أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - توقعات الآباء الكبيرة















المزيد.....


توقعات الآباء الكبيرة


محمد برازي
(Mohamed Brazi )


الحوار المتمدن-العدد: 6287 - 2019 / 7 / 11 - 03:38
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


رؤية تعليمية بديعة لزمن مثل زماننا، حيث تُهدَّدُ أعداد كبيرة من الأولاد، بسبب نهج أهاليهم في نظرتهم الأحادية الجانب نحو أولادهم؛ التي لا تراهم سوى من حيث قدرتهم بأن يكونوا منتجين، أي بمعنى القدرة على «الإنجاز» و «النجاح.» إلا أن هذا الضغط يقوم بتدمير الطفولة بشكل غير مسبوق. وتكتب الأخصائية في معالجة الأطفال كيتي هيرلي Katie Hurley ما يلي:
إنّ الضغط الدراسي النظري ما هو سوى جزء واحد من المشكلة الكبرى التي نخوضها، ألا وهي: تسريع النمو أثناء مرحلة الطفولة. نعم، يجري تسريع التعليم في جميع المجالات، لكن هذا حال مرحلة الطفولة بشكل عام. فها نحن نشهد تحولا تدريجيا في الاتجاه الثقافي في جميع أرجاء البلاد، وهو يزداد في الانتشار سنة بعد سنة.
وبالرغم من أن الأطفال الصغار هم أكثر عرضة لمواجهة الضغط الدراسي المكثف في الوقت الراهن، إلا أنهم محملين أيضا فوق طاقتهم بالأنشطة اللامنهجية الإضافية التي يرتبها لهم أهاليهم بشكل مكتظ زيادة علن اللزوم. فتراهم يمارسون الألعاب الرياضية التنافسية (وأحيانا نوعين من الرياضة خلال كل «موسم») حتى في أوقات فراغهم، ويداومون في أفضل الدورات الموسيقية والفنية المتاحة، ويشاركون في البرامج المجتمعية التي توفرها البلدة لهم ويملؤون عطلة نهاية الأسبوع بأوقات اللعب التي يحددها لهم أهاليهم بالإضافة إلى اشتراكهم بالحفلات. ويفقد الأطفال الطفولة بسبب عدم تقديم الناس إليهم عطية الوقت للّعب، لكن، ألا يتحمّل جميعنا شيئا من المسؤولية لهذا الانحراف الثقافي – الذي يجري التشديد فيه على تنشئة أولاد يحملون روحية التنافس وتحقيق النجاح؟ وبالنسبة إلى بلادنا فنحن بحاجة إلى الاستيقاظ على مستويات التوتر المتزايدة لدى الأطفال وبحاجة إلى التعلّم عن كيفية تقليلها بل إزالتها. فلو أردنا تربية أطفال سعداء، لوجب علينا المباشرة على الفور باستعادة حقّ الطفولة.
إنّ الآباء بطبيعة الحال يريدون التفوق دائما لأبنائهم من الناحية الدراسية والاجتماعية، ولا يريد أحد من ابنه أن يكون أبطأ ولد يردّ على الأسئلة في غرفة الصف، أو آخر من يقع عليه الاختيار للمشاركة في إحدى الألعاب الرياضية في ساحة المدرسة. غير أن الثقافة التي نعيش فيها جعلت من قلق الوالدين الطبيعي مغالاة وشكلا من أشكال الرعب الذي صار يستحوذ على نفوس الأهالي، فماذا نقول عن مثل هذه الثقافة التي خلقت هذه الظاهرة؟ وما العواقب المترتبة على أولادنا من جراء هذه الظاهرة؟ لأن التوجه نحو التسريع الدراسي يجعل من المدرسة مكانا مرعبا بالنسبة إلى الكثير من الأطفال، ومصدرا للبؤس لا يستطيعون الهرب منه لعدة أشهر في كل فصل دراسي.
