أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عبدالرحمن حسن الصباغ - هامبرغر وساكسفون














المزيد.....

هامبرغر وساكسفون


عبدالرحمن حسن الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6273 - 2019 / 6 / 27 - 13:13
المحور: كتابات ساخرة
    


قال الراوي حدثنا شيخ الأحلام عبدالرحمن الحالم قال ,في بداية السبعينات من القرن الماضي لم يكن في باريس ما نشاهده اليوم من عديد أسماء المطاعم التي تقدم الوجبات السريعة وعلى رأسها الهامبرغر سوى أسم مطاعم الويمبي الشهيرة وأعرف منها مطعمين رئيسين أحدهما يطل على شارع السان ميشيل مقابل بوابة حديقة اللوكسمبورغ بالقرب من سكني والثاني قرب ساحة النجمة أو قوس النصر نهاية جادة الشانزليزيه وهذه المطاعم بالأصل تعود لسلسلة مطاعم الويمبي الأنكليزية العالمية على ما أعتقد,ومن ميزتها أنها تبقى مفتوحة لساعات متأخرة ليلا ,لذا تراها غاصة بسهارى الليل من كافة الملل والنحل,وكنت قد تعودت أن آخذ فيه وجبة سريعة من حين لآخر مع الأصحاب أو لوحدي ,لا من أجل الشبع وإنما من أجل التسري وتغيير الجو . كانت الحياة في باريس في تلك الفترة بهيجة وصاخبة بنفس الوقت بنكهة الثورة الشبابية على الموروث الأجتماعي في كل جوانب الحياة ,والحي اللاتيني الذي كنت أسكنه في الدائرة الخامسة كان معمل ومحرك وفترينة تلك الأنشطة من مظاهرات طلابية وأنشطة يسارية ونقابية وحركات تحرر المرأة وقد رافق كل ذلك أيضا ثورة تحررية في الملبس والمظهر وإنتشار الفرق الموسيقية المتجولة كالتروبادور وأخرى تقدم عروضها مساءً على قارعة الطريق من هواة ومحترفين وأحيانا متسولين,وكان لكل منهم منطقته الخاصة به, ومن جملة هؤلاء رجلا يعزف على آلة الساكسفون طويل ونحيف بسحنة أفريقية ولحية ذقن شائبة صغيرة وقد إتخذ من رصيف ويمبي السان ميش مقراً له يعزف فيه ألحان البلوز بصورة خاصة بساكسفون صغير الحجم ,وعند فتور الرواد والمستمعين ليلا ينهي عمله بأن يدخل الويمبي ويأكل بقدر ما يسمح به جيبه مما جمعه من فرنكات وسنتيمات.كان الرجل معروفا من زبائن الويمبي بلطفه وإبتسامته الحلوة .وفي إحدى الليالي الشتوية التي كان النوم فيها خصيمي نزلت من شقتي وتوجهت الى ذلك المطعم , والريح الزمهرير قد تسيد الشارع سوى قلة من المتسكعين ومنهم عازف الساكس واقفا يرتعش ويتمايل كفزاعة الغيط أمام بوابة الويمبي بملابس خفيفة , بنطلون أصفر وقميص أبيض عتيق, يعزف لحنا حزينا يقطع أوتار القلب أظنه من تأليفه.دخلت المطعم وطلبت سندويشا مع شاي ونظري لايفارق ذلك الرجل صاغيا لخلجات لحنه الحزين الذي سد شهيتي عن الأكل فأكتفيت بسيجارتى أرافق بها كوب الشاي.كان الشارع شبه خالي من المارة والرجل يعزف لوحده ويجاهد البرد بدفئ نغماته المليئة شجنا وعتابا , وفجأة توقف عن العزف دون أن ينهي جملته الموسيقية مطأطأً رأسه مستسلما للريح تهز عوده لفترة خلته فيها أنه قد نام واقفا ,ثم رفع رأسه ببطئ ووجه نظره للمطعم وبسرعة من حزم أمره وضع آلته في صندوقها الأسود ودخل المطعم.