أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - لماذا يعيش العربان والمتأسلمون في ضلال مبين؟















المزيد.....

لماذا يعيش العربان والمتأسلمون في ضلال مبين؟


ياسين المصري

الحوار المتمدن-العدد: 6260 - 2019 / 6 / 14 - 00:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في مقال للدكتور كامل النجار تحت عنوان: « حرب الفتاوى تكشف زئبقية الإسلام» قال: « الإسلام مبني على التناقض في كل شيء من القرآن إلى الأحاديث إلى الفتاوى. ولكن المشكلة أن الإسلام أيدولوجية والأيدولوجية بطبعتها تُغلّف عقل الشخص المؤدلج بغلاف سميك يمنع الضوء من دخول تجاويف ذلك العقل، وبالتالي يعمى ذلك العقل عن رؤية التناقض».
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=108693&nm=1
وهكذا نرى مجتمعات تعيش بكاملها ومنذ 1400 عام في ضلال مبين!
كيف حدث هذا؟ ولماذ؟
إن تناقض الآراء وتضاربها في الشؤون السياسية المرتبطة بالحياة الدنيوية للمواطنين أمر معهود ومعروف ومتفق عليه، ويكون مفيدا ويثري المجتمعات البشرية في أغلب الأحيان خاصة عندما تجتمع أغلبية المواطنين حول الرأي السديد. ولكن التضارب والتناقض في مجال الدين وشؤونه الفقهية المرتبطة بوجدان الفرد وسلوكه وأخلاقياته، واستمرارهما لعقود طويلة دون حسم يؤديان لا محالة إلى التشتت الفكري والاضمحلال العقلي والضلال السلوكي. والأدهى والأمرُّ من ذلك أن الكثير منها أصبح في الوقت الراهن يفضي إلى الكراهية والعنف والإجرام.
الشخص المؤمن ينظر إلى الفتوى الدينية على أنها تجسيدٌ لإرادة الله ورسوله (الكريم دون تحديد حتى وهو في قبره)، فتتحول الفتوى في عقله ووجدانه إمَّا إلى فعل الخير أو فعل الشر، إلى أن يكون شخصًا إجراميًّا أو شخصًا مسالمًا، وتتسبب بذلك إمَّا في سفك الدماء أو عصمتها، وإشعال أوار الحروب، أو وضع أوزارها، وتعمل على هدم العروش أو ترسيخها، واندثار الحضارات أو قيامها، وتحط لا محالة من شأن الأشخاص والجماعات والدول أو رفعته.
من سوء حظ المجتمعات العروبية والمتأسلمة أنها أُبتليت منذ موت نبيها الموسوم بالكريم - دون تحديد - بمن يتكلمون بإسم الله وبإسمه، فالكلام لا يكلِّف شيئًا، ويُصدرون الفتاوى جزافًا في كافة الشؤون الحياتية وغير الحياتية، ثمَّ لا يلبثون أن يُناقضوا أنفسهم برفضها أو التهرب منها، أو التراجع عنها، فإلههم (الأكبر) ورسولهم (الأكرم) لا يمكنهما الاعتراض عليهم والرد على أكاذيبهم، التي احترفوا العمل بها منذ البداية، رغم الأمر القرآني: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إنَّ الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع قليل ولهم عذاب أليم} (النحل 116).
وتحذير نبيهم من الكذب على لسانه أكثر من مرة بأقوال منسوبة له:« من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاريستاني (1229) ، ورواه مسلم النيسابوري في مقدمة صحيحه (3).
وقوله: " لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي فليلج النار " رواه البخاريستاني (106)، و" مَن يَقُلْ عَلَيَّ مَا لم أقُلْ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"… إلخ.
من الواضح أن فقهاء الإسلاموية ورجالها كانوا ولازالوا على يقين تام بأن نبيهم كان يكذب بإسم الله، لذلك احترفوا من بعده مواصلة الكذب على لسانه، ولكن أكاذيبهم قبل ظهور الإنترنت والأقمار الصناعية كانت مقتصرة على ما يقررونه بأنفسهم ويرددونه كالببغاوات، إما بشكل سماعي، على المنابر الإعلامية المتوفرة لهم والمنتشر كالوباء في المجتمعات العروبية والمتأسلمة أو بشكل كتابي لا يقرأه أحد.
