أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - رستم محمد حسن - ثورة كوجكري -Qoçgirî-















المزيد.....



ثورة كوجكري -Qoçgirî-


رستم محمد حسن

الحوار المتمدن-العدد: 6263 - 2019 / 6 / 17 - 00:33
المحور: القضية الكردية
    


ثورة كوجكري (Qoçgirî)

الخلفية التاريخية :
في عام 1920 ، انقسم أعضاء ( KTC ) الكوردية في أعقاب مناقشات طويلة ، ففضل بعضهم البقاء في اسطنبول وآخرون اتجهوا إلى كردستان التركية للإعداد لانتفاضة عامة، وكان بين الهؤلاء نوري درسيمي وحيدر بك ، وأصلهما من منطقة درسيم، وقد أسس حيدر بك ، زعيم قبائل كوشجيري ، فرعاً للـ KTC في العمرانية وانضم إليه العديد من الشخصيات النافذة في كوشجيري وفي درسيم، غير أن الشخصية المفتاح في إثارة التحركات الكردية في منطقة كوشجيري - درسيم هو علي شاه شقيق حيدر بك الذي كافح خلال الحرب العالمية من أجل الاستقلال الذاتي، وخلال ذلك الوقت كان الكماليون قد أفلحوا في عرض الوظائف و تقديم الرشاوي لبعض الكرد المتنفذين ، كي ينضموا إليهم، ومع أن الأعضاء الكرد في الجمعية الوطنية الكبرى اعلموا سلطات الحلفاء بأنهم لن ينفصلوا عن الكماليين ، وأن بعض الكرد الآخرين كانوا يميلون إلى الكماليين ، فإن الناشطين الكرد الشباب كانوا قد نجحوا في نشاطاتهم القومية ، إلى درجة أنهم استمروا في تنظيم القبائل ، بهدف الحصول على كردستان مستقلة.

