أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 3















المزيد.....

شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 3


محمد برازي
(Mohamed Brazi )


الحوار المتمدن-العدد: 6288 - 2019 / 7 / 12 - 08:56
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


وفي الوقت الذي يقول المدافعون عن تكديس الصفوف بالأجهزة الإلكترونية إنّ الأطفال يحتاجون إلى وقت للكومبيوتر ليتنافسوا في العالم العصري، نرى أن أهالي تلاميذ فالدورف يناقضونهم ويقولون: لماذا الاستعجال بتعليم الأطفال الصغار كل هذا، مادام تعلُّم مهارات الكومبيوتر سهلا ويقدرون على أن يتعلموه بسرعة عندما يكبرون؟

فنرى هنا في مدرسة فالدورف أن الأشخاص التنفيذيين لكبريات شركات التكنولوجيا في العالم يفضلون حماية أولادهم الصغار من أجهزة الكومبيوترات، فكم بالحَري بقية الأهالي والمعلمين، فيلزمهم أن يستمعوا إلى ذلك. غير أنه حتى لو لم ترغب المدارس في رمي تقنياتها الإلكترونية المبجلة إلى النفايات، فهناك نشاطات في الطبيعة يمكن أن تفعل المعجزات لإرساء الثقة بالنفس لدى الطفل. وفي بعض الأحيان، فإنّ كل ما يحتاجه الأطفال هو فرصة ليتعرّفوا بأنفسهم على أن العالم الحقيقي فيه إثارة أكثر من العالم الافتراضي. وتحكي لنا لوري رانكين Laurie Rankin، التي تعمل ضمن برنامج المؤسسة الخيرية الدولية لتوجيه الأطفال التي تحمل اسم Big Brothers Big Sisters (أي بمعنى إخوة كبار وأخوات كبيرات)، هذه القصة فتقول:

كنت أقود مرة مجموعة من الأولاد في نزهة طويلة سيرا على الأقدام في منطقة كاتسكيلس Catskills الجبلية في ولاية نيويورك – وكنا محظوظين بطقس رائع وبإقبال جيد. وأتذكر بالأخص الصبي لانس Lance، بعمر 13، الذي وصل والسماعات على أذنيه، وهو يسمع موسيقى صاخبة، وأبلغني بطريقة شرسة قائلا: «لا أريد أن أكون هنا.» فقلت له: «شكرا لانضمامك إلينا!» أما شقيقته الصغرى جيس Jess، بعمر 11، فكانت هادئة لا تتكلم وخجولة. وعندما مررنا بصخور كبيرة بمحاذاة ممر الغابة، اقترحتُ عليها فكرة الاستمتاع بالقيام بمحاولة تسلق تلك الصخور لو رغبت في ذلك. إلا أنها أجابت بخجل: «لا، لا أستطيع أن أفعل ذلك،» لكني واصلت تشجيعها على القيام بالمحاولة، وتسلقتْ أخيرا بحذر كبير وبمساعدتي إلى أعلى صخرة من تلك الصخور. وكانت على وشك أن تقف بطولها، لكنها خافت بعد ذلك، ونزلت بسرعة إلى الأسفل، وعلى وجهها ابتسامة عريضة.
ولاحظتُ أخاها لانس كان يراقب ما يجري. وتوقفنا عند الصخرة التالية، وفي هذه المرة تسلقت جيس من تلقاء نفسها إلى الأعلى ورفعت ذراعيها إلى الأعلى كعلامة الانتصار. وأنزل لانس السماعات إلى عنقه، واقترح على أخته توخي الحذر. ولما وصلنا إلى كومة أخرى من الصخور الكبيرة تسلق هذه المرة لانس مع أخته، وصار يقترح عليها مسك الأيادي واختيار مواقع لمواضع القدم ومن ثم الاحتفال معا بالانتصار عند القمة.

إنّ رؤية هذا الفريق من الأخوة يفوز بالثقة بالنفس في ذلك اليوم إنما هو شيء رائع حقا. فالتوترات التي قد تصادفهما من جراء شدائد ومآزق أخرى في حياتهما – مثل قراءة مقطع معين بصوت عالٍ في الصف، أو التحدّث مع أحد البالغين حول اقتراف إساءة معينة – ستخف وطأتها عليهما لأنهما قهرا بضعة صخور.

وفي رحلة العام التالي، كان لانس أول من خرج من السيارة. فلم يكن هناك أي أثر للسماعات. وكان متحمسا جدا ليريني ما كان عنده في حقيبته مثل بعض القفازات ليرتديها الأطفال عند تسلق الصخور وحبل لمساعدتهم لو كانوا خائفين. فقد تحوّل صبي العام الماضي إلى شاب وقائد للمجموعة.

