أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رضا لاغة - ثقافة بدئيّة نحو فهم حركة الشعب و المشروع الوطني















المزيد.....



ثقافة بدئيّة نحو فهم حركة الشعب و المشروع الوطني


رضا لاغة

الحوار المتمدن-العدد: 6298 - 2019 / 7 / 22 - 02:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لأن الوطن العربي هو البيئة الطبيعية التي نشأ بمقتضاها الفكر القومي المتولّد عن رفض التجزئة التي نالت من سيادة الأمة العربية ،فأن المحدد الأساسي الأول في فهم الطرح السياسي لحركة الشعب يخرج بنا عن معنى الخضوع لتأويلات تاريخية أو سلالية أو دينية من شأنها أن تضع مصالح الأمة العربية الحيوية في خطر. و لأن الاعتراف بوحدة الانتماء لا يلغي مبدأ التنوع ، فإنه يفضي بذات القدر، إلى رسم الغايات الاستراتيجية التي تنشد بناء أمة عربية ذات سيادة. و لأن المقاربات التاريخية أثبتت لنا أن التجارب القومية لا يمكن أن تبنى من خلال الأهداف التوسعية للدولة الإقليمية ، فإن المسئولية المناطة على عهدة الشباب الطليعي العربي تصبح ابتداء كيف ننخرط في مهمة تطوير الفكر القومي؟
للإجابة عن هذا التساؤل يجب أن يتجه البحث إلى رسم برامج عمل تخطط للبناء السياسي و الاجتماعي والاقتصادي و الثقافي.
لا بد هنا من ملاحظات استهلالية:
أولا ، كيف نخطط في واقع سياسي عربي يرزح تحت وطأة المصالح الاستعمارية التي تكاد تكون مهمتها الوحيدة مزيد تفتيت الأمة العربية إلى كيانات عنصرية طائفية ومذهبية مصطنعة لا غاية لها سوى تبرير المشروع الصهيوني.
ثانيا،عندما يقال أن مهمة تطوير الخطاب القومي تبدأ من تجذير مفهوم الديمقراطية كركيزة و آلية للتنظم السياسي؛ يحضرنا اعتراض أساسي: وهل نجح الربيع العربي حتى نطمئن للديمقراطية كآلية للبناء؟
يجدر التفكير مليّا في هذا الاعتراض القائم على فرضية إدانة الربيع العربي الذي رسّخ عوامل التفكك بدل الانتماء القومي.
اللافت ، و نحن نتحدث عن حصيلة الربيع العربي ، نزوع إلى تجزئة كيانية أبعد مما كرسته اتفاقية سايكس بيكو.إن المصالح الجيوستراتيجية للدوائر الامبريالية ترنو إلى تفكيك المقدرات الاقتصادية للدول العربية.ولكن ماذا عن مسئولية القوى الطليعية؟ إذ لا يجب أن نكتفي بتوضيح مشكلة الربيع العربي ونتوقف في المقابل ، عن ضبط مهام موجّهة نحو اثبات الوجود السياسي للأمة العربية ، ولكن بعيدا عن الخيارات الشعاراتية.
كان يبدو عندئذ أن الاعتراف بفشل الربيع العربي ، هو في الوقت نفسه اندفاع نحو الديمقراطية. بمعنى آخر إن مقولة الفشل لا يجب أن تتحول إلى ذريعة لاستذكار الماضي المشحون بالانقلابات العسكرية.ليس لنا إذن مدخل نحو هذه الأنا العربية ذات السيادة غير الممارسة الديمقراطية .
ما نودّ قوله ضمن هذه الرؤية التجديدية للعمل السياسي لدى حركة الشعب ، ليس صحيحا أن الديمقراطية هي علّة فشل الربيع العربي. فهناك تمفصل دقيق بين الوعي بمستلزمات الممارسة الديمقراطية و الفعل الجماهيري الهش الذي اشتمل على أخطاء.وهو التباس يحصل حتى لدى بعض القوميين الذين سيطر عليهم الاحباط من مآلات الربيع العربي. و كوننا لا زلنا في السنوات الأولى لمباشرة الديمقراطية بعد حقب من الاستبداد ، فهذا صحيح ،وهذا ما يدعو القوى القومية إلى الإحاطة بالجماهير ، و لكن أن نمهّد بذلك إلى تضخيم الخلاف مع الديمقراطية و كأنّ الشعب العربي غير جدير بها، فهذا هو المشكل.إذ بدل أن نتوجه الى التفكير في سبل انضاج الممارسة الديمقراطية ، نتوجه نحو التشكيك فيها كمقدمة لتبرير الاستبداد و توصيف ما حدث وكأنه انزلاق جميل.
إذا كان الربيع العربي ينطوي ضمنا على قصد الإحالة إلى التشكيك في الديمقراطية ، فإن وظيفة المشروع السياسي لحركة الشعب ستكون فتح أفق المستقبل لمزيد الاهتمام بشروط الممارسة الديمقراطية. ومن هذا المنطلق فإن حضورها الفعلي في المحطة الانتخابية المقبلة ( التشريعية و الرئاسية) يعدّ مسألة حيوية ، و إن كان لدينا ملاحظات خصوصا في الرئاسية ، اخترنا أن نؤجّل الخوض فيها حرصا منّا على احترام مؤسسات الحركة .
إن ما لم ينتبه له مناصرو الحركة وحتى شبابها و شاباتها، أنها عملت على تحرير العقل العربي من بعده الإطلاقي في رفض الربيع العربي( التمييز بين ما حدث في ليبيا و سوريا و ما حدث و يحدث في تونس و حتى الجزائر و السودان) .و لا بد أن يثار هنا سؤال معقول عن حيز الفعل السياسي لحركة الشعب. هل هو ذات الأفق الواسع الذي يظهر بشكل جلىّ ضمن الجدل المحاضراتي للقوميين و بالتالي استدعاء خطاب شمولي يتصل بالأمة العربية و ينبثق من حكائية الرفض للدولة الاقليمية؟
هنا تطرح حركة الشعب ، علاوة على مسلمة الديمقراطية كأداة للتغيير السياسي ، غير أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ السيادة و الهوية و العدالة الاجتماعية .
الهدف من هذه الخلاصة السريعة في تعريفنا لحركة الشعب هو الاحتكام الى مفاهيم جديدة سنناقشها . وهي مفاهيم تشير إلى البنية الخاصة للطرح السياسي لحركة الشعب و الذي اطلقنا عليه المشروع الوطني الشعبي.
مع كلمة مشروع يظهر مشكل جديد يدفعنا على نحو أولي،إلى تأجيل الحديث عنه و المفاهيم المفتاحية الميسرّة لفهمه ، والنظر في الظروف التأسيسية لحركة الشعب.