أما بالنسبة إليّ شخصيا، فنادرا ما كانت درجاتي ممتازة، إلا أن اهتمام والداي كان منصبا بالدرجة الرئيسية على طبيعة علاقاتي مع زملائي وأكثر بكثير من قلقهم عليّ فيما اذا كنت قد حصلت على درجة A أو B. وأكدوا لي، لاسيما عندما لم أكن جيدا في دراستي، بأن هناك الكثير من العلم في رأسي وفوق تصوراتي أو تصورات أساتذتي؛ غير أنه مجرد لم يأت إلى السطح بعد. وإنّ مثل هذا التشجيع ما هو سوى حلم للكثير من الأطفال، خاصة في البيوت التي تنظر إلى الفشل الدراسي بأنه أمر غير مقبول.
اعتادت أمي أن تقول: إنّ التربية تبدأ في المهد. ولا يختلف معها اليوم على ذلك أي من المربين. إلا أنّ الاختلاف يكمن في الأسلوب الذي يتّبِعوه الذي يكشف لنا عن الفرق النوعي الشاسع. ففي الأجيال السابقة، كانت النساء تغني لأطفالهن وتُهوِّد لهم لكي يناموا كما فعلت أمهاتهن من قبلهن – لأن الطفل يحب صوت أمه بالفطرة – أما اليوم فنرى الأهالي عوضا عن ذلك يشغّلون باستمرار «سي دي CD» لِيُسمِّعوا أولادهم موسيقى موزارت الكلاسيكية وذلك لأنهم تأثّروا ببعض الدراسات التي تتكلم عن الآثار الإيجابية لهذه الموسيقى على تطور دماغ الرضيع. وكانت النساء قبل خمسين عاما يُعلِّمْنَ أطفالهن الصغار شتى أنواع ألعاب حركات الأيدي والأصابع المصحوبة بالأناشيد باعتبارها أمرا عاديا، لا لشيء وإنما لمجرد قضاء وقت ممتع معا، لكن، ماذا عن الحال الآن؟ فهل تخصص الأسرة وقتا لمثل هذه الأناشيد والألعاب، رغم النقاشات التي لا تنتهي عن أهمية الترابط الأسري والرعاية الأسرية بقضاء وقت أسري معا؟
ويمكن للأمهات بل يجب عليهن أن يكونوا من أقوى المدافعين عن قدسية الطفولة. وكما يقول المثل الإسباني: «غرام من الأم يساوي طن من القسيس.» غير أن آباء اليوم يسمعون رسالة مغايرة بصوت أعلى، مفادها وجوب مطالبة أولادهم باستمرار ببذل المزيد من الجهود من أجل البقاء في الطليعة. وفي المجتمع الذي يعلّم الأم أن نجاح أولادها يعتمد على قدرتها على ممارسة الضغط عليهم، أو عندما يعلّم الأب أولاده أن أهم شيء هو الدرجات العالية، فهناك حتما شيء مغلوط في مثل هذا المجتمع.
وفي نظري، يبدو الأمر مخيفا جدا عندما يقع الكثير من العائلات في هذا الفخ. وأخذت نتائج هذا النهج تتقاطر الآن، سواء كانوا من المراهقين أو الشباب الذين نجوا بصعوبة من التوتر والضغط، من الذين فاتتهم سنوات التكوين الطفولي لأن يكونوا مجرد أطفال، من الذين لم يجدوا مطلقا تلك العلاقة الجميلة بين الطفل والأهل المبنية على الثقة والقبول والتشجيع. وتتذكر الروائية كيم ونغ كيلتنر Kim Wong Keltner عن طفولتها، فتقول:
إنّ كل هذا الجري وراء الدرجات العالية، وكل هذا الدفع، والدفع، والدفع نحو التفوق الدراسي، يجعل الأطفال يأخذون نظرة على والديهم بأنهم لا يهتمون بهم شخصيا وإنما بدرجاتهم فقط. وربما سيقرر الأولاد في النهاية أمر واحد: «حسنا، لو لم يكن هناك ما يرضيكم، فما نفع محاولاتي إذن؟».
