أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - حلم ثورة لم تأت : The Company You Keep















المزيد.....

حلم ثورة لم تأت : The Company You Keep


محمود الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6255 - 2019 / 6 / 9 - 02:50
المحور: الادب والفن
    


من بين كل الحقائق الكئيبة في تاريخ الثورات, تبرز الحقيقة الأشد كآبة المتعلقة بمعضلة الثورة الجوهرية في تمكنها من القبض على ناصية الحدث المحرك لها، أي استثمار تلك اللحظة والسير بها نحو أهداف ليست بعيدة في أحد جوانبها عن رؤية طوباوية للمستقبل, فيظهر لنا التاريخ -واقعياً- أن جزءً كبيراً من هذه الاهداف والأفكار يتحول-بعد انتصار الثورة أو هزيمتها - إلى مطية للثورين للتخلص من "ماضيهم الثوري".. وعندها، أي بعد فوات الاوان، سيخرج لنا التاريخ لسانه ويقول أن لا داعي للقلق يا رفاق فترويض الثوار ليس بالأمر الصعب و ليس حكراً على ثورة بذاتها أو اشخاص بعينهم أو عصر أو مكان.
تلك هي أحد أهم رسائل فيلم The Company You Keep [" صحبة عمر" أو " الصحبة التي يجب الحفاظ عليها"] من بطولة و إخراج "روبرت ريدفورد" و المقتبس عن رواية بذات الاسم للكاتب "نيل غوردون"*.
يحكي الفيلم و الرواية قصة رجل يساري( ما تعريف يساري هنا؟) يدعى "جيم غرانت" العضو السابق في منظمة سرية راديكالية تعرف باسم Weather Underground (التي تأسست في حرم جامعة ميشيغان بهدف الإطاحة بالحكومة الأمريكية.), في فترة انقسم فيها المجتمع إلى قسمين, قسم مع "جون واين" " المؤيد للسياسة الأمريكية في فيتنام " وقسم مع "جين فوندا" " المعارض للحرب".وكثيراً ما كان "غوردون" يردد هذه المقولة عند توصيفه لأكثر الفترات اضطراباً في التاريخ الحديث للولايات المتحدة الأمريكية .
عاش "غرانت" ( باعتباره نقطة الارتكاز الأخلاقية في الفيلم) متخفياً فترة طويلة من حياته بسبب اتهامه بجريمة سطو على بنك و قتل أحد حرسه, ( وهي إشارة إلى حادثة السرقة الحقيقية التي حصلت في العام 1981 و التي قامت بها المنظمة السرية التي تحمل نفس الاسم في الفيلم)، وبعد سنوات طويلة من الاختباء ينكشف أمره ليبدأ رحلته المضنية للدفاع عن نفسه و عن ماضيه .
يسلط الفيلم الضوء على إرث حرب فيتنام و تأثيرها على المصالحة الاجتماعية و الأخلاقية عبر الأجيال من خلال حديثه عن "جيم غرانت" الذي يعمل حاليا كمحامٍ في نيويورك و يعيش مع ابنته "إيزابيل" ذات الأحد عشر ربيعا بعد وفاة زوجته في حادث سيارة ( في الرواية لا توجد إشارة إلى أن الزوجة متوفية).
