أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - محمد يعقوب الهنداوي - شيوعية كارل ماركس (2)















المزيد.....

شيوعية كارل ماركس (2)


محمد يعقوب الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 6298 - 2019 / 7 / 22 - 06:49
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


أما فكرة الثورة الشيوعية التي بشّر بها كارل ماركس، فانبثقت من الحركة الاشتراكية التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر في أعقاب الثورة الصناعية التي نشأت عنها المدن الكبرى وطبقات اجتماعية جديدة أهمها الطبقة العاملة الصناعية الصاعدة (البروليتاريا) والبرجوازية، وقامت كل أفكار ماركس على أساس منهجه العلمي الخاص الذي لم يسبقه اليه أحد:

منهج المادية الدايلكتيكية والمادية التاريخية، والذي سيغدو لاحقا أهم منهج اقتصادي سياسي في التاريخ البشري. وستصبح أفكاره منهاجا ومنارا للبشرية كلها في سعيها نحو التحرر من الاستغلال والظلم، والمساواة بين الرجل والمرأة وبين الأعراق البشرية كافة.

وصف ماركس البرجوازية بأنها طبقة طفيلية تحتكر ملكية رأس المال ووسائل الإنتاج في المجتمع الرأسمالي وتعتاش على استغلال جهود آلاف العمال الذين لا يمتلكون شيئا سوى قوة عملهم التي لا مفرّ لهم من بيعها ليعيشوا، ولكنهم لا يكسبون منها الا الكفاف واللقمة التي تعينهم على الذهاب الى العمل صباح الغد، وبشّر بأن ذلك سيؤدي الى اتحاد العمال عبر العالم وقيام الثورة الشيوعية التي "ليس للعمال ما يخسرونه فيها سوى قيودهم وأغلالهم ويربحون من ورائها عالما بأسره"...

ولم يضع كارل ماركس ولم يقترح أية سياسات تنفيذية أو ممارسات محددة لأنه، برغم صياغته "البيان الشيوعي"، مع رفيق دربه فريدريك انكلز، فانه تفرغ بشكل كامل تقريبا لكتابة وصياغة كتابه الجبار "رأس المال - نقد الاقتصاد السياسي" الذي استغرق معظم جهوده لأربعين عاما من حياته، وحلّل فيه كل قوانين الاقتصاد السياسي الرأسمالي ومآلاتها. بل ولم تسعفه صحته وفقره الشديد لإكماله تماما إذ مات قبل أن ينجز أجزاءه الأخيرة. وكذلك نشاطه الدائب في تأسيس الأممية الشيوعية كهيئة أركان لحركة الطبقة العاملة العالمية الموحدة.

وستكون من سخرية الاقدار أن الزعيم السوفيتي الثاني جوزيف ستالين سيقوم، بعد مائة عام تماماً، بحلّ الأممية الشيوعية التي أسسها كارل ماركس ويعتبر وجودها زائدا ومضرا للحركة الشيوعية ما دام الاتحاد السوفييتي قائما، فهو يغني عن كل فكر وموقف وحركة ثورية. وان على عمال العالم وشيوعييه وثورييه ان يتبعوا أوامر موسكو والتضحية بكل شيء، حتى مصالح شعوبهم، لمجد "الوطن السوفييتي" ورفع اسمه ورايته! إضافة الى تحويل كل ما أنجزه كارل ماركس وفريدريك أنكلز الى مجرد محفوظات مختزلة مقدسة وعبارات جوفاء ممسوخة يرددها الشيوعيون من دون أن يفقهوا لها معنى أو تطبيقا.

وستبلغ سخرية القدر أقصى مدياتها حين ينهار الاتحاد السوفياتي نفسه بعد خمسين عاما وينهار معه حلف وارشو الذي تبعثرت بلدانه وانتسبت الى عضوية حلف الناتو. وبذلك قدّم "الرفاق السوفييت" أعظم خدمة ممكنة للرأسمال العالمي، إذ ضحوا بكل الحركات الشيوعية العالمية ومصالح شعوبها لخدمة مصالح الاتحاد السوفييتي وبقائه، ثم انتهوا جميعا الى مزابل التاريخ تاركين الشعوب لجراحها ومآسيها ومصائرها المظلمة.

أما تفاهة الحزب الشيوعي الصيني فستبلغ به حد إلغاء الحاجة الى دراسة تراث ماركس العظيم الذي ترك أطفاله يموتون جوعا بسببه وليتفرغ لإنجازه خدمةً لعمال العالم وحركتهم الثورية. ويستعيض عنها بكراس تافه صغير عنوانه "أقوال الرئيس ماو" (نسبة الى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ).