_ مطالب الكورد الى الكماليين:
خلال الشهر الأول من سنة 1920 ، عقد اجتماع تنظيمي بهدف تنسيق الجهود مع الكرد في دياربكر ووان وبتليس ومناطق أخرى ، ولعبت علاقات شيوخ تكيّة حسين آبتال ( عبدال ) - مكان عقد الاجتماع - مع الكرد في تلك المناطق دوراً فعالاً ، وفي صيف سنة 1920 ، اعتقد نوري درسيمي أن الكرد يستطيعون تحشيد 45000 مقاتل في غربي ديرسم ومثلها في شرقها ، في حين كانت مناطق شرقي وشمالي ولاية سيواس تحت سيطرتهم، ومع حلول شهري يوليو / تموز وأغسطس / آب سنة 1920 ، بدأ الكرد هجومهم على مراكز الذخيرة والشرطة ، وأخذ بعض الترك أسرى، وبغرض إيقاف الاضطراب المتصاعد ، عينت الحكومة الكمالية كرداً من أمثال زعيم قبيلة كُوجيكري علي شان بگ في منصب حاكم ( قائم مقام ) رفاعية ، وعينوا أخاه حيدر رئيساً لبلدية عمرانية ، وكما تقدم الكرد على صعيد مواقعهم السياسية ، استمروا في مهاجمة شحنات الأسلحة القادمة ، ومستودعات الذخيرة التي كان الترك يعملون على تخزينها استعداداً للثورة الكردية المحتملة، وفي 20 أكتوبر / تشرين الأول استولى الكرد على شحنة كبيرة من الأسلحة ، واستعمل علي شان بگ كوجكري منصبه كحاكم ( قائم مقام ) لمنطقة رفاعية ، في تحشيد كثير من القبائل لدعم الثورة ، ووصل علي شان وزعماء قبليين آخرين إلى حد هوزات ( Hozat ) ، لتحشيد القبائل التي كانت متقاعسة عن المشاركة في حركة الاستقلال ، كما اجرى زعماء القبائل مداولات في جيمشكُرُك مصرحين بتأييدهم لإعلان استقلال كردستان، وفي 15 تشرين الثاني سنة 1920 ، وبعد اجتماع القادة الكرد ، أرسلوا الإعلان التالي إلى الحكومة الكمالية في أنقرة ، طالبين الجواب في 24 نوفمبر / تشرين الثاني :
1 - على حكومة أنقرة أن تبين فيما إذا كانت توافق رسمياً على الحكم الذاتي الذي وعدت حكومةً السلطان في استانبول الكرد به .
2 - على حكومة أنقرة أن تُخبر زعماء درسيم الذين كتبوا إعلاناً بشأن موقفهم من إدارة حكم ذاتي مستقل في كردستان ، بموافقتها الرسمية على الحكم الذاتي
3 - يجب إطلاق سراح جميع المعتقلين الكرد في سجون العزيز وملاطية وسيواس واززنجان .
4 - يجب على الموظفين الترك الانسحاب من جميع المناطق ذات الأكثرية الكردية
5 - يجب سحب القوات العسكرية التركية التي أرسلت إلى كوجيكري .
وقد أرسلت حكومة أنقرة لجنة من العزيز إلى ديرسم ، للنظر في تلك الطلبات ، لكن اللجنة أبعدت ، وحينئذ أرسل الكرد في 23 نوفمبر / تشرين الثاني تلغرافاً إلى أنقرة ، جاء فيها أنه إذا لم تقم كردستان مستقلة في ولايات دياربكر والعزيز ووان وبتليس ، حسبما نصت عليه معاهدة سيفر ، فإن الزعماء الكرد في غربي درسيم سيبدأون العمليات العسكرية، وأجابت حكومة أنقرة بأنها موافقة على الطلبات ، في جهد واضح لكسب الوقت ، وكان للترك فائدة أخرى في هذا الفصل المتأخر ، فالثلوج كانت قد تساقطت بكثافة في منطقة ديرسيم ، وكان من المستحيل أن تقدر القبائل الأخرى على مساعدة قبيلة كوجكري ، واعتقد زعماء القبائل الأخرى أنه ينبغي تأخير الثورة إلى أواخر ربيع 1921 ، وحينئذ يمكن تنفيذ البرنامج التالي .
ويبدو أن السبب الرئيسي للثورة كان يتمثل في أن الكرد كانوا يرغبون في استعمال النصوص الواردة في المادة 62 والمادة 64 من معاهدة سيفر ، لتأسيس حكم ذاتي في الأناضول ، وأنهم رغبوا في الإفادة من الحكم الكمالي الغر الذي أعلن ميثاقه المللي بعام واحد فقط قبل الثورة، وفي ربيع 1921 كان الكماليون منشغلين بالحرب ضد اليونانيين ، وأراد الكرد الإفادة من ذلك الوضع ، وهم الذين كانوا في وضع جيد من حيث تلقي الدعم الدولي بشأن نشاطاتهم ، وتلقوا المساعدة حتى من فرنسا وبريطانيا واليونان ، وكانوا على تواصل مع هذه الدول الثلاث ، لكن ليس ثمة دليل على أنهم تلقوا الدعم من إحدى هذه الدول ، ومن المحتمل أن هذه الدول كانت مسرورة بالصعوبات التي كان القوميون الترك يواجهونها ، أكثر بكثير من سرور المعارضين الكرد المتحمسين .

