أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أيوب الوكيلي - كيف تؤثر وسائل الإتصال الحديثة على عقولنا؟















المزيد.....

كيف تؤثر وسائل الإتصال الحديثة على عقولنا؟


أيوب الوكيلي

الحوار المتمدن-العدد: 6271 - 2019 / 6 / 25 - 22:17
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ساهم الأنترنيت في تعزيز ظاهرة تغير العقل، لأن الوجود اليومي المتمركز حول الهواتف الذكية والحاسوب المحمول أثر سلبا على عقلية الإنسان، حتى الهوية لم تعد صادرة عما يكتسبه الفرد من ثقافة المجتمع والمحيط، بل أضحت نتيجة لما نتلقاه داخل العالم الافتراضي، ومنه فإن هذا الواقع الجديد يحتاج منا الدراسة والتحليل حتى نتمكن من إدراكه وفهمه على المستوى الكلي الشامل، و إذا كانت السمة الأساسية للوجود الإنساني هي الازدهار والنمو والتطور فإن التقنيات الرقمية قد تخرج أسوء ما يوجد في النفس الإنسانية، وتؤثر سلبا على الوجود الإنساني، نتيجة الإدمان المفرط على وسائل التواصل الشيء الذي يدمر الشخصية ويخلق حالة من العزلة و يقلص قدرة الفرد على قراءة مشاعر الأخرين والتعاطف معهم.

يوجد اليوم أكثر من مليار ونصف من مستخدمي فيسبوك وهذا الرقم هائل، غير أنهم يستغلونه في التعبير عن الذات بدل التواصل والحوار والإحساس بالأخر أثناء عملية الحوار، هذا الأمر يخلق مجموعة من التغيرات حيث أن التعلق بما يمتلكه الغير يجعلك تابع وسلبي، وهذه المخاطر تتجلى في غياب الإحساس باللحظة والانخراط في البعد الرقمي، حيث يصبح الواقع مجرد حيز ضيق و محدود، كما أن الشبكات الاجتماعية تمكن الناس من قدرات جديدة، لهذا فنحن أمام أزمة غير مسبوقة.

حتى الهوية التي تجعل الفرد متوحدا مع ذاته بشكل مستقل يمتلك القدرة على قراءة مشاعره وأفكاره والقدرة على تحديد الوجهات والمرجعيات التي يريد إتباعها، لم تعد موجودة لأن العالم الرقمي الافتراضي أصبح هو المحدد الأساسي لهويتنا وتصوراتنا في الحياة عموما. كلما ازدادت تواصل الناس عبر الأنترنيت، ازداد شعورهم بالعزلة، وفي كلتا الحالتين تتركز المواقف على الوقت التي نقضيه أمام الأنترنيت الشيء الذي يخلق حالة من الهوس، كما أن ارتفاع نسبة الشعور بالقلق جاء نتيجة لسرعة التي نعيشها في انتاج المعرفة.كما أن جيل الألفية يتميز بجملة من الصفات والسمات تختلف عن الأجيال السابقة، من خلال دراسة متغير جديد هو الانترنيت والعالم الافتراضي، لهذا يسمى كل من ولد في العشرين سنة الاخيرة جيل الالفية، طبعا توجد عوامل أخرى قد تغيرت في هذا العصر لكن العامل الأساسي الذي تنصهر ضمنه جل العناصر الاخرى هو الأنترنيت والعولمة.

إذا ما هي أهم صفات جيل العولمة؟

يتميزون بالعزلة الكثيرة، لا يميلون إلى العمل الجماعي ومساعدة الاخرين، يبحثون عن الصداقات السهلة والسريعة لا يتحملون مسؤولية أفعالهم يحبون العمل السريع والربح بسهولة دون معاناة، إضافة إلى سعيهم لوضع بصمة في العالم دون جهد وإسرار حتى يحققوا الطموحات الكبيرة. لأن جيل الالفية نشأ في نظام الاجتماعي وأسري مفتوح حيث أن معنى الحياة يتحدد خارج مؤسسة الأسرة، ويتم تشيده داخل العالم الافتراضي، إضافة إلى غياب التواصل والحوار داخل الأسرة نتيجة لضغط العمل واختلاف الاهتمامات بين الأجيال، كما أن الآباء لم يعد يتركون مساحة للجهد والمثابرة والعمل الجاد من طرف الأبناء للحصول على ما يريدون بل كل شيء أصبح ناجزا وموجودا دون عمل وجهد، وهذا المنطق سلبي لا يخدم مستقبل هؤلاء الشباب، ومن زاوية أخرى لعبت وسائل التواصل دورا محفزا على هذا المنطق في التفكير عن طريق المقارنة، الشي الذي ينتج عقلية مزدوجة على مستوى النفسي تقول شيئا وتفعل نقيضه.