لا يعيش جميعنا بقرب الغابات وجداول المياه مثلما قد يتمنى بعضنا، لكن المعلمين المبدعين يمكن لهم أن يفعلوا الكثير من القليل. ويتذكر صديقي دانا وايزر Dana Wiser كيف وجدت معلمة ابنته وسيلة لإعطاء تلاميذها المساحة البيضاء والمجال الحرّ خلال النهار فيقول:

عندما كانت ابنتي ماري Mary في الصف الأول، كانت محظوظة بسبب حكمة معلمتها في التعامل مع الأطفال ومع عالم الطبيعة. وشجعتْ كل طفل لتبنّي شجرة من مجموعة الأشجار الموجودة حول ملعب الأطفال. وكانت الشجرة المحبوبة لماري شجرة الجميز، فكانت قوية وعالية، وذات جذع متين بحيث كان باستطاعة ماري الاختباء وراءها. فدرس كل طفل شجرته التي تبناها، متتبعا شكل أوراقها
وقشرها اللحائي. أما وقت الهدوء الذي قضوه مع أشجارهم فكان رائعا بشكل استثنائي، فلو حصل أمر في المدرسة وعكّر نهار ماري، فما كان عليها سوى زيارة شجرتها، مستمدة العزاء من قوة الشجرة والسلوان من ظلها. وصارت تحب طوال حياتها جميع أنواع الأشجار، وخصوصا الجميز؛ وعلاوة على ذلك، هناك شيء من قوة الطبيعة الشافية يحيا في قلبها كهدية من شجرتها المحبوبة.

يمكن للمساحة البيضاء وعالم الطبيعة أن يكونا مصدر شفاء للأطفال المضطربين. إلا أن تأثيرهما يكون أفضل، مثل معظم العلاجات، لو تم التعامل معهما كحل وقائي يؤخذ في الوقت المناسب لتفادي تفاقم الأحوال. فباستطاعتنا استباق الأحداث وصنع تغييرات قبل استفحال الأمور. فهل يمكنكم الاستغناء عن التلفزيون؟ هل تعلمون بوجود آلاف من الأسر في عدد كبير من الدول تستغني عن التلفزيون، وبالتالي قد حصدت نتائج مشجعة؟ وأنا شخصيا، باعتباري قد نشأت بدون تلفزيون، وجدت الأمر هيّنا جدا عندما أبقيه خارج بيتي، ومحافظا على أولادي من الإعلانات التجارية التي يقوم العالم بإعلامهم بها بدون رحمة، بالإضافة إلى الحفاظ عليهم من أمور أخرى، وأيضا من المزيد من الأجهزة الإلكترونية المتقدمة التي يحاول المجتمع إقناعهم بأنه «لابد من الحصول عليها.»

فلو فضّلت عدة عائلات متجاورة التحرّر من الشاشات، فقد يشكلون حركة عارمة. عندئذ سوف يتيسر للأولاد أن يلعبوا معا، ولن يشعر الكبار كما لو أنهم وحدهم الذين لا يتماشون مع تيار الزمن.

وفي بيتي، كما هو الحال في العديد من البيوت، فإنّ أجهزة الكومبيوتر هي مجرد أدوات للبالغين للقيام بعملهم؛ ولا نلتفت إليها طلبا للترفيه. ولم يتعلم أولادي الطباعة على الآلة الكاتبة إلا في مرحلة الدراسة المتوسطة، عندما كانت بحوثهم الدراسية طويلة جدا بما يكفي لتبرير هذا الجهد. وبإمكان الوالدين دعم البحوث التي يجريها أولادهم، والعمل كفريق واحد للبحث على لإنترنت لو تطلب الأمر، بل حتى الذهاب معا إلى المكتبة لاستعارة وتبادل الكتب. وهذه فرصة ثمينة للفت انتباههم إلى حقيقة ما موجود في شبكة الإنترنت وهي أن كل إنسان له أن يقول ما يريده لكن لا يعني ذلك أنه على حقّ.

أما أخبار العالم فينبغي أن تكون جزءا من تعليم الطفل، لكنها لا تحتاج إلى أن تكون مصحوبة بالصور. فهي صعبة حتى علينا نحن الكبار للتعامل مع الألم والمعاناة التي نراها في الأخبار كل يوم بدون أن تنهكنا أو تقسي قلوبنا، فكيف الحال بالنسبة إلى الصغار إذن؟ فلو خصص البالغون شيئا من الوقت للحصول على معلومات كافية عن الأحداث الجارية أو الاستماع إلى إذاعة الراديو الرسمية، لأمكنهم توصيل بعض الموضوعات الصعبة بطريقة تحترم عمر الطفل ومستوى تفهّمه. وسيفضي هذا الأمر بدوره إلى فرصة لمزيد من النقاش في الأسرة حول معاناة العالم وما يمكن عمله للتخفيف من حدتها.

