أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - طلال الربيعي - هنري والون: ديالكتيكية علم النفس (3)















المزيد.....

هنري والون: ديالكتيكية علم النفس (3)


طلال الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 6288 - 2019 / 7 / 12 - 10:09
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


اوردت في الحلقة السابقة ان فيلسوف العلم كارل بوبر يعتبر التحليل النفسي والماركسية علمين زائفين, وذلك لعدم امكانية تكذيب فرضياتهما. باعتقاد بوبر, ان التكذيب يرسم الحدود الفاصلة بين العلم (الحقيقي!) والعلم الزائف.

يرجع تاريخ أقدم استخدام معروف لكلمة "العلوم الزائفة" إلى عام 1796 عندما أشار المؤرخ جيمس بيتيت أندرو إلى الكيمياء القديمة او الخيمياء بأنها "علم زائف وخيالي" لسعيها الى تحويل المعادن الرخيصة الى ذهب. ولكن اعتقاده هذا يعود الى سوء فهم عميق. فقد كتب الطبيب والمحلل النفسي السويسري الكبير كارل يونغ (1875–1961) مجلدا بعنوان
Psychologa and Alchemy
علم النفس والخيمياء
(ولم يتم حسب معلوماتي ترجمته الى اللغة العربية).
https://www.jungiananalysts.org.uk/wp-content/uploads/2018/07/C.-G.-Jung-Collected-Works-Volume-12_-Psychology-and-Alchemy.pdf
وللمزيد حول يونغ يمكن مراجعة سيرة حياته في
Carl Jung Biography
https://www.biography.com/scholar/carl-jung

للوهلة الأولى، يبدو أنه لا توجد علاقة بين الأعمال الغامضة المستخدمة في تعدين الذهب الكيميائي والتحليل النفسي حسب يونغ. كيف يمكن أن يكون لجلسة نفسية عميقة علاقة بالخيمياء؟ من أجل فهم ما هي بالضبط نقطة الانطلاق للخيمياء في عمليات علم النفس العميقة, يتعين على المرء أن يغوص في معرفة خيميائيي القرنين الخامس عشر والسادس عشر الذين هم بالطبع غرباء عنا اليوم.

كانت الخيمياء تتعلق الذهب, ولنكون أكثر تحديدا بخصوص صناعة الذهب, لهذا الغرض، عمل الخيميائيون في المختبرات, التي كانت مجهزة بجميع أنواع الأوعية والنظارات والمواقد, ولكن أيضًا بمجموعة متنوعة من المواد: الزئبق والكبريت والرصاص والقصدير والحديد والنحاس, وكذلك أيضًا المرجان الأحمر والطين والسماد, الدم والبول وكذلك بعض المعادن والأملاح والأحجار الكريمة. قام الخيميائيون بخلط المادة المستحصلة من ذوبان هذه المواد المختلفة تحت تأثير الحرارة وتقطيرها ومبشورتها وتحميضها والسماح لها بالتبريد وتسخينها مرة أخرى حتى يتم تحقيق النتيجة المرجوة.

لم تختلف مختبراتهم اختلافًا كبيرًا في تقنيات المعدات والعمليات عن تلك الموجودة لدى علماء الطبيعة الأوائل والكيميائيين التجريبيين الذين هم اسلاف العلماء الحديثين. ولكن كما نعرف اليوم, ليست العملية, صناعة الذهب, بهذه السهولة المتصورة آنذاك. ولكن حتى لا يتهم الخيميائيون بدون مبرر بالدجل، من المهم أن نرى أنهم, على عكس الكيميائيين الحديثين, لم يولوا أهمية كبيرة للهيكل المادي للذهب ونحن نبحث عنه اليوم في سيرن بالقرب من جنيف. لقد فكروا قبل كل شيء في موضوعة الميزات, وخاصة في الألوان.

فمزيج من مواد مختلفة, والتي كانت مماثلة في لونها للون الذهب وربما تصرفت بطريقة مماثلة, كانت أيضا بمثابة الذهب الحقيقي للخيميائي. إذا قبلنا أن لون الذهب غير الحقيقي كان كافياً بالنسبة للخيمياء, فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان الأمر يتعلق حقًا بجني المال؟ السعي إلى الثروة والجبال المليئة بالذهب؟ ألم يكن الخيميائيون سوى شكل مبكر من المضاربين الماليين الذين يسعون الى خلق الذهب من أي شيء؟ وما الذي هنا يمكن أن يعجب يونغ؟ هل علم التحليل النفسي ليس أكثر من صنع المال الخيميائي؟ هل يونغ هو القرش المالي للاوعي وهل علينا دفع عملة لتحقيق الصحة العقلية؟

