أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نهاري عبد القادر - الفلسفة الصوفية بوابة أندونيسيا نحو الحداثة















المزيد.....

الفلسفة الصوفية بوابة أندونيسيا نحو الحداثة


نهاري عبد القادر

الحوار المتمدن-العدد: 6305 - 2019 / 7 / 29 - 13:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


منذ سقوط الديكتاتور الذي حكمها لأزيد من ثلاثة عقود، برزت هي اليوم كواحدة من الديمقراطيات الصاعدة في العالم صانعة بذلك تساؤلات كثيرة لا لكونها حققت النقلة في زمن قياسي بل لكونها تمثل أكبر تجمع للمسلمين بالعالم، انها جمهورية إندونيسيا، القوة الاقتصادية السادسة عشر وإحدى أحسن خمسين ديمقراطية بالعالم. تتربع الدولة الاندونيسية على مساحة تزيد عن المليونين كلم مربع منقسمة على 17 ألف جزيرة بتعداد سكاني بلغ حسب الاحصائيات 260 مليون نسمة عام 2018. تتكون اندونيسيا من 500 مجموعة اثنية و300 ديانة محلية إضافة الى الديانات الثلاثة الكبرى: الإسلام، المسيحية والهندوسية. يشكل المسلمون نسبة 87% من تعداد السكان.
وفقا لرؤية الفيلسوف الفرنسي "إرناست رينون"، أن مفهوم الوطنية يتشكل تبعا لقاعدة تاريخية مهمة، المعاناة المشتركة، فهي المحرك الأساسي للشعوب للرغبة في العيش المشترك مستقبلا، فسقوط المنطقة المالاوية عبر التاريخ للحركات الاستعمارية المتتابعة: الصين، الهند، اليابان، الاسبان، البرتغال، فرنسا، واخرها هولندا، أدى الى تكوّن هوية مشتركة استطاعت ان تؤلف بين السكان على اختلاف اعراقهم ودياناتهم، وقد أكد الزعيم الاندونيسي "سوكارنو" ذلك في مقال له عام 1926 بعنوان "الماركسية، الإسلام والوطنية" (Le Marxisme, l’Islamisme et le nationalisme) شارحا وفق نظرة ماركسية تشكل البعد الوطني بين الاندونيسيين انطلاقا من معاناة مشتركة تحت قهر الاستعمار.
مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، شكل صعود ما يعرف بحركة الصحوة السلفية تساؤلات كثيرة حول مدى إمكانية توافق الإسلام مع مفاهيم الدولة الحديثة وما تؤسس له الديمقراطية، فغالبا ما شكلت الرؤية "التقليدية للاسلام" منذ نهاية القرن 19 حاجزا أمام المسلمين لتقبل مفاهيم الحداثة التي انبثقت عن الثورة الفكرية بأوروبا والتي أسست للدولة الحديثة، وقد اعيد طرح هذا الاشكال من جديد مع بروز الحركات الجهادية خلال التسعينات وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 اين تم النظر للاسلام على انه يمثل عائقا ليس فقط امام المسلمين بل وحتى امام المجتمعات الأخرى.
من المعلوم أن الديمقراطية تقوم على مفاهيم الحرية في كل مستوياتها: حرية التعبير، حرية التفكير، حرية الراي والابداع كما ترتكز على قاعدة المساواة بين البشر بدون تمييز عرقين ديني او جنسي. ولعل هذه الأسس قد تجد لها حرجا داخل منظومة الإسلام التقليدي الذي يفرض قيودا على غير المسلمين بل وفي مرات عديدة قد لا يقبل حتى تعددية المذاهب والأراء داخل الإسلام في حد ذاته، كما أن حرية الاعتقاد والراي تكاد تكون منعدمة بسبب التشريع القاسي الذي يطال الشخص المنسحب من الاعتقاد بالإسلام وهو المعروف بحد الردة. ومن المهم التذكير أيضا ان وضعية المرأة والتي تحضى بمكانة مهمة في معايير الديمقراطية لها معايير خاصة في مفاهيم الإسلام التقليدية إذ انها تعتبر وفقا للتفاسير وأراء الفقهاء أقل مكانة من الرجل وظهورها في الفضاء العام له قيود وضوابط فالبكاد لها الحق في العمل ومحروم عليها كلية الارتقاء الى مناصب القيادة في البلد. هذه القواعد الفقهية التي فٌرِضَتْ عبر التاريخ في منظومة الإسلام سببت نوعا من الصدام للمسلمين أمام مفاهيم الحداثة والديمقراطية ما أدى الى اقتناع الكثير من استحالة قيام ديمقراطيات او دول حديثة على ارض المسلمين وهو ما عبر عنه رينون في محاضرته عام 1883 قائلا ان تخلف المسلمين وعدم مواكبتهم للعالم يعود الى أسس الإسلام البالية وقد رد عليه المجدد جمال الدين الافغاني موضحا ان ما وصفه رينون بالإسلام انما هو قراءة واحدة من بين القراءات الواسعة للاسلام والتي تعددت عبر التاريخ تبعا لمتغيري الزمان والمكان.
لعل ما أشار اليه الأفغاني يحمل الكثير من الصحة، فالاسلام دين واسع وقد عرف عبر التاريخ تشكل العديد من الاجتهادات والقراءات حوله غير أنه ولأسباب تاريخية يصعب التطرق إليها كلية وأبرزها الأسباب السياسية فقد سيطرت المفاهيم التقليدية على الإسلام وبات محصورا كلية في حدودها وهو الامر الذي اجبرنا على التفريق في هذا المقال بين الإسلام وتعددية القراءات فيه باستعمال مصطلح "الإسلام التقليدي".