وهناك حاليا ثلاث ترجمات على الأقل لكتاب (رأس المال) الى اللغة العربية ربما كانت أفضلها هي تلك المتاحة على الرابط أدناه وتقع في 3000 صفحة تقريبا:
http://www.ktobcom.com/2017/05/blog-post_91.html


يعتبر كتاب رأس المال لكارل ماركس أهم الأعمال الفكرية التي صدرت في القرن التاسع عشر، وفي مجمل تاريخ الفكر البشري، والمرجع الأول الذي لا بد منه لفهم الاقتصاد السياسي وطريقة عمل النظام الرأسمالي ومفاهيم الربح والثروة والتراكم والأجور، كما أنه يصنف بين أهم المنجزات الفكرية الكبرى في التاريخ الانساني، وأهم كتاب في العلوم الاقتصادية. ولكنه، للأسف، واحد من الكتب التي لم تُقرأ بشكل جيد على الرغم من ادعاءات كثيرة ومن قبل كثيرين بالتمكّن من الكتاب وأفكاره، لدرجة ان الكثير من الدول المسمّاة بالاشتراكية وكثير من الأحزاب الشيوعية حول العالم تتعامل معه بصفة لاهوتية، فحولته إلى نص مقدس طالما ادعت أنها تطبق أفكاره ومناهجه. والحقيقة أن الكتاب لم يُقرأ جيداً، وكثير من المفكرين والنقاد لم يقفوا سوى على بعض المقتطفات منه وفي أفضل الأحوال الفصول المهمة، وأكثر الناس جهلا به هو أدعياء الشيوعية أنفسهم.

أسس الماركسية ومصادرها الفكرية:

كان ماركس مثقفا موسوعيا مذهلا أجاد جميع اللغات الأوروبية المعروفة في زمانه إضافة الى قراءته ومتابعته كل ما وصلته يداه من نتاج الفكر البشري المترجم الى تلك اللغات الأوروبية آنذاك، ولا أدلّ على عمق ثقافته وسعة اطلاعه كثرة الاقتباسات والاشارات في مؤلفاته الى مصادر فكرية وعلمية وتراثية وفنية وفلسفية شديدة التنوع والغنى ومن مختلف الثقافات.

وقبل هذا كان ماركس شاعرا ومؤلفا مسرحيا وصحفيا قديرا وفيلسوفا وانثروبولوجيـّاً وعالم اجتماع وباحثا في التاريخ والعقائد وعالم اقتصاد سياسي فريد. وكان الى كل ذلك أحد الهيغليين الشباب الذين تتلمذوا على يد فيلسوف ألمانيا العبقري العظيم جورج فريدريك هيغل الذي مضى بالفلسفة الكلاسيكية الألمانية الى أبعد أشواطها الممكنة وصاغ مفهوم الديالكتيك الحديث، لكنه، كما قال ماركس، وضع الديالكتيك "مقلوبا على رأسه" لأنه لم يجرؤ على نقض الجوهر المثالي لفلسفته التي ظلت أسيرة محدوديتها تلك، بسبب انتهازيته السياسية وتملقه بسمارك (حاكم ألمانيا آنذاك). وسيعيد ماركس الديالكتيك الى وضعه الصحيح على قدميه.

والى جانب الفلسفة الكلاسيكية الألمانية البالغة التطور والنضج التي نبغ فيها ماركس، كانت إنكلترا رائدة في علوم الاقتصاد السياسي التي قامت على أسس تاريخها الثريّ الذي توجته أفكار آدم سميث ومدرسته المتقدمة على جميع المدارس الاقتصادية. وكانت فرنسا تعيش مجد الفكر الاشتراكي الذي ظل يضطرم بكل عنفوانه منذ عصر التنوير وثورة الباستيل في 1789، وبرزت من صفوف الاشتراكيين الفرنسيين أبرز المفاهيم الإنسانية وتطلعات العدالة الإنسانية والبناء الاشتراكي، والتي لن تلبث أن تتوج بثورة كومونة باريس العظيمة عام 1871.