يقترح يونغ تفسيرًا آخر للخبراء الخيميائيين: لقد سعوا الى ما هو اكثر من الشهرة او الثروة. كان الذهب بالنسبة لهم هو الأكثر مثالية من بين جميع المعادن, بل إنه في الواقع أكثر المواد الطبيعية مثاليةً بشكل عام. يجمع الذهب جميع الخصائص وجميع ألوان المعادن الأخرى بأقصى درجات الكمال - مثلما يحتوي الضوء الأبيض على جميع الألوان. لذلك كان الذهب يعتبر الكمال الطبيعي في أنقى أشكاله وأكثرها إشراقا. إذا كان الخيميائي يعرف كيفية خلط وتسخين المعادن بشكل مناسب لإنشاء مادة ذهبية اللون, فهو يعلم أن أعلى كمال طبيعي، وفقًا ليونغ, كان من خلال هذه الرؤية بأن الخيميائي نفسه أصبح شخصًا أفضل.

وهكذا فسر يونغ عملية اتقان او كمال صناعة المواد في الخيمياء باعتبارها جانبًا روحيًا من الكمال الذاتي. وهنا تصبح العلاقة بعلم النفس واضحة. يهتم يونغ أيضًا بعملية الكمال من خلال اتحاد الجزء الواعي للشخصية، القناع-الذي اشرت اليه في نهاية الحلقة السابقة, والجزء اللاواعي، الظل. ودعا هذه العملية بالتكون الشخصي Individuation. في الخيمياء, وجد يونغ "النظير التاريخي" لعلم نفس اللاوعي. من خلال الخميائيين فقط, كان يونغ قادرًا على إثبات أن سيكولوجية اللاوعي لديه كانت تتميز بصحتها منذ مئات السنين.

حتى أن يونغ كان يعتقد أن الخيمياء لم تهدف أبدًا لصناعة الذهب ذاته. لقد أدان يونغ الخيميائيين الذين, في رأيه, كانوا منشغلين للغاية بصناعة الذهب. وكان يمكن التعرف على كتاب الخيمياء السيئ من خلال الحديث الأبدي عن صناعة الذهب. في الواقع, حسب يونغ, لم تكن الخيمياء أبدًا غير سيكولوجية اللاوعي, وان كل الحديث عن صناعة الذهب لم يكن هو هدف الخيميائيين, ولكن الخيمياء كانت, بطريقة ما دائما وبين السطور, صنوا لعلم نفس يونغ.
أكد العديد من الكتاب بخصوص ما يسمى العلوم الزائفة على أنها ليست علمًا رغم تظاهرها بالعلمية. والكتاب, الكلاسيكي, الحديث حول هذا الموضوع هو من تأليف (غاردنر 1957) ويحمل عنوان "بدع و عيوب باسم العلم" , ويمكن تحميله بالكامل في
FADS AND FALLACIES IN THE NAME OF SCIENCE
https://emilkirkegaard.dk/en/wp-content/uploads/Martin-Gardner-Fads-and-Fallacies-in-the-Name-of-Science.pdf

و يعترض البعض لكون معتقدات العلم "الزائف" تتلبس لباس العلم (الحقيقي). و يفترض هؤلاء ان العلم الزائف يجب ان يرضي معيارين
(1) أنه ليس معرفة علمية ، و
(2) أنصاره الرئيسيون يحاولون خلق انطباع بأن معرفتهم علمية.
غالبًا ما تستخدم عبارات مثل" تحديد العلم" و" فصل العلوم عن العلوم الزائفة" لتعني نفس الشئ, ويبدو أن العديد من المؤلفين متفقون مع بعضهم البعض. من وجهة نظرهم, مهمة رسم الحدود الخارجية للعلوم هي في الأساس مهمة رسم الحدود بين العلم والعلم الزائف.

وهذه الصورة, كما تذكر موسوعة ستانفورد الفلسفية, مبالغ فيها.
Science and Pseudo-Science
https://plato.stanford.edu/entries/pseudo-science/
فليس كل علم زائف لا علم, وللعلم حدود غير تافهة مع ظواهر غير علمية أخرى, مثل الميتافيزيقيا والدين وأنواع مختلفة من المعرفة المنهجية غير العلمية. والبعض يستخدم مصطلح "parascience"
لوصف هذا النوع من المعرفة (parascience مصطلح صعب ترجمته الى العربية, ويمكن ترجمته باشكال مختلفة, مثلا كمعرفة ذات علاقة بالعلم, ولربما هالك ترجمات افضل لا تخطر في بالي الآن. ولكن للتعرف بشكل افضل على معنى المقطع para, يمكن مراجعة
para-1
https://www.dictionary.com/browse/para-
وذلك ليشمل الممارسات غير العلمية التي هي ليست علمية مزيفة. وعليه، فإن العلم لديه مشكلة ترسيم الحدود الداخلية المتمثلة في التمييز بين العلوم الجيدة والسيئة.