_ الالاعيب الكمالية قبل الثورة:
بحثت الجمعية الوطنية اضطرابات درسيم في تشرين الأول /أكتوبر 1920، وإذ طالب عدد من النواب برد حازم وأساليب قوية ، فقد طالب النواب الكرد تأليف لجنة مصالحة بشأن إدارة كردستان، وفي البداية تفوق النواب المعتدلون على دعاة الحزم، وحاولت حكومة أنقرة تهدئة الوضع وربح الوقت بتثبيت حيدر وعلي شاه بك في مطالبهما ( الموروثة من الزمن العثماني ) ، إلى ذلك عينت الحكومة المؤقتة أربعة نواب في الجمعية الوطنية ، من أبناء درسيم ، الأمر الذي أدى إلى مشاركة محدودة لقبائل درسيم في انتفاضة عام 1921
وكان من المقرر كورديا هو الإعلان عن الثورة الكردية في ديرسيم ، ورفع الراية الكردية في هوزات ، على أن تتقدم القوات الكردية من جهة أرضروم والعزيز وملاطية باتجاه سيواس ، ويُطلب الاعتراف الرسمي من حكومة أنقرة ، وكان الاعتقاد السائد هو أن حكومة أنقرة ستوافق على المطلب الكردي ، لأنه طلب مدعوم بالقوة المسلحة، وبطبيعة الحال فإن تأجيل إعلان الثورة إلى الربيع منح الحكومة الكمالية فرصة محاصرة المنطقة ، للحؤول دون انتشار الثورة ، ولكسب زعماء القبائل، واستمر الكماليون في التصريح بانه لا مانع عندهم من قبول الطلبات الكردية ، وجاء حاكم العزيز شخصياً إلى منطقة بترُك ( Petrek ) ، وأخبر مكو( Meko ) آغا - وقد عين أخيراً عضواً في البرلمان - بأن مصطفى كمال يؤيد المطالب الكردية ، ووقع كبار الزعماء الكرد ضحية تضليل الحكومة الكمالية في أنقرة، وإضافة إلى مكو آغا ، تم تعيين مصطفى دياب آغا ، وأحمد رمزي ، والميجور ( بنباشي ) حسن خيري ، أعضاء في البرلمان من قبل مصطفى كمال ، لكن بالرغم من الأعمال الانتهازية التي مارسها هؤلاء الرجال ، يرى نوري ديرسيمي أنهم ظلوا يضمرون روحاً نضالية كردية ، وقناعةً وطنية راسخة، وأخبره النواب الكرد في أنقره بأنهم يأملون في الحصول على الحقوق الكردية بالوسائل السلمية ، واضاف نوري درسيمي أن النواب الكرد أدلوا بهذه التصريحات ؛ إما لأنهم كانوا بحاجة إلى أعذار لتغطية أعمالهم الانتهازية ، وإما لأنهم كانوا قد وقعوا عميقاً في قبضة المكر التركي ، إلى درجة أنهم لم يستطيعوا تمييز الدوافع الحقيقة للترك .
كما إن مصطفى كمال خير على شان بگ بين الحضور إلى أنقرة ، أو قبول منصب الحاكم الرسمي الأعلى في سيواس ، ووعد أيضاً بأن الحاكم الكردي المساعد ( المتصرّف ) سيرسل إلى ديرسيم ، فكان جواب كل من سيّد رضا وعلي شان بگ أنهما يريدان إدارة كردية مستقلة ، ولا يريدان بكل تأكيد أي نائب كردي ترسله أنقرة حاكماً لمنطقة ديرسيم .
وفي أواخر سنة 1920 ، أمر مصطفى كمال باعتقال نوري درسيمي ، بتهمة قيامه بتسليح 1200 من عمال المناجم الكرد في درسيم ، في منجم بايلا ( Bayla ) وذكر نوري درسيمي أنه حينما سمع بأمر اعتقاله استقال من منصبه ، وراح طوال الوقت ينظم القبائل الكردية تحت لواء الثورة ، وحينما تم إطلاق سراح نوري درسيمي من السجن ، حاول والي سيواس رشيد ببگ إقناعه بأن ينصح الكرد في درسيم أن يبقوا موالين للحكومة الكمالية في أنقرة ، وهدد في الوقت نفسه بالمحتلين الأجانب ، وذكر والي سيواس أيضاً أن مصطفى كمال أمر بأن تمنح بعض الأرض الزراعية لنوري ديرسيمي ، بحسب قانون الإسكان.