وحصلتُ على درجات جيدة لمجرد التخلص من انتقاد أهلي. وبالرغم من أني حصلت على درجات كاملة في الامتحانات، إلا أنني لم أسمع مطلقا أي توجيه مشجع لإقامة علاقات وبناء أواصر مع بقية الناس. ولم أشعر مطلقا بإمكانية الانفصال عن والداي؛ لأنهم كانوا يقولون لي دائما: «أنتِ جزء مني، وما تفعليه ينعكس عليّ.»
بالرغم من أن بعض الأولاد الناجين من هذا النهج يعترف بأنه من دون هذه الحملة المتشددة من قِبل الوالدين، لما كان له مهنة ناجحة أو كسب الكثير من المال كما عنده الآن، لكن دعونا نتساءل: ما المعنى الحقيقي للنجاح؟ وما التجارب الإنسانية التي فاتتهم والتفاعل البشري المتبادل؟ فيجب علينا أن نفكر في الجيل القادم من الأطفال، وما سيتعلمون من آباء وأمهات من الذين – هم أنفسهم – لم يتذوقوا مرحلة الطفولة.
فما اهتم به على الأكثر هو شخصيته. . . . فأريد له أن يكون قادرا على تجاوز خيبات الأمل، وقادرا على تهدئة نفسه، وقادرا على مواصلة المحاولات في لعبة ترتيب الصور المقطوعة حتى عندما يكون في موقف حائر ومثير للأعصاب، وأن يكون جيدا في المشاركة، وأن يشعر بأنه محبوب ومطمئن ومليء بإحساس الانتماء. وأهم من كل شيء، أريد له أن يكون قادرا على التعامل مع الإخفاق.
إلا أن هذه الأمور تعتبر من الأمور الصعبة جدا التي يعطيها الأهالي لأولادهم، لأن الرغبة في حماية أطفالنا من كل نوع من المتاعب محفورة بأعماق الجينات في أجسامنا. إلا أننا ما نكتشفه الآن هو أننا في محاولاتنا لحماية أولادنا، فقد نقوم بإلحاق الضرر بهم بالحقيقة. وعندما لا نمنحهم الفرصة ليتعلموا كيفية تدبير الأمور عند الصعاب، والتعامل مع الإخفاق، فإننا بذلك نعمل على تنشئة أولاد سيكون لهم مشاكل حقيقية عندما يكبرون. فالتغلب على الشدائد هو الذي يولّد شخصية قوية لدى الإنسان.3
يحتاج الأولاد إلى فرصة لكي يتعلموا أن الإخفاق يعلمنا أكثر من النجاح في كثير من الأحيان. إذ يمرّ كل إنسان بأوقات عصيبة، ويمكن لتلك الأوقات أن تكون مفيدة جدا بالنسبة إلى تطوير القيم والمبادئ الأخلاقية للطفل. وإلا كيف سيتعلمون أن أعظم انتصار يحرزونه لا يكون إلا من بعد اختبار هزيمة؟
يبيّن التربوي الألماني فريدريش فيلهيلم فورستر Friedrich Wilhelm Foerster في كتابه النموذجي «Basics of Education» (أساسيات التربية) أن وسائل الراحة للحضارة المعاصرة قد خففت ونعّمت الحياة تماما بحيث أن الكثير من الناس يكبرون ولا يملكون القدرة على التعامل مع أي شيء له مطالب عليهم. فعندما يواجهون أبسط أمور الحياة التي لا يمكن توقعها – دعْ عنك الألم والمعاناة، والعمل البدني الشاق، أو التضحية – تراهم يستسلمون وهم عاجزون تماما. فيكتب التربوي فورستر ما يلي: «ويستسلمون كما لو أنهم تلقوا ضربات قوية. . . . فلا يعرفون كيفية التعامل مع الإحباط والتدنّي – أي بمعنى كيفية الاستفادة منه وتحويله إلى شيء بنّاء – بدلا من مجرد رؤيته كمصدر للغمّ والإغاظة. ففي حين نرى أن هذه التجارب بالذات قدمت للأجيال السابقة الخبرة ليصبحوا قديرين في مواجهة تحديات الحياة، نراها الآن غالبا ما تكفي لإرسال إنسان معاصر بلا جذور وبلا أساس إلى مصحة عقلية بسبب عدم قدرته على التعامل معها.»