لكن هانسون Hansson قام باجراء دراسة فائقة الاهمية, حيث قام فيها بالتوصل الى تكذيب مبدء التكذيب لبوبر. اجرى هانسون تحليلا مفاهيميا للتكذيب, حيث تم تقسيم أطروحة التكذيب المركزية إلى عدة عناصر. علاوة على ذلك, فقد تم الاشارة الى دراسة امبريقية لمبدء التكذيب حسب بوبر, التي درست 70 مادة نشرت في عام 2000 في مجلة Nature (وهي ارقى مجلة علمية عالميا قاطبة). اظهرت الدراسة ان مادة واحدة فقط من هذه المواد ال 70 ترضي استخدام مبدء التكذيب, بدلا من الاثبات, كوصفة للعلوم الناجحة. ويخلص مؤلف الدراسة الى ان مبدء التكذيب يعتمد على وجهة نظر غير صحيحة لطبيعة البحث العلمي, وبالتالي فهو ليس منهجية بحثية مقبولة او يمكن تبريرها.
It is argued that falsificationism relies on an incorrect view of the nature of scientific inquiry and that it is, therefore, not a tenable research methodology
Falsificationism falsified
Sven Ove Hansson
Foundations of Science 11 (3):275-286 (2006)
https://philpapers.org/rec/HANFF
يتبع







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,296,682
- هنري والون: ديالكتيكية علم النفس ( 2)
- هنري والون: ديالكتيكية علم النفس (1)
- -واشنطن على شفا الحرب مع إيران- !
- غورباتشوف ومسؤوليته في انهيار الاتحاد السوفيتي؟!
- التوسر: الشيوعية كحركة مناهضة للشمولية والفاشية!
- (قاتل) تروتسكي: رواية الرجل الذي أحب الكلاب (من تأليف ليونار ...
- أسانج: شر عظيم ترتكبه واشنطن!
- معاداة روح العصر: شيوعيو -العملية السياسية- وليبراليوها في ا ...
- غاس هول: ستالينية بالضد من البلشفية ولصالح (النيو)فاشية!
- مازوخية-سادية وعدم دستورية -العملية السياسية- في العراق!
- شيوعية الزومبيات كحصيلة لرأسمالية القلق!
- اسانج والطابور الخامس لفاشيي -الأم الحنون-!
- الدفاع عن أسانج دفاع عن الديموقراطية وبالضد من فاشية عصرنا!
- اكاذيب الامبريالية بخصوص كوريا الشمالية!
- افساد رأسمالية عصرنا للصحة الجسمية والنفسية!
- حكومة نيوزيلندا تكرس الاسلام السياسي الفاشي
- تصاعد فاشية-عنصرية رأسمالية عصرنا!
- اكاذيب الامبريالية الفاحشة بخصوص فنزويلا!
- بيان الاحزاب الشيوعية والعمالية في شجب التدخل الإمبريالي في ...
- !عشرة نساء ثوريات غمط حقهن التاريخ!


المزيد.....




- سلطات دونيتسك تؤكد احترام وقف إطلاق النار على طول خط التماس ...
- قصف لـ-أنصار الله- شمال حجة وسقوط قتلى من الجيش اليمني
- زيدان يهنئ المنتخب الجزائري وينعى أخاه
- هيئة الملاحة في بنما تقول إنها بدأت عملية سحب العلم من الناق ...
- دراسة: هكذا يمكن تجنب الخرف الوراثي
- لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع
- ميركل تحيي ذكرى محاولة اغتيال هتلر بدعوة لمناهضة التطرف
- موقع أميركي: ترامب لم يدعم شركات الطيران الأميركية ضد الخطوط ...
- ريابكوف يلتقي مادورو ويناقش توسيع وجود الشركات الروسية في فن ...
- مؤسسة النفط الليبية تعلن حالة القوة القاهرة في ميناء الزاوية ...


المزيد.....

- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - طلال الربيعي - هنري والون: ديالكتيكية علم النفس (3)