_ احداث الثورة :
بدأت الصدامات بين الكماليين والكرد بحدود يناير / كانون الثاني 1921 ، وفي 15 فبراير / شباط زحف فوج تركي على عمرانية ، وبناء على هذه الظروف رغبت القبائل الكردية في الثورة مباشرة ، لكن قادة الحركة الكردية أرادوا الانتظار أشهراً قليلة للتأكد من انضمام قبائل كبيرة إلى الثورة، وظن الكرد أن خطة حكومة أنقرة الكمالية تقوم على الانتظار إلى نهاية فصل الشتاء للبدء بالهجوم على الكرد ، وأنه حينما تنفتح الطرق إلى ديرسيم ، سيبدا الكماليون بالهجوم والقضاء على الثوار واحداً بعد آخر ، وتدمير التنظيمات الكردية ، من غير إطلاق النار ، مع اعتقال بعض القوميين ، ويُبعدون آخرين كي يعزلوا ديرسيم ، ويمنعوا انتشار الثورة .
ازداد القتال بين الكرد والترك في مارس / آذار 1921 ، ونشب صدام كبير بينهم في عمرانية ، وأعدم القائد التركي ، ورفع الكرد الراية الكردية في مركز المدينة ، ووقعت الأسلحة التركية - بما فيها الرشاشات - في أيدي الكرد ، إضافة إلى عشرة آلاف حصان وجميع البغال ، وأطلق الكرد سراح الموظفين والجنود الترك ، ويبدو أنهم لم يقتلوا أحداً منهم ، وأنضم الكرد والشركس الذي كانوا في القوات التركية إلى صفوف القوات الكردية.
وقامت حكومة أنقرة الكمالية باتخاذ إجراءات قاسية ضد الكرد ، كما أن أحداث مارس / آذار شجعت الكرد الآخرين على ركوب عربة النصر ، وطلب من قبائل أخرى في أزرَنجان وملاطية أن ترسل المعونة ، لكن تلك القبائل قالت إن الأحوال الجوية لا تمكنهم من ذلك ، وفكر الكرد في طلب المساعدة من الفرنسيين في أورفه وغازي عنتاب ، لكن القوميين الكرد الشباب رفضوا طلب المساعدة من الأجانب ، وأصروا على أنهم سيواجهون الترك وحدهم ، وحمل النساء والصبية الذخيرة والطعام للمقاتلين الكرد ، وفي 8 مارس / آذار عبرت القوات الكردية جبال منظور المغطاة بالثلوج ، وسيطرت على كماها ( kemaha ) ، وتم اعتقال عدد كبير من الإقطاعيين الكرد الذين يبدو أنهم كانوا يتعاونون مع الترك، وعلاوة على ذلك ، أصبحت معظم مناطق ديرسم تحت السيطرة الكردية خلال ربيع 1921 ، واستمرت النشاطات الوطنية الكردية ، وتولى الزعيم الديني سيد رضا السلطة الإدارية.
وفي 11 مارس / آذار 1921 - مدفوعين بهذه الانتصارات - أرسل الكرد برقية إلى أنقرة ، معلنين أنهم يريدون تأسيس ولاية تدار من قبل الكرد داخل المناطق التي سيطروا عليها ، فأجاب الكماليون بإرسال لجنة برئاسة شفيق بتليسي ، وهو كردي ، وأعلن هذا الأخير أن حكومة أنقرة تريد حل الأمور سلمياً ، لكن بينما كان يتفاوض مع الثوار ، عزز الترك قواتهم في المنطقة ، وأعلنت حكومة أنقرة الحكم العسكري ( وهي المرة الأولى من إعلانات كثيرة كهذا ) في ولايات ألعزيز وأزرَنجان وسيواس ، ورداً على محاولات الترك إيقاف الثورة ، أبرق الكرد إلى أنقرة بأنهم يعرفون أن حكومة أنقرة تريد تشريدهم تماماً كما جرى للأرمن ، ولذلك فإنهم سيواصلون القتال دفاعاً عن قضيتهم القومية.
وشارك الكرد جميعا ، صغارا وكباراً ، وكل من استطاع حمل السلاح - الرجال والنساء والشيوخ والأطفال - وحسب إمكاناتهم ، في المعارك ضد القوات التركية ، وهم يصدون الهجوم تلو الآخر إلا أن القوى لم تكن متكافئة ، فاضطر الثوار إلى التراجع تحت ضغط قوة الأتراك المتفوقة واستشهد عدد كبير من القادة الكرد استشهادا بطولية على أرض المعركة في مثل هذا الموقف اتخذ الثوار قراراً بإرسال النساء والأطفال إلى ديرسم .