حركة الشعب و عوائق التأسيس
من وجهة النظر هذه كانت عملية تأسيس حركة الشعب كحزب قومي ينشط في الساحة السياسية القطرية التونسية ، هي بحد ذاتها حقبة أزمة.فبقفزة خطرة ، ومن منطلق حاجة الفصيل القومي إلى تعديل طريقة حضوره بشكل جوهري من الحراك الشعبي الذي كان حاسما في اندلاعه؛ حصلت مبادرة لتأسيس حزب.وهي مبادرة تعكس سيرورة تاريخية معقدة نعتقد أنها تؤلف احدى النقاط الأكثر أهمية والتي يجب دراستها بعناية.
هذا لا يعني بتاتا أن عملية تأسيس الحزب ليس لها وجاهة تماما كما في لحظة تأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي .بطبيعة الحال فإن السياق السياسي مختلف.ففي شروط العمل السياسي التي منحها بن علي للمعارضة ما كان يمكن أن يتشكّل حزب قومي ناصري و جماهيري، قويّ و مستقل.
إن التغيير السياسي الذي حصل ذات 17/14 جانفي لعب دورا حاسما لتبنّي الثقافة الحزبية . و لكن المشكل أثناء التحضير لعملية التأسيس لم يتفطّن القوميون إلى عقبة جدّية. فقد استيقظ الشعور بأخطاء الماضي و ضعف الثقافة الحزبية لديهم ، فبدت لحظة التأسيس بمثابة تحضير لخلافات و صراعات تتصل بالأشخاص أكثر مما تتصل بالبرامج و المقاربات.ذلك هو وضع حركة الشعب وهي تعلن عن مولدها. فقد كان الجهد التأسيسي عبارة عن إرادة لبناء حزب قومي و لكن يوازيه تمزّق سياسي على الصعيد الايديولوجي ( رفض التحزب عند شريحة من القوميين) و تمزق آخر يدور حول النفوذ على الصعيد العلائقي و المؤسساتي.
أية نتيجة ظفرنا بها؟
انقسام سياسي ( وجود حركة الشعب و حركة الشعب الوحدوية التقدمية) و انقسام قيادات.
و إذا نظرنا في هذا المستوى سنجد:
ــ الرافد النقابي المشكّل من فصيل الطلبة العرب و الذي تمرّس بالعمل الاجتماعي ضمن أسوار الجامعات و لاحقا ضمن أطر الاتحاد العام التونسي للشغل.
ــ الرافد التاريخي المشكّل من القيادات التي اختارت ، مع بعض الاستثناءات، الانخراط ضمن تجربة الاتحاد الديمقراطي الوحدوي.
ـــ الرافد الشبابي المشكّل من الطلبة القوميون الذين اشتبكوا ميدانيا مع نظام بن علي و تعرضوا للهرسلة و القمع .
هنا تكمن الأصالة و الخصوصية لحركة الشعب.إذ من السهل أن نرى أن لحظة التأسيس مثّلت قفزة خطرة من جهة كونها مزجت بين أجسام متنافرة أو لنقل غير متجانسة في رؤاها ضمن هيكل تنظيمي واحد.أي أن الانقسام السياسي الذي ترجم إلى تعدد التجارب الحزبية هو نتيجة موضوعية تستتبع الفهم و ليس التأسيس المتسرّع لبناء حركة الشعب.في هذا الإطار سنكتفي بالتشديد على بعض أهم مميزات هذه الحالة التأسيسية.
سنسأل هنا عن طبيعة التصورات القومية التي بمقتضاها نعتبر أن التقاليد النقابية المتجذرة في النموذج الحزبي تظل أداتيّا قاصرة بل ومهددة بفشل المشروع برمته.
إن النظرة الصحيحة التي تضع التجربة النقابية وحتى السياسية ( الاتحاد الديمقراطي الوحدوي سابقا)موضع بحث تعلّمنا أن هناك معوّقين أساسيين:
ـــ الشكل الذي تحددت به كلا التجربتين ،فعندما نعود إلى الظروف التي طبعت الحقبة الماضية نلاحظ ارتكازها على مبادرات فردية وجّهت أنماط الفعل النقابي و السياسي الذي لم يكن يتقدّم في اتجاه بلورة جوهر الفكر القومي التقدمي الذي يقوم أساسا على العمل الجماعي المنظم . لقد ظلت ملامح المشروع مجرد انعكاس للسمات الأساسية للتأمل الذاتي الذي يتحرّك ضمن لعبة التوافقات الضيقة التي تخبر عن إنتاج صياغات فردية طامحة لصنع درب النضال القومي عبر مكافحة التنظم و وأد القيادة الجمعية المجددة بغرض و اهداف ذاتية لا صلة لها بالمشروع و إن صدق أصحابها و أخلصوا.
ـــ إن الأحداث المحرّضة للتنظم الحزبي عند خرّيجي الاتحاد العام التونسي للشغل وفّرت مضلّة سمحت بإنتاج تفاعلات معقدة أفرزت تغيرات حادة لمعنى الهوية التي جاءت مطبوعة بانحرافات دلالية انبنت على ذات المنطق الذي نشأت به مسلكية العمل النقابي. رسم تحالفات تكتيكية مع اليسار، بل انخفاض مستوى الشعور بالانتماء إلى الحد الذي توهّم فيه بعض القوميون بأنهم جزء من الكتلة التاريخية لليسار.فانساقوا خلف الظواهر الفاتنة للحداثة في طور هووي بامتياز. ولأنّ السير على خطى التموقع كاستجابة عقلانية لموازين القوى صلب الاتحاد العام التونسي للشغل ،فإن الدلالة الهووية ستمثّل رؤية موازية فجّرت فيما بعد مشكلا داخليا جعل من هياكل الحركة هياكل غير مستقرّة.
ولم يكن التقليد السياسي في العمل الحزبي بأفضل من العمل النقابي.هنا أيضا نتعرّف على الطابع البروتوكولي للحزب الديمقراطي الوحدوي الذي حصر فعله في المحافل التي انغمست في أدوار تعسفية وفق إحداثية التعايش المزيف مع نظام بن علي ؛ فانخرط القوميون في اجتثاث البريق الثوري لتيار عريق كان جزءا ركينا من الحركة الوطنية ليتوارى عن ساحة الفعل نحو دبلوماسية " الصبورة" بتعبير كريستوفر هيلمان.
من وجهة النظر هذه نحن نعتقد أن اندماج حركة الشعب في الحياة السياسية يقتضي منها تطوير معنى جديد و حداثي للهوية و بلورة أسلوب عمل يستجيب لضوابط الفعل الثوري الذي تقرر في محاور المشروع الوطني الشعبي و التي سنحللها لاحقا.
إن جوهر عملنا إذن يقوم على افتراض التأصيل الاستحضاري لاستكمال معنى الهوية و استيعابها وفق مدخلات الحوار التي تستمد من كتاب العروبة و الإسلام لعصمت سيف الدولة لما يفتحه من آفاق عظيمة و مستقبلية للقوميين في معاركهم الراهنة والقادمة.
