أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم التوراني - رائحة شحم في الساطور














المزيد.....

رائحة شحم في الساطور


عبد الرحيم التوراني

الحوار المتمدن-العدد: 6304 - 2019 / 7 / 28 - 20:28
المحور: الادب والفن
    


وصلت من أقصى المدينة الكبيرة، لتقوم بواجب العزاء، قالت إنها داخت وتعبت حتى وجدت العنوان، من أعوام لم تزر هذا البيت. تجول بعينيها في أركان المكان وتستدرك:

- لكن لا شيء تغير فيه سوى فراغه من مولاته الله يرحمها.. لا شيء تبدل...

تتفحص الوجوه أمامها وتكلم نفسها كالهامسة:

- مشاغل ومشاكل الدنيا لا تترك أحدا على حاله، ولا تدع أحدا يعمل ما يرغب ويريد..

حاولت الابنة الكبرى للمرحومة استرجاع ملامح المرأة، لم تتذكر سوى أن امرأة كانت تأتي في سنوات سابقة، من حي عين السبع (من أحياء مدينة الدار البيضاء )، لمساعدة والدتها في المطبخ وشؤون المنزل. لكن هل هي هذه السيدة التي تصر الآن على أنها تقرب بنسَب عائلي للمرحومة؟؟
- لا أظن.. لا....

تتجاهل المرأة حضور الابنة ونظراتها المتسائلة.

- المرحومة كانت جدتها تقول لجدتي أنا من والدي، الله يرحم الجميع ويلحقنا بهم على طاعة الله ورسوله، كانت تقول: يا أخت عديل ابن خالة بنت بنت عمتي...!!!

وهو ما تنفيه الابنة بتقليص عضلات وجهها المدور، وبتحريك حاجبيها الرقيقين وسبابتها من خلف ظهر امرأة الضاحية.

- قد تكون "ريحة الشحمة في الشاقور".. كما يقولون.

- وما له الشاقور.. ألا يفتح مجرى الدم؟!

أخذت المرأة تدخل وتخرج "في الهدرة"، بكت ومسحت وجهها، وعادت للبكاء أكثر من مرّة، مع نحيب ونشيج وعويل، وكلام غير مبين. ولم يفهم أحد في لحظة ما كيف استولت عليها هيستيريا مفاجئة وخطفتها، وهي تولول وتلطم خديها، لتسقط أرضا ويغمي عليها مثل شعلة خمدت فجأة.

كثرت الفتاوى واللغط، من أفتى برش عطر على وجهها حتى تفيق، ومن أفتى بالاكتفاء برش ماء بارد، وقالت امرأة متأففة:

- ضعوا حديدا في كفها الأيمن، المفاتيح تفي بالغرض، لأن المرأة "شدّوها المسلمين". (أي وقع بها مَس الجن المؤمن).

أما الرجل الذي ظل صامتا في الركن، يتابع بهدوء ما يجري، فتكلم أخيرا بعد تردد وتلكؤ، وأفتى بجلب فقيه سوسي يعرفه، ليقرأ على المغمى عليها ما تيسر من الذكر الحكيم، فتشفى وتنهض بإذن الله.

لكن رش العطر لم ينفع، كما لم ينفع رش الماء البارد، ولا "سوارت" الحديد، فيما لم يتوقف الفقيه السوسي من تكرار آيات من سورة يس، كأنه لا يحفظ غيرها.

مرت ساعات أطول من دقائقها، غابت خلالها شمس النهار. وجاء الولد الأكبر لاستقبال المعزين في والدته، ليجد أمامه السيدة المغمى عليها، لم يتأخر ولم يستشر أحدا حينما قام بالمناداة من هاتفه المحمول على سيارة إسعاف طارت بالمعنية إلى مصلحة المستعجلات بمستشفى "موريزكو"، هناك ستلفظ المسكينة آخر أنفاسها في آخر الليل.

جاء في التقرير الطبي أن أسباب الوفاة المباشرة ناتجة عن كون الضحية كانت تعاني من داء السكري وارتفاع في ضغط الدم وقصور في الكلي واكتآب حاد.

- كل هذه الأمراض اجتمعت وتحالفت ضد حياة امرأة شابة لم تتخط العقد الرابع من عمرها.
قالت شابة أرملة من العائلة.

و نطقت إحدى الجارات المعروفة بحشريتها الزائدة:

- كنا في جنازة واحدة.. صرنا في اثنين. الله يرحم الوقت...