وفي ۲۹ نيسان عام ۱۹۲۱ زحف حيدر بك ومعه ألفان من المقاتلين نحو ارزنجان وبوليوميور ( أي باتجاه الشمال والشمال الشرقي ) ، بهدف الانضمام إلى سكان ديرسم . وعندما كانت القوات التركية تتعقب أثره ، دخل منطقة أرزنجان التابعة لعشيرتي قريشان وبالابان ، ومنها عزم حيدر بك الدخول إلى ديرسم غير الممرات الجبلية بوليوميور - ماما خاتون ، لكن زعيم عشيرة قريشان كورباشر ، بدلا من تقديم المساعدة ، خرج ولصالح السلطات التركية ، مع فصيلة تضم عدة آلاف لملاقاة حيدر بك وأعلن بأنه سيحارب الثوار ، إذا دخلوا ( أراضيه ) وبعد أن تلقى حيدر بك هذه الضربة في الظهر ، تراجعت فصيلته ، وهي تقاتل ، إلى جبال كوجكري ، حيث خاض مع قواته معارك ضارية ضد القوات التركية ، وتميزت الحملة التركية وبخاصة مع عصابات طوبال آغا ، بجرائمها البشعة ضد السكان الكرد ، فقد قتلت جميع السكان الكرد تقريباً في القرى التي احتلتها .
و قرر نورالدين باشا القضاء على قيادة الثورة ، بهدف توجيه ضربة قاسية إلى الثوار وقد اقترح على البكوات الموالين لتركيا في سيواس ، إجراء اتصالات مع حيدر بك واقناعه بالمجيء إلى سيواس للمفاوضات، لكن حيدر بك ، الذي لم يكن يتصف بالحزم ، خدع بهذا الامر فوصل على رأس مفرزة تعدادها ألف مقاتل ، إلى قيادة أركان الجيش التركي في سيواس، وجرى اعتقاله مع 400 من أنصاره ، أما بقية مقاتلي مفرزته والبالغ عددهم 600 شخص ،فقد أرسلوا إلى الولايات الغربية ، حيث استشهدوا هناك، فكان لاعمال حيدر بك الأخيرة عواقب وخيمة على الحركة كلها، فقد أضعفت الثوار وألحقت بالحركة خسارة معنوية كبيرة ، أسفرت عن خروج الكثيرين منها، وعندما كانت قوى الثوار تنهار أمام الأنظار ، لم يبق أمام قادتها مثل على شير ، ونوري ، وصبري ، ومحمد علي ، وجيكز ، ومامو تاربازالي ، وكامل عزيز ، وويلو ، وباشو عباس وغيرهم ، مخرجا سوى الانسحاب وهم يخوضون المعارك ، إلى مناطق ديرسم الجبلية ، حيث كانت تنتظرهم محن وويلات فظيعة، ووقع في الأسر قادة كورد كوجكري مثل عزمت ، وبحري بك ، و فيليك علي ، وحمو ، وعزيز ، وتقي ، وحيدر بك ، وبهلوان ، وحسين ، وعاشور ، وفي الوقت ذاته ، تم الاستيلاء على 2000 بارودة وغيرها من العتاد وبعد قمع الانتفاضة ، قدم 400 منهم إلى المحكمة العسكرية العرفية في سيواس، وحكمت على حيدر بك وسيد عزيز وخمسة عشر من رفاقهما بالإعدام شنقا ، كما حكمت غيابياً على كل من : علي شير ، وم . نوري ، ومحمد مصطفى باشا أوغلو ، و ممو تابوالي ، وويلو ، وصبري ، و 95 ثائراً آخر ، أما بقية المتهمين فقد حكم عليهم بالسجن لفترات مختلفة ، كل واحد حسب درجة ( التهمة) الموجهة إليه ، والتي تتراوح بين 5 سنوات وحتى السجن مدى الحياة، ولم يتم تبرئة سوى 110 أشخاص من اصل 4۰۰ شخص ، لكن هؤلاء ابعدوا إلى مناطق البلاد المختلفة.
إلا أن التنكيل بالثوار لم يؤد إلى الهدوء في ديرسم . فقد أصبحت الحركة متواصلة في سبيل إطلاق سراح المعتقلين ، واتسمت المقاومة بتلك المزية وهي أن سكان ديرسم عندما كانوا يرسلون البرقيات إلى أنقرة ، كانوا يدعمون مطاليبهم بالعمليات العسكرية على خط أرزنجان - كيماخ - ايفين ، وحتى منطقتي زارا وديوريغي . وفي الوقت العصيب الذي كان يمر فيه الكماليون ، عندما كان ينبغي حشد جميع القوى في الجبهة الغربية ضد القوات اليونانية ، ألغي مجلس الأمة التركي الكبير ، وباقتراح من مصطفى كمال ، قرار المجلس العسكري العرفي في سيواس بشان المعتقلين الكرد ( عدا علي شير ، وم . نوري ) . وقد أطلق سراح جميع الكرد المحكوم عليهم بالإعدام تقريباً ، إلا أن العفو لم يشمل أولئك الكرد ، الذين لم يستسلموا للقوات التركية واختفوا في الجبال، ولم يوقف الكرد الذين ظلوا في وضع "قطاع الطرق" كما كانوا يسمونهم في تركيا ، نشاطهم في ديرسم ، حيث لم تتمتع السلطات التركية عملياً بأي نفوذ، ففي آغدا مثلا ، الواقعة تحت سلطة سيد رضا التامة رفرفت راية كوردستان ، ولم يكن بمقدور السلطات التركية فعل أي شيء وهكذا ، فإن الحكومة التركية ، مع أنها أخمدت الانتفاضة في منطقة ديرسم - كوجكري ، لم تتمكن آنذاك من إخضاع جميع عشائر ديرسم لحكمها .