هذا الطرح يؤكد على وجه التعارض بين الهوية كمنطوق معرّض لهشاشة الفعل الذي لا يتقبلها سلوكا و التزاما و يستسيغها قولا و كلاما؛ و الهوية كانكشاف أصلي يتضح بطريقة الفعل نفسها لتغدو إمكانية داخلية ضامنة للتوافق لا بين مراكز النفوذ و إنما بين التنظير و الممارسة.
نحن هنا نحدد الهوية كاتجاه يتجلى في أحضان الفعل . و هكذا تغدو قابلة للانكشاف بكونها ليست سوى ما يريد الطليعي العربي أن يحرزه من خلال ممارسته النضالية.
وفق هذا الطرح تصبح الهوية مهمة و هدف له حضور دائم في مجال الفعل عند المنتمين لحركة الشعب بوصفها الأساس الجوهري الذي يرسخ الطابع المنكشف للهوية. و ضمن هذا الإطار يتطوّر سلوك ابناء حركة الشعب و تنبثق ماهيتها ككوكبة مؤهلة للقيادة لتنتج خطوة حاسمة نحو الحرية بعيدا عن منطق التعايش مع النظم الهجينة التي افرزها الحراك الثوري.
احد نواتج هذا الانحراف الاستراتيجي الذي بدأ يتكشّف في التجارب الحزبية القومية أثناء التأسيس ، طغيان المجادلات المعيارية عند عموم القوميين و انخفاض منسوب أدائهم الذي يقتصر تقريبا على خرافة الطعن أو التأييد لبعض شخوص التجارب الحزبية .
إذا نظرنا إلى سجل هذه التجارب سنجد هجومات بينية عشوائية أحيانا تلهب نظراء كل جناح . و لعل المقارنة الأكثر مغزى الانقسامات و التنافس على المكانة بين قيادات تكلفة الحرب بينها المشروع القومي نفسه.
إن من يتجاهل الجهود التي بذلت في الغرض من قبل القوى القومية في تونس بغية إعادة تقييم استراتيجية العمل القومي يعد شخصا جاحدا، غير أننا جابهنا في طور التأسيس انتكاسة كادت تؤذن بفشل يكفي ليسبب ركودا لقدرات التجربة القومية في عصر تحتفظ فيه بمصداقية قيمها لتزاول القوى التقدمية فعلها من داخل نظام الحكم.
هنا ندرك مخاطر شهوة القيادة التي تحرق المسافات في سياق علاقات نفعية وثيقة مع أعداء المشروع ؛ والتي تطفو للأسف في كل "محفل انتخابي".
إن أشد الأحزاب تنظيما و أكثرها ديمقراطية حين يتقلص منطق التوجيه لمنتسبيها و يتدنى سقف تنفيذ المهام بالنسبة إليهم ،تتحول في أجل قصير إلى كيانات مناقضة للغايات التي تأسست لأجلها.و في أحسن الأحوال تحوّل صلتها بمنخرطيها إلى علاقة عابرة لتصورات رائدة تحيل إلى ضرب من الحنين الإيديولوجي الذي يظهر في بعض الخطابات أو البيانات.
لكل هذه الاعتبارات يصبح العمل السياسي هو تأصيل للهوية ابتداء. هذا ما يتعيّن أن يفهمه بناة الرافد النقابي.
لم تكن الحالة أفضل مع الطلبة القوميون .نحن هنا نتحرك ضمن معسكر الذات التي تأذّت .ذات يتيمة لم تجد من يحميها في معاركها الحاسمة مع بن علي.
إن هذا الانطباع رغم صحته فإنه يبدو أكثر تهديدا لأنه يفتح حرب الاستيلاء و حسن التموقع داخل الحزب.إنه يسدد ضرباته على الصعيد البنيوي ضد العمل المؤسساتي الذي يمثّل بحد ذاته مشكلة. حيث تبين القوميون أنه من السهل أن نفهم و لكن من الصعب أن نعمل. وما لنا أن نفعل إلا باحترام معايير العمل الحزبي المنظم.
بهذه الانقسامات العميقة في القيادة السياسية ( الشهيد محمد البراهمي أمين عام حركة الشعب و زهير المغزاوي أمين عام حركة الشعب الوحدوية التقدمية و البشير الصيد أمين عام المرابطون فيما بعد)و البلبلة الواسعة فيما يتصل بوسائل العمل الحزبي ، دخل القوميون أوّل اختبار حزبي، انخرطوا مشتتين في رهان الاستحقاق الانتخابي لـ23 أكتوبر 2011 ، فكانت الكارثة. للمرة الأولى جرفت الانتخابات معها أحلام شريحة واسعة من القوميين.و حينئذ ، كانت مسألة التوحيد السياسي المسألة الجوهرية للقوميين.
المؤتمر التوحيدي لحركة الشعب و فلسفة الاختراق
من أجل فهم هذه الحالة ، التي تحقق بمقتضاها التوحيد القومي يمكننا أن نبيّن بخطوط كبيرة ماذا حدث يوم 24 و 25 و 26 فيفري 2012 ؟
بطبيعة الحال من غير الممكن أن نرسم هنا لوحة لما حدث على أنه تأسيس لتيار قومي تقدمي.على العكس تماما ،إذ أن التيار القومي سابق للحزب المزمع تأسيسه، بنضاله ومقاربته الشاملة و مشروعه أكبر من الحزب ذاته. لذلك كانت عملية التأسيس لا تنحصر في مجرد انصهار حركة الشعب الوحدوية التقدمية ضمن حركة الشعب.أي أنه لا يمكن اعتبار هذا القرار التوحيدي هو قرار فوقي اتخذ من قبل الشهيد محمد البراهمي أمين عام حركة الشعب و زهير المغزاوي أمين عام حركة الشعب الوحدوية التقدمية. فالتضاد في الرؤى ظل بارزا. و لكن الاتجاه الجوهري و الصميمي لمناضلي التيار القومي في تأكيد حتمية التوحيد كان له تأثير واسع و عميق على القيادتين.
من المهم في هذا المستوى و نحن نتطرق إلى الاعتبارات التمهيدية لعملية التوحيد أن نبيّن أن الاقتناع بضرورة بناء أداة سياسية واحدة ، كان مبنيا على الاجماع بقيمة المؤسسات بدل الأفراد و الشللية التي أثبتت التجربة الانتخابية الأولى أن ثمنها البقاء خارج المشهد السياسي. لأجل ذلك رأينا حوارات مضنية مع مناضلين لم ينتسبوا إلى كلا الحركتين.و قد توّجت بانعقاد ندوتين بالمنستير ، تقرر على اثرهما الشروع في التوحيد من خلال المؤتمر الذي عقد بالتاريخ المذكور .