يفتتح الفيلم بلقطة تظهر رجال مكتب التحقيقات الفدرالي يقبضون على "شارون سولارز" ( سوزان ساراندون) باعتبارها أحد المتورطين" بل العقل المدبر" لعملية السطو على البنك وذلك بعد نحو ثلاثين عاما من العيش متخفية باسم مستعار في أحد ضواحي نيويورك, مما يؤدي إلى توالي العواجل الإخبارية من خلال التقارير المتنوعة عن العناصر الراديكالية التي ما زالت حرة و المتهمة بالقيام بتفجيرات في عدة مدن أمريكية في أوائل السبعينيات. وتقارير أخرى تتحدث عن مسؤولية تلك المجموعة عن عملية السطو على بنك ميشيغان و قتل حارس الأمن فيه. و بطبيعة الحال تستدعي مثل هذه الأخبار نشاط الصحافة المحلية لتغطية الحدث ومنهم صحفي شاب طموح يدعى "بن شيبرد" الذي يسعى بدافع من مجد شخصي و تكريس اسمه كصحفي لامع إلى إقناع رئيسه السماح له بمتابعة القضية، فيقوم "شيبرد" باستغلال علاقته بزميلة له تدعى "ديانا" تعمل في مكتب التحقيقات الفدرالي ليضغط عليها بغية الحصول على بعض المعلومات عن تلك الجماعة, و رغم تحذيرات رئيسها تفصح عن اسم "بيلي كوزيمانو" كأحد أصدقاء "شارون" القدماء وصديق جيم غرانت أيضاً و أحد زبائنه و الذي كان قد اعتقل أكثر من مرة على خلفية تعاطي المخدرات, و مما يثير دهشة "شيبرد" رفض "غرانت" طلب تمثيل "شارون"، فيبدأ بملاحقة "غرانت" لاستجوابه, لكن هذا الأخير يتهرب منه خشية معرفة شخصيته الحقيقية وافتضاح أمره .و حرصاً على سلامة ابنته, يحاول الاتصال بصديقته القديمة "ميمي لوري" فهي الوحيدة القادرة على انتشاله من هذا المأزق و إثبات براءته. أثناء ذلك يكتشف "شيبرد" أن "غرانت" لا يملك رقم ضمان اجتماعي قبل العام 1979, كما يعثر على شهادة وفاة باسم "جيم غرانت" مسجلة في ولاية كاليفورنيا تتطابق مع شخصية "جيم غرانت" الحالية, فيستنتج أن "جيم غرانت" ليس سوى "نيك سلون" الشخص الثالث المطلوب في عمليتي السرقة و القتل( جنبا إلى جنب مع شارون و ميمي), فيقوم بكتابة مقال في الصحيفة المحلية يخلق على إثره ضجة واسعة ويدفع مكتب التحقيقات الفدرالي لأعادة الاهتمام بالقضية. عند هذه الحد تزداد المخاطر بالنسبة لجيم غرانت, فيقرر الهرب بابنته و تسلميها إلى أخيه دانيال سلون الذي كان مراقباً من قبل السلطات المحلية على أمل إلقاء القبض على جيم, لكنه يستطيع الفرار منهم و تضليلهم, في تلك الاثناء ترفض شارون سولارز تقديم التعاون أثناء التحقيق معها، وتقول بكل فخر "نحن لم نخن بعضنا من قبل و لو مرة واحدة, و لن أقوم بذلك الآن ", لكنها توافق على التحدث مع بن شيبرد ,حيث تظهر كأنها غير نادمة على نشاطها السابق, وتكشف لبن أن نيك و ميمي كانا على علاقة حب لفترة طويلة.
بعد أن يطمأن على ابنته, يمضي جيم باحثاً عن أصدقائه القدماء لعلهم يستطيعون مساعدته في إثبات براءته من جريمة القتل فيلتقي بصديقه المقرب "دونال فيتزجرالد" الذي يثنيه عن البحث عن ميمي, لكنه يطلب منه التواصل مع العضو السابق في المنظمة الطلابية "جيد لويس" الذي يعمل أستاذاً للتاريخ و الذي مازال يحافظ على ذات البروباغاندا القديمة للحركات اليسارية, يرفض "جيد" في البداية مساعدة جيم- في الحقيقة يخشى على مكانته و موقعه كأستاذ- لكنه يرضخ لطلب جيم عندما يخبره عن ابنته إيزابيل فيقوم ببعض الاتصالات لمعرفة مكان ميمي التي تكون في تلك الاثناء تعمل بتجارة الماريجوانا مع صديق لها يدعى "ماك ماكلويد" , في تلك الاثناء يأتي بن شيبرد إلى شيكاغو للتحقيق في الجريمة الأصلية فليتقي مع الشرطي المتقاعد "هنري أوزبورن" الذي كان أول من حقق في جريمة السرقة. يرفض "أوزبورن" التحدث أمام "ربيكا" ( ابنته بالتبني), و يدرك شيبرد أن أوزبورن يخفي أمر ما, فيقوم ببعض التحريات ليكتشف أن "أوزبورن" يرتبط بصلات وثيقة بعائلة ميمي قبل عملية السرقة, يقر "أوزبورن" بهذه العلاقة و يقول بأن حياة "جيم غرانت" مرتبطة بموقف "ميمي", فإذا قالت أن "جيم" لم يكن موجوداً معهم أثناء السطو على البنك فسوف يتم تبرئته من جميع التهم ( على الرغم من أن المجموعة استخدمت سيارة جيم أثناء العملية).
