أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماجد ع محمد - العنصرية مُنتج محلي قميء















المزيد.....

العنصرية مُنتج محلي قميء


ماجد ع محمد

الحوار المتمدن-العدد: 6299 - 2019 / 7 / 23 - 11:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من كل بد أن العنصرية ليست مقتصرة على من آمنوا بنظرية التفوق العرقي لدى هتلر مِن الألمان، ولا هي مقتصرة على من يؤمنون بديباجة "شعب الله المختار" من أتباع الديانة اليهودية، وهي على كل حال قديمة قِدم الإنسان والحضارات البشرية، أما عن العنصرية كمفهوم، فيورد السيد محمد عاشور في كتابه (التفرقة العنصرية) 18 تعريفاً لها، وقد ذكر في التعريف الأوّل منه بأن العنصرية هي "نوع من الاستعلاء النابع من شعور فئة بأنها عنصر سيّد، ثم ترجمة هذا الشعور إلى واقع سياسي واجتماعي واقتصادي" وهو على ما يبدو ما يتم ترجمته واقعياً في الوقت الراهن من قِبل بعض مواطني كل من لبنان وتركيا تجاه اللاجئين السوريين.
وبخصوص الاستعلاء والفوقية والتمييز على أساس الهوية أو اللون، ثمة ورقة بحثية مهمة قدمتها الجامعة البهائية العالمية لمؤتمر دربان (جنوب أفريقيا) عن العنصرية والتمييز العنصري، ونشرت الورقة على الانترنت في عام 2009 وجاء فيها "أن التفرقة العنصرية لا تنبع من البشرة بل من العقل البشري، وبالتالي فإن الحل للتمييز العنصري والنفور من الآخر وسائر مظاهر عدم المساواة ينبغي، أولاً وقبل كل شيء، أن يعالج الأوهام العقلية التي أفرزت مفاهيم زائفة، على مر آلاف السنين، عن تفوق جنس على آخر من الأجناس البشرية"، والمفارقة الغريبة بشأن التمييز العنصري على أساس اللون واسطورة التفوق العرقي والنفور من البشرة السمراء أو السوداء، ذكر إدواردو غاليانو في كتابه مرايا بأن "العنصرية تنتج فقدان ذاكرة، وذلك في رفض البشر جميعاً ما يتعلق بحقيقة أصلهم الافريقي، وحيث من أفريقيا بدأت الرحلة البشرية في العالم، ومن هناك بدأ أبوانا آدم وحواء غزو كوكب الأرض".
والعنصري لا شك سيرفض نظرية غاليانو جملةً وتفصيلا، وذلك لأن الماضي المشترك ذاك يجعله بسوية من يرى نفسه أعظم قدراً منهم، بل ويبدو أن المعجب بذاته لحدود الشعور بتفضيله على معظم باقي الأقوام من البشر، والمنبهر بأناه القومية أو الوطنية أو الدينية إلى حالة الهوس إعجاباً بمخيال الفوقية، ففي حمأة التبجح والنرجسية العرقية ينسى تركيبته الجرثومية (العَلقية) وحيث ورد في سورة العلق من القرآن الكريم " خلق الإنسان من علق" أي من علقة، أي مجرد قطعة دم غليظة، وهي نطفة أشبه بدودة صغيرة أو جرثومة، وعمن ينسى بسهولة ذلك الماضي العلقي الجرثومي لمجرد أن يغدو صاحب مال أو سلطان، ورد في نفس السورة " كلا إن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى" أي أن بعض البشر سرعان ما ينسون تركيبتهم ومما تكونوا وجُبلوا، وذلك لمجرد أن يعظم شأنهم وترتفع مكانتهم الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية أو السياسية، وحيث ينتابهم الشعور وقتها بأنهم صاروا بغنى عن الآخرين.
وعن المناخ والتربية العنصرية يقال بأن الأطفال الذين يتعاملون مع نظرائهم بطريقة عنصرية فظة هم في الأغلب، ممن تشربوا العنصرية في بيئاتهم الاجتماعية المحلية، وهو لدليل على أن العنصرية محيطة بهم بدايةً من منبتهم الأسري، لذا تراهم يحاكون سلوك وممارسات ذويهم، ويضعون ربما لاشعورياً حوافرهم على حوافر ملقنيهم، أي أنه سلوك مُكتسب من البيت الذي ترعرعوا فيه، وقد بيّنت الدراسات "أن السلوك العنصري المكتسب لدى الأطفال في سن الثالثة إنما هو فقط البداية لما سوف تكون عليه شخصية الطفل فيما بعد، فمنذ سن الثالثة يبدأ الطفل في صقل مفهوم العنصرية في شخصيته، حتى تمام العاشرة، حينها تصبح صفة في شخصيته لا يمكن تغييرها"، ومن كل بد أن ما من دولة تطبع كتب خاصة تحث محتواها الأطفال على التعبئة العنصرية، أو التربية العنصرية على غرار كتب مناهجنا الدراسة بسوريا التي كانت تحمل عناوين مثل: التربية الموسيقية والتربية الدينية والتربية القومية... الخ، إلا أن ثمة مناهل معيّنة يغرف منها الطفل علومه العنصرية سواء أكان عن وعي أم لا، والتربية العنصرية عملياً تتم عبر مشربين رئيسيين أحدهم: ما يتلقفه الطفل من أهله في البيت من تلميحات أو إشارات تتراكم مع الأيام والتي عادةً ما تكون عبارة عن شذرات من العنصرية اللامباشرة، والتي تتجمع كمياه السواقي مع الزمن وتصبح مادة جاهزة مركونة في قاع الطفل، والمشرب الآخر هو المدرسة التي تربي الأطفال على العنصرية ليس من خلال الزرع المباشر لكراهية الآخر، إنما من خلال الإعلاء المبالغ فيه من شأن العرق أو القومية التي ينتمي إليها الطفل، وهذه النرجسية القومية هي واحدة من أهم العتبات التأسيسية من عتبات تربيةٍ عنصريةٍ غير مباشرة.