عند هذه النقطة يمكننا أن نحدد الجانب الدلالي لمفهوم الاختراق الذي شكّل اتجاه الممارسة السياسية لحركة الشعب. هنا يبدأ جدل التفسير الذي لم يكن من الممكن تحاشيه.إذ تبيّن أنه لا يمكن حل مشكلة الفهم الصحيح لمتطلبات المرحلة عن طريق العودة إلى التجاذبات التنظيمية كما سنرى فيما بعد. في هذا الجدل الجديد ارتبط نموّ الحركة باستقطاب خفيّ في أبنية الخطاب لينتج ما يشبه الانقسام بين نزوع نحو تركيز المؤسسات كسلطة مرجعية لاتخاذ القرار و التنفيذ السياسي الذي يخلق إحالة ظاهرة إلى الزعيم أو الفرد .
إن هذه الفروق في كيفية طرح و حل المعضلات ، من رؤية تهتم كثيرا بالمسألة التنظيمية إلى أخرى تشيد بطريقة الزعيم، كانت في حينها كافية أن تفتح أرضا جديدة لصراع ارتبط عموديا بشخص الشهيد محمد البراهمي و شخص زهير المغزاوي. فبعكس النظرة المعتادة لمفهوم القيادة التاريخية ألحّ القوميون بقوة على الدور الحاسم للمؤسسات.وليس بالشيء الخفيّ اختيار الشهيد محمد البراهمي الهروب إلى الأمام و فرض انحياز حركة الشعب و انضوائها ضمن الجبهة الشعبية(أكتوبر 2012 ).و ما انجرّ عن ذلك من عواقب تنظيمية افرزت مسائل جديدة وقيود إضافية من شأنها أن تعيق تقدم حركة الشعب و الأهم من ذلك تصوّرها عن نفسها.
و تكفينا هنا بعض الاعتبارات البالغة العمومية لتبيان عبث الطريق الذي فتحته الأرض الجديدة للجدل. سنذكّر في هذا السياق فقط بحجة سافرة تقول بأن من هم ضد هذا الاتجاه لهم وعي تحكمه كينونة الميل للإسلام السياسي.
هذا التحوّل على ضفة المشكلات الجديدة تخطّى التسليم بالنزعة التأسيسية التي نبعت من ايمان القوميين بأن التيار القومي يبقى خطا تاريخيا بارزا في الحركة الوطنية، إلى مجرّد إحالة للحركة اليسارية.
هذه الرحلة الملحمية تبلغ أعلى مراحلها في إعلان الشهيد محمد البراهمي يوم 13 مارس 2013 استقالته من حركة الشعب و التحاقه بالجبهة الشعبية بعد تأسيس حزب التيار الشعبي.
نحن تعتقد أن هذه الواقعة تولد احدى الصفحات الأكثر خطورة في تاريخ التيار القومي.ألم يكن إذا من الواجب دراستها بعناية ؟
يمكن القول أن اعلان الشهيد محمد براهمي بالتحاق حركة الشعب إلى الجبهة الشعبية لا يعني بتاتا أن الجبهة الشعبية رجعية أو لأنها عربة تسير ضد رهانات الانتقال الديمقراطي . على العكس تماما ، رغم أننا كنّا نعرف بأنها تتجه نحو الانحطاط الجماهيري و ربما الافلاس السياسي.
الخلاف لا يتعلّق بالوجه التقدمي أو الرجعي ، فهي مفاهيم اقتلعت من جذورها و لم تعد في الواجهة الإيديولوجية للأحزاب ليحل محلها الوطني و اللاوطني ، الديمقراطي والاستئصالي .إن أسباب الخلاف تتعلق بغياب المنظور إزاء حياة سياسية بصدد التشكّل. لم يكن ممكنا للنضال القومي أن ينضوي تحت مظلة اليسار وهو لا يزال في حقبته الأولى من البناء السياسي الحزبي.ما كان يجدي أن نحتكم إلى وسائل نضال غير التحسين المتدرج لمؤسسات حركة الشعب.
من الواضح أن قرار الالتحاق بالجبهة الشعبية حتى لو كان قرارا جماعيا و ديمقراطيا لكافة القوميين ، فأنه سيكون بمثابة ضربة قاتلة تحطّم التيار القومي. وهو في الوقت نفسه تخلّ عن امكانية تحقق أهدافه الموضوعية و المتمثلة في المشروع الوطني الشعبي.
هكذا نرى بوضوح ، كيف تراجع مشروع التأسيس ليولد بدلا عنه صراع وضع حركة الشعب بشكل واضح في حالة سريرية. فكانت المهمة ، هذه المرة تسهيل الدرب الذي يقود إلى لعب دور سياسي. و إذا كان ثمة شيء يمكن أن يساعد حركة الشعب على لعب هذا الدور ، فهذا الشيء هو الاختراق ، و شعاره الطبيعي: التموقع السياسي لحركة الشعب ضمن المشهد السياسي.
لم تفكّر حركة الشعب اللجوء إلى السفارات لحل الصعوبات المالية التي تواجهها،لم تفكّر كذلك أن تعود إلى الوراء للرد على الشتائم التي طالت قيادييها. لقد كانت القيادة واعية أنه لم يعد لها للبرهنة على وجودها سوى أن تخطو إلى الأمام ، فكانت اللحظة الأسمى فوز الحركة بثلاث مقاعد بمجلس نواب الشعب. حصل ذلك غداة انتخابات 2014 لتبدأ صفحة جديدة مشرقة من الفعل السياسي المتّزن. أجل إننا نؤكد بلا توقّف أن ذلك كان البداية الحقيقية لاختراق المشهد السياسي. ولهذا المفهوم مضامينه المهمة.
أوّلا ، من الناحية التاريخية هو تعبيرة فريدة نقلت أسلوب عمل القوميين إلى اتجاه مضاد للنزعة الانقلابية العسكرية التي طالما يتهمهم بها خصومهم.و نحن نعتبر ذلك اثراء للمفهوم الوجودي للحركة القومية الذي يتجه نحو الاهتمام بالممارسة الديمقراطية و انضاج خبرة مناضليها في التجانس مع مقتضياتها.
ثانيا،إن السياق التأسيسي للحركة و ما حفّ بها من صراعات لم يمنعها من الانكشاف السياسي و التملّك لخطاب جماهيري ، رغم محدوديته آنذاك ، إلا أن آفاقه التطورية ممكنة و صداها ظاهر عند عموم الشعب.
أجل قد يعترض البعض ويقلّلوا من أهمية الدور السياسي لحركة ليس في رصيدها سوى ثلاث نواب. و لكن المسألة المركزية في هذه اللحظة الانتقالية ، هي البرء من الجدل المثالي المحفور في الطبيعة التاريخية لأسلوب عمل القوميين ، سواء كان ذلك مع حقب السرية أو الشعاراتية. ان ما حدث هو ضرب من الحلولية التي تلامس الصياغة الصريحة لقيادة الحركة بحتمية اختراق المشهد السياسي.
