أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - متعة كاهن















المزيد.....



متعة كاهن


محمود الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6246 - 2019 / 5 / 31 - 00:43
المحور: الادب والفن
    


متعة كاهن
كان مستر بوغيس يقود سيارته بتراخي يميل بجسده إلى الخلف ويريحه على المقعد في حين يسند مرفقه على حافة النافذة المفتوحة بينما يتأمل المنظر من حوله. كم هو جميل منظر الريف, وكم هو ممتع رؤية علامات عودة فصل الصيف من حولك, وانفجار الزعرور البري بألوانه البيضاء و الوردية و الحمراء على طول التحويطات و الأسيجة الممتدة على الطريق. رفع مستر بوغيس يده عن العجلة وأشعل سيجارة وهو يحدث نفسه" أفضل ما يمكن فعله الآن هو أن أقود باتجاه الأعلى صوب بريل هيل" التي لا تبعد -حسب تقديره-من حيث هو أكثر من نصف ميل , حيث تتناثر بيوت قرية بيل على هيئة أكواخ بين الشجر على قمة التل, حسن, حسن, لا أحد يفكر في القدوم إلى هذا التل يبحث عن رزق ما هنا. تابع مستر بوغيس القيادة باتجاه التل, ثم توقف قبيل القمة بقليل و ترجل من السيارة و ألقى نظرة على مشارف القرية, ويمكنه أن يرى في الأسفل مشهد الريف يمتد مثل سجادة خضراء ضخمة لعدة أميال, بدى له الأمر مثالياً و رائعاً حقاً, وسرعان ما تناول لوحاً وقلماً من جيبه و انحنى بهمة على الجزء السفلي من السيارة وسمح لعينيه أن تجوبا ببطء المناظر الطبيعية الخلابة, ومن بعيد كان بمقدوره أن يلمح مزرعة متوسطة الحجم إلى جهة اليمين, هناك خلف الحقول تماماً, كما كان يمكنه مشاهدة الدرب المؤدي إليها, ثمة مزرعة أخرى أكبر تقع خلفها , و من بعيد يلوح منزل تحيط به أشجار الدردار الشامخة كما لو أنها الملكة "آن" ,أما من جهة اليسار بدى له ما يشبه مزرعتين أو هكذا خُيّل له, وإذن فمجموع ما يحيط به من هذه الجهة خمسة منازل. ثم انهمك مستر بوجيس في رسم كل ما تقع عليه عينيه على لوحه, بحيث يسهل عليه العثور على هذه المنازل عندما يقفل راجعا أسفل التل, و ما إن فرغ من رسمه حتى عاد إلى سيارته وتوجه مباشرة نحو القرية على الجانب الآخر من التل, ومن هناك رصد ستة مواقع أخرى: خمس مزارع ومنزل أبيض كبير من الطراز الجورجي, بدى المنزل نظيفا و ثريا وهو يتأمله بمنظاره, وظهرت حديقته مرتبة بصورة جيدة, من المؤسف استبعاد هكذا منزل من خططه, إذ لا فائدة ترجى من مثل هذه البيوت الثرية, وضمن هذا المربع على لوحه كان هناك عشرة بيوت محتملة, مممم, عشرة! يا له من عدد جميل, عدد مناسب لفترة استراحة بعد الظهر, ولكن ما الوقت الآن؟ إنها الثانية عشر, كان سيرغب في احتساء القليل من الشراب في الحانة قبل أن يبدأ عمله, ولكن الحانة لا تفتح أبوابها قبل الساعة الواحدة في أيام الأحد. "لابأس سأقوم بذلك لاحقا", قال ذلك وهو ينظر إلى الملاحظات التي دونها على لوحه, و قرر البدء بمنزل شجرات الدردار الذي دعاه "الملكة آن", والذي بدى له الآن متداعيا على نحو ما, ربما يقطنه بعض ممن يمكن التعامل معهم بقليل من المال, لطالما كان محظوظاً مع البيوت التي على شاكلة "الملكة آن" هذا.
