية متعلقة أساسا بالخدمات كالأسواق المالية وشبكات الاتصالات وخدمات المجتمع المدني. فإذا كانت فلسفة مؤسسي الاقتصاد اللبرالي مبنية على تشجيع الأنشطة الاقتصادية المنتجة للثروة دون تناقض فيما إذا كانت ناتجة عن الجهد الشخصي أو امتلاك جهد الآخرين، لكن في الاقتصاديات المعاصرة أصبحت ثقافة الحصول على الثورة وسرعة نمائها أكثر أهمية من ثقافة إنتاجها والبحث عن سبل تراكمها. وهي ثقافة غدت، للأسف، مسيطرة على الأفراد والجماعات. فالأزمة المالية ل2008 ما هي إلا ترجمت لفلسفة اقتصاد الريع وكيف سيطر في علاقته على الاقتصاد الحقيقي، فأصبح المتحكم في الأنشطة الاقتصادية المنتجة، بل أصبح بمنطق سرعة نماء الثروة يهمش قطاعات اقتصادية ربما أكثر إنتاجية على حساب قطاعات مجال الريع فيها أكثر ارتياحا ووفرة.
إن القضاء أو الحد من اقتصاد الريع، ينطلق بفهم ميكانزيم عمله المتشعبة والمعقدة. فكل القطاعات المؤسسية أو الوكلاء الاقتصاديين، Economic agents´-or-Institutional sectors، (الدولة، المجتمع المدني، المستهلكين، المؤسسات المالية الربحية، المؤسسات الغير المالية الربحية) يساهمون بشكل من الأشكال في تقوية اقتصاد الريع. فحتى ما يسمى بالوكيل الاقتصادي "باقي العالم"، Le reste du monde" كأحد مكونات الاقتصاد يقوي اقتصاد الريع؛ وذلك عن طريق الاتفاقيات الدولية والتبادلات التجارية.
أكثر القطاعات / المجالات التي يمارس فيها اقتصاد الريع قوته وجبروته على الاقتصاد الحقيقي هو القطاع البنكي وبورصة القيم والصناعة الاستخراجية (الموارد الطبيعية). إن اقتصاد الريع لا يمارس فقط داخل الدولة الواحدة، بل هو عنوان لحرب باردة بين الدول كتلك التي تدور رحاها في أمريكا اللاتينية أو حروب ونزاعات دموية كتلك المندلعة في إفريقيا والشرق الأوسط، إنه عنوان لاستغلال الشركات الكبرى ليد عاملة في دول صنفت على أنها فقيرة.
اقتصاد الريع هو اقتصاد لإنتاج ثروة لفئة أو مجموعة من الأشخاص أو لدولة أو مجموعة من الدول دون مقابل لإنتاجي فعلي. إنه مقابل لسلطة التحكم في القرارات المحلية أو الدولية. فتصنيف الدول إلى فقيرة وغنية / نامية وفي طور النماء، إلا محاولة مستمرة لتقوية اقتصاد الريع وليجد أمكنة تستوعب جشعه المستمر في الاغتناء. حتى في قلب الدولة الواحدة، انقسمت ساكناتها ومجالاتها الترابية إلى صنفين فقير(ة) وغني(ة)، ليتم الحديث عن اللامساواة والتوزيع الغير العادل للثروة واللاعدالة المجالية وغيرها. وما هي في الحقيقة إلا نتاج لتراكم ثروة في يد حفنة من المسيطرين في اقتصاد الريع.
يبدو من خلال هذه اللمحة السريعة عن اقتصاد الريع (لم أتناول نقط أخرى مهمة لفهمه كالفرق بين ريع الدولة والريع الخارجي والداخلي) أن نجاح بلوغ أهداف التنمية المستدامة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية ووقف الحروب والنزاعات بين الدول لا يمر إلا بالحد من اقتصاد الريع ولما لا القضاء عليه.
إن اقتصاد الريع يخلخل المنظومة الاقتصادية الحقيقية والعلاقات الاجتماعية ويعرقل تطورها في اتجاه بناء مجتمع الكفاءات والقدرات والمساواة والعدل. إنه يمرر سمومه داخل الوسائط السياسية، لتصبح المنافسة بينها وداخلها ليس على أساس الرؤى والأفكار السياسية والاستراتيجيات الكبرى للبناء الديموقراطي للبلد، بل تصبح العلاقة المتحكم فيها هي البحث عن تراكم الثروة دون عناء، أي بالريع. إن كان للريع مفهوم مرتبط باستغلال وسائل الإنتاج بمقابل يفوق قيمته الحقيقية، فالريع في السياسة يرتبط أساسا بالفساد والرشوة والغش واستغلال النفوذ. فاقتصاد الريع سيقوِّد لا محالة كل التوازنات السياسية وسيادة المؤسسات لأنه يظل اقتصاد يعمل داخل سلطة الظل.
الاستراتيجية المثلى لإضعاف اقتصاد الريع ومن ثمة القضاء عليه هو هيكلة ديموقراطية لكل الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين والمدنيين، واستغلال التكنولوجيا الحديثة لتحقيق الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فإن كان اقتصاد الريع يجد سبل عيشه في الخفاء والتستر على الأفعال، فإن الفضح واحترام المؤسسات هي الأعمدة الأساسية لتقوية الاقتصاد الحقيقي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,735,325
- صعود النزعة المقاولاتية والريعية للمجتمع المدني …
- الهدف الرابع للتنمية المستدامة واستراتيجية التعليم بالمغرب- ...
- استراتيجية الهدم ونموذج التنمية بالمغرب …الحصيلة الراهنة 201 ...
- التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية... أية علاقة؟
- النموذج التنموي والعمل السياسي، أية علاقة ؟...
- الدول المستفيدة من الديون… تحليل لمقال
- اندثار معالم الحدود... (الجزء الثاني)
- اندثار معالم الحدود... (الجزء الأول)
- العمل الموسمي والمياوم للنساء بالمغرب عُملة لاضطهاد يومي واس ...
- 8مارس اليوم العالمي للمرأة، هل هو يوم للاحتفال أو لتخليد ذكر ...
- -خديجة- المرأة المغربية و الاغتصاب الجماعي...
- هل ساهمت الأزمة المالية العالمية 2008 في تقوية الحركات الاحت ...