دخل الرجل وإتخذ مكانا خلف الكاونتر بقربي وكان من عادته ان يكتفي بسندويش هامبرغر مع كوكاكولا ولكنه هذه الليلة طلب ,دبل ويمبي,يحتوي على هامبرغرتين وطلب دبل بطاطس وبيض مقلي مع شرائح لحم وسلطة وكوكاكولا وبعد ان إلتهم كل ذلك طلب من النادل قطعة كيك بالشكولاتة وما ان أدار هذا ظهره ليأتيه بطلبه الأخير حتى سارع الرجل هاربا خارج المطعم ولم يستطع النادل منعه ولكنه إنتبه بأنه كان قد نسي آلة الساكسفون بجانب المقعد الذي كان يجلس عليه فسارع لأخذها .وماهي إلا ثواني ورجع الموسيقي أمام بوابة المطعم واقفا يتطلع للداخل بمظهر المتوسل والنادل اللئيم يلوح له بالآلة بعد أن أخرجها من صندوقها وهو يتظاهر بالعزف عليها والآخر يتعذب لرؤياها بيد النادل ويخشى الدخول خوفا من الإمساك به وتسليمه للشرطة وحينها سيتهم بتهمة التسكع والسرقة وربما سيحكم عليه بمصادرة الساكسفون مصدر رزقه الوحيد،كان لابد من فعل شيئ وبسرعة ودون شعور مني أخذتني الحمية فناديت النادل وقلت له بصوت جهوري فيه شيئ من الحدة أمام كل الحظور بأن يتوقف عن التهريج ويضع الآلة في صندوقها فبهت الرجل وأراد أن يعترض ولكنه لما وجد أن كل الزبائن متضامنين معي أجاب بصوت خافت قائلا ولكنه ياسيدي لم يدفع حسابه فقلت ذلك لأني أنا من دعاه للعشاء على حسابي وكان قد خرج لشراء علبة سجاير من المقهى المقابل وتفضل خذ حسابك.خرجت بالآلة وسلمتها لصاحبها الذي تلقفها بلهفة الأم التي إستعادت صغيرها بعد ضياعه وراح يرقص ويدور وهو يحتضنها ,ودعني بوابل من الشكر,وكانت تلك آخر مرة أراه فيها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,566,022,399
- جاري مجرم
- المترف والنشّال
- الفخ الياباني
- فصخ
- سياحة لأيران على عهد الشاه محمد رضا بهلوي
- في السعادة والسعدان
- خصومة قديمة
- في الأفق يلوح طوفان جارف؟
- أخطاء شائعة وملاحظات على هامش الحضارة السومرية
- في نشأة الموسيقى وعلاقتها باللغة [نظرية في أصل النغمات الرئي ...
- كركوك أسم سومري


المزيد.....




- فنانون لبنانيون يشاركون في المظاهرات
- راغب علامة ووائل جسار.. فنانو لبنان يدعمون مطالب المتظاهرين ...
- سينما الحمراء.. عندما كان في القدس مكان للترفيه
- أغنيتين جديدتين لعملاق الاغنية اليمنية عبدالباسط عبسي
- لقاء بالرباط لانتقاء مستشاري حكومة الشباب الموازية
- ترامب محق بخصوص روما القديمة.. فهل تعيد أميركا أخطاء الجمهور ...
- -جريمة على ضفاف النيل-.. أحدث الأفلام العالمية المصورة في مص ...
- منع فيلم أمريكي في الصين بسبب لقطات عن بروس لي
- تونس... 22 دولة تشارك في الدورة الثانية للملتقى الدولي لأفلا ...
- هذا جدول أعمال الاجتماع الثاني لحكومة العثماني المعدلة


المزيد.....

- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عبدالرحمن حسن الصباغ - هامبرغر وساكسفون