على غير ما هو مألوف في تاريخ مناطق شمال افريقيا فالإسلام في اندونيسيا خاصة وآسيا عموما لم ينتشر عبر الحروب او الفتوحات انما عبر البعثات الخاصة وحركية التجارة والملاحة البحرية، وقد كانت جزيرة سومطرة اول البوابات الاندونيسية لوفود المسلمين الأوائل إليها، ومما هو شائع لدى مفكري وباحثي تاريخ المنطقة كما يذكر الأستاذ "هدايات" – أستاذ بالجامعة الإسلامية بسومطرة-أن الإسلام التي تغلغل بإندونيسيا كان في غالبه صوفيا متأثرا بفلسفة الصوفية وما تفرع عنها من طرق مختلفة.
تعتبر الصوفية في الإسلام ضمن الفلسفات المختلفة تماما عن بقية المذاهب والطوائف ليس فقط من ناحية رؤيتها للعبادات والطقوس انما حتى في نظرتها للوجود والذات الإلهية، فعلى عكس ما يؤمن به اتباع السنة من ان الله خالق الكون يتمتع بصفات تجعل له ذاتا لها ابعاد، يؤمن الصوفية بأن الله منزه عن الصفات ولا يمكن وصفه او تمثيله وقد عبر عنها الحلاج في فلسفة "وحدة الوجود" والتي غالبا ما تصدر احكام التكفير اتجاهها من طائفة السنة، ولربما كانت لهذه النظرة جذور قديمة تعود الى الصحابي الجليل علي بن ابي طالب حينما وصف الله قائلا: رأيت ربي بعين قلبي فقلت لا شك انت انت ... انت الذي حزت كل اين بحيث لا أين تم أنت". هذه النظرة الوجودية العميقة هي ما فتحت عقل اتباع الصوفية نحو مفاهيم غير محدودة مبنية على قوة التأمل والوصف والتعمق وقد قادهم الامر نحو التأسيس لرؤية أخرى مخالفة للاسلام التقليدي في كل نواحي الحياة، فأهل الصوفية ينظرون الى الآخر على انه امتداد لخلق الله وان تعدد الأديان والرؤى انما هو فن من فنون الجمال الإلهي التي يلخصها العلامة محي الدين بن عربي:
"لقد صار عقلي قابلا كل صورة – فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف – وألواح ثوراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أني توجهت ركائبه – فالحب ديني وإيماني"
وقد تميزت الصوفية باحترامها وتقديرها لمكانة المرأة في المجتمع فعلى عكس ما يؤسس له الفقه التقليدي فللمرأة عند الصوفية مكانة تسمح لها بقيادة المشيخة وتولي الحكم وذلك ما برز في تاريخ المنطقة المغاربية كشخصية "لالة صفية (1510م)" التي ورثت عن والدها قيادة الطريقة الصوفية الشاذلية غرب الجزائر وشرق المغرب وكما هو الامر في شخصية لالة فاطمة نسومر التي لم تكتف بقيادة الزاوية خلفا لوالدها بل وتزعمت جيوش المقاومة الشعبية للاستعمار الفرنسي.
هذه المقومات الصوفية التي تميز المنطقة المغاربية، انتشرت أيضا في جل مناطق إندونيسيا ولعلها كانت العامل الذي فتح عقل هذا الشعب على مفاهيم الحداثة ليجد له مكانة بين الأمم في العالم الحديث. فالدولة الاندونيسية الحديثة بشعبها ذو الغالبية المسلمة ذات العمق الصوفي، لا يجد حرجا في كون ارضه تعتبر الأرض المقدسة التي يحج إليها البوذيّون والهندوس سنويا، ويتساوى فيها من يؤمن بالإسلام ومن يؤمن بغيره وتحضى فيه المرأة بكامل حريتها وحقوقها في مساواة تامة بينها وبين الرجل حتى بلغ الامر مساواة الإرث على عكس ما يحدد التشريع الإسلامي في تفاسيره التقليدية.
بهذه المعطيات الثقافية استطاعت ان تصنع اندونيسيا الاستثناء في العالم الإسلامي مقدمة بذلك نموذجا جمع بين الاصالة الإسلامية وعراقة الحداثة الغربية ما ازاح الغموض الذي صاحب التساؤلات حول إمكانية توافق الإسلام والمفاهيم الحديثة للدولة المدينة والحضارة الإنسانية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,179,195
- ضرورة إحياء الخطاب العقلاني في الاسلام
- الواقع الثقافي في العالم العربي بين العلم والدين
- عن أي دعوة إلهية تتحدثون؟
- غزة وأمل السلام المتبخر
- استبداد باسم الإله


المزيد.....




- كيف حول وسم على تويتر البابا فرانسيس لمشجع فريق كرة قدم؟
- كيف حول وسم على تويتر البابا فرانسيس لمشجع فريق كرة قدم؟
- النيابة المصرية تجدد حبس ابنة يوسف القرضاوي ونافعة وإسراء عب ...
- المسماري: لم نستهدف المدنيين في القصف الجوي ويتهم -الإخوان ا ...
- أردوغان يكشف عن خطة تركيا في منبج.. ويهاجم الناتو: ربما لأنن ...
- بالفيديو.. وفد من المنتخب السعودي يزور المسجد الأقصى
- الخارجية الفلسطينية: الاحتلال الإسرائيلي يجند الأعياد الديني ...
- المسجد البابري تحت الضوء مجددا.. الهند تشدد القيود الأمنية ق ...
- الفاتيكان: أحداث سوريا أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية ...
- الفاتيكان: أحداث سوريا أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نهاري عبد القادر - الفلسفة الصوفية بوابة أندونيسيا نحو الحداثة