صعد مستر بوغيس إلى سيارته, ودون أن يدير المحرك أرخى مكابح السيارة و جعلها تتهادى ببطء نحو أسفل التل. و بغض النظر عن حقيقة أن مستر بوغيس كان في تلك اللحظة متنكرا في زي رجل دين, فليس هناك ما يوحي بأنه رجل شرير, وهو يعمل تاجر أثاث عتيق و أنتيكات وله متجره الخاص و صالة عرض في كينغز رود في تشيلسي [ في لندن].و في الحقيقة, لا يعتبر متجره كبيراً وهو في واقع الأمر لا يحقق أرباحاً طائلة من عمله, و لكن باعتباره يشتري دائما بأبخس الأثمان و يبيع بأغلاها فهذا يجعله يحقق دخلا سنويا ضئيلاً مقبولاً. و بعلمكم مستر بوغيس هذا, في الحقيقة, بائعاً موهوباً لا يشق له غبار, فأية قطعه أثاث تقع بين يديه, سرعان ما تنزلق بسلاسة ملفتة لتناسب مزاج الزبون سواء كان بائعا أم مشتريا, لكنه-والحق يقال-يصبح أكثر سحرا و شراسة مع الزبائن كبار السن الذين تظهر عليهم سمات الغنى و الثراء, فيبدو صبوراً على المتدينين منهم و بارعاً مع الضعفاء ,مؤذٍ مع الأرامل و متسق مع العوانس, وهو يعرف موهبته تلك حق المعرفة, و يستخدمها دونما خجل كلما أتيح له ذلك, وفي نهاية المطاف, غالباً ما يقوم باستعراض و أداء جيدين بشكل غير عادي, و بالكاد كان يستطيع منع نفسه من التنحي جانبا كما لو أنه ممثل مسرحي ينحني لمرة أو اثنتين على خشبة المسرح إثر انطلاق موجة تصفيق حارة من الجمهور, وعلى الرغم من أن هذا السلوك يمكن أن يضفي عليه سمة المهرج نوعا ما, إلا أنه لم يكن أحمقاً على الإطلاق. في الواقع قيل له من قبل البعض, أنه يمتلك معرفة جيدة بالأثاث الفرنسي و الإنجليزي و الإيطالي أكثر من أي شخص آخر في لندن. كان يمتلك ذائقة مدهشة بالفعل وسرعان ما كان يميز بين التصاميم الجيدة و التي قد تحمل لمسات إبداعية, وكان حبه بطبيعة الحال للمصممين الإنجليز العظماء الذين ينتمون للقرن الثامن عشر أمثال : إنس و مايهيو و تشيبيندال و روبرت آدم و مانوارينغ و إنيجو جونز و هايلوايت و كنت و جونسون و جورج سميث و لوك و شيراتون وبقية جيلهم, ولكن حتى مع هؤلاء لم يكن يخلو الأمر من استثناء بعض أعمالهم, فقد كان يرفض, على سبيل المثال, السماح بعرض قطعة في متجره من أعمال تشيبيندال الصينية أو القوطية, وهو ما يقال أيضا عن تصاميم إيطالية أثقل تعود لروبرت آدم. و كان مستر بوغيس قد حقق خلال السنوات القليلة الماضية شهرة بين أقرانه بسبب قدرته المميزة على اقتناء سلع غالبا ما تكون نادرة و بانتظام مذهل جعلت البعض يعتقد أن له مصدر توريد لا ينضب تقريبا, مصدر بمثابة مستودع خاص, و يبدو أن كل ما كان عليه القيام به هو الخروج مرة واحدة في الأسبوع و جلب ما يمكن بيعه لزبائنه, وكلما سئل عن مصدر سلعه و من أين يحصل عليها, كان يكتفي بالابتسام بذكاء و فطنة و يغمز بإحدى عينية و يهمهم بكلام غير مفهوم عن سر صغير يملكه و لا يمكنه البوح به.