هكذا بالرغم من محدودية العدد أمام التحديات الليبرالية الملتفة حول عنق الدولة الوطنية و المحتوى الغامض للعملية السياسية الملغومة من الداخل بتفاهمات تضرّ باستقلالية الوجود السياسي ، صنعت حركة الشعب ثقافة جماهيرية نرى أنها لبنة في طريق اعتناق المشروع الوطني الشعبي.
وانسجاما مع فكرة التشديد على أنه يتعين على القوى القومية في تونس أن يشتبكوا مع الواقع من أجل قضية مصيرية تستند إلى التزام مسئول بتجسيد المشروع الوطني. وفي حديثنا عن مستلزمات هذا المشروع ؛ من المفيد التوقف مرة أخرى ، وبضرب من التفصيل ، عند الخلاف الذي نسف إمكانية التعاون بين القوى القومية. إن هذه المسألة تأتي كأولوية بدونها لا يمكن لحركة الشعب كفصيل قومي أن تندمج اندماجا كاملا في الحياة السياسية لتحقيق الأفضل والبحث في الشروط الموضوعية لبناء دولة العدل القطرية.
هنا من الضروري التعرف على ما تطرحه القوى القومية التي أحجمت عن الانخراط في صلب الحياة الحزبية ضمن هياكل وأطر حركة الشعب وخيّرت الانزواء أو الاختيار الحر والواعي للعمل الجمعياتي.
نقول ذلك لأن لنا اعتقاد جازم بأن الحديث عن آليات التنسيق للعمل القومي في الساحة القطرية لا يجب أن يظلّ رهين المفهوم الشخصي بدل الطرح السياسي. لأننا تعلّمنا أن الأفراد أي الزعماء ليسوا ضمانة للمشروع القومي بل إن المناخ الصحي المناسب لقاعدة واعية وعريضة من القوميين صلب هيكل جامع ؛ هو شرط أساسي للاتفاق على ملامح المشروع الوطني. من هذا المنظور يتم إعداد الأفراد وتنظيمهم سواء في حزب سياسي أو جمعياتي، لممارسة الكفاح الثوري.
هكذا كان يجب أن تسير الأمور غير أن ما حدث رسّخ النزوع للمواجهة التي أنتجت أول الأمر التشتت والانقسام. وعلى الرغم من كون الجميع يسلّم بأن حركة الشعب هي رافعة التيار القومي والممثل الشرعي الوحيد له على الصعيد الحزبي، إلا أنها وقفت عاجزة إلى اليوم عن حلّ معضلة الدعوة للمشروع الوطني النابع من إيمانها بتعصير العمل القومي للمشروع العربي عموما. وهي التي لم تتمكن بعد من توحيد الصيغ العملية حول جملة من المبادئ التي يجب أن يتأسس عليها الاقتناع بالعمل الحزبي.
ولكن السؤال الخطير الذي يظل يلاحق جمهور عريض من القوميين: ما هو شكل الاعداد لتحقيق المشروع الوطني كمقدمة للمشروع القومي ضمن الدولة الوطنية؟

بتوضيح معناها اللغوي، ونحن نبحث بشكل مختلف عن الإيديولوجية التقليدية لتبرير مقولة الإعداد يمكننا أن نستخلص السمات العامة للعقل الاعدادي من حيث أنه يقوم على استراتيجيا تشتمل على أبعاد رمزية كانت محددة لظهور التيار القومي الذي تتلخص أطروحته في رفض شعار العلنية ( في سياق سياسي لا يسمح بذلك)وبالتالي الطعن في مشروعية المواقف التي تنمو ضمن الطبيعة المعاشة للأحزاب.
إن تجربة الاعداد نمت ضمن هذا التحيز للعمل السري، على نحو جعلت من الفكر الاعدادي ممركزا على ذاته. وقبل أن نتطرق للحديث عن رؤيتنا من فلسفة الاعداد تمهيدا لمراجعة بعض مفترضاتها البديهية يتوجب علينا أن نتوقف عند مفهوم الاعداد نفسه وبيان أفقه الكوني. هذا ما أكده عز وجل في قوله: " وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم..." (الأنفال، آية 60)؛ موضحا بذلك أن من مقتضيات الفهم الذاتي للدعوة تشكيل نظم القوة المادية والمعنوية التي تتيح بلوغ الغايات المضبوطة وبمعايير الفعل المبني على التخطيط. إن ما يهمنا هنا ليس الصيغة العقدية التي خاطب بها المولى عز وجل عباده فحسب بأن أمرهم وحثهم على اكتشاف قيمة الإعداد وإنما الطريقة المميزة في رسم وعي استراتيجي مبكّر لضمان أداء ناجع يستوعب الأفعال والمقاصد لعباده المسلمين.
لنتحدث قليلا عن مضمون هذه الكلمة من زاوية لغوية.
إن أول مسألة تثير الطليعة العربية وهي تتخذ من الاعداد مرحلة تحضيرية لبناء التنظيم القومي هي تفكيك مقولة الاعداد إلى مهام. من ينفذ؟ وفق أية ضوابط؟ ومن يصدر التعليمات؟ ومن هي الجهة التي تقيم؟
هل من طريقة مخصوصة ينبغي وضعها لضبط هذا الجسد البشري من الاعداديين الذي دأبت الطليعة على كبته طوال التاريخ ضمن عالم سري؟
هناك حقيقة معلومة في الساحات العربية مفادها أن تجارب الاعداد التي خيضت وتخاض تتخذ شكل الحراك السري من حيث هو مشروع إيديولوجي مناقض للنظام العربي الرسمي. غير أن هذا لم يكن ليجعلنا نتخلى نهائيا عن التموقع العلني مع ما بدأنا نلاحظه اليوم من تكلّس أو حتى انسداد لأفق التجربة الاعدادية على نحو ما فهمناها أي بما هي فكرة كلية مجردة تستنكف من الانخراط في المؤسسات الرسمية القائمة بحجة أنها تنبذ كل ما هو اقليمي ولا تستهدف سوى التنظيم القومي. فلم يبقى غير التدرب بشكل فردي ضمن الجمعيات وبعض أحزاب الضرورة. هذا التوضيح يدل بما فيه الكفاية على أحد أمرين: إما أن تكون تجربة الاعداد هي محض ادعاء حالم ومجرد محاولة يائسة لاحتواء التمزق والفشل الذي منيت به الطليعة العربية؛ أو أننا لم نفهم المجال الذي ينبغي أن تمارس فيه الطليعة العربية نشاطها. وهو ما يستدعي تكوين فكرة أشمل عن المقاصد التي دعا إليها عصمت سيف الدولة. اسمحوا لي هنا بالقول إنني أختلف تمام الاختلاف مع من يلزمون أنفسهم بمبدأ التبرؤ من كل مظاهر التحزب وتقلّد المناصب داخل مؤسسات الدولة القطرية. إن هذه النظرة جعلتهم يسكنون عالما مثاليا متعاليا عن الواقع اكتشفنا يوما بعد يوم في خضم المستجدات الخطيرة التي حولت الأمة العربية إلى منخفض استراتيجي لمشاريع استعمارية. إن إدانة الواقع قد تكون مقدمة لتغييره ولكنه حتما لن يتغير ما دمنا نبقي على هذا التصور المغلق لمفهوم الإعداد. غير أنه بالرغم من هذا الطرح الذي لا يكف عن مراجعة مكونات الإعداد وإخضاعه لمحك النقد، يبقى من المسلم به أنه يتعين على الطليعة العربية أن تأخذ على عاتقها من جديد انجاز مهام اعدادية بمنطق يستند الى منجزات تمكّنها من احداث قطيعة مع الافعال الاداتية التقليدية. نحن هنا تحديدا نتحرك ضمن مجال حركة الشعب (الساحة التونسية نموذجا) ليس فقط كحزب ضرورة بل كرافعة للتيار القومي التقدمي.