أسباب فشل ثورة كوجيكري:
اعتقد الكرد أن الترك سيكونون حذرين في مهاجمة الكرد ، لأنهم سيضطرون إلى سحب قواتهم من جبهات القتال ضد اليونانيين ، حيث كانت تدور حرب شرسة ، ويبدو أن الكرد اعتقدوا أن الترك لن يستطيعوا القتال ضد اليونانيين والكرد في آن واحد ، وما فعله الترك في ربيع 1921 هو أنهم اتخذوا إجراءات احتياطية لمنع انتشار الثورة الكردية ، وحاولوا القضاء على مصادر دعم الثورة بين الكرد أنفسهم ، وكانت هذه الطريقة فعالة جداً، كما أن الترك وجهوا الفوج الشركسي المعروف بوحشيته ، بقيادة توبال أوسمان للقتال ضد الكرد ، وارتكب هذا الفوج الكثير من الأعمال الوحشية ، وبينما كان الترك يصعدون من وتيرة هجومهم ، قررت بعض القبائل الكردية عدم المشاركة في الثورة ، وانسحبت قبائل أخرى من صفوفها ، ولم تتلق الثورة أي تشجيع من النواب الكرد في أنقرة ، وقد أدرك قادة هذه الحركة أنفسهم هذا الأمر حينما حلّلوا أسباب فشلهم ، وهي التالية :
السبب الأول : ضعف الدعم الأوروبي .
السبب الثاني : عجز البنية الاجتماعية للقبائل الكردية عن تحقيق الوحدة الضرورية في الحرب من أجل الاستقلال ، كما أن ضعف الطبقة المتوسطة استوجب أن يتولى زعماء القبائل قيادة الثورة الوطنية ، وكان من السهل على العدو أن يكسبهم إلى جانبه .
السبب الثالث : خلقت الاختلافات الدينية والطائفية بين الكرد عدم الثقة في ما بينهم ، وبسبب قلة المجموعات المتنورة فكرياً ، كان من الصعب إزالة ذلك ، وذكر نوري درسيمي أن الشباب الكرد الثوار كانوا متحمّسين جداً لأجل الاستقلال ، في حين كان قادة الثورة يطالبون بالحكم الذاتي فقط ؛ لقد طالبوا في برقيتهم التي أرسلوها إلى أنقرة في 11 مارس / آذار بولاية ذات حكم ذاتي تشمل المنطقة التي سيطروا عليها .
إن النقد الذاتي الذي مارسه قادة الثورة وثيقة مهمة ، وإنّ معظم قادة الثورة ، كما أشرنا سابقاً ، كانوا يستقطبون من قبل الكماليين الذين كانوا يسندون إليهم بعض المناصب، ويخصصون لهم التعيينات ( الرواتب ) ، ويمنحونهم الأراضي ، وكانوا أحياناً يقدّمون لهم الرشاوي, لقد كان الكماليون يمتلكون أراضي شاسعة وممتلكات كثيرة سلبوها من الأرمن ، وكانوا يوزعونها ويستعينون بها لرعاية مصالح حكومة جديدة واسعة النفوذ تقع تحت تصرفهم ، كما أنهم أطلقوا دعوات قوية إلى تضامن المسلمين ضد الكفار الذين يهاجمون الوطن وعلاوة على ذلك من المحتمل أن كثيراً من الكرد ما كانوا مقتنعين بالقوة المتأصلة في قوميتهم ، وأن كثيرين من قادة التنظيمات التي كانت تدير الثورة كانوا قادمين من إستانبول البعيدة جداً.
ويضاف الى هذا، ضعف التواصل ، والتناقضات بين المدينة والريف ، وبين المثقف والعشائري ،فكل هذه الامور قد أدت مجتمعة ، إلى أن تكون الثورة قصيرة العمر، مع التفوق الهائل للقوات التركية العسكرية ومستوى تنظيمها ، والرعاية الشاملة ، وطبيعة الأرض ، ومصادر القيادة في حكومة أنقرة، وإضافة إلى مصادر القوة هذه الدولة واسعة الأرجاء ، بالمقابل لم يكن واضحاً في المصادر الخاصة بالثورة ما إذا كانت أية قبيلة مشاركة فيها كانت منتسبة إلى الألوية الحميدية ، أو ما إذا كانت من الأفواج القبلية التي تم تأسيسها خلال الحرب العالمية الأولى ، لأن معظم الألوية الحميدية كانت قد تكونت من القبائل التي تعيش في الشرق والجنوب ، وكان ذلك سبباً في أن قبيلة كوجيكري كانت محرومة من اكتساب خبرة حربية كافية ، كما إنها كانت أقرب إلى أنقرة من ثورة الشيخ سعيد ، وكان من السهل على القوات التركية الوصول إليها على الرغم من التضاريس الطبيعية الصعبة ، وبالرغم من أن الترك كانوا منشغلين أكثر بالحرب ضد اليونان ، وأنهم كانوا قد بدأوا هجومهم الثاني ضد اليونان في 23 مارس / آذار 1921 ، فإنهم كانوا في الوقت نفسه منشغلين بالقضاء على هذه الثورة ايضا ، محركين خمسة أو ستة آلاف جندي ، وكانت تلك مسألة بسيطة بعد الجهود التعبوية الضخمة للقتال ضد اليونان.
اما الحقيقة الاكثر شناعة فهي أن كثيرين من الكرد في منطقة الثورة ، أو خارج تلك المنطقة ، دعموا مصطفى كمال لأسباب عديدة، وبحسب المعلومات التي ذكرها فان بروينسن ، كان لكثير من الأغاوات علاقات شخصية مع مصطفى كمال ، وهم أقاموا هذه العلاقات حينما كان قائد هيئة أركان الجيش السادس عشر في دياربكر سنة 1916 ، وإن قيادته أسهمت في صدّ الجيش الروسي ، وفي إسقاط فكرة إقامة دولة أرمنية في شرقي الأناضول ، وكان قد أصبح رمزاً للدفاع عن الوطن ضد الغزاة الأجانب والكفار.
إنّ ما يجب إبرازه بوجه خاص ، هو أن قادة الحركة الكوردية ، الذين كانوا معزولين عن شعبهم ، لم يدركوا مرارا طموحاته وآماله ، فهؤلاء القادة ، الذين لم يتمتعوا بتأييد الجماهير الشعبية ، لم يخونوا الحركة وحسب ، بل لم يثقوا بالشعب ويعتمدوا عليه ،بل اعتمدوا اكثر على (تأبيد) الدول الاستعمارية الكبرى ، وأحيانا على الكماليين ، وفي نهاية المطاف ، فإن مصير الحركة الكوردية قد تقرر في هذه المرحلة من وراء ظهر الشعب الكوردي ، وخلافا لمصالحه وبالتواطؤ بين الدول الاستعمارية الكبرى والكماليين في مؤتمر لوزان

