أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أبركان موسى - إشكالية النسيء والأشهر الحُرُم | محاولة لتحديد بداية التقويم الهجري.















المزيد.....

إشكالية النسيء والأشهر الحُرُم | محاولة لتحديد بداية التقويم الهجري.


أبركان موسى

الحوار المتمدن-العدد: 6254 - 2019 / 6 / 8 - 18:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إشكالية النسيء والأشهر الحُرُم | محاولة لتحديد بداية التقويم الهجري.
[أيها الناس، إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حُرم ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.]

هذه الفقرة من خطبة حجة الوداع للرسول عليه السلام يمكن اعتبارها النص المؤسس للتقويم الهجري ويتضمن عنصرين:
1-إبطال النسئ أو الكبس.
2- الأشهر الحُرم.

وفي كل عنصر إشكال وغموض سأحاول تفصيله وسأبدأ بالأشهر الحرم.
" وتحريم هذه الأشهر ضرورة من الضرورات استوجبتها طبيعة الحياة في البادية، فأهل البادية بما هم فيه من فقر وضنك عيش يتنافسون فيما بينهم ويتقاتلون على الكلإ والماء وعلى أخذ حق المرور من القوافل وعلى الغزو والغارات يعيشون. وحياة عاصفة هذا شأنها لا بد لها من فترة تستريح فيها، وتمتار فيها (شراء القوت والمؤونة للعيال)، وتصفي فيها حسابها بدفع أثمان الديات بهدوء وبتسوية المشكلات بالمساومة والمفاوضة، وتلك الفترة هي الأشهر الحُرم."
هذا الوصف الدقيق الذي قدمه جواد علي في كتابه الموسوعي القيم " المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام " يفيد أن حرمة تلك الشهور شأن من شؤون قبائل البدو الفقراء، وهم الأعراب في التعبير القرآني.
والأشهر الحرم هي أيضا فترة أمان للحج والعبادة والاحتفال بالأعياد.

وفي نظري فإن وجود أشهر حُرُم أمر غير سليم لأن ذلك يقتضي أن الأشهر الأخرى غير محرمة يحل فيها الغزو والغارة. أي أن في الأمر تقنين للسلب والنهب.

لكن الإشكال الأكبر هو أن الواقع والأحداث التي حصلت بالفعل تشهد أن المسلمين لم يكونوا معنيين أول الأمر بحرمة الأشهر الحرم.
ففي موقع شبكة الألوكة السلفي جردٌ لسرايا الرسول عليه السلام وعددها 73 ، منها 62 مؤرخة بالشهر والسنة وتبين أن السرايا كانت في كل الشهور بدون استثناء.
محرم/ 4 مرات
صفر / 7مرات
ربيع الأول/ 4 مرات
ربيع الثاني/ 8 مرات
جمادى الأولى/ مرتين
جمادى الآخرة/ 4 مرات
رحب/ 5 مرات
شعبان/ 7 مرات
رمضان/ 10 مرات
شوال 8 مرات
ذو القعدة/ مرة واحدة
ذو الحجة/ مرتين

ولا يقتصر الأمر على السرايا (غزوات صغيرة ومحدودة تكون بالليل)، بل يتعلق الأمر كذلك بغزوات كبيرة في الأشهرالحرم شارك فيها الرسول، فقد حوصرت بنو قريظة وقتل اسراها في ذو القعدة من السنة الخامسة، وكانت غزوة خيبر في المحرم من السنة السابعة، واستمر حصار الطائف بعد دخول ذي القعدة من السنة الثامنة. أما غزوة تبوك فكانت في رجب من السنة التاسعة.
وفي عهد ابي بكر، في السنة 12 كان غزو العراق وحواضر نهر الفرات بقيادة خالد بن الوليد، البداية كانت بمعركة ذات السلاسل بالكويت في المحرم والنهاية كانت بمعركة الفراض بسوريا في ذو القعدة مرورا بفتح الأنبار في شهر رجب.
وفي نهاية ذي الحجة سنة 12 كانت معركة داثن قرب غزة.
وفي السنة 13 تم حصار دمشق من رجب الى ذي القعدة.
وفي السنة 14 تم حصار حمص وفتحت في ذي القعدة.