إنّ ميل الآباء ليحوموا حول أولادهم في محاولاتهم لحمايتهم وإزالة جميع المخاطر والمجازفات والإحباط من الحياة، يمكن أن يكون له آثارا مدمرة على الأولاد. وتكتب المعلمة جيسيكا لاي Jessica Lahey في مقال بعنوان «أهمية سماح الآباء لأولادهم الإخفاق،» قالت فيها:
لقد عملت مع عدد كبير من الآباء والأمهات المفرطين زيادة عن اللزوم في وقاية أولادهم بحيث صار الأولاد لا يتعلمون تحمل المسؤولية (والعواقب الطبيعية) لأعمالهم. فقد ينمو داخل الأولاد إحساس باستحقاق مثل هذه الوقاية وبالتالي يجد الآباء صعوبة في التعاون مع المدرسة بأسلوب الثقة والعمل المشترك والتركيز على إيجاد الحلول، التي من شأنها أن تعود بالفائدة على كل من الطفل والمدرسة.
فهؤلاء الآباء هم الذين يجعلونني أشعر بالقلق أكثر من غيرهم – أي بمعنى الآباء الذين لا يدعون الطفل أن يتعلم. وكما تعرف، إنّ المعلمين لا يعلمون القراءة والكتابة والحساب فحسب، بل نعلم أيضا المسؤولية والتنظيم والأخلاق وضبط النفس والتبصّر. وربما لا تحصل هذه المهارات على تقييم في الامتحانات الموحدة، لكن بالنسبة إلى الأطفال الذين يخططون لرحلتهم إلى مرحلة البلوغ، فتُعتبر، وإلى حد بعيد، من أهم مهارات الحياة التي أعلمها.
هناك أشياء رائعة يمكن استخلاصها من قيام الطفل بالمحاولة، والفشل، وإعادة تكرار المحاولة. فلو كان هناك مشروع لا يرقى إلى المستوى المطلوب، فبإمكان المعلم الجيد مساعدة الطفل على التفكير في تحسين عمله وتشجيعه لأداء عمل أفضل. غير أن هذا الدرس يفقد معناه إذا كان أحد الوالدين هو الذي يكمل المشروع للطفل. فما نوع الرسالة التي سيتلقاها الطفل في هذه الحالة وأية عبرة سيتعلمها؟ فسيأتي وقت يحتاج فيه الطفل إلى مواجهة التحدي بنفسه دون وجود أحد الوالدين بجانبه. فماذا سيفعل آنذاك؟ أسينظر من حواليه ليبحث عن من يتولى الأمر، أم سيتحمل المسؤولية بنفسه؟ فلو أثنى الوالدان على جهود ولدهما الفاترة والخاملة خوفا من أن تنجرح «كرامته،» فهل نعتقد بأن الولد سيفرح مرة في حياته بأن يعمل بإتقان لإنجاز مهمة صعبة؟
وهنا في وسع الآباء النشيطين المنخرطين في هذا الموضوع تقديم العون. ولا أزال أؤكد على أنه لا يوجد أحد لديه تأثير قوي مديد على حياة الطفل مثل الأم. غير أن دور الأب يختلف ولا يقل أهمية عن دور الأم، كما تشير الكاتبة الصحفية والأم لثلاثة أولاد نعومي شيفر رايلي Naomi Schaefer Riley، فتقول:
إنّ الآباء هم على الأكثر من يدعون الأولاد يتحملون المجازفات والمخاطر. ولا يقتصر الأمر على أنهم يتركون الولد يقود بنفسه الدراجة الهوائية عند تعليمهم إياه كيفية ركوب دراجة بعجلتين (الشيء الذي لم أرغب فعله غريزيا عندما كان أولادي يتعلمون ركوب الدراجة). . . .