لعل الصورة الأكمل لهذه التعبيرية السياسية تتوضح عندما تنجح في اقناع الجماهير بدعائم المشروع الوطني. إذ من هنا فقط نستطيع أن نرى أفق الرؤية القومية عبر التراكم في الممارسة الميدانية لأفراد أو حتى زعامات قد يصمدون أمام اغراءات الفعل السياسي كما قد يسقطون في قلب السياق السياسي ليتبخر المشروع الوطني في أذهانهم ولا يبقى منه سوى بروتوكولات تنتجها العلاقات الاجتماعية البينية داخل الحزب.
لقد كان عصمت سيف الدولة دقيقا عندما ميّز بين محطتين: الأولى تقوم على التكاثر والكثافة المتزايدة لمن يعتبرون أنفسهم الطليعة أي من يضعون أنفسهم في خدمة المشروع الوطني كمقدمة للمشروع القومي أو حتى المغاربي. والثانية التي تقوم على منطق الفرز بما هي نواة بناء القيادة الوحدوية لتأسيس التنظيم القومي. إنهم ينتظمون وفق فعل المراكمة ذاته فيضاعفون من أشكال الترابط بشعور يتوجه بهم نحو التنظيم القومي. عندها فقط يمكن أن يفقدوا مبرر الانتماء للحزب وإن كانت حركة الشعب. و السبب يردّ إلى كونهم تحوّلوا إلى كوكبة طلائعية لهم مسؤولية لا فقط قطرية (بلورة المشروع الوطني) و إنما بالإضافة إلى ذلك مسؤولية قومية لا يكتفون فيها بالتعبير عن كونهم طلائع الأمة بل يتولون مهمة تنظيم القوى الحية فيها.
عند هذه النقطة نستطيع أن نبدأ بتناول مسألة إضفاء الشرعية على الانتماء الحزبي. ليتم إعادة طرحها على كل القوميين الذين لم ينخرطوا في حركة الشعب رغم ما يزخرون به من طاقات هي بلا شك طاقات معطّلة لم تنتج تمثّلا سليما في لعبة التوازنات الجدية التي أفرزها المتغير السياسي الذي حدث في تونس. إنه متغيّر عكف فيه الإسلام السياسي على توخّي المناورة السياسية، إذ أدرك أن الطرح الإيديولوجي يمثّل تهديدا لاستمرارية وجوده.
إن الخطأ المميت للقوى القومية اليوم أن تستمر في مربع المنع والقمع من الولوج إلى ممارسة العمل الحزبي كتربة خصبة لعمل جماهيري مؤسس على مشروع وطني يمزّق التجمعات والتكتلات القديمة القائمة على منطق قولي لسياسات لا وطنية.
من المؤكد أننا هنا لا نريد أن ننكر حقيقة عدم التحاق بعض الوجوه الوطنية لحركة الشعب كرافد للإثراء وتجويد الأداء بخبرات لها منسوب عال في الاقتصاد والتربية والاجتماع ... إن هذا العزوف نتيجة طبيعية، لأننا نتعامل هنا بنوع خاص مع كل وافد جديد. إننا نراه كحاصل إضافي هامشي بل ربما نشكك في صلاحية الانتساب بمبررات تنسف فكرة المصالحة كقولنا: صحيح هذا الرجل محنّك وكفاءة ولكنه تجمعي. إنها ذهنية افتراضية مغلقة واقصائية تعدم عامل التمدد بمصادرة خاطئة لدى بعض الهياكل الذين يعتقدون أنهم ضمن التنظيم القومي. هذا الخلط وجدناه قاتلا وسدا منيعا يحول دون تعزيز جهاز الحركة.
إذا أردنا أن نتابع موضوع المشروع الوطني لحركة الشعب يتعيّن علينا إذن أن نبرم رؤية تعاقدية مستندة إلى حقيقة مفادها أن حركة الشعب لكامل عموم الشعب بعيوبهم ومثالبهم. ولأنها حمالة لمشروع وطني هي معنية على تربيتهم التربية الحزبية السليمة ليضعوا في قلب أولوياتهم المسألة الوطنية و القومية.
مع اعترافنا بهذا كله نصرّ على تأكيد أن بناء المشروع الوطني ليس مشروعا مخصوصا لحركة الشعب ضمن هياكلها الضيقة والمتسلسلة، إننا في حالة كهذه نسبح ضد تيار الواقعية السياسية. إن هذا الموقف يعدّ موفقا زائفا وضارا في نفس الوقت. إنه زائف لأن مسالة الوطنية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تختزل ضمن حركة الشعب حصريا، بل ربما يوجد ممن ينتسب لحركة الشعب تعوزه الوطنية ورايته الانتهازية الكامنة. ألم يكن السادات خائنا ومطبّعا وهو سليل حركة الضباط الأحرار!
وهو ضار لأنه يضمر افتراضا بأن حركة الشعب قادرة بمفردها على مواجهة تحديات المشهد السياسي. وهو تقدير يجعل من الحركة مباينة للواقع في خططها وتكتيكاتها.
وهكذا ينشأ نوع جديد من التعاون بين حركة الشعب وسائر الأحزاب الوطنية تحت لواء المشروع الوطني. غير أننا نحذر هنا بألا يتحول هذا التعاون إلى ذريعة للاستيلاء على هوية الحزب كرافعة للتيار القومي. عند هذه المسألة يمكننا أن نتابع من جديد الخط السياسي الذي حاول الشهيد محمد البراهمي فرضه قسرا على هياكل الحركة والذي خلّف صراعات هائلة كادت تطيح بالمشروع برمته.