الا أنه وبعد اليرموك (رجب 15)، لم تذكر كتب السيرة قتالا او غزوا في الأشهر الحرم الأربعة الا نادراً، وأتحدث خاصة عن فترة الخلفاء الراشدين بعد اليرموك.
الا أن القادة العسكريين والثوار المتمردين عبر التاريخ الإسلامي لم يتقيدوا بالأشهر الحرم. ولمن يرغب في أمثلة فيكفي أن ينقر في محرك جوجل "معارك وقعت في رجب" ليرى العجب. وأكتفي بذكر ثلاث أمثلة دالة على أن أمر الأشهر الحرم أصبح فيما بعد نسياً منسياً.
فقد قتل الحسين سبط الرسول في العاشر من محرم (61 هجرية)
وفي عصرنا الحالي قتلت الشبيبة الإسلامية بالمغرب عمر بن جلون في ذو الحجة (بضعة أيام بعد عيد الأضحى 1975).
أما الشيعة في العراق فأعدموا صدام حسين في عيد الأضحى. (2006)

/ إبطال النسئ أو الكبس /
والنسئ هو التأخير أو الزيادة وفي معنى نسئ الشهور قولان:
1- تأخير حرمة الشهور وموعد الحج، فبعد النسئ تنتقل حرمة الشهور الأربعة من ذو القعدة وذو الحجة والمحرم و(رجب) الى ذو الحجة والمحرم وصفر و(شعبان) ويكون الحج في المحرم ثم بعد نسئ آخر تنتقل حرمة الشهور الى المحرم وصفر وربيع 1 و(رمضان) ويكون الحج في صفر وهكذا دواليك الى أن يعود شهر الحج في ذي الحجة.
وهذا رأي وتخمين جاء متأخرا لتفسير استدارة الزمان.
ففي تفسير الطبرسي: " (ظل موعد الحج يتأخر متنقلاً من شهر الى الذي بعده) حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة، ثم حج النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، في العام القابل حجة الوداع، فوافقت في ذي الحجة، فذلك حين قال النبي، صلى الله عليه وسم، وذكر في خطبته: ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. "

2- تأخير الشهور نفسها بزيادة شهر إضافي هو النسئ وإقحامه بين شهرين وهذا هو الكبس المعروف عند اليهود مثلاً. وهذا رأي تؤيده الروايات وتفاسير القرآن المشهورة.
واختلف القراء في كلمة يضل من الآية " إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ".
يَضِلُّ (معلوم من ضل) الذين كفروا (فاعل وهم الناسئ ومن تبعه). وهذه قراءة ورش في المغرب
يُضَلُّ (مجهول من أضل) الذين كفروا (مفعول به وهم الذين يتبعون الناسئ).
والهاء في " به " و " يُحِلُّونه " تعود على النسيء في القراءتين معاً، الهاء الأولى تأكيد لذم النسئ لربطه مرة أخرى بالكفر والثانية تأكيد لزيادة شهر آخر هو النسئ يحرمه الناسئ أحياناً ويحله أحياناً.