وكما لاحظ ذلك عالم النفس دانيال بيكيت Daniel Paquette، فقال: «يعتاد الآباء الوقوف وراء أولادهم ليواجهوا بيئتهم الاجتماعية، في حين تعتاد الأمهات وضع أنفسهن أمام أولادهن، لخلق اتصال بصري.»
لقد أصبحت معروفة لنا ولسنوات عديدة أهم الآثار الأساسية والفوائد لوجود الأب في البيت: فرأينا أن الفتيان يكونون أقل عرضة لارتكاب الجرائم؛ والفتيات أقل عرضة للاستغلال من قبل الرجال الشرهين. إلا أن الآباء في الحقيقة لهم أفضال أكثر من ذلك بكثير: فهم في الحقيقة يقومون بإعداد أولادنا للحياة المعاصرة.
فيبدو كما لو أن الآباء هم المفتاح لمساعدة أولادنا ليصبحوا بالغين بكل معنى الكلمة، لأنهم يعملون على توجيه الأطفال بالمشاركة الفعلية في «اللعب الحرّ غير المقيّد،» وعلى مساعدتهم على التحلّي بخصلة «صلابة العود» أي التحمُّل في مواجهة الشدائد ورباطة الجأش عند القيام بالمجازفات والمخاطرات والسماح لهم بالنجاح أو بالفشل من غير استرشاد، وأيضا دفعهم ليكونوا معتمدين على ذواتهم بعض الشيء وغير إتكاليين.
عندما أفكر، أنا شخصيا، في طفولتي السعيدة، المليئة بالاستكشافات والمغامرات، فأتساءل كيف يمكننا مساعدة أولاد اليوم على الحصول على ثقة بالنفس وعلى جرأة. وأنا على دراية طبعا بأن هناك مخاطرا يجب أن نحمي أولادنا منها، إلا أنه من السهل الانزلاق بعيدا في هذا المجال، وتكون النتيجة أن الأولاد يصبحون متخوفين ومتوترين.
فينبغي أن لا يشكل عالم الطبيعة مصدر غموض وخوف عظيم بالنسبة إلينا أو إلى أولادنا. فدعونا نخصص وقتا للذهاب واستكشاف الطبيعة معا. فهذا هو المكان الذي يحدث فيه التعلم الحقيقي وبناء الثقة بالنفس، سواء كان ذلك في متنزه المدينة أو في الحقول أو البساتين أو الغابات المجاورة. كما تكتب المتخصصة في عالم الطبيعة الشهيرة ريتشيل كارسون Rachel Carson فتقول: «لو أردنا لإحساس التعجب الفطري لدى الطفل أن يبقى حيّا، فسوف يتطلب ذلك أن يرافقه شخص بالغ واحد على الأقل مَنْ له الاهتمام نفسه ليقاسمه هذا الإحساس، ولكي يكتشفا معا ثانية الفرح والإثارة وأسرار العالم الذي نعيش فيه.»
ومن الضروري لكل طفل اكتشاف روعة لعبة تشكيل «الملاك الثلجي Snow Angels» وهي تشكيل شكل ملاك في الثلج المتساقط حديثا وذلك باستلقاء الشخص على ظهره وتحريك أطرافه إلى الأعلى والأسفل وساقيه إلى الجوانب لعدة مرات وأيضا اكتشاف روعة اللعب في شتى أنواع البرك المائية أو الطينية المتراكمة على الأرض والطرقات وطرطشة الماء الموحل في كافة الاتجاهات، أو تسلق الأشجار. فمن الضروري جدا أن يهدأ الآباء ويتمهلوا ويستمتعوا بالسنوات الثمينة مع الأولاد الذين أوكلهم الله لهم. لأن السنوات لا يمكن إعادتها. ومن دون أن تحسّ فإذا بأولادك أصبحوا كبارا. و عندئذ ستعتمد طبيعة علاقتكم مع الأولاد على نوعية الوقت الذي قضيتموه معا المحفور في ذكريات طفولتهم.