إن منهجية فهم المخاطر لم تكن واضحة لعموم منتسبي الحركة. لأن قرار الانضواء ضمن الجبهة الشعبية آنذاك، والحركة لا تزال في طور التأسيس، يمثّل موقفا تاريخيا خاطئا، لأن النتيجة التي ستتمخض عنه ذوبان الفصيل القومي ضمن ظلال اليسار. وهي حقيقة لا تصمد أمام التاريخ. وقد أسفرت اليوم عن حقيقة دالة تبرز في حرص الإعلام على نسب حركة الشعب للجبهة الشعبية.
من المهم هنا أن نحترم الأصوات داخل الحركة والتي تدعو إلى التنسيق مع الجبهة الشعبية، ولكن الرؤية المستقبلية وحتى التاريخية تثبت دوما أن ركيزة تحقق المشروع الوطني هي حركة الشعب لأنها تترجم عن انتظارات شق كبير من الجماهير التي آمنت ولا تزال بخيار الهوية وتجزع من مخاطر التغريب والليبرالية والفرنكوفونية. لو أردنا أن نبلور موقفنا بعبارات أكثر صراحة ووضوحا وبدقة سوسيولوجية لقلنا إن اليسار ليس له وجود فاعل في وجدان ونبض الشارع التونسي. إنه حتى الآن لا يزيد عن كونه يمثّل نخبة قليلة مهددة دوما بالاستبعاد من الانخراط الفعلي ضمن العمل الجماهيري. لذلك رأينا أن قرار الشهيد محمد البراهمي ، على جرأته ، هو مظهر من مظاهر التفريط في رصيد بشري عريض ينتظر حركة الشعب و لا زالت لم تنجح بعد في التواصل معه. وهو من هذا المنظور قرار ينطوي على مخاطرة. إن الالتحاق بالجبهة الشعبية وفق تصورنا كان بمثابة حمام حمضي تتحلل بداخله حركة الشعب. لذلك نعتبر أن الطريقة التي بموجبها يتمّ تقديم حركة الشعب إلى الشعب في إطار الاجتماعات الجماهيرية و النشريات و الإصدارات و المقابلات التلفزية تفترض دوما خلفية سوسيولوجية لتأويل معنى الهوية من منظور القوى القومية.و التي يبدو أنها معركة توسّع التباين الحاصل مع اليسار بدل أن تتماهى معه .وهو ما لم يحدث للأسف إلى غاية الآن.
بهذا تكون استراتيجية الحركة مرحليا رسم حدود مدركة بينها و بين اليسار والشروع في عملية تطوير للآلة التنظيمية فتبادر إلى خلق حالة تدفّق لكوادر بشرية وطنية. وهو مشهد يتكرر مع أحزاب ليس لها رصيد وطني ونجحت في استقطاب شخصيات وطنية وازنة. طبعا إن الأمر ليس سهلا كما قد يتبادر للذهن. علينا أن نعترف حقيقة أننا نتعرض، حتى ونحن دائبون على تشخيص هذه الجدة للممارسة الحزبية الجماهيرية، للإعاقة والعرقلة. وهذا طبيعي ومنتظر لأن الانطباع النضالي المهيمن على الحركة استئصالي وليس فيه أنفاس لمناورة تكتيكية. كيف لا والذهنية غارقة في بحر النقد بل وحتى الثلب العدمي للمشهد السياسي. وفي المقابل من السهل أن نتعرف على جملة العقبات الحقيقية التي تعوق انتشار حركة الشعب. وسوف نقوم برفع مضمون الحديث عن هذه العقبات بمقدار ما نستطيع ونحن نستعرض ملامح المشروع الوطني.
هكذا انتهينا إلى أن المشروع الوطني قطريا يتطلب معرفة الأهداف الاستراتيجية و من ثمة الايمان بها. ولكن هل هذا يكفي؟ طبعا لا، إذ يجب أن نحدد الوسائل والسبل المساعدة على تحقيقه في الواقع بالنظر إلى ما تفرضه مختلف الرؤى الاعلامية التي تنساق وراء تفسير المعارضة الى اعتماد مقولة فشل ثقافتها الجماهيرية انطلاقا من بنية تبريرية تدفع الذات الاجتماعية إلى عزلها عن المعارضة .إنه سلوك الاعلام المتكيف مع دور مملى تشكّل خلال مراحل تاريخية من بناء الدولة التونسية. وتضبط وسائل ظهوره بمعايير غير متوازية و ثابتة. طورا بالنشرات الاخبارية التي تحجب أنشطة أحزاب المعارضة ، خصوصا الاجتماعات الجماهيرية وطورا آخر عبر الكرونيكار كوسيلة مؤثرة و محرّفة لاختيارات الذات الاجتماعية. ما نودّ قوله هو أن هناك مكينة اعلامية تؤدي وظائفها و يحرّكها الطموح التاريخي للعقلية الانتفاعية من السلطة. وهو سلوك يظهر و يغيب بحسب مؤشرات الحالة التي يتمّ التوجّه إليها. ففي السابق كنّا نسمع فرقعة اعلامية حول حزب النداء الذي سيلعب دور المنقذ في تعديل المشهد السياسي و دفاعه في الذود عن مكتسبات التحديث السياسي للجمهورية الثانية. فعادت نشرة الزعيم بورقيبة و بدا كأن كل معايير و قيم المجتمع التونسي و طموحاته هي أن يتعلم كيف يستمر في النهج البورقيبي بإسقاط تاريخي تعسفي لا يلتقط خصوصيات اللحظة بل ينقاد بطفلية لتأليه الزعيم المنسي. بل إن تقبّل القيم البورقيبية بدت كموجة فرضت على حركة النهضة نفسها ملامح توحي بكونها تحمل خصائص بيولوجية للزعيم ( مراجعة الموقف و الثناء على الرجل كمؤسس للدولة و كرمز لعملية التحديث). ومنذ اللحظة التي تشظّى فيها النداء ، اختاروا قدوة جديد ، رغم فشله الذريع و الغير مسبوق في إدارة الشأن العام. فصاغوا و نسجوا حوله حكائية هيا ناقفوا لتونس. إلا أنه ورغم كل ذلك لم ينجح في احتواء الذات الاجتماعية التي ظلت حرفتها عدم الرضى على أداء رئيس الحكومة.و لأن الرجل لم يستطع السيطرة على ذاته العاجلة للذة السلطة عبر علاقة والدية تذكرنا بعقدة قتل الأب عند فرويد،لم يتردد في ارتكاب الأفعال المنافية للقانون فاستبيحت مؤسسات الدولة و مواردها البشرية و المالية لتأسيس حزب جديد.
ولأننا سنهتم في اطار عملية التقصّي للظروف التأسيسية لحزب تحيا تونس، النظرية و ليست الميدانية ، نودّ أن نؤكد ابتداء أنه تأسيس ناتج عن الصراعات التي تفجّرت بين رئيس الحكومة و رئيس الجمهورية. معنى ذلك فنحن نفترض أن عملية التأسيس ليست وليدة مشروع وطني بقدر ما هي ثمرة صراع داخلي حول النفوذ بين الأب و الابن غير الشرعي من جهة ،والإخوة الأعداء من حزب نداء تونس من جهة أخرى وفق حتمية الاصطفاف.