وناسئ الشهور هو شخص معروف بالقَلَمُّس، وجمعه القلامسة وهم حصرا من قبيلة كنانة، تقر له القبائل الأخرى بصلاحيته ونفاذ قراره في هذا الأمر. وكانوا أصحاب مركز كبير في قومهم ويحظون باحترام القبائل التي تحج إلى البيت الحرام لعلو شأنهم ومعرفتهم بأمور الدين. فلا ينصرف الحجيج الى مواطنهم حتى يجتمعوا الى القلمس ويعلن فيهم قرار النسئ من عدمه.
وكان آخر القلامسة يدعى أبا ثمامة وعليه قام الإسلام ويُروى أنه جاء في زمن عمر بن الخطاب إلى الكعبة؛ فضربه عمر بالدرة، " ثم قال: أيها الجلف الجافي قد أذهب الله تعالى عزك بالإسلام ". وفي ذلك إهانة كبيرة وإذلال للرجل وفي نفس الوقت اعتراف ضمني لعزه ومكانته بين العرب.
ومما ورد في أقوال القلامسة:
" اللهم إنّي ناسِئُ الشُّهورِ وواضِعُها مَواضِعَها " فتلك مهمة الكبس المعروفة الذي يؤخر الشهور لتبقى ثابتة في مواسمها.
" أَيّهَا النَّاس إِنِّي لَا أُعَاب وَلَا أُحَابّ، وَلَا مَرَدّ لِمَا أَقُول " فهو صاحب القرار لا ينازعه أحد.
" وإني قد أحللت دماء المحللين من طيء وخثعم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إذا عرضوا لكم" وذلك لعدم تحريم طيء وخثعم للشهور الحرم.
وفي موضوع النسئ وردت الروايات بعدة صيغ مثل:
" ألا وإن صفر العام الأول حلال "
" اللهم إِنِّي قد أحْلَلْتُ أحَدَ الصَّفَرَيْن، وحَرَّمْتُ صَفَرَ المُؤَخَّر "
" إِنَّا قَدْ حَرَّمْنَا الْمُحَرَّم، وَأَخَّرْنَا صَفَر "
" إِنَّا قَدْ حَرَّمْنَا صَفَر، وَأَخَّرْنَا الْمُحَرَّم "
وهي صيغ غامضة يصعب فهمها لكنها تؤشر الى شيء ما يحدث في المحرم وصفر بين ذي الحجة وربيع الأول، فلا توجد رواية واضحة وصريحة تبين ما الذي كان يحدث بالضبط، اللهم ما كان من استنتاجات العلماء الباحثين أذكر منهم اثنين:
الأول لجواد علي – المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام:
" فهم يدخلون شهرًا جديدًا على السنة بعد ذي الحجة، يكون مقامه بين هذا الشهر وبين شهر صفر الأول، الذي هو المحرم من الأشهر الحرم. وبذلك يكونون قد فصلوا بين الأشهر الحرم الثلاثة، بأن جعلوا شهرًا حلالًا جديدًا بين الشهرين المحرمين: ذو القعدة وذو الحجة، وبين الشهر الثالث المتصل بهما، وهو المحرم، ففصل عن الشهرين، وصار وحيدًا. فعلوا ذلك ليحافظوا على وقت الحج، بجعله ثابتًا، ولما كان ذلك معناه تغيير حرمة الأشهر الحرم الثلاثة بجعل الشهر الحلال شهرًا حرامًا، والشهر الحرام حلالًا، حرم النسيء في الإسلام. فابتعدت السنة بذلك عن السنة الشمسية، وصار الحج يدور باختلاف المواسم، لأن السنة صارت سنة قمرية. وبذلك تغير وقت الحج عما كان عليه في الجاهلية، فلم يعد ثابتًا على نحو ما كان عليه عند الجاهليين."

والثاني للمكي الحسني الفاسي (المتوفى: 832هـ) – شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام:
" فإذا كانت السنة التي ينسأ فيها، يقوم (القلمس / ناسئ الشهور) ليخطب بفناء الكعبة، ويجتمع الناس إليه يوم الصدر؛ فيقول: أيها الناس قد أنسأت العام صفر الأول -يعني المحرم- فيطرحونه من الشهور، ولا يعتدون به، (شهر أبيض لا يعتد به أي لا يدخل في الحساب) ويبتدئون العدة فيقولون: لِ (ما يفترض أن يكون) صفر وشهر ربيع الأول: صفران، ويقولون لِ (ما يفترض أن يكون) شهر ربيع الآخر ولجمادى الأولى: شهرا ربيع، (وهكذا دواليك) ..."

