أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - راتب شعبو - بلا اسماء














المزيد.....

بلا اسماء


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6249 - 2019 / 6 / 3 - 14:03
المحور: سيرة ذاتية
    


تقول أغنية فرنسية قديمة:
"أهل الشمال، تشع في قلوبهم الشمس التي يفتقدونها في السماء.
أهل الشمال، أبوابهم مفتوحة للمنكوبين،
لا ينسون أبداً أنهم عاشوا سنوات من الجحيم.
وإذا كانت بيوتهم على نسق واحد،
فذلك حباً بالمساواة."
أهل الشمال طيبون، يساعدونك باندفاع، إذا احتجت. يبتسمون لك في الطريق لمجرد أنك إنسان. يرمون سلام الصباح بسخاء على من يمرون به، وإذا صادفوك مرة ثانية يعيدون تحية الصباح (re-bonjour)، ولا يضيرهم أن تمر بهم مسرعاً دون أن تحييهم، يقدرون استعجالك وانشغالك ويقدرون حتى مزاجك "الانطوائي". يسعدهم أن تقول كلمات طيبة بحق الكلب الذي ينزهونه في الحديقة، ويفرحهم كثيراً أن تلاعبه قليلاً. ولا يضيرهم أن تتجنب كلبهم، حينها سوف يشدون الحبل لإبعاده عنك، فرغم "الهوى الغلاب" الذي يكنونه للكلاب، إلى حد اعتبارهم أن وسخ الكلاب على الأرصفة ليس وسخاً، فإنهم يتركون في قلوبهم مكاناً لمن يخشى الكلاب ولا يطيق الاقتراب منها.
أهل الشمال طيبون، لأبواب بيوتهم قبضة تفتح من الخارج كما من الداخل، فلا يحتاج أحدهم حين يقف خارج البيت كي يدخن سيجارته، إلى من يفتح له الباب من الداخل حين ينتهي من متعته الانفرادية المنبوذة. إنهم طيبون، يخصصون مكاناً واسعاً يجلب إليه الناس ما لا يحتاجونه من أدوات وأغراض وكتب وأي شيء مفيد، لكي يأخذ من يحتاج ما يحتاج مجاناً ودون أي مقابل. في هذه الفكرة "الشمالية" تدور الحاجات بقوة صفاء القلوب، من مكان لا حاجة لها فيه، إلى مكان يحتاجها.
إنهم كتربة الطمي التي تستقر في سرير النهر، خصبة في تنوعها. هنا يستقر أبناء وأحفاد رجال فقراء أشداء طامحين جاؤوا من المغرب العربي ومن البرتغال واسبانيا وبلدان أفريقيا المختلفة للعمل في مناجم الفحم الحجري ومعامل النسيج، ثم نفد الفحم وأغلقت معامل النسيج وتحول قصر رب العمل إلى ملجأ ليلي (للنوم فقط) لمن ليس له ملجأ، وبقي الفقراء فقراء وانضافت الغربة إلى فقرهم. وإلى هنا وصلت موجات من الفارين من الحرب الأهلية الإسبانية أواخر ثلاثينات القرن الماضي، وتوزعوا هنا مثل شظايا حلم مكسور. وإلى هنا، بعد قرابة سبعة عقود، تصل موجات من الفارين السوريين بحلم مكسور أيضاً. وهنا استقرت زوبعة الرمال التي أثارتها الحروب المتكررة التي كانت الحرب العالمية الثانية آخرها.
يتبادل الشماليون الطرائف عن بعضهم البعض. يقول الفرنسيون إن المسيح هبط على الأرض وراح يجترح المعجزات لمواساة المنكوبين، يشفي المرضى ويحيي الموتى، فصادف في طريقه رجلاً يبكي. سأله: لماذا تبكي؟ قال الرجل: لأنني بلجيكي. جلس المسيح وراح يبكي أيضاً. فسأله الرجل: ولماذا تبكي أنت؟ قال: لأنني لا أستطيع أن أفعل لك شيئاً.
أما البلجيك فيقولون: ما هو الخبر الأسوأ؟ إنه خبر سقوط فرنسي في النهر. وما هي المصيبة الأسوأ؟ أن يكون قادراً على السباحة ويخرج من النهر.
أهل الشمال طيبون تدمع عيونهم حين يسمعون القصص السورية عما كان، وعما هو كائن هناك. إنهم طيبون، لكنهم لا يحبون التزاور، لذلك يعيدونك إلى تقنية تعارف كنا قد أتقناها في سجن تدمر. الناس الذين يبادلونك الابتسامات والتحية، ويسكنون في الشارع نفسه الذي تسكن فيه، وتعرف شكل باب بيتهم ولون ستائرهم ونوع الكلب الذي يقتنونه، ليس لهم أسماء. سوف تتعارف عليهم مع أهل بيتك بطريقة اصطلاحية، هي نفس الطريقة التي كنا نتعارف بها على عناصر الشرطة العسكرية في سجن تدمر، أولئك أيضاً ليس لهم اسماء.
كان لدينا هناك مثلاً: أبو الميّة (الرقيب الذي جلد صفوان مئة جلدة)، والجاروشة (الرقيب ذو الصوت الخشن)، والدريكيش (الرقيب الذي، حين طلبنا ماء للشرب بسبب انقطاع الماء، قال لعناصره ساخراً: جيبولهم مية دريكيش) ..الخ. ولدينا هنا: أبو الكلاب (الجار الذي يحوي كلبين ويسرح بهما في الصباح والمساء)، والعنصري (الرجل الوحيد في الشارع الذي لا يبتسم ولا يرد التحية). لا شك أن هذه تسمية قاسية وهي تنم عن حساسية "الغرباء" المفرطة، وتنم من ناحية أخرى عن غلبة الطيبة عند أهل الشمال ما يجعل سلوك "العنصري" نافراً. ولدينا هنا أيضاً العجوز (التي دمعت عينها حين علمت أني سوري)، وبنت العجوز (تسكن في بيت خاص بها في الشارع نفسه، كان لها اسم اصطلاحي آخر تبدل حين اكتشفنا أنها "بنت العجوز")، وأبو الأودي (صاحب سيارة الأودي الوحيدة في الشارع) ..الخ.
لكن ألا يصطلحون هم أيضاً في التعارف علينا؟ ألسنا نحن بلا أسماء أيضاً؟ في ذلك السجن، نحن جمع مغلوب "متجانس" لا تعني فيه الفروق الفردية شيئاً يحتاج إلى تمييزه باصطلاح، نحن سجناء وكفى. وهنا، لدينا ميزة فارقة تمتص الفروقات الفردية فتمنعها من أن تكون مادة للاصطلاح، إننا هنا أجانب أو غرباء أو، في أحسن الحالات، سوريون. نحن مغلوبون هناك وهنا، في السجن كما في حرية "أوروبا"، نصطلح على الناس حولنا بخصائصهم الفردية، ويصطلحون علينا بعمومية ساحقة. لم تنفعنا كثرتنا في ذلك السجن، ولا قلّتنا هنا. في الحالتين نحن مقسورين على ما نحن فيه وفي الحالتين يغمرنا الاصطلاح العام ويسيطر على شخصياتنا.
نيسان 2018