قبل صلاة الظهر، ظهر شاب عشريني يلوح بتهمة قتل أمه، ورمى بكل ثقل التهمة على أهل بيت العزاء.

- والتقرير الطبي؟

رد الشاب بثقة:

- كل شيء في هذه البلاد يباع ويُشترى. حتى توقيعات الأطباء وتقارير هم يمكن تزويرها.

- لكن ماذا سنجني من وراء هلاك والدتك؟!
قالت ابنة المرحومة الأولى.

التفت الشاب إلى الحاضرين وخاطبهم:

- والدتي جاءت لتعزي ولتطالب بمبلغ أربعة ملايين سنتيم دين لها على المرحومة.

- ما هذا الباطل الذي نزل بنا يا رب؟
رددها كل أفراد بيت العزاء.

لا دليل ولا حجة لدى الشاب ابن الضحية، ورغم ذلك أرغم الابنة على الدخول في التفاوض حتى يتنازل عن تهمته الباطلة. ومن أربعة ملايين سنتيم قبل بأربعة آلاف ريال (200 سنتيم)، مع التكلف بإجراءات دفن والدته: ثمن "الحنوط" زائد سيارة نقل الأموات، زائد ثمن القبر. من دون نسيان ثمن الآيات القرآنية التي سيتلوها على قبرها فقهاء متسولون.

تنفس الجميع الصعداء:
- هو ابتلاء من عند القدير. لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

استلم الشاب الورقة الزرقاء ثم اختفى، كأن الأرض ابتلعته. وتمت مراسيم دفن والدته من دونه.

بعد أيام تأكد أن امرأة "ريحة الشحمة في الشاقور"، امرأة محتالة ومقطوعة من شجرة، لا أصل ولا أهل ولا ولد لديها، وأنها اعتادت على النصب على عائلات الأموات، وفي شبابها وأوج جمالها كانت تتقدم إلى عائلات الموتى الرجال وتدعي أنها كانت على علاقة آثمة بالرجل المتوفى نتج عنها حمل وولد أو بنت، ثم تفاوض وتأخذ ما يرضيها لتختفي.

أما الشاب العشريني فكان متشردا سمع عن بطولات التي ادعى انها والدته، وقرر الاقتداء بنهجها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,472,118,111
- أغنية الصّباغ الذي هوى الآن
- التمرغ في تراب التكريم!
- أقصوصة: سبب عدم وصول صاحب التاكسي
- حلويات بن لادن
- الموت يغيب المناضل الأممي باتريس بارا ... نهاية رجل شجاع
- مقابلة مع المناضل الأممي ضد العولمة باتريس بارا Patrice BARR ...
- غياب: رحيل الصحفي المغربي عمر الأنواري.. نجم آخر ينطفئ بعيدا ...
- الصحافة المغربية في حداد.. عبد القادر شبيه: نجم إعلامي ينطفئ ...
- غياب القطب الاستقلالي السياسي والأديب والمفكر: عبد الكريم غل ...
- عشرون سنة مرت على رحيله: الرفيق الحاج علي يعته.. ذكريات مع ا ...
- قصة قصيرة: كسّارة ضلوع
- حكاية الوزير بنكيران مع الكرافته وصلاة البلوكاج
- قصة قصيرة: سنوات الكلب والنباح
- دم بكل الألوان
- القمقوم
- رؤوف فلاح.. فارس يترجل ...
- امرؤ القيس في درب مولاي الشريف
- عليكن الثامن من مارس إلى يوم الحادي والثلاثين
- آلام -شوك السدرة- تصل إلى المنتهى
- قبْرٌ.. وبِأيِّ ثَمَنْ؟


المزيد.....




- سيرة شعرية مليونية.. ماذا بقي من تغريبة بني هلال؟
- -دخل للمعسكر وسحبه بعيدا-.. دب يقتل فنان فرنسي
- موسيقى في العالم الافتراضي
- شاب لبناني يضيف ابتكارا جديدا لعالم التصوير السينمائي
- تأسيس أكاديميتين للفنون في السعودية
- هل كان جد بوريس جونسون خائنًا أم بطلاً عثمانيًّا؟
- رئيس فنلندا يرحب ببوتين باللغة الروسية
- فيلم -ماتريكس- يعود بجزء جديد
- القاهرة.. مهرجان الموسيقى والغناء
- الموت يغيب الشاعر والكاتب حبيب الصايغ 


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم التوراني - رائحة شحم في الساطور