وبديهي أن تداخل التقريظ الزائد للأنا القومية في البيت والمدرسة ينتج عنه ثقافة عنصرية حتى ولو لم يكن المصابُ يعي تماماً بأنه شخص عنصري بامتياز، وكأمثلة واقعية على ذلك فقد علمتُ من ذوي أطفال بعض من نعرفهم من السوريين في مدينة اسطنبول، أن أولادهم يطالبونهم بعدم المجيء إلى المدارس، لعله آلية من آليات الاحتراس لدى الطفل، وذلك لئلا يعرف زملاؤهم التلاميذ من الأتراك بأنهم سوريون، وبدوري سألت بعض النسوة بهذا الخصوص قائلاً: وأين المشكلة إن عرف التلاميذ بأن الطفل الذي يدرس معهم سوري؟ فقالت إحداهن: يظهر أن زيارة ذوي الأطفال من السوريين للمدارس لها تبعات سلبية على الطفل، وتؤثر في علاقته بمحيطه، وأردفت قائلة: إن طفلي أكثر من مرة قال لي لا تدخلي إلى المدرسة، وقفي بعيداً أمام الباب الخارجي للمدرسة، وسأأتي أنا إليكِ إن لمحتك من بعيد! وذلك لأن طفلها أخبرها من قبل بأن أقرانه في الصف منذ أن عرفوا بأن ثمة زميل لهم سوري، فقاموا بمقاطعته بالجملة ولم يعد أحد يرغب بمحادثته أو اللعب معه ولا أحد يتقرب منه أو يتسامر معه، وفوقها ينادونه في النازلة والطالعة بالسوري وكأنه نكرة؛ وهذه النظرة الفوقية والاستعلائية تجاه اللاجئ السوري لا شك لم تأتي من فراغ، ومن كل بد ليس هناك كتاب في المنهاج المدرسي يحضهم على التفرقة العنصرية وممارستها، ولكن من المؤكد أن ما يتلقفونه في المنزل، وفي الشارع، إضافة إلى ثقافة تمجيد الذات القومية في المدرسة جعلت الأطفال يقاربون قاموس العنصرية ويتداولونه عملياً من دون درايتهم بأضراره.
على كل حال صحيحٌ أن شعوب ودول آسيا وأفريقيا استعانت بالكثير من النظريات الغربية، كالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، واستفادت من التنظيرات القومية والدينية والاممية، واستلهمت فحوى عشرات النظريات الاقتصادية والعلمية والفكرية والثقافية، ولكن العنصرية الممارساتية على أرض الواقع في بلد ما كـ: لبنان أو تركيا أو أي بقعة مشرقية أخرى هي منتوج محلي صرف، ولا شأن للغرب بها، باعتبار أن ذلك المنتج يتم لملمة محتوياته من البيئة المحلية، ومن ثم يُطبخ محلياً بالتوازي في البيت والشارع ومؤسسات الدولة، ويتم إيداع المواد الأولية لذلك المنتج على مراحل طويلة في معمار الطفل، حيث يتم وضع المنتج كالقواعد والشيناجات والأعمدة في أسفل بنيان البرعم الذي يفرزها سلوكياً لاحقاً عندما يصل لمرحلة الإيناع والبلوغ، وذلك بناءً على كل ما تشرّبه في السابق من المناهل التي ذُكرت أعلاه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,566,266,494
- دبلوماسية النذالة
- حورِبوا كمؤمنين كما حورِبوا كملحدين
- في أدراج الشذوذ وأهله
- دون الاحتلال وأبعد من الغزو
- الإعلام بين المعمول به والمقول
- عندما تكون العادات الاجتماعية أفضل من القوانين
- مواجع الضحية
- إرشاد الطاغية
- حاضرنا المشدود للرديء من ماضينا
- أبواب الحرية
- الانتصارات الدائمة للمهزوم
- دواعي الاستعانة بالفاسقات
- بلايا الدين السياسي
- لغة السّطوة لدى العَسَس في سوريا
- الإرهابي المفضّل على سواه
- تطويق رُسل الخراب
- معاناة المجلس الوطني الكردي
- كابوس الهجوم على شرق الفرات
- الجهل جاسوسٌ مقيم
- الاستعانة بفلسفة باقي الكائنات


المزيد.....




- الأمير هاري: سأحمى أسرتي -دوما-
- نوم متقطع وكوابيس.. تعرف على أحد أسباب أحلامك المزعجة
- لها قيمة أثرية وتاريخية.. فلسطيني يجمع -ثروة- من الحجارة
- شرق الفرات.. المسلحون الأكراد ينسحبون من رأس العين وأردوغان ...
- حسام البدري يعلق على صور محمد صلاح مع عارضة الأزياء ويكشف مو ...
- الأمير هاري: لن يتم تخويفي للقيام بلعبة أدت إلى مقتل أمي
- What You Should Do to Find Out About Mm in Chemistry Before ...
- What’s Really Going on with Sleep Science
- Never Before Told Stories on Best Thesis Paper Writing Servi ...
- Kurz Artikel lernen Sie die Ins und Outs der Studie in Deuts ...


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماجد ع محمد - العنصرية مُنتج محلي قميء