ولأنهم هم وحدهم الذين يعرفون الحقيقة المخزية لحياة النبي وصحابته، كان بينهم اتفاقٌ غير معلن على إخفاء تلك الحقيقة عن المتأسلمين حفاظًا على هيبتهم الوفية ولقمة عيشهم الهنية والثرية، فمن الطبيعي ألَّا يفصح البائع عمَّا في بضاعته من عُـوار أو عيوب، وكانت أصواتهم تطغى على كل الأصوات وسطوتهم تدمر أية سطوة أخرى منافسة لها. لقد أكسبهم جهل المستمعين بما يقولونه في الشؤون الدينية والحياتية ثقة عالية، فبدوا وكأنهم ينامون ويستيقظون مع النبي في خيمته، ويتناولون وجبات الطعام في مجالسه، وأن الحقيقة الكاملة أصبحت بين أيديهم، أمَّا المتأسلم بوجه عام فقد فكان يتلقَّى بارتياح ما يبثونه في وجدانه من أكاذيب ينتقونها بعناية من كتب التراث، حيث ” لا ضرر ولا ضرار، فالاسلام يزيد المسلم خيراً ولا يزيده شراً “، بحسب حديث رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما، معنعنًا بسلسلة من الشخوص الوهمية، كغيره من آلاف الأحاديث المنسوبة لنبي التأسلم، وكان راضيًا بسلوكياته الحياتية، وبديانته السهلة السمحاء التي فصَّلها الفقهاء ورجال الدين على مقاسه وطِبْقاً لفطرته وحاجاته الجسدية والنفسية، وكان لذلك فخورًا بنبيه الكريم وصحابته الأبرار، مرتميًا في أحضانهم دون استثناء، إلَّا إذا كان متشيِّعًا لعلي بن أبي طالب.
إقتضت ضرورة الاتجار بالدين أن يتجاهل الفقهاء ورجال الدين أجزاءً من النصوص التراثية المقدسة أو تغيّبها عن التداول ولا يتحدثون سوى عما يروق منها لهم ولسامعيهم، فكانوا بذلك يمثلون الهيمنة المدرسية أو المكتبية (السكولاستيكيّة Scholasticism) التي سادت في أوروبا في العصر الوسيط، حيث كانت الكنيسة تمنح الإذن لرجال الدين وحدهم بالاطلاع على النصوص الدينية المريبة وتفسيرها والحكم عليها وردّ محتوياتها تبعًا لما ترتضيه، وتعاقب كلّ من يسعى دونهم إلى الاطلاع على نفس النصوص دون ترخيص منها.
لم يكن في حسبان أحد أن ينقشع الضباب، فيولِّي ويذهب كل هذا في يوم ما، وتظهر الديانات المسماة بالسماوية على حقيقتها، وتنتشر أصولها عبر العالم، خلال المواقع الإليكترونية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وينكشف للجميع أن نبي الإسلاموية المزعوم كان مجرمًا محترفًا وزئر نساء وقاطع طريق من الصعاليك، ولم يكن قدوة حسنة سوى في القتل والسلب والنهب والسبي واغتصاب النساء ومفاخذة صغيرة السن، وأن ديانته تم تلفيقها كتوليفة مختلطة من اليهودية والزرادشتية المجوسية والوثنية وغيرها على أيدي العباسيين الفرس، وأن الكثيرين من صحابته الأبرار لا وجود لهم إلَّا في الخيال!، مما أصاب الفقهاء ورجال الدين بصدمة تراوحت حدتها بين ما كانوا يتوقعونه دائمًا منذ ما يزيد على 1400 عام، وبين ما وقع بالفعل، تملكهم الدوار وانعدام الوزن. ومع كثرتهم وتكالبهم على لقمة العيش النفطية، بدأوا في الهذيان والهلوسات الفقهية، فيما يمكن تسميته بـ”فوضى الفتاوى“، التي تحمل في مضمونها كمًّا هائلًا من الاستهانة بعقول السامعين، وراحوا يستميتون ويميتون ويتقاتلون ويقتلون في الدفاع عن نبيهم الكريم وصحابته الأبرار، وتقديم تبريرات واهية وملفقة ولا عقلانية للنواحي المشينة