وكانت مأثرة كارل ماركس الكبرى أنه جمع بين كل هذه المصادر الأساسية وأبدع في فهمها وتفرغ لدراسة التاريخ في ضوء قوانين الديالكتيك بوصفها القوانين التي تحكم كل ما في الوجود من ظواهر الطبيعة والمجتمع البشري وتطوره بوصفه نتاجا للطبيعة وتصح عليه ذات القوانين التي تصح عليها، وقام بإعادة صياغة الديالكتيك الهيغلي، وليقيم منهجه المستقل على ركيزتين، من تأسيسه هو، هما: المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية.

واستنادا الى منهجه العلمي الصارم توصل ماركس الى أن ثمة علاقة ترابط ديالكتيكية محتومة تجمع بين المستويين الأساسيين في كل مرحلة من مراحل التطور البشري وهما البنية التحتية والبنية الفوقية، إذ تتكون البنية التحتية من قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج المهيمنة في تلك المرحلة، بينما تنشأ بالانسجام معها واستنادا إليها البنية الفوقية التي تشمل العقائد والأفكار والمنظومات القانونية والأعراف التي تحكم المجتمع ضمن تلك الظروف.

ان جميع التجارب التي قامت في القرن العشرين وأسست دولا أطلقت عليها صفة بلدان "اشتراكية" او "شيوعية" (مثل روسيا السوفيتية وجمهوريات آسيا الوسطى الملحقة بالاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية المسماة كتلة حلف وارشو وألبانيا والصين وفيتنام وكمبوديا وكوريا الشمالية وكوبا) لم تكن في الحقيقة سوى أنظمة رأسمالية دولة بيروقراطية سلطوية متخلفة فشلت في الانتقال الى مستويات أعلى في التطور، وحملت منذ البداية ثلاثة جراثيم قاتلة هي البيروقراطية الحكومية والدكتاتورية المعادية للديمقراطية ولحرية الشعب، وعبادة الأفراد وتقديسهم على حساب الشعوب على رغم مزاعمها بأنها تنتهج الفلسفة المادية وأنها بعيدة عن التأليه. وانتهت أخيرا الى الانهيار المحتوم. وتكشفت بعد انهيار تلك الأنظمة عن بنى زائفة منخورة يهيمن عليها الفساد والتخلف والرجعية الدينية.


* * *





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,553,402,434
- مرحى لشباب العراق في ثورته ضد المذهبية والعقم (1) الذكرى الس ...
- ماهي الشيوعية... ولماذا ترتعب منها الفاشية الدينية الى هذا ا ...
- ح ش ع والمسألة الكردية (14)
- هيام
- ح ش ع والمسألة الكردية - تسليم قيادة الجماهير للرجعيين (13)
- بَوْحُ الصنوبر
- ح ش ع والمسألة الكردية - الانقلاب على الجماهير ومعاداة طموحا ...
- بَيْنَ يَدَيْك يَهيمُ الهَوى
- ح ش ع والمسألة الكردية - من التحريفية الى الخيانة (11)
- ماذا يَظِنُّ الياسَمِينُ
- خائفٌ مِنْكَ عَلَيْكْ
- ح ش ع والمسألة الكردية - من المبدئية الى التحريفية (10)
- الديمقراطية للعراق و ... الحكم الذاتي لكردستان (الحلقة 9)
- تَوَهّمْتُ فيك شِراعي
- القيادات السياسيّة الكردية هجينة مشوّهة التكوين مزدوجة التبع ...
- لُبْنى
- أُمّي
- الحركة الكردية المسلحة (الحلقة 7)
- الثقافة الكردية والنزعة القومية (الحلقة 6)
- اسْرجِي لَوْعَتي إنّني أَوّلُ العابِرين


المزيد.....




- تركي الفيصل: قرار ترامب -غير حكيم- لكنه ليس أول من انسحب
- تركي الفيصل: لدينا حسن نية تجاه إيران لكنها لم تظهر ذلك
- أردوغان عن العملية التركية بسوريا: 440 قتلوا.. ولا -رفاهية ر ...
- قيس سعيّد رئيسا جديدا لتونس بنسبة 76 في المئة
- مباشر: تغطية خاصة للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية التو ...
- شاهد: الجزائريون في الشوارع للتنديد بقانون المحروقات
- قيس سعيد يعلن فوزه برئاسة تونس
- تونس: نسبة المشاركة العامة في الانتخابات الرئاسية بلغت 57.8 ...
- استطلاع: المرشح الرئاسي قيس سعيد يحقق نسبة 76% من أصوات النا ...
- تركيا تعلن أنها ستواجه الجيش السوري في حال دخوله شمال سوريا ...


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - محمد يعقوب الهنداوي - شيوعية كارل ماركس (2)