ومن جهة أخرى فإن الوسائل التكنولوجية تقلص نسبة الثقة في النفس لدى الشباب، وتعزز لديهم ثقافة الخمول والركود والبحث على الأشياء الناجزه دون عمل، ذلك أن البنية التي تشتغل بها وسائل الاتصال خاصة الشركات الكبرى مثل فاسبوك واتساب سنتيغرام، تنطلق من استراتيجيات علمية تسعى إلى التحكم في الدماغ الانساني، لذا نجد أنه كلما انغمسنا في وسائل الاتصال تضاعف افراز الدماغ لهرمون الدوبامين الذي يغمرنا بالسعادة والمتعة، وبالتالي نود أن نبقى دائما على اتصال داخل العالم الافتراضي عالم ثنائي الأبعاد، ومن ثم فإن الانغماس داخل وسائل الاتصال بشكل يومي لساعات طويلة ينتج عنه حالة ادمان مشابهة للإدمان المخدرات والتدخين.

عندما نحفز الدماغ على افراز هرمون الدوبامين، في كل مرة نحتاج مضاعفة النشاط لكي يفرز الهرمون بنفس الوتيرة، الشيء الذي يدفع مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى مضاعفة الساعات التي يقضونها أمام شاشة الهواتف حتى يحدث الإشباع النفسي، وهذا الأمر الذي دفع الخبراء إلى التأكيد على أن الرغبة المفرطة في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي تدخل في دائرة الإدمان، حيث توجد بعض الدراسات التي تقر بأنه كلما تطورت وثيرة استعمال وسائل التواصل الافتراضي لدى الشخص زادت عزلة وقلت قدرة على قراءة مشاعر الأخرين.

هنا مربط الفرس ذلك أن الإنسان في حياته يعيش داخل وسط اجتماعي ومن أجل مواجهة الضغوط يحتاج إلى مساعدة الأخرين له خاصة الأصدقاء والزملاء، لذا علينا أن ندرك أن الضغوط النفسية التي نعيشها تحتاج إلى مساعدة ودعم من طرف أشخاص حقيقين نتبادل معهم أطراف الحديث ونحكي لهم عن ما يجول في خاطرنا، من أحاسيس و عواطف ومشاعر إنسانية، لهذا نجد أن الأشخاص الذين يقضون وقت أكبر على وسائل التواصل الافتراضي، تزداد حدث الاكتئاب لديهم، لهذا فإنهم في حاجة إلى مساندة مباشرة في العالم الواقعي، على سبيل المثال عندما نكون في المقهى ونجد كل شخص يحمل الهاتف، فإن هذا الأمر يدل على عدم الاهتمام المتبادل بين الأشخاص رغم أنهم يجلسون في نفس المكان، كل شخص يخلق اهتمامه الفردي من خلال شاشات الهواتف.

إذا لدينا جيل نشأ في ظل ثورة تكنلوجية، إضافة إلى الضغط النفسي والاجتماعي الذي يعاني منه نتيجة العزلة والانطواء على الذات، إضافة إلى قلة الصبر التي أصبحت عملة رائجة بسبب التوتر و نمط الحياة السريعة داخل سوق الشغل وفي الحياة بشكل عام في الانتاج والعمل الانساني، حتى على مستوى بناء العلاقات لا توجد لدينا فعالية الانجاز، و تقلص الذكاء الاجتماعي والعاطفي، كما أننا نسعى إلى تفعيل الأشياء بسرعة دون احساس بفعاليتها وقوتها، إذ تقلص الوسائل التكنلوجية من فعالية الانتباه والتركيز، لأن القيام بأنشطة متعددة في نفس اللحظة يشوش على الذهن ويمنعه من الوصول إلى حالة الاستغراق الذهني والعقلي التي تقود إلى الفعالية والإبداع.