في حياتهم والتي قتل الكثيرون منهم بسببها، وسمع الجميع لأول مرة عن ملكات اليمين ورضاعة الكبير ومفاخذة صغيرات السن ونكاح الزوجة المَيِّتة وبول البعير الذي يشفي من الأمراض، وجناحي الذبابة (أحدهما فيه الداء والآخر فيه الدواء) ورأس رسول الله المُقَمِّلة وإباحة أكل لحوم الجن! وغير ذلك من الأشياء المربِكة والمريبة والغريبة، وظهر من بينهم أناس يتشبهون بالنبي في قذارته، ويلتزمون بمنهجه الإجرامي، ويشكلون مجموعات من الصعاليك تتبني الإرهاب دفاعًا عن تلك الحقائق الدينية المخزية، وتقتل كل من تسول له نفسه الحديث عنها علانية، بالرغم من وجودها وسهولة الاطلاع عليها. ووضحت ديانتهم على حقيقتها فهي ضررٌ وضرار وتزيد المتأسلم شرًّا ولا تزيده خيرًا على الإطلاق.
من المعروف أنَّ نبي الأسلمة كان يستدعي الوحي (القرآن) دائمًا لإنقاذه من المشاكل الدنيوية سواء كانت في الشؤون الزوجية أو في تعامله مع الآخرين، وأثناء الفتنة الكبرى بين على بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان تم استدعاء "القرآن" إلى المعركة؛ كوسيلة سلطوية لمساندة وتبرير المواقف السياسية لكل منهما، و بحسب طريقته، حيث عمد معاوية إلى استخدامه كسلطة رادعة من خلال رفع صفحاته على أسنة الرماح، بينما استدعاه علي كحقل مفتوح للاجتهاد والتأويل من خلال مقولته "القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق وإنما يتحدث به الرجال" وأنه "حمَّال أوجه ، ذو وجوه، وخُذْهم بالسُّنَن فإنَّهم لن يَجدوا عنْها مَحيصًا"، ومنذ ذلك الوقت سادت في التاريخ الإسلاموي إمَّا استحضار القرآن أو الفتوى لتحقيق الأهداف والمصالح السياسية وردع الخصوم.
وبما أنَّ الإسلاموية ديانة زئبقية ولا يمكنك القبض على حقيقة ثابتة فيها، فمن السهولة أن تجد مفتي يفتي لك بعكس ما أفتى به غيره، خاصة فيما يختص بالفتاوى السياسية التي صاحبت عصور التاريخ الإسلامي جميعها، فلم تكد تخلو فتوى في مرحلة ما من فتوى أخرى مناقضة لها؛ قتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان بفتوى، وقتل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب بفتوى، وتولى يزيد بن معاوية الحكم خلفاً لوالده بفتوى، وقتل الحسين بن علي بن أبي طالب بفتوى، كما اندلعت حركات التمرد والخروج على الحكام من الخوارج والقرامطة والحشاشين وحركة الخميني في إيران وغيرها الكثير منذ بداية التأسلم وحتى يومنا هذا بفتاوى، ولكن كان الهدف الأساسي والغير معلن لهذه الحركات والجماعات هو إزاحة الحكام عن السلطة والاستيلاء عليها بهدف التحكُّم في البشر بإسم الدين، أما مجموعات اليوم، ولأن الديانة ظهرت على حقيقتها، فقد تكاثرت كما يتكاثر الذباب على الجيفة، لتتبنَّى إعادة عقارب الزمن إلى الوراء 1400عام، وتطبيق جوهر الديانة وأساسها من سلب ونهب وسبي واغتصاب وقتل ومفاخذة صغيرات السن … أسوة بالنبي الكريم وصحابته الأبرار، فتنظيمات "داعش" و”بوكوحرام“ و”جيش محمد“ والكثير غيرها لم تقم بأي من أفعالها الوحشية والبشعة كالحرق وقطع رؤوس البشر أو أيديهم من خلاف أو دفنهم أحياءً، أو إلقائهم من فوق الجبال أو رمي رؤوسهم بالحجارة إلا بفتاوى.