لذلك نحن نرى أساس المسؤولية تحمل على الإعلاميين ، لأن حرية اختيار الذات الاجتماعية ، في ظل تدابير السيطرة النفسية المفروضة عليها ، توهمها بأن حدث التأسيس لحزب تحيا تونس هو مناسبة وطنية ، تماما مثلما يوحي العنوان. إننا هنا نتحدث عن جبرية الاختيار على نحو ما حدث مع نداء تونس عندما قدّم نفسه بافراط و مبالغة للذات الاجتماعية أن لديه من الكفاءات ما يشكّل أربعة حكومات، فإذا به يسلم البلاد ضمن أوضاع اجتماعية و اقتصادية و سياسية و أمنية مفككة.
لا جدال أن هناك عامل وراثي بين المنتج الاستهلاكي المعروض في التسويق لنداء تونس و تحيا تونس فمثلما انغمس بنات حزب نداء تونس في متاهات التكسّب الذاتي من الدولة بقيم سياسية رديئة تقوم على منطق الغنيمة ، نعتقد أن الذات الاجتماعية ستواجه نفس المصير و ربما أسوأ منه و بالتالي لن تجد فرصة لتحقيق مطامحها الواسعة في حال حكم تحيا تونس.أي أننا نريد أن ننبّه إلى ذات الخلل الذي يحكم تناقضات البناء السياسي . وبسبب من؟
طبعا بسبب بذور الجريمة التي تمارس في حق الذات الاجتماعية من قبل اعلاميين يحملون انحيازا سياسيا للسلطة بدل الميل إلى تخفيف مآسي الذات الاجتماعية عبر تحسين وعيها و ترشيد سلوكها بموجّهات المشروع الوطني كثقافة مؤثرة في مجريات المحافل الانتخابية.
نحن هنا لا نبتدع قانونا إنما فقط نذكر به . فمثلما يتأثر الأفراد بالبيئة الجغرافية التي تنطبع على سلوكياتهم الاجتماعية و طباعهم ، يؤثر الإعلام و للسبب ذاته على رؤيتهم للعالم و للأحداث التي تدور من حولهم.
إن العامل التواصلي إذن هو نقطة اهتمام أساسية في حسم المعركة الانتخابية المقبلة.و لأن نظرة الذات الاجتماعية أوجدتها أو على الأقل ساهمت في تشكيلها المكينة الاعلامية التي تؤثر في وجدانهم مثلما تؤثر البيئة الجغرافية في طباعهم ، فإن الانحراف الوظيفي للإعلام يمثّل تهديدا على الذات الاجتماعية ضمن محيط لا زال يشكوا من تشوّهات في الممارسة الديمقراطية.
خلاصة ما سبق يبدو أن المشروع الانتخابي لم يكن هو العامل الحاسم الذي يؤدي إلى الفوز بل إن هناك عوامل مساعدة تؤدي إلى النجاح ، منها دور الإعلام.لذلك افترضنا أن ترشيد دور الذات الاجتماعية هو بحد ذاته يعد مشكلة اجتماعية غالبا ما تمثّل تحديا على النخب الوطنية .إن المثقف العضوي بلغة غرامشي الذي يعيش تحت وطأة الحدث محمول عليه أن يتفوق على الجوائح المصنوعة عمدا لتوجيه سلوك الذات الاجتماعية.
إن غياب النموذج المرتبط بوطنية المثقف العضوي قد يجعل الذات الاجتماعية فريسة للتمويهات التي يختارها الاعلام أو تفرض عليه وفق توازنات المصالح.ولكن ما يحتاج إلى توضيح قبل أن ننتقل إلى الحديث عن المشروع الوطني الشعبي و الذي وصّفناه بأنه رهان غائب عند النداء و سلالته، هو الحرص على استخدام عبارة الذات الاجتماعية بدل عبارة الشعب. وهو استخدام مقصود له أسبابه الوجيهة.(يتبع)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,249,741
- الخيار الثوري و أزمة المسار الإصلاحي في تونس
- تونس والوجه الآخر للديمقراطية
- ملاحظات تمهيدية : تونس بين رهان التحديث ومأزق الهوية
- عن بعض خصائص الأزمة في مفهوم الدولة الأمة كهوية وطنية
- ملامح أزمة الدولة الأمة في الفكر القومي العربي
- مفهوم الدولة الأمة في الفكر القومي العربي
- مأزق الدولة الأمة ومعالم التمييز بين الهويات
- الفكر القومي بين رهان الدمقرطة و التكيّف الانقلابي القسري
- التخطيط الاستراتيجي العربي: مهمّة تحتجب خلف مصالح الدول
- المرجع الهووي و رنين ملاعق التطبيع
- التفجير الإرهابي بشارع حبيب بورقيبة: رسالة مشفّرة تحتاج إلى ...
- المشروع الوطني لحركة الشعب و نظرية الثورة العربية
- المشروع الوطني لحركة الشعب: جدلية التفاعل بين الديمقراطية و ...
- حركة الشعب : الناصرية في تونس و أسس المشروع الوطني
- دقائق متكاسلة
- كش مات ... حكومة يوسف الشاهد و شهوة المتناقضات في فلك الاتحا ...
- المشهد السابع ، رواية ريح من داعش
- المشهد السادس ، رواية ريح من داعش
- المشهد الخامس ، رواية ريح من داعش
- المشهد الرابع، رواية ريح من داعش


المزيد.....




- يجب أن تكون مثالية.. هل هذه أكثر فاكهة مرغوبة بالعالم؟
- لحظة مؤثرة لمدرّب ينتزع سلاحاً من يد طالب ويحتضنه
- بسبب "جنون الديمقراطيين ووسائل الإعلام" لا قمة لمج ...
- استقالة وزراء حزب القوات اللبنانية من الحكومة تحت ضغط الشارع ...
- لماذا نزل اللبنانيون للشارع؟
- بسبب "جنون الديمقراطيين ووسائل الإعلام" لا قمة لمج ...
- استقالة وزراء حزب القوات اللبنانية من الحكومة تحت ضغط الشارع ...
- أنقرة تدعو واشنطن لاستخدام -نفوذها- لضمان انسحاب الوحدات الك ...
- -كل نساء الرئيس: دونالد ترامب وصناعة مفترس-.. كتاب حول فضائح ...
- -قسد- تعلن مقتل 16 من عناصرها إثر هجمات تركية شمال شرقي سوري ...


المزيد.....

- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رضا لاغة - ثقافة بدئيّة نحو فهم حركة الشعب و المشروع الوطني