ومن المفيد أن نقارن مع فعل اليهود في تقويمهم فهم حافظوا على الكبس وما زالوا يستعملونه بنفس الطريقة:
ففي السنة العادية تتوالى الشهور الثلاث شباط – آذار- نيسان.
وفي السنة الكبيسة، يضاف شهر آخر فتصير أربعة شهور بين شباط ونيسان وهي شباط – آذار الأول – في آذار- نيسان.
"آذار الأول" شهر إضافي و"في آذار" هو الإسم الذي يطلق على آذار في السنة الكبيسة وهو الذي يكون فيه صوم "أستير" (عشتار-عشتروت) في اليوم الثالث عشر وعيد البوريم في اليوم الرابع عشر.
إذا طبقنا هذه القاعدة على شهور العرب قبل الغاء النسئ فإن السنة العادية تتسلسل فيها الشهور الثلاث ذو الحجة – المحرم - صفر.
وفي السنة الكبيسة، يضاف شهر آخر فتصير أربعة شهور بين ذو الحجة وصفر وهي:
ذو الحجة - شهر إضافي (وهو النسيء) - المحرم - صفر.
وإذا أضفنا شهر ذو القعدة يصبح التسلسل:
ذو القعدة - ذو الحجة - شهر إضافي (وهو النسيء) - المحرم - صفر.

نحن إذا، بهذه المقارنة نصل الى نفس النتيجة التي توصل اليها العالمان جواد علي والمكي الفاسي، وهي إقحام شهر جديد في السنة الكبيسة بعد ذي الحجة، وكسر مبدإ الأشهر الثلاث المتواليات.
وهذا هو النسيء الذي ألغاه وأبطله الإسلام. والخلاصة هي إلغاء الكبس المعروف ونتج عن ذلك التقويم الهجري الذي لا يعتبر السنة الشمسية، وصار الحج وصوم رمضان يدوران باختلاف المواسم، لأن السنة صارت سنة قمرية تنقص كل سنة بأحد عشر يوما عن السنة الشمسية الموافقة للفصول والمواسم الفلاحية.

وأود أن أنبه الى ملاحظة غاية في الأهمية وهي أن الإسلام وفي إطار هذا التشريع المتعلق بالنسيء زاوج بين الغاء النسيء وتعميم تحريم الشهور الحرم على كل العرب. فكما رأينا سابقا، فإن المسلمين الأوائل لم يكونوا معنيين بحرمة الأشهر الحرم وقاموا بأكثر من عشرين غزوة أو سرية من السنة الثانية إلى السنة الرابعة عشرة.

ويبدو أن التشريع أملته اعتبارات استراتيجية نتيجة التحاق قبائل البدو الأعراب بدولة الإسلام، فهم من يحتاج ويعمل بمبدإ الأشهر الحرم لتأمين تنقلاتهم في مواسم معينة للحج والعبادة والتزود بمؤونة عيالهم. وهم أيضا مقاتلون شرسون ويشكلون دعامة كبيرة لجند المسلمين في الفتوحات.

متى تم العمل بهذا التشريع؟ إن تحليل الموضوع من جانبين، جانب يخص تحريم النسيء وآخر يهم تحريم الأشهر الحرم سيسهل الجواب.
فمن جهة، ظل الغزو والقتال قائما ولغاية السنة الرابعة عشرة دون اعتبار للأشهر الحرم وبعد اليرموك (رجب 15)، لم تذكر كتب السيرة قتالا او غزوا في الأشهر الحرم الأربعة خاصة في فترة الخلفاء الراشدين، وفي ذلك مؤشر قوي بأن تحريم الأشهر الحرم كان في السنة الخامسة عشرة أو بعدها.