السبب في ذلك هو أن الديانة الإسلاموية، وكما هو واضح في سلوك نبيها وصحابته وخلفائهم، سياسية في جوهرها، وليست روحانية في شئ، لذلك يلتزم الفقهاء ورجال الدين بالفتوى في الأمور السياسية، كسلاح يستعمله الحكّام الجهلة والعجزة كي تكسبهم شرعية مزيفة، فيطلقها هذا الفقيه أو ذاك، ويصدر نقيضها عندما يتغير الحاكم أو تدعو الظروف والأحداث السياسية. هذا التناقض وضع الإنسان المتأسلم العادي في حيرة من أمر الدين:
فلم يعرف يقينًا حتى الآن: هل { لا تزر وازرة وزرة أخري } (فاطر 18) أم « يجيء يوم القيامة أناس من المسلمين بذنوب مثل الجبال فيغفرها الله لهمويضعها على اليهود والنصارى » صحيح مسلم النيسابوري، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله؟
والسؤال هنا: لماذا اليهود والنصارى حصريًا دون غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى كالهندوس والبوذيين مثلًا؟
وهل المجرمون القتلة الدواعش وأمثالهم على حق أم على باطل؟ الأزهر، الذي يقال أنه ”شريف“ - دون تحديد -، رفض تكفيرهم على أساس أنهم « من أهل القبلة ولا يمكن تكفيرهم » كما قال شيخ الأزهر.
وهل جماعة الإخوان المتأسلمين: "أقرب الجماعات الإسلامية إلى الحق" أم أنهم: "ليسوا من أهل المناهج الصحيحة … وحزبيون يريدون التوصل إلى الحكم"، كما جاء في فتاوى متعددة؟
وهل قيادة المرأة للسيارة حلال أم حرام؟
وهل كان عبد الناصر كافرًا بحسب فتوي المتسعود ابن باز بحجة أنه أدخل الخبراء السوفييت الشيوعيين الملحدين إلى مصر، ممَّا جعل متولى الشعراوى، يصلى ركعتين شكرًا لله عندما انهزم الجيش المصرى عام 1967 هزيمة ساحقة من اليهود، أم أنه كان متأسلمًا.
وهل من الصحيح دينيًا إجازة معاهدة كامب ديفيد من قبل دار الإفتاء المصرية في عام 1979، وعقد السادات معاهدة سلام مع دويلة إسرائيل، أم أن الصحيح هو عدم إصدار فتوى من هذا القبيل في عصر عبد الناصر، بل إصدار كمٍّ كبير من الفتاوى الدينية تؤكد أن الجهاد فرض عين على كل متأسلم، طالما اغتصب العدو أرضًا تعد جزءًا من ديار المتأسلمين.
وهل كان صدام حسين بطل «القادسية الجديدة» ضد «الفرس المجوس» في "حرب الخليج الأولى "، والتي بدأ بعدها سيل من الفتاوى السنية والشيعية، لتحوِّل الصراع السياسي إلى صراع ديني طائفي، ويتحوَّل صدام إلى مدافع عن الإسلاموية في مواجهة المطامع الفارسية، أم أن حزب البعث الذي يرأسه، حزب كافر، وأعضاؤه كفّار، وأن مؤسسه «ميشيل عفلق» نصرانى ملحد، يقود مؤامرة ضد الإسلام؟.
وهل كانت المظاهرات في مصر وتونس ما بين عامي 2010 و 2011 محرَّمة باعتبارها تثير الفوضى ولا هدف لها إلا ضرب الأمة والقضاء على دينها وقيمها، بينما المظاهرات في سوريا واليمن محلَّلة، حتى وإن تسببت في سقوط ضحايا، باعتبار أن النظم فيها "فاسدة وتتبنى عقائد منحرفة وضالة"، كما جاء في فتاوى االمشايخ والفقهاء؟.