البعد الطائفي للثورة :
إن انتفاضة كوشجيري تمت بفعل تلاقي الرفض القومي الكردي الممثل بأعضاء KTC والرفض العلوي الممثل بقبائل كوشجيري ضد الكلام المنمق الكمالي عن الوحدة التركية الكردية القائمة على الإسلام السني، هذا الرفض المزدوج يفسر لماذا كان العلويون وحيدين في التمرد على حكومة أنقرة قبل عام 1923، فلقد ثار سكان كوشجيري ليدافعوا عن كرديتهم في وجه المغول ، ( الترك ) بمستوى دفاعهم عن تراثهم العلوي، فالعلوية وفرت الأرضية ، للتعبئة وكانت منطلقاً لكل خطاب كردي جديد وفرت له معاهدة سيفر المشروعية ، وفي حين نجح أعضاء KTC في تعبئة القبائل ضد القادة الكماليين ، فإنهم عجزوا عن تعبئة القبائل السنية المتجاوبة مع خطاب مصطفى كمال الداعي إلى المصالحة، وتحولت حركة كوشجيري بالتدريج ، إلى المطالب المحلية ، رغم استمرار التمسك بالمسلمة المطلقة وهي استقلال كردستان.
وبالرغم من ضعف المجتمع القبلي الكردي فقد لعب زعماء القبائل الدور الأكثر أهمية في الثورة ، وكان دور الشيوخ أقل أهمية بكثير من ذلك الدور الذي لعبوه لاحقا في ثورة الشيخ سعيد ،وعلى أية حال لعبت التكايا دوراً مهماً ، وخصوصاً تكية حسين أبتال ( عبدال ) ، وربما كان ذلك لأن القوميين الكرد تعلموا كثيراً من الدروس في هذا المجال ، من أبرزها أنه يمكن الثقة بالشيوخ أكثر من الثقة بزعماء القبائل كقادة للثورة ، وأن علاقات الشيوخ مع الجماهير كانت ضرورة مطلقة في تحقيق وحدة شاملة ، كما أنه كان يصعب على الحكومة التركية بعض الشيء كسب الشيوخ إلى جانبها ، لقد كانوا قوميين أكثر من زعماء القبائل ؛ إن هذه العوامل جميعها كانت قد أخذت في الحسبان سنة 1925 . وقد ذكر نوري درسيمي أن الاختلافات الدينية والمذهبية بين الكرد أسهمت في فشل الثورة ، وهذا يدل على أنه كانت ثمة صدامات بين السنة والعلويين ، وهذا ما حدث بلا شك ، لكن القبائل السنية والعلوية شاركت في الثورة ، بخلاف ثورة الشيخ سعيد التي شاركت فيها القبائل السنية فقط، والأمر ليس واضحاً في رواية نوري درسيمي ، ومن المحتمل أن الكرد السنّة لم يشاركوا في الثورة بالحماسة ذاتها التي شارك بها العلويون ، وكتب فان بروينسن أن معظم الكرد السنة رأوا في الثورة أنها ثورة علوية فقط، وهذا هو السبب في عكس الأدوار سنة 1925 ، إذ إنّ الكرد العلويين شاركوا في ثورة كوجيكري سنة 1921 ، وكان القسم الأكبر منهم هم من الناطقين بالزازية ، بخلاف سنة 1925، التي كان عصبها الرئيسي من الكورد السنة، وعلى أية حال فإن الاختلافات الدينية واللغوية لعبت دوراً في ثورة كوجيكري سنة 1921.
وقد انعكس الطابع الانقسامي الكردي في الأدبيات الكردية أيضاً، فقد كان القوميون الكرد المتحدرون من KTC عاجزين عن صياغة عقيدة قومية تتعدى الافتراق اللغوي والديني من أجل تعبئة أكبر قطاعات المجتمع الكردي.
إن سحق انتفاضة كوشجيري ، والتحاق عدد كبير من زعماء القبائل السنية بحكومة أنقرة ، والانتصارات العسكرية على اليونانيين ، جعلت الكماليين يعتقدون أنهم قد أمنوا القاعدة للاستقرار الداخلي والخارجي في تركيا، وقد تبين خطأ هذه الحسابات بعد سنوات قليلة، اثر اندلاع ثورة الشيخ سعيد وما تلاها من ثورات اخرى حتى في ديرسيم ذاتها.