من جهة أخرى فإن تحريم النسيء نتج عنه في الواقع التقويم الهجري الذي وصلنا بالتواتر.
ويتم تحويل أي تاريخ هجري الى مقابله في التقويم الميلادي أو غيره من التقاويم بحسابات ومعادلات رياضية مضبوطة تمت صياغتها في برامج كمبيوتر مجانية ومتوفرة للعموم منها مثلاً موقع http://www.patricklecoq.fr/
وطبعا لا تأخذ هذه البرامج في الاعتبار شهر الكبس في التقويم الهجري، لذلك فإن تطابق تاريخ قديم متوفر في مصدر مؤرخ بالتاريخ الهجري وفي مصدر آخر مؤرخ بتقويم آخر لا يعد دليلا على صحة الحدث وتاريخه فحسب بل يعتبر مؤشرا قويا على استعمال التقويم الهجري منذ ذلك التاريخ على الأقل.
وينطبق الأمر على معركة اليرموك لأنها مؤرخة ومتطابقة في المصادر الغربية والإسلامية. (20 غشت سنة 636م |5 رجب سنة 15هجرية).
وباستعمالنا البرنامج أعلاه لتحويل التواريخ فإن 20 غشت 636م توافق بالتقويم العربي الهجري 12 رجب سنة 15
إذن هناك تطابق في تاريخ المعركة (الفرق بين 5 و12 رجب هو فرق بسيط وربما أرخ المسلمون لبداية المعركة والغربيون لنهايتها)، وهذا يعني أن التقويم الهجري الذي نعرف أصبح معمولا به منذ السنة الخامسة عشرة على الأقل.

إذاً، فاعتباراً لتحريم الأشهر الحرم فإن الأمر حدث [ بعد] السنة الخامسة عشرة، واعتباراً لتحريم النسيء ويتجلى في بداية التقويم الهجري بدون كبس فإن الأمر حدث [ قبل] السنة الخامسة عشرة.

بكل بساطة، تحريم النسيء والأشهر الحرم كان في السنة الخامسة عشرة.

التحريم كان بموجب الآيات المعنية في سورة التوبة، وبموجب خطبة حجة الوداع، فكيف يمكن ذلك أن يكون كذلك وكتب السيرة تقول إن سورة التوبة نزلت بعد غزوة تبوك في شوال من السنة التاسعة، وإن حجة الوداع كانت في ذي الحجة من السنة العاشرة، بل وإن الرسول عليه الصلاة والسلام مات في ربيع الأول من السنة الحادية عشرة؟

محمد المسيّح خبير المخطوطات القرآنية المعروف والباحث في التاريخ المبكر للإسلام يقول إن النبي محمداً لم يمت في سنة 11 بل ظل حياً يرزق وهو من فتح بيت المقدس في السنة 16.

وإذا اعتبرنا صحة رأي الأستاذ محمد المسيّح، فيحق لنا أن نفترض أن سورة التوبة نزلت سنة اليرموك وبذلك يزول الغموض واللبس حول تاريخ بداية التقويم الهجري بدون كبس فلا يوجد تعارض أو تناقض بين زمن نزول الآيات وتطبيقها في أرض الواقع.

وتتضمن سورة التوبة آيات قوية في التحريض على القتال واستنفار المؤمنين ومن حولهم من الأعراب وهو ما يعطي زخما للبعد التاريخي لسورة تؤرخ لمعركة غيرت مجرى التاريخ وهزم فيها العرب إمبراطورا اسمه هيراكيلوس.

وتتضمن السورة أيضاً إشارة الى توبة الله عز وجل عن الثلاثة الذين تخلفوا عن القتال. وتحتفظ السيرة باعترافات كعب بن مالك أحد الثلاثة المتخلفين وهو يحكي عن مأساة وعذاب نفسي ظل يكابده طيلة خمسين يوما بسبب مشاعر الندم والحسرة والخوف من عقاب الرسول والأمل في عفوه. وهي رواية أقرب وأنسب لغزوة اليرموك التي انتصر فيها المسلمون وهم أقل عَدَداً وعُدّة وكانوا في أمس الحاجة للدعم والمشاركة من الجميع، بخلاف غزوة تبوك حيث كانت موازين القوى لصالح المسلمين وانسحب الروم دون قتال.