وبطبيعة الحال، فإنّ النقطة الحاسمة في الموضوع هي وقتنا، أي بمعنى أن المشكلة في عدم إخبار أطفالنا عن معاناة العالم وكيفية تحسينها هي أننا ليس لدينا وقت لقضائه معهم والتحدّث عن هذه المواضيع. ففي جدول حياتنا – نحن الكبار – المكتظ اكتظاظا غير معقول، ترانا لسنا متأكدين من توافر وقت للعمل واللعب مع أولادنا، أو للجلوس والتحدّث معهم عن الأخبار. أما في المدارس، فالوضع مماثل، لأن التزام المعلمين بالمواعيد اللعينة للمناهج المدرسية المقررة تقيّدهم وتمنعهم من حرية القيام بفعاليات إيجابية مناسبة ومفيدة للتلاميذ مثل أخذهم إلى الهواء الطلق خارج الصف ليتآلفوا مع الأشجار، على سبيل المثال.

إلا أننا عندما نفكر في البدائل، فيستحق الأمر خلق الوقت لقضائه معهم، الآن ومن دون تأجيل. فليس لنا سوى هذه السنين القليلة معا. وقد يتأسف مجتمعات البلاد على الظاهرة الواسعة الانتشار لضياع الشباب والمراهقين غير المبالين الذين لا يعرفون معنى الرحمة، لكن عندما لا يقوم أهالي الأطفال
المقربون منهم بإرشاد أرواح الأطفال وحمايتهم، فماذا نتوقع أن تكون النتيجة؟

لقد حان الوقت لنلقي نظرة فاحصة على جميع الأجهزة الذكية في حياتنا التي يدعوها الجميع أجهزة ادّخار الوقت. وعندما نجلس ونرسل رسائل نصية على مقعد بجانب ملعب الأطفال وأطفالنا يلعبون لوحدهم، فوقت مَنْ ندّخر؟ وعندما نرسل بريد إلكتروني آخر، أو نقرأ مقالة أخرى، أو نلعب جولة أخرى من لعبة فيديو بينما يلعب أولادنا من حوالينا بمفردهم، فإننا كما لو نقول لأولادنا بأن هناك شيء آخر أهم منهم. وبإمكاننا التحدّث عن الإدمان التكنولوجي عند الأولاد بقدر ما نشاء، لكن المشكلة تبدأ في البيت عندما نستعمل نحن الكبار أيضا الأجهزة الإلكترونية.

فلنضع هواتفنا الذكية جانبا ولننسجم ولنتناغم مع تلك العجائب الحية التي تتنفس، وهي بانتظارنا لنراها ولننتبه إليها. ولنطفئ القوة الكهربائية، ونأخذ طفلنا بيده، ونريه أن العالم الحقيقي هو مكان رائع حقا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,286,581
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 6
- توقعات الآباء الكبيرة
- أبوكريفون يوحنا او كتاب خفايا يوحنا
- شهوات الجسد
- الهرطقه الغنوصة والغنوصيَّة المسيحيّةَ
- العقائد الثابتة
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 5
- الإيمان
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 4
- الاسلام يعلم الكذب النفاق و القتل
- قوة الإيحاء الذاتي
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 3
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 2
- الحياة الروحية
- الاهتداء و العبور
- ها أنا أصنع كل شيء جديداً
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام
- التوبة
- معتقدات الصابئة بالعواقب والكواكب
- كيف ينتقل الانسان من العيش في الجسد الى العيش الروحي


المزيد.....




- سلطات دونيتسك تؤكد احترام وقف إطلاق النار على طول خط التماس ...
- قصف لـ-أنصار الله- شمال حجة وسقوط قتلى من الجيش اليمني
- زيدان يهنئ المنتخب الجزائري وينعى أخاه
- هيئة الملاحة في بنما تقول إنها بدأت عملية سحب العلم من الناق ...
- دراسة: هكذا يمكن تجنب الخرف الوراثي
- لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع
- ميركل تحيي ذكرى محاولة اغتيال هتلر بدعوة لمناهضة التطرف
- موقع أميركي: ترامب لم يدعم شركات الطيران الأميركية ضد الخطوط ...
- ريابكوف يلتقي مادورو ويناقش توسيع وجود الشركات الروسية في فن ...
- مؤسسة النفط الليبية تعلن حالة القوة القاهرة في ميناء الزاوية ...


المزيد.....

- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - شاشات الانعزال عند الاطفال الجزء 3