لهذا نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار للعلاقات الاجتماعية المباشر بين الافراد وتحقيق الاستقلالية في اتخاد القرارات، وتعزيز عملية التبادل والمشاركة الجماعية للمعلومة، وتبادل المشاكل والتحديات من أجل خلق حالة من العزيمة والإصرار لدى هؤلاء الأفراد بشكل عام، لأن العزيمة مهمة في بناء العلاقات الإنسانية الناجحة عن طريق الإهتمام بالشخص وتدخل إلى مشاعره وتتشارك معه همومه وأحزانه، هنا تتحقق حالة الشعور الحقيقية، وليس في العالم الافتراضي الذي يخلق صداقات عابرة ومزيفة.

و من زاوية أخرى فإن أهم ما يجب أن يتعلمه الجيل الحالي في مجال الادارة والقيادة هو الصبر والتركيز على العلاقات الإنسانية الناجحة باعتبارها مصدر التنمية والتطور على المستوى الفردي والجماعي. لأن الرحلة شاقة في مجال المعرفة والتعلم يصعب على الإنسان الوصول للقمة بسرعة، بل لكل مرحلة مجهودها وسياقها الذي تحتاجه لكي نصل إليه، والا سوف نجد أنفسنا أمام زيادة نسبة الانتحار والعنف الاجتماعي.

ومن جهة أخرى فإن ظاهرة تغيير العقل قضية عالمية وليست عابرة، والعولمة قد أثرت على المجتمع الإنساني، حيث أضحى العالم الافتراضي أكثر أهمية وفعالية من العالم الواقعي، باعتباره فضاء مفتوح على إمكانيات متنوعة، لهذا نحتاج أخذ الحيطة والحذر أثناء استعمال وسائل التواصل الإفتراضي، حتى لا نسقط في نوع من العزلة والإحساس بالاحباط الناتجة عن قضاء ساعات داخل الفايسبوك والانستيغرام، وغيرها من التطبيقات الأخرى، بناء على ذلك فإن الوعي بخطورة هذه الظاهرة الجديدة هو الخطوة الأساسية من أجل حماية أطفالنا من خطورة الشاشات التي تعزلهم عنا في عالم ثنائي الأبعاد، يفقدهم لذة اللعب والإحساس باللحظة.

المراجع المعتمدة:
1- كتاب: تغير العقل، تأليف سوزان غرينفيلد، ترجمة ايهاب عبد الرحيم علي، عالم المعرفة العدد، 445، فبراير2017.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,840,743
- الفكرة... بداية الابداع
- المفاتيح العشر لتربية الناجحة
- العبقرية والابداع
- الذكاء العاطفي
- كيف نكتسب عادة القراءة؟
- هل تقتل المدارس الإبداع؟
- هل أنا ما أعيه؟
- كيف يساهم الأدب في تنمية إنسانيتنا؟
- تغيير السلوك من منظور علم الأعصاب
- كيف اللعب وسيلة للتعلم والإبداع؟
- نماذج الألعاب النفسية
- نظرية الألعاب النفسية-علم تحليل المعاملات-
- قوة الكلمة


المزيد.....




- هونغ كونغ: تجدد الاحتجاجات المناهضة لمشروع قانون تسليم المته ...
- الرجل الطائر بالدفع النفاث يحلق فوق ميناء سيدني بالذكرى الخم ...
- رفضت الدائرة 131 أحوال شخصية دعوى الاستئناف التي أقامتها هدى ...
- كيف ترون عودة القوات الأمريكية للأراضي السعودية؟
- بالصور: أمريكيون ينشدون البرودة المنعشة في موجة حارة تجتاح ا ...
- المصابات بالسكري أكثر عرضة لقصور القلب من الرجال
- بين تهديد وإقصاء وتحرش.. انتهاكات تواجه الصحفية في العراق
- إغناشيوس: أميركا تتبع إستراتيجية التمويه مع إيران في الخليج ...
- النداء الأخير.. قيادي إخواني يطلق مبادرة لإنهاء انقسام الجما ...
- الوسيط الأفريقي يحول دون ترحيل إثيوبيا رئيس -العدل والمساواة ...


المزيد.....

- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أيوب الوكيلي - كيف تؤثر وسائل الإتصال الحديثة على عقولنا؟