قبل اليرموك، كان العرب والمسلمون إذاً يعملون بنظام الكبس مثل ما يفعل اليهود على نحو ما ذكرنا سابقاً، ويكمن الفرق فقط في أسماء الشهور. وبالرجوع الى استعمال البرنامج المذكور أعلاه لتحويل التواريخ فإن شهر رجب سنة 15 وهو تاريخ اليرموك يوافق بالتقويم العبري شهر أيلول سنة 4396.

وعليه فإن التوافق بين شهور العرب واليهود كان قبل رجب سنة 15 على نحو هذا الشكل:
شعبان - تشري
رمضان - حشفان
شوال - كيسلو
ذو القعدة - تيفيت
ذو الحجة – شباط
النسيء - آذار الأول في السنة المكبوسة.
محرم - آذار
صفر - نيسان
ربيع الأول - أيار
ربيع الآخر - سيفان
جمادى الأولى - تموز
جمادى الأخرى - آب
رجب - ايلول

بهذا الترتيب يكون التوافق تاما ويتطابق مع الكبس في نفس الوقت. بمعنى أن العرب واليهود يستعملون نفس التقويم، الفرق فقط في أسماء الشهور. وفي هذا الصدد، أستشهد برأي د. جواد علي في المفصل " وأنا لا أستبعد شيوعها (السنة العبرية) عند أهل المدينة، بسبب اختلاطهم باليهود، ولا أستبعد كذلك اتفاقهم مع يهود يثرب في استعمال السنة المستعملة عند اليهود نفسها، وابتدائهم بالشهر الذي كان يبدأ به أولئك اليهود."

وتذكر السيرة وكتب الحديث صيام المسلمين ليوم عاشوراء بانتظام مع يهود المدينة في صدر الإسلام. وشهر المحرم، الذي يشمل عاشوراء، يقابله شهر آذار العبري وهو الذي يكون فيه صوم "أستير" (عشتار-عشتروت).
هي مؤشرات وتطابقات كثيرة تفيد أن المسلمين كانوا يستعملون تقويما موازياً لتقويم اليهود، وبعد السنة 15 مباشرة ألغوا النسيء وأنشأوا بذلك آلياً تقويمهم الخاص وهو التقويم الهجري الذي نعرف.
وفي التقويم العبري فإن السنتين السابقة واللاحقة لليرموك 4395 و4397 كانتا كبيستين. أما في التقويم العربي فكانت السنة السابقة (14) سنة كبيسة فيها النسئ والسنة اللاحقة (16) وكل السنوات بعدها عادية من 12 شهرا قمريا.
وهكذا وافق شباط4395 – آذار الأول 4395 – في آذار4395 – نيسان4395
ذو الحجة 13 - شهر إضافي (وهو النسيء) – المحرم 14 – صفر 14.

ووافق شباط4397 – آذار الأول 4397 – في آذار4397 – نيسان4397
ذو الحجة 15 – المحرم 16 – صفر 16 – ربيع الأول 16.
وبذلك يكون آخر نسيء هو الذي كان بين ذي الحجة 13 والمحرم 14.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,420,174





- لبنان… مذكرة توقيف ضد سيف الإسلام القذافي 
- إيهود باراك يعتذر عن قتل 13 عربيا عام 2000
- "مشروع ليلى" تقسم لبنان والكنيسة تهدد باللجوء إلى ...
- "مشروع ليلى" تقسم لبنان والكنيسة تهدد باللجوء إلى ...
- خان: الجاسوس الذي ساعد الأمريكيين في تصفية بن لادن أحرج باكس ...
- في لبنان: متطرّفون مسيحيون يهدرون دمّ «مشروع ليلى»
- الاحتلال الإسرائيلي يبعد «مرابطة» مقدسية عن المسجد الأقصى 15 ...
- ما القصة وراء -طرد مدون سعودي- من المسجد الأقصى؟
- 80 مستوطنا وطالبا تلموديا يقتحمون المسجد الأقصى
- باكستان تغير روايتها الرسمية حول دورها في عثور الأمريكيين عل ...


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أبركان موسى - إشكالية النسيء والأشهر الحُرُم | محاولة لتحديد بداية التقويم الهجري.