المزيد.....




- لقطات ..د.جودة عبدالخالق يكتب: كيف نقرأ الحالة الاقتصادية؟
- السفير الفنزويلي في القاهرة: الحصار الأمريكي جزء من خطة تدمي ...
- مصر.. رقم قياسي بمليارات الدولارات لاحتياطات البنوك المصرية ...
- بلومبيرغ: السعودية لا تستطيع إنقاذ سوق النفط
- السعودية تعلن إنشاء بنية تحتية كاملة للكهرباء بمحافظة حجة
- السعودية تطلق تحذيرا شديد اللهجة من -عملة مزيفة- تنتشر في ال ...
- طريقة صينية جديدة لمواجهة الولايات المتحدة في الحرب التجارية ...
- صبور ينصح رواد الأعمال: معرفة حاجة المستهلك تسبق جودة المنتج ...
- الإمارات توسع قائمة المنتجات الخاضعة للضريبة ابتداء من عام 2 ...
- كيف تتخلص من -الطاقة السلبية- التي يطلقها زملاء العمل المتذم ...


المزيد.....

- التجارة الإلكترونية واقع وتحديات وطموح / يوسف شباط
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- مولفات أ.د. محمد سلمان حسن / أ د محمد سلمان حسن
- د.مظهر محمد صالح*: محمد سلمان حسن: دروس في الحياة المعرفية.. ... / مظهر محمد صالح
- التطور الاقتصادي في العراق، الجزء الأول / أ د محمد سلمان حسن
- التطور الاقتصادي في العراق، الجزء الثاني / أ د محمد سلمان حسن
- دراسات في الإقتصاد العراقي / أ د محمد سلمان حسن
- نحو تأميم النفط العراقي / أ د محمد سلمان حسن
- التخطيط الصناعي / أ د محمد سلمان حسن
- لإقتصاد السياسي، الجزء الثاني، نسخة ملونة / أ د محمد سلمان حسن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عائشة العلوي - اقتصاد الريع، هل هناك سياسة لمواجهته؟...