يبدو اللقاء بين جيم و ميمي هو الأكثر إثارة في الفيلم , أو هكذا أريد له أن يكون, فمازال الطرفان يكنان لبعضهما البعض تلك العاطفة و المشاعر القوية, كما يتشاركان بعدم الندم عن أعمالهم السابقة, و إن كان جيم بحدة أقل حيث يجادل بأن كل شيء تغير في الحياة، العمل، و المعيش، و المفاهيم و الأفكار ..كل شيء تقريباً, و لكن ميمي تبدو أكثر تعنتاً و صلابةً فتقول بلغة مليئة باللوعة: "لم يكن حلماً ما ناضلنا من أجله ...ليس مجرد حلم .. بل كنا نعتقد أنه حقيقة واقعة ". يطلب جيم منها أن تتغير مع هذه التغيرات, على الأقل من أجل ابنته إيزابيل, فهو لا يرد أن يكرر خطأ ارتكبه قبل ثلاثين عاماً, لا يريد أن يترك إيزابيل وحيدة تواجه مصيرها مثلما فعل هو و ميمي حينما تخليا عن ريبيكا ابنتهما الوحيدة (وهو ما سوف يكتشفه بن شيبرد لاحقاً حين يعرف أن "ربيكا" هي في الحقيقة ابنة جيم و ميمي.)
تهرب ميمي في اليوم التالي الذي يصل فيه شيبرد باحثاً عن جيم, فيخبره بأنه يعرف كل شيء عن أوزبورن و عن ربيكا , فيقول له جيم, لك أن تفشي السر أو تكتمه ثم يتركه و يمضي إلى أن يقبض عليه أخيراً العميل الفدرالي كورنيليوس, ثم تعرف ربيكا قصتها الحقيقية و ظروف تبنيها..وما بين هذه الوقائع يبدو ان ميمي تقوم بمرتحعة شاملة لحياتها و ماضيها فتقرر العودة و تسليم نفسها للشرطة فيتم الإفراج عن جيم غرانت, و يتخذ بن شيبرد في سره قرار في عدم كشف هوية ريبيكا الحقيقية.
مايطرحه الفيلم (و الرواية بطبيعة الحال) بصورة أساسية يرتكز بقوة على المعنى أو المعاني التي باتت -لاحقاً- لقضايا سياسية و أخلاقية من طبيعة خلافية كبيرة وهي التي كانت تعبر عن حالة ثورية في نهاية الستينيات في الولايات المتحددة، متأثرة بالرياح "الثورية" التي وصلتها عبر الأطلسي من أوروبا فنشطت الحركات المدنية المناهضة للسياسات العنصرية الداخلية و للسياسات الإمبريالية الخارجية فضلا عن قضايا الدفاع عن الحقوق المدنية , و مثلت حرب الفيتنام الذروة العاطفية لهذه القضايا و للحركات الراديكالية الأمريكية و بات الجميع على قناعة باقتراب الحلم الأمريكي أكثر من اي وقت مضى, حلم تجسد في بيان منظمة الطلاب من أجل مجتمع ديمقراطي Students for a Democratic Society سنة 1962 في بورت هورن بشعاراتها الشهيرة " لا للحرب, لا للعنصرية, ضد الإمبريالية" . فمن الشائع عند اندلاع الحرب أن يظهر من يقول "لا" , بغض النظر عن حجمهم و عددهم و تأثيرهم , و مجرد ظهور هذه الفئة يتشجع البعض الآخر " المحايد و الرمادي" لتتحول هذه الـ "لا" إلى حركة احتجاجية جدية بما فيه الكفاية لتلفت نظر الجميع إلى نشاطها-مما يعرض حياة النشطاء منهم إلى أخطار عدة ليس أقلها تعريض حياتهم لمخاطر حقيقية- وهذا أمر حقيقي و واقعي و مقنع بذات الوقت, حتى لو كنا مع أو ضد هذه الحركة. و يبقى السؤال يدور, ما الذي يجعل هؤلاء يعارضون السياسات الحكومية.؟