وهل صحيح فقهيًا أن العمل الديموقراطي والانتخابات الحرة يؤديان إلى التنازل عن عقيدة الولاء والبراء (أي العبودية والخضوع لشخص بعينه)، أم أن تشكيل ”مجلس شورى العلماء“ والمشاركة في الانتخابات التشريعية بعد يناير 2011 والإطاحة بقاعدة ”الإمام المتغلب“ هي الصحيحة؟!
وهل استخدام الفتوى في الصراعات السياسية كالتنازع الحزبي بين الطوائف من أجل الحصول على مكاسب مرفوض شرعاً، ولا يصح الإفتاء وفق الأهواء السياسية، ويعد من باب الممنوع شرعاً أن تطلق الفتوى دون دراسة متأنية تحدد حكما شرعيا يعمل به الناس، بحسب قول الشيخ على جمعة، مفتي مصر الأسبق ؟ أم أنّ الجماعات الإسلامية المعارضة للنظام في مصر هي من الخوارج الذين يجب قتلهم مؤكداً "طوبى لمن قتلهم وقتلوه"، بحسب قول الشيخ نفسه؟
ولم يعرف المتأسلم حتى الآن هل ديانته الاسلاموية كرمت المرأة وحفظت لها حقوقها أم همشتها وجعلتها تعيش تحت قوامة الرجل و قهره وظلمه وعبوديته وسوطه. فشيخ الأزهر ”الطيب“ يتخبط وتتضارب أقواله، قال:« ضرب الزوجة أصبح من الأمور التي تسبب لها أذى نفسي ينعكس سلبًا على الأسرة، وكان ابن عطاء فقيه مكة المعروف من أوائل الذين رفضوا الضرب، ولم يعتبره مناقضا لما جاء في القرآن، وقال: « أتمنى أن أعيش لأرى تشريعات في عالمنا العربي والإسلامي تجرّم الضرب»، في حين أنه أقر بضرب الزوج لزوجته في الحلقة الخامسة والعشرين من برنامجة الرمضاني المذاع على التلفيزيون المصري. هل كان الشيخ بإتاحته ضرب الرجل للمرأة دون إيذاء أو ضرر، يقصد التقليل من شأن المرأة، كاستجابة لدعوات مشايخ آخرين يتبنون النهج الرجعيي المنحط، وإرضاءً لجميع الأطراف المتشاحنة في المجتمع، ومن ثم زيادة مشاحناتهم واضطرباتهم؟.
وهل وباء الفتنة المتفشي بين العربان والمتأسلمين على وجه الأرض ينتقل معهم إلى باطن الأرض، لذلك يجب عدم دفن رجالهم مع نسائهم، كما أفتى البعض منهم؟
قس على هذا جميع الأحداث السياسية التي تتكاثف في المنطقة كل يوم، حيث من الملاحظ دائمًا أن الفعل السياسي يأتي أولًا، ثم تلحقه الفتوى لقبول ذلك الفعل أو رفضه بمظلة دينية. فالمنطقة برمتها قد ألِفت دائمًا حكامًا من الجهلة والعجزة وقُطَّاع الطرق المدعومين بقوة السلاح وعصابات من الجلاوزة الفاسدين والمفسدين الذين يستفيدون في المقام الأول من جهل الحكام وعجزهم، لذلك يحتاجون باستمرار لهذه المظلة الدينية، لتمرير فشلهم السياسي وتبرير عجزهم عن إدارة البلاد وتسييس العباد.
هذه الفوضى في إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية المطاطة والمتغيِّرة حسب تغير الحال، ووفق التموضع السياسي للشيخ المفتي، توقع المتأسلم العادي في حيرة من أمره، وتقطع عليه سبل الحياة، فتظلم الدنيا في عينيه وتطمس عقله وتعمل على انحرف فكره وسلوكه، فلا يعرف أين هو، إذ من الطبيعي أن يحدث هذا التناقض انطباعاً مشوشاً لديه بين من يحلل ومن يحرم، وبين من يتوقف عن الكلام، أو يتراجع عن اقواله. ومن شأنه أن يتسبب في إحداث تناقض وجداني خطير لديه، بسبب الاختلاف العميق بين ما يسمعه من المشايخ، وما يشاهده من مظاهر حياتهم في الواقع، إنَّهم يعملون على تشتُّت أفكاره، وإحداث شرخ عميق في ثقافتة وتفكيره، ممَّا يُسبِّب خللاً في التكاتف أو التكافل الأسري والمجتمعي، ويعرقل التنمية والإنتاج، ويدخِل المجتمعات المتأسلمة في دوامة من الصراعات المذهبية والطائفية المختلفة.