المصادر :
الحركة الكردية التركية في المنفى ل جوردي غورغاس
الحركة الكوردية في العصر الحديث لمجموعة من المؤلفين
تاريخ الكفاح القومي الكردي (1880_1925). لروبرت اولسون





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,421,568,393
- الشبك
- الشيخ احمد البارزاني
- جمعية خويبون مالها وماعليها


المزيد.....




- -هذه إبادة-: بدأت غارات ترامب على المهاجرين
- الأمم المتحدة: القيود الأمريكية على الدبلوماسيين الإيرانيين ...
- استمرار عمليات دفن المهاجرين الغرقى في جرجيس التونسية وصعوبا ...
- «تنفيذية التحرير الفلسطينية» تحذر من سياسة التطهير العرقي في ...
- منظمة حقوقية: مقتل 375 مدنياً بغارات للتحالف خلال 2018
- هيئة الأسرى الفلسطينية: المرضى والجرحى في سجون الاحتلال يعان ...
- شخصيات ومنظمات وأحزاب تدعو إلى -وقف انتهاك حقوق الإنسان- في ...
- الصين: دول بأغلبية مسلمة تلمّع صورة الانتهاكات
- بالتعذيب والتلويح بـ-هتك العرض-.. سجون نينوى تنتزع الاعترافا ...
- منظمات حقوقية تقاضي إدارة ترامب بسبب -حربها- على طالبي اللجو ...


المزيد.....

- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم
- الأحزاب الكردية والصراعات القبلية / بير رستم
- المسألة الكردية ومشروع الأمة الديمقراطية / بير رستم
- الكرد في المعادلات السياسية / بير رستم
- الحركة الكردية؛ آفاق وأزمات / بير رستم
- دفاعاً عن مطلب أستقلال كردستان العراق - طرح أولي للبحث / منصور حكمت
- المجتمع المسيّس في كردستان يواجه نظاماً سلطانياً / كاوه حسن


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - رستم محمد حسن - ثورة كوجكري -Qoçgirî-