وهل أجاب الفيلم عن هذا السؤال الكبير؟
من القضايا التي لم يقم الفلم بتوضيحها هي الطريقة التي تحول فيها جيم غرانت من شخص طليعي راديكالي إلى شخص ذو توجه مجتمعي مندمج في مؤسسات المجتمع الذي ثار ضده ذات يوم. بمعنى لم تصل لنا الصورة التي أصبح فيها جيم غرانت " شخص عادي" يشبه العشرات و ربما المئات الذي نصادفهم يوميا في حياتنا, هل هكذا تكون نهاية الثوار أصحاب القضايا " الكبيرة" و الهموم "المصيرية " ؟ في الحقيقة لم يقدم لنا أداء ريدفورد و لا حتى السيناريو مثل هذه الإجابات, بل على العكس تماماً, إذ نلاحظ أن الحياة قبل الفيلم بقليل لا تعطي انطباعاً مقنعاً عن المجاز في معنى عنوان الفيلم ( و الرواية), فحياة جيم غرانت المحامي , رب الأسرة المثالي قبل بداية الفيلم لا يمكنها أن تقودنا للاعتقاد أن ثمة صحبة عمر بين أصدقاء ينبغي الحفاظ عليها و عليهم, على الرغم من تصريحات ريدفورد المتعددة كمخرج والتي يعلن فيها عن تضامنه مع أبطال العمل الذين يشبههم ببؤساء فيكتور هوغو, و تأييده لقضاياهم لاعتقاده أن الحرب على الفيتنام قديماً مثلها مثل الحرب على العراق حالياً استندت على قضايا خاطئة.
في لحظة ما ينساق المشاهد وراء الميلودراما المشغولة في الفيلم لإظهار مثالية سياسية تبدو أحياناً مبتذلة و ساذجة بالنسبة للأجيال المعاصرة من خلال استحضارها ثقافة مضادة للتعبير عن المشاعر الممتزجة بفخر و مجد شخصي وغضب و حسن نية يثير من الإحباط أكثر مما يثير من تفهم الحالة "التاريخية" و تجعلك ترثي لحال أولئك " الراديكاليين القدماء", خاصة و أن الفيلم يتحول في الجزء الثاني منه إلى مطاردة هوليوودية غير ناجحة و لا تحمل أي تشويق .
إنه باختصار يعبر عن خيبة أمل من عدم الوصل إلى الحلم الأمريكي.. إلى ثورة جديدة تعصف بالمجتمع لتبني على أنقاضه المجتمع المثالي الجديد, خيبة أمل و شعور" الثوار" بالحزن و الأسى (وربما الحسرة و الندم عند البعض) كلما تقدم بهم العمر, حين ينظرون خلفهم ليجدوا أن جزء كبير من نضالهم ليس بالضرورة كان نضالاً صائباً، بل أنه بات، للأسف، موضع تساؤل لدى الأجيال اللاحقة وكما تقول ميمي: " لقد عشت ستة حيوات ... ليس بينهم حياتي الخاصة ", أو كما يقول نيك سلون : "لقد كنت جيم غرانت لفترة أطول مما كنت عليه أنا نيك سلون" .