إن أهم الكوارث المترتبة على الفتاوى السياسية هي التأسيس لحالات من الاقتتال الأهلي والصراع التاريخي المستمر، لأنها تأخذ طابعاً شرعيّاً ينخدع بها المتأسلمون البسطاء، ويتورطون بموجبها في تلك الصراعات التي لا طائل من ورائها، فيعيشون بذلك في ضلال مبين.
إنَّ العمل السياسي لا يستقيم ما لم يبتعد عن استدعاء النصوص الدينية وتوظيف الفتاوى لردع الخصوم وكسب المعارك السياسية، لأن هذا الاستدعاء وذاك التوظيف يعملان على إفساد وتشويه المنافسة السياسية، حيث يصبح أحد الأطراف ممثل (لإرادة الله)، في السماء، بينما المعارك السياسية تدور رحاها على سطح الأرض وحول المصالح الدنيوية الخالصة.
إن السياسة شأن دنيوية متقلب ويخضع للآراء الشخصية ووجهات النظر المختلفة ويتماشى مع الاحتياجات المادية للبشر، بهدف صقلها والتقدم بها إلى الرقي الإنساني، ولذلك يجب البعد بها عن الشأن الديني الغيبي حتى لا تفسد ويصيبها العوار. إن خضوع الشأن الدنيوي للشأن الغيبي من شأنه تدميرهما معًا، فلن تكون السياسة سياسة بالمعنى العلمي ولن يكون الدين دينًا بالمعنى الحقيقي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,640,076,868
- رمضان كريم ! كيف ولماذا؟
- عندما يتحَكَّم الرعاع
- مشكلة المتأسلمين في أوروبا
- الديكتاتور النرجسي
- إيه اللي بيحصل في البلد دي؟ (2/2)
- إيه اللي حصل في البلد دي؟ (1/2)
- الإسلاموية وخصوبة العنف الخبيث
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- لماذا لا تصلح الديموقراطية في المجتمعات الإسلاموية؟ محاولة ت ...
- هل (دحية الكلبي) هو (جبريل محمد)؟!
- مجرد رأي بخصوص الوثيقة الفرنسية
- معركة صفين
- الخلاصة
- الزنادقة أو الهراطقة
- الحجر الأسود كان سيِّد الموقف!
- الإسلام والتأسلم القهري!
- مقدمة (كتاب الإسلام جاء من بلاد الفرس)


المزيد.....




- سمير الخطيب: علمت من مفتي الجمهورية اللبنانية انه تم التوافق ...
- ترمب يصف نفسه بـ -الصديق الأفضل- لإسرائيل سعيا لكسب أصوات ال ...
- محافظ البنك المركزي الكويتي يؤكد أهمية انطلاق الصناعة المالي ...
- ترامب يبتز اليهود هذه المرة: عليكم التصويت لي وإلا..
- ترامب لليهود: أنا أكثر رئيس أمريكي صداقة لإسرائيل وعليكم الت ...
- الفتح: المقاومة الاسلامية تمر بمنعطف خطير
- اعتقال شاب بزعم محاولة طعن قرب المسجد الإبراهيمي
- محافظ نينوى يفتتح كنيسة البشارة بالتزامن مع عودة 80 عائلة مس ...
- قنوات الإخوان تروج لبيان مزيف عن البرلمان الليبي بشأن إتفاق ...
- حلب تحتفي بنهوض كاتدرائية -أم المعونة- من ركام الحرب... صور ...


المزيد.....

- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ياسين المصري - لماذا يعيش العربان والمتأسلمون في ضلال مبين؟