أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصيرة أحمد - راهب اللغة














المزيد.....

راهب اللغة


نصيرة أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 6299 - 2019 / 7 / 23 - 10:47
المحور: الادب والفن
    


وداعا..معلمنا ..محمد ضاري حمادي

مُذ أنارتْ الشمس الدافئة الباحة الخلفية للبناية العتيقة توقّف الزمن عند أغصان شجرة السنديان الضخمة ..كانت تتسلّى بمشاكسة الأيدي الناعمة والضحكات العفوية..وكان الدم الغضّ يشتبكُ في الأنحاء ويلهث بعبثٍ فوق الكراسي المنهكة في صفوف قسمٍ عتيدٍ يقفُ بثبات عند مدخل الكلية . كانت الحرب الثمانينية توشك أن تضع اوزارها والأعمار الغضة تتلقّف أنباء السلام المنتظر بين الفينة والفينة ..كنّا نتّخذ اللهو عنوانا لصباحات آيلة للسقوط ، ولاأحد يجرؤ أن يكسر عبثنا وقلقنا وانتقاءنا مفردات التعلّم في القسم العريق . نلهو بالعلم والعلم يلهو بنا ، ونحنُ ندري أو لاندري ..نتقمّصُ اكذوبة البراءة المفتعلة ونزدري أجراس التنبيه للدروس المتراكمة ، لاشىء يُقلقنا سوى الرتابة والنعاس والجوع ، وانتظار محبوبٍ يهلكه الوقوف ساعات تحت شجرة السنديان الضخمة وسط الباحة الصغيرة حيث يرقد القسم العريق بمهابة اسطورية . في الشهر الأول لدخوله قاعة المحاضرة ، لاندري لماذا صمتنا فجأة ..لاندري لماذا؟ ..توقّف اللّهو والعبث ..تأملناه بهدوء . كان يبتسمُ بلطف ، ويرسلُ مادة النحو بتناغم مع صوته الهادىء ، وخطّه الرائع على السبورة التي غادرها اللون الأخضر منذ أمد بعيد . لم نكن نتأمله فحسب انمّا كنّا نسجّل كل مايقول بدقّة متناهية . أحببت معلمنا الذي أدهشنا بكل شىء ، أحببت علمه ولغته وصوته المتعالق بألفة فريدة بملامحه البهيّة . عندما يخرجُ من القاعة كنت أسيرُ خلفه لسؤال او ماشابه ، أتأمل حقيبته الجلدية التي لم تحز ممسكا او مقبضا لها طول سنيّ الدراسة ، كان يضمها الى جنبه بقوّة ويمضي بهدوء يعتلي السلّم الأسمنتي الى قاعة الأساتذة في قسمنا العتيد قبل أن يدور الزمان بهذا القسم الذي بُنيت به كلية الآداب فيُرمى في خطوطها الخلفية خارج أسوار الآداب القديمة ، فالزائر الغريب يصل الى قسم الأجتماع ويعود أدراجه فلا يتصوّر أن هناك عالما يتلألأ حوله عبق التاريخ وأزمانا تتلاشى بأضواء ساحرةٍ تُدهش الأبصار ، وتعبثُ بالقلوب الفتية ، وكذلك التي تشيخ تباعا ً . ..لايتصوّر أن قلوبا أطفئتْ تحت جنح التعب المضني وظلّ حروف تزهو على حافة الأسوار الصامتة للكلية التي أحاطها الهرم والنسيان .
ذات ليلة ، كبرنا ..لم يكن يكبر معنا معلّمنا ، والحقيبة الجلدية تأكلُ أسرار النحو واللغة وعلوم أخر ، كان مفتاحا لأبواب كثيرة وحكايا تُدهشنا عن بغداد والقاهرة وأحداثا لم تزل تترددّ مع أحلامنا التي تستظل تحت شجرة السنديان . قلتُ له مرّة انني عشت معكَ أكثر ممّا عشتُ مع أبي . ضحك بقوّة لم أكن أعهدها ودمعت عيناه بلؤلؤ يُشفي هلع القلب بفقده . . من يواسيني بكَ أيّها الملَلك الطائر بين الصمت والصمت ..بين شغاف الروح والذكريات الدافئة . هل يقتحمُ الألم صدى القاعة الفاتنة، ويشهق بالأحلام المهووسة والبريق المرّ ؟ ماأعجلَ الموت أن يخطف الروح المعبّقة بالسلام ..والصباحات الباردة ..على قاعة الدرس الاول ، وهو ينطق بالحروف الاولى المخبأة بين شغاف القلب اليتيم ...بكيتُ صباحا في القاعة الخائفة والسبورة الموشاة بالأخضر الباهت تعتصر لهاث الدمع على الجنازة المهيبة يظللّها الوشاح الأخضر اللامع تمضي بصمت ..لا الى الدرس الاول ..لا الى قاعة الاساتذة.. لكن الى المكان الآمن الذي يتعالى الى السماء المزحومة بالقلق والبراءة المخفية .. من يواسيني بك أيها الظلّ الظليل ...أيا شجرة السنديان التي أقتطعت بأمر أبجدي ذات صباح ...فتوقّف النهار في الباحة الصغيرة الخائفة ...كانت الأغصان المقطوعة ترفرفُ بالروح الفاتنة وبقايا ابتسامة تحرسُ باب الذكرى الدافئة .. في القسم العريق. مرّة أخبرتني بوهن قلبك ، كنتَ تفصّل لي بدقة خبايا المرض وأنا أنصتُ بأنتباه كأني بأزاء درس عميق في اللغة ، طلبتُ بأدب أن نمضي الى طبيب للقلب والصدر وأنا أظن أنك ستواجهني برفضٍ مؤدب ، لكنك أدهشتني بالموافقة السريعة ، ومضينا معا من القسم لنُصلح القلب الطيب ، والروح السامية . وآعترت عدوى الدهشة الطبيب الوقور فظلّ يستمع لحوار علمي دقيق لساعتين تكدّست على أثره القلوب المنتظرة لعلاجها في العيادة الكبيرة ..خرجنا معاً ونحن نتخفى ونضحك من غضب السكرتير الحائر بقائمته الطويلة ..وعدنا ثانية وثالثة ..ولاشىء يُخيفك من تزاحم الدواء والنصائح المتراكمة ....كل شىء يحلم ببقائك ..الأرصفة الخائفة والأسيجة العتيقة التي تعانق البوابة الكبيرة للكلية العريقة.. ، فمن يواسيني بك أيها الراهب في ملكوت العلم ..من يواسيني بك وأنت تغادر دمعتي تغرق في قلبي وهي تستجدي صباحا مؤلما من صباحات الدرس الاول في القاعة الأولى تحت ظل شجرة السنديان .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,562,947,376
- على أرضها الباردة
- نهاية خاشوركية..(ليلة خطاب الغفران)
- دقيقة يأس
- خرافة
- متى يبكي القلب ؟
- مطرٌ من الذكرى
- صباحٌ بدون عينيها
- ثمن1
- عودة مهاجر
- ألوان السماء
- لحظات2
- إنها هي ..
- كم ...هو؟
- لقاء
- ألم..
- البغدادية والوجه الاسوأ للاعلام العراقي
- الضرب
- عاشق في بغداد..1
- بين الحضور والغياب
- الحمّى


المزيد.....




- المغرب ينضم إلى الشبكة الدولية لهيئات مكافحة الفساد
- الفنانة اللبنانية نادين الراسي تنفجر غضبا في شوارع بيروت
- العربية: احتراق مبنى دار الأوبرا في وسط بيروت جراء الاشتباكا ...
- الشوباني يعلق أشغال دورة مجلس جهة درعة بسبب تجدد الخلافات
- الموت يفجع الفنان المصري أحمد مكي
- بالفيديو... لحظة سقوط الليدي غاغا عن المسرح
- أنباء وفاة كاظم الساهر تصدم الجمهور... وفريق العمل ينشر توضي ...
- قائد الطائرة يتلقى “عقوبة رادعة” بسبب الممثل محمد رمضان !
- لبنان...فنانون وإعلاميون يتركون المنصات وينزلون للشارع
- رقصة مثيرة تسقط -ليدي غاغا- من على المسرح


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نصيرة أحمد - راهب اللغة