ولقد نشأت أنا شخصيّا في مناطق الغابات القليلة السكان في دولة باراغواي لكوني كنت طفلا للاجئين أوروبيين فروا إلى أمريكا الجنوبية خلال الحرب العالمية الثانية. وقام والداي بتربيتنا نحن السبعة أطفال وفقا لمبادئ فروبل التربوية، مع التركيز على أهمية اللعب والأناشيد ورواية القصص، في الهواء الطلق على اعتباره أفضل الصفوف الدراسية لدينا.
ولم يكن لدينا ساحات لعب ولا شيء يمكن تصنيفه كعُدد أو لوازم لعب. أما الشيء الذي كان لدينا فلم يكن سوى كومة كبيرة من الرمل للّعب فيها ونهر قريب حيث كنا نستمتع بالسباحة واللعب فيه لساعات. وأصبح هذين المكانين مثل صديقين لنا. وهنا كان بإمكاننا إطلاق العنان لخيالنا وإبداعاتنا أن تجري كيفما تحلو، فقمنا ببناء قلاع وبيوت، وأي هيكل نحلم ببنائه. ولمّا كنا نقضي أغلب أوقاتنا في الهواء الطلق اكتشفنا الحشرات والنباتات والحيوانات.
ولقد كنا قنوعين جدا بمغامراتنا، ولم نرغب في أي شيء أكثر من ذلك. فقد أمضينا أوقاتا رائعة جدا بحيث وفي كثير من الأحيان وجد أهالينا ومعلمينا صعوبة لإرجاعنا إلى مهماتنا الزراعية الروتينية، التي كانت كثيرة جدا. وفي عصرنا الحديث، يمكن إعادة اكتشاف أهمية كومة الرمل كأداة لعب للأطفال. فما دامت قد جعلتني سعيدا، فبإمكانها بالتأكيد جعل بقية الأطفال سعداء أيضا!
وعندما أتذكر طفولتي أرى مدى الفقر والمرض اللذين كنا نعيشهما بالإضافة إلى العمل البدني الشاق الذي كان جزءا من الحياة اليومية. فلم يكن هناك أنابيب مائية داخل المنزل أو نظام مواسير ولا تدفئة مركزية، ولم يكن هناك ولعدة سنوات كهرباء. وكان الطهي يجري على نار مفتوحة، وكان هناك دائما الكثير من فلق الحطب وتصفيفه وحمل المياه ونقلها من مكان إلى آخر. أما الحشيش فكنا نحصده بالمنجل؛ وكان الحشيش خشنا وثقيلا وعاليا، لاسيما بعد هطول الأمطار. وكنت كمراهق أتذمر من الأعمال المنزلية التي لا نهاية لها ولا حدّ، لكن لم يشفق عليّ والداي بسبب ذلك. وعند استرجاعي للماضي فأكون ممنونا لهما لدرجة كبيرة. فأرى الآن كيف علمني إصرار والداي على ضبط النفس وترويضها والتركيز والمثابرة، والقابلية على إتمام العمل حتى النهاية – أي كل ما يحتاجه الرجل ليكون أبا.
ومن المهم جدا إعطاء الأولاد مهمات خدمية منزلية وأن نتوقع منهم المساهمة في الأسرة على صعيد يومي. إلا أن هذه المهمات المنزلية لا يمكن موازاتها واستعاضتها بإعداد جدول متواصل لنشاطات منظمة ومقيّدة تحكمها القواعد والقوانين لسلسلة من المباريات الرياضية والنوادي والدراسات الأكاديمية وبالتالي سرقة من الأولاد الوقت الذي يحتاجونه للنمو بنفسهم ومن غير إرشاد.