يقبض ريدفورد كمخرج على نهاية الفيلم بحيث لا تجعلها تهرب منه حين يقنعنا بضرورة أن نوافق بين ذكرياتنا و بين حاضرنا من خلال عملية توازن دقيقة و تفاؤل ينبغي أن يكون مدروساً دون أن يغيب عن بالنا أن هذا هو فعلاً ما ينادي به البطل الشاب اليساري الذي صار الآن رأسمالي متهالك في آخر عمره، وهكذا فمايثيرنا في الفيلم هو تحول حياة جيم غرانت إلى دراما حية بطريقة ما تنقل لنا مشاهد من لحظات رجل مضى في رحلة معقدة هدفها تجاوز ماضيه , فالماضي هو اللغز المتجدد في حياة الإنسان و سطوته تكاد تكون أقوى من سطوة الحاضر( ما الحاضر إن لم يكن ماض مؤجل إلى حين؟)
رغم حماس ريدفورد , إلا أن تحويل الرواية إلى فيلم لم يكن بالأمر السهل, فالرواية بالأساس لا تتحدث بصوت شخصية واحدة, بل ثمة منطوق داخلي لعدة شخوص بمستويات وظيفية مختلفة وهذا ما يصعب من عملية تحويل هذه الأصوات إلى سردية بصرية. في الحقيقة لم ينجح ريدفورد نوعا ما في هذه النقطة, ولذلك ظهرت في فيلم لحظات ضياع أو غياب تام لبعض الشخصيات فضلاً عن اختفاء الحوا ر, و إن وجد فقد بدى ثقيلاً تقريرياً, وقد أبدى المخرج التزامه و احترامه للعمل الأصلي حين اتبع الحبكة الأصلية للنص الأدبي الذي هو بالأساس معمار روائي و ليس معمار سينمائي.
من الناحية الشكلية ما يميز الفيلم ثلاث نقاط بارزة , فأولاً يحسب له أنه فيلم هوليوودي تحدى موقف هوليوود من الثورات, و ثانياً كانت سوزان ساراندون السمة البارزة فيه. ففي المشاهد التي ظهرت فيها لم يكن بمقدور المتلقي الذي قرأ نص العمل الأصلي أن يجد مسافة تفصل دورها و حوارها عما هو موجود في ذهن الكاتب, و أخيرا ما يميز الفيلم أيضاً -رغم الملاحظات العديدة حوله- أنه ضم أربعة فائزين بجوائز الأوسكار: روبيرت ريد فورد وجولي كريستي وسوزان ساراندون وكريس كوبر. كما ضم خمسة مرشحين للجائزة : تيرنس هوارد، وريتشارد جنكينز، وآنا كندريك، ونيك نولت، وستانلي توتشي
...................
*نيل غوردون ( 1958- 2017) : كاتب و روائي ولد في جنوب أفريقيا لعائلة يهودية تعود بأصولها إلى ليتوانية التي هجرتها قبيل الحرب العالمية الثانية بسب تزايد معاداة السامية هناك. تربى"نيل" في أجواء مناهضة لسياسات الفصل العنصري التي اتبعتها الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا, تلك السياسة التي دفعت عائلته مرة أخرى للهجرة وهذه المرة كانت وجهتها الولايات المتحدة, حيث نشأ و ترعرع في أجواء مشحونة بوقائع الحرب الأمريكية في فيتنام وهو ما جعل منه شخصاً سياسياً كما يصف نفسه, وهو ما سوف ينعكس على بقية حياته, فرغم عمله كأستاذ للأدب المقارن بحكم حصوله على شهادة الدكتوراه في الأدب الفرنسي، إلا أن اهتماماته توزعت بين موضوعات النقد الأدبي و القضايا السياسية الاجتماعية فضلاً عن العمل الروائي و قد صدرت له أربعة أعمال روائية يكاد يكون الهم السياسي هو الخيط الذي يربط أعماله الروائية جميعها.