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,898,858
- شباب من سورية في باريس
- المدن كوجبات سياحية
- بين فرنسا وسورية
- السترات الصفراء، بين الشعب والمؤسسة
- أفعال مشينة
- مراجعة في الثورة
- الحرب في إدلب، لا عزاء للسوريين
- الطائفية و-الرماد الثقيل-
- اللجوء بوصفه تهمة
- متحف للدم الحار
- أخرج من سوريا كي أعود إليها
- مواطنون وأعداء
- فلاحو سوريا، التاريخ ما وراء حجاب السياسة 2
- فلاحو سوريا، التاريخ ما وراء حجاب السياسة 1
- أسئلة عن الثورة السورية
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 4
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 3
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 2
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 1
- تمرد المرأة السورية على الأطر السياسية الذكورية


المزيد.....




- مسابقة قفز مثيرة عن صخرة الروشة في بيروت
- كبار السن في اليابان يسافرون حول العالم عبر الواقع الافتراضي ...
- تاريخ بصري للقمر.. من غاليليو إلى أرمسترونغ
- بعد ما تردد عن وفاته.. حسين الجسمي: لا تردد الشائعات ولا تست ...
- صورٌ تنقلك إلى بعدٍ روحي.. ما مغزى هذه القبعات على شكل مآذن؟ ...
- كأس الأمم الأفريقية 2019: مشجعون من الجزائر والمغرب يحتفلون ...
- قطر عن -صاروخ النازيين- في إيطاليا: بعناه لدولة صديقة قبل 25 ...
- مؤتمر صحفي لوزيري خارجية روسيا وساحل العاج
- إيران ترد مجددا على بومبيو... لا تفاوض حول القدرات الدفاعية ...
- أهم بنود الاتفاق السياسي في السودان


المزيد.....

- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - راتب شعبو - بلا اسماء