ومما لا شك فيه أن واجبنا كوالدين وكمعلمين التفكير أيضا بالدراسات النظرية لمساعدة الأولاد على توسيع مداركهم وتحفيز تفكيرهم وذكائهم. كما ينبغي تعليمهم على التعبير عن مشاعرهم، وتشجيعهم على كتابة فكرة معينة لهم وقراءتها جهرا وتطويرها والدفاع عنها، وتعليمهم أيضا على التفكير الناقد، لكن يجب أن لا يقتصر تعليمهم عليها، لأنه ماذا تنفع أفضل هذه الدراسات النظرية إن كانت تفشل في إعداد الأولاد للحياة؟
ثم إنّ الرغبة الوالدية الموجودة في داخلنا للحصول على أولاد متألقين ما هي سوى علامة أخرى لرؤيتنا العوجاء – فهي انعكاس للطريقة التي نميل فيها إلى رؤية الأولاد وكأنهم بالغون صغار. وأفضل علاج لمثل هذه الحالة هو طرح جميع توقعات الكبار التي في داخلنا طرحا كاملا، والنزول إلى مستوى أولادنا، والنظر إلى أعينهم. عندئذ فقط يمكننا سماع ما يقولونه، والتعرّف على ما يفكرون به، ورؤية الأهداف التي نرسمها لهم من خلال وجهة نظرهم. وسنتمكن في هذه الحالة فقط من وضع جانبا طموحاتنا الشخصية لهم وعدم تلبيسها إياهم،
كما كتبت الشاعرة جين تايسن كليمنت Jane Tyson Clement، 7 ما يلي:
أيها الطفل العزيز،
بالرغم من أنه ينبغي عليّ تعليمك الكثير،
لكن ما الدنيا،
سوى أننا جميعنا
يُفترض بنا أن نكون فيها كالأطفال
لأب واحد، أبينا السماوي،
وما عليّ إلَّا أن أنسى ما تعلمته
عن نظام الكبار
وأنسى السنوات المرهقة التي أثقلتني
فيجب أن تعلمني أنتَ
أن أنظر إلى الأرض والسماء
كما تراها بدهشة جديدة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,341,348
- أبوكريفون يوحنا او كتاب خفايا يوحنا
- شهوات الجسد
- الهرطقه الغنوصة والغنوصيَّة المسيحيّةَ
- العقائد الثابتة
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 5
- الإيمان
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 4
- الاسلام يعلم الكذب النفاق و القتل
- قوة الإيحاء الذاتي
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 3
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام الجزء 2
- الحياة الروحية
- الاهتداء و العبور
- ها أنا أصنع كل شيء جديداً
- معامله المراه ككائن حي في الاسلام
- التوبة
- معتقدات الصابئة بالعواقب والكواكب
- كيف ينتقل الانسان من العيش في الجسد الى العيش الروحي
- معنى الصابئة مع بعض مترادفاتها
- المعمودية والولادة الروحية


المزيد.....




- السودان: قادة الاحتجاج يؤكدون رفضهم منح جنرالات الجيش -حصانة ...
- مجلس الوزراء السعودي يقرر رسميا رفع الحظر عن تنقلات المعتمري ...
- عرض بزة أرمسترونغ بمناسبة مرور 50 عاماً على رحلة أبولو 11 إل ...
- عرض بزة أرمسترونغ بمناسبة مرور 50 عاماً على رحلة أبولو 11 إل ...
- 12 قتيلاً على الأقل في هجوم جوي سوري على سوق شعبي في قرية يإ ...
- لماذا يتحرك غريفيث الآن لإحياء عملية السلام باليمن وهل سينجح ...
- مع بدء المفاوضات.. قوى التغيير تتوصل لتوافق بشأن نقاط الخلاف ...
- بريطانيا ترسل سفينة حربية ثالثة إلى الخليج
- السفير الإيراني ببغداد: لن نركع لأميركا ودافعوها لحربنا سيند ...
- باعته لدولة صديقة قبل 25 عاما.. قطر تحقق في وصول صاروخ ليمين ...


المزيد.....

- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد برازي - توقعات الآباء الكبيرة