عاش غوردون في سبعينيات القرن الماضي لعدة سنوات في فلسطين المحتلة, وهذا ما يفسر اهتمامه بالقضية الفلسطينية و الحالة الاستعمارية التي شكلها قيام إسرائيل, وإن كان تناوله للموضوع تم من نقطة أكاديمية شديدة الخصوصية وعميقة التفكير مما يؤثر إلى حد ما على مستواها الأدبي و لكنه لا يقلل منه, و للتدليل على ذلك قام نيل غوردون سنة 2016 بتدريس طلابه كأستاذ مادة الكتابة الإبداعية في كلية "The New School" في نيويورك, مقرراً بعنوان" قراءة فلسطين", بمعنى “قراءة الآخر" الهدف منه كما يقول، شرح ما تتمتع به الرواية من قدرات على تعزيز الفهم العميق للتجربة التاريخية الحية التي تمر بها فلسطين بصورة خاصة والمنطقة العربية( و يقصد ثورات الربيع العربي) بصورة عامة حيث يمكن للرواية أن تتقصى واقع و حياة الناس هناك في الفضاء الجغرافي العربي المحكوم بحدود سايكس بيكو حيث كانت فلسطين ثم أعيد تعريفها لتصبح " إسرائيل" و " الضفة الغربية" و "غزة". وهو ما انعكس في روايته الأولى" التضحية بإسحق " (Sacrifice of Isaac) التي طرح فيها العديد من الأسئلة حول حقيقة المشروع الصهيوني في فلسطين قبل 1948 " أي مجتمع الييشوف" و العلاقة بين " المحرقة " و" قيام" الدولة و" النكبة" وهل كان الصراع الذي خاضه الييشوف صراع من أجل البقاء و الحياة الطبيعية, أم صراع كان هدفه المشاركة في سياسة التوسّع الاستعماري؟ هل كانت هناك وضعية حضارية محلية فلسطينية قبل وخلال الانتداب البريطاني؟ وكيف يمكن لمشروع قومي مفترض أي يقوم ببناء سرديته الخاصة و خلق أبطاله القوميين من العدم و استدعاء مرويات دينية و أسطورية وسواهما بمفردات معاصرة للتأكيد على تلك المزاعم القومية .في حين تتحدث روايته " ابنة مهرب السلاح " (Gunrunner‘s Daughter)عن أمريكا و إسرائيل و تجارة السلاح، أما رواية " صحبة عمر" (The Company You Keep)وهي الأشهر بين أعماله الأدبية( ربما بسبب تحويلها إلى فيلم) يدور موضوعها حول اليسار الأمريكي و حرب الفيتنام و المعارضة الأمريكية الداخلية للحرب .
و روايته الأخيرة " ها قد صرت الآن فتاة كبيرة "(You re a Big Girl Now) تغوص في تاريخ اليسار الأمريكي منذ الحرب الأهلية الإسبانية وصولا إلى حركة "احتلوا وول ستريت" .
على الرغم من أهمية نيل غوردون -على الأقل فيما يخص القضية الفلسطينية و مسائل الصراع العربي الإسرائيلي- لم يترجم -على حد علمي- أي عمل من أعماله الروائية إلى اللغة العربية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,722,482,118
- متعة كاهن
- الإثنية واليهودية والتراث الثقافي لفلسطين
- -يوروفيجين- تل أبيب و- بصل الخطايا-
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرءيل القديمة(7 ...
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرءيل القديمة(6 ...
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرءيل القديمة(5 ...
- ربيع الشام و الحرب على السوريين
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(4)
- تمرين في الاقتصاد: متلازمة بومول
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(3)
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(2)
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(1)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(5)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(4)
- Il Postino ساعي بريد نيرودا: مجاز الوعد بوصفه خذلان
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(3)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(2)
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(7)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(6)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(5)- ال ...


المزيد.....




- قدرات فريدة يمنحها الانتماء لعائلة ثنائية اللغة للرضع!
- خاقانات الروس.. ملوك الفايكنغ جاوروا المسلمين وحكموا روسيا ب ...
- سابع دولة.. بوروندي تفتح قنصلية عامة لها بمدينة العيون
- بعد استهداف القوات التركية بإدلب.. أنقرة ترفض الرواية الروسي ...
- شهاب حسيني يفوز بجائزة الثقافة والفن الفرنسية
- مهرجان برلين السينمائي الدولي
- سفيرة جمهورية الدومينيكان: ندعم المغرب في وحدته الترابية على ...
- العثماني: المغرب منخرط في تحسين أوضاع النساء وتحقيق أهداف ال ...
- المغرب والمكسيك: اتفاق على استثمار الموقع الجغرافي المتميز ل ...
- -قامات-.. أفلام تخلد النضال الفلسطيني ضد الاحتلال


المزيد.....

- مسرحية الطماطم و الغلال (مسرحية للأطفال) / زياد بن عبد الجليل
- أناشيد القهر والحداد / Aissa HADDAD
- ماتريوشكا / علي مراد
- الدراما التلفزيونية / هشام بن الشاوي
- سوريانا وسهىوأنا - : على وهج الذاكرة / عيسى بن ضيف الله حداد
- أمسيات ضبابية / عبير سلام القيسي
- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - حلم ثورة لم تأت : The Company You Keep