في الحقيقة ما كان يقوم به مستر بوغيس ليس سوى فكرة بسيطة, فما يكمن وراء سره الصغير عمل صار يقوم به بعد ما حصل معه في أحد أيام الأحد قبل نحو تسع سنوات عندما كان يقود سيارته في الريف متجها لزيارة أمه العجوز التي تسكن في بلدة سفن أوكس, فأثناء عودته انقطع حزام مروحة السيارة مما تسبب في ارتفاع حرارة المحرك و بدأ الماء في الرادييتير بالغليان تقريبا, فركنها جانبا و خرج يبحث عن ماء من أقرب منزل الذي لم يكن يبعد عنه أكثر من خمسين مترا, وطلب من السيدة التي فتحت له الباب قليل من الماء و شرح لها ما حدث لسيارته, و بينما كان ينتظر عودتها, لاحت منه نظرة من الباب إلى غرفة المعيشة, وهناك و على بعد أمتار قليلة منه اكتشف شيئا جعله يفيض حماساً, فبدأ عرقه يتصبب من كل مكان من رأسه, كان ثمة كرسي بذراعين من خشب البلوط من النوع الذي لم ير مثله سوى مرة واحدة في حياته. لقد بدى الكرسي مذهلاً, فكل ذراع بالإضافة إلى المسند الخلفي مدعم بصف من ثمانية مغازل مستديرة وجميلة, كما كان المسند مطعما بتوليفات رشيقة من الورود, كما نقش رأس بطة على طول منتصف كل ذراع, يا عفو الله, ما هذا؟ و ندت صرخة خافتة من فمه, لابد أن هذا الكرسي مصنوع في آخر القرن الخامس عشر, اقترب أكثر من الباب و دس رأسه نحو الداخل, و يا لهول ما رأى, فقد كان هناك كرسي آخر قرب المدفأة, لم يستطع أن يخفي دهشته, وأثناء ذلك كان دماغه يعمل بسرعة رهيبة, إذ لم يكن متأكدا ولكنه يستطيع التخمين بأن ثمن كل كرسي من هذا النوع في لندن لا يقل عن ألف جنيه. يا لهذا الجمال الذي وقعت عليه عينيه للتو, وحالما عادت السيدة تحمل إبريق الماء, قدم مستر بوغيس نفسه لها وسألها إن كانت ترغب ببيع الكراسي, لم تكترث لسؤاله و ردت عليه بأدب, و لكن يا عزيزي لماذا علي أن أبيعهم؟ ما الداعي إلى ذلك؟ أثنى مستر بوغيس على جوابها و تابع يقول حقاً لا يوجد أي سبب على الإطلاق باستثناء إني مستعد لدفع مبلغ مناسب ثمناً لهما لو رغبت, فقالت له المرأة ,طيب كم ستدفع؟ يعني من باب العلم فقط. ؟ علما أنهما ليسا للبيع بأي حال, فرد عليها بسرعة خمس و ثلاثون جنيهاً, فغرت المرأة فاها و قالت كم؟ فأعاد على مسامعها المبلغ دون أن يعطيها فرصة تلتقط فيها أنفاسها, خمس وثلاثون يا سيدتي جنيه ينطح جنيه. خمس و ثلاثون, تمالكت السيدة نفسها و استعادت بعض هدوئها و قالت, خمس و ثلاثون؟ لابأس, ذلك رائع حقا, لطالما اعتقدت أن لهذه الكراسي قيمة ما, أي نعم قديمين جدا لكنهما مريحان أيضا و لا يمكن الاستغناء عنهما, وتابعت بصوت عال: لا يا سيدي, ليسا للبيع شكراً لعرضك, فأجابها ولكنهما لا يبدوان قديمين جداً كما تتخيلين, و لن يكون من السهل بيعهما فيما بعد لو قررت ذلك, ولكن تصادف إني أعرف زبونا يحب اقتناء مثل هذه الأشياء لذا يمكنني رفع السعر جنيهين, ما رأيك بسبعة وثلاثين جنيها؟ استمر مستر بوغيس و السيدة صاحبة الكراسي في المساومة نحو نصف ساعة, و بطبيعة الحال تمكن من أن يحصل عليهما ودفع ما يعادل أقل بعشرين ضعف من قيمتهما الحقيقية, و أثناء عودته و السعادة تغمره بحصوله على الكرسيين, ضرب فجأة جبينه بباطن كفه حين لمعت في ذهنه فكرة مذهلة: إذا كان هذين الكرسيين يقبعان في مزرعة متواضعة هنا, فلم لا يكون ما يشبههما في بقية البيوت المنشرة هنا و هناك؟ لم لا يبحث بنفسه عنها؟ لم لا يقوم بتمشيط الريف بيتاً بيتاً بحثاً عن الأنتيكات القديمة؟ يمكنه القيام بذلك أيام الأحد, بحيث لا يؤثر نشاطه هذا على العمل في المتجر, أصلا هو لم يكن يدري كيف يمضي يوم الأحد. وما إن نضجت الفكرة في ذهنه, حتى اشترى خرائط بمقياس رسم كبير لجميع المقاطعات الريفية المحيطة بلندن و قسّم كل منها إلى سلسلة من المربعات يغطي كل مربع مساحة فعلية من خمسة أميال تقريبا وهي المساحة التي قدّر أنه يستطيع العمل فيها في يوم واحد, و استثنى المدن و البلدات لتسهيل عمله, فقد كان هدفه الأماكن المعزولة نسبيا, المزارع و البيوت الريفية المتداعية, وبهذه الطريقة لو قام كل يوم أحد بإنجاز مربع من مربعاته, فهذا يعني اثنين وخمسين مربعا في العام, بما يغطي تدريجيا كل مزرعة و بيت ريفي في المقاطعات المقسمة على خرائطه, و لكن الأمر لم يكن على تلك الدرجة من السهولة, فسكان الريف يرتابون بكل شيء بحكم طبيعتهم, فضلاً عن سذاجتهم المشهورة, فلا يمكنك هكذا ببساطة أن تقرع أبوابهم و تتوقع منهم أن يدعوك تتجول في بيوتهم بحرية بداعي السؤال فقط, لسبب بسيط وهو أنهم لن يقوموا بهذا قط, فبمثل هذا الأسلوب و بمثل هذه الطريقة لا يمكن حتى تجاوز عتبة الباب الخارجي, فما السبيل إذن لجعلهم يستقبلوه؟ ربما سيكون من الأفضل أن لا يخبرهم عن طبيعة عمله, يمكنه أن يتنكر بزي عامل هاتف أو سبّاك أو مراقب عداد الغاز, يمكن أن يكون أيضا حتى رجل دين, لم لا؟ و عند هذه النقطة بدأت تتضح الأمور أمامه وبدأ خطته تميل برمتها لأن تتحول إلى خطوات عملية أكثر, فقام بطبع كمية معتبرة من البطاقات الشخصية كتب عليها" المحترم سيريل وينينغتون بوغيس, رئيس جمعية الحفاظ على الأثاث الفيكتوري النادر في متحف ألبرت", ومنذ ذلك الحين, صار مستر بوغيس يتحول كل أحد إلى كاهن عجوز لطيف يقضي عطلته في التجوال يجرد الكنوز المخبأة في المنازل الريفية الإنجليزية بحكم شغفه بـ "الجمعية", ومن سيجرؤ حينها على طرده عندما يسمع مثل هذا الكلام؟ قطعا لا أحد. و لو حدث واكتشف شيئا ما حقيقي بمجرد أن يصبح داخل أحد البيوت, فلن يعدم وسيلة للحصول عليه, فهو يعرف مائة طريقة و طريقة للتعامل مع هكذا أمور, و مما أثار دهشته أن مخططه هذا لاقى نجاحاً غير متوقعاً, فقد كان الناس في الواقع يستقبلونه بحفاوة كلما انتقل من منزل لآخر على امتداد الريف المحيط بلندن, في البداية بدى الأمر محرجاً للغاية حتى بالنسبة له, فلم تكن تخلو زيارته من دعوته لتناول فطيرة باردة و كأس شراب أو كوب شاي أو سلة من الخوخ بل و يصل الأمر أحياناً إلى دعوة على العشاء و الجلوس مع الأسرة, وكانت هذه المسائل تضغط عليه باستمرار, وبالطبع لم يكن يخلو الأمر من بعض اللحظات السيئة و الحوادث غير السارة. ولكن لكم أن تتخيلوا, إنها تسع سنوات, أي حوالي أربعمائة يوم أحد و عدد غير محدود من المنازل التي زارها, لقد كان الأمر برمته مثيراً للاهتمام ومربحاً. وها هو الآن في يوم أحد يتجول في مقاطعة باكينغهامشير على بعد حوالي عشرة أميال عن أوكسفورد, يوقف سيارته أسفل التل و يتوجه إلى هدفه الأول, "الملكة آن" التي بدت متهالكة مما أعطاه إحساس بأن هذا سيكون من حسن طالعه.
أوقف مستر بوغيس سيارته على بعد حوالي مئة متر من البوابة و تابع طريقه ماشياً فلم يكن يرغب في أن يرى الناس سيارته إلا بعد انتهاء الصفقة, فهو لا يحبذ أن يرى الناس رجل دين وقور يقود سيارة مقطورة, لا يبدو ذلك مناسباً , بالإضافة إلى أن هذا يمنحه بعض الوقت لتفحص الممتلكات من الخارج عن كثب و التكهن بالمزاج الأكثر احتمالا لمثل هذه المناسبات, انزلق بخفة من سيارته, وبدى رجلا بسحنة هادئة وأرجل منتفخة و بطنه بارزة أمامه و وجه مستدير و متورد. كانت عيناه البنيتان بارزتان من وجهه الوردي تعطي انطباعا لطيفا بالبلاهة, كان يرتدي بدلة سوداء و يضع حول رقبته الطوق المعتاد للتدليل على مرتبته الدينية ككاهن و يعتمر قبعة سوداء لطيفة و يهز بيده عصاة مشي قديمة من خشب البلوط تضفي عليه-باعتقاده- مظهرا بسيطاً و مرحاً, اقترب من الباب الأمامي للمنزل و قرع الجرس, فسمع وقع خطوات قادمة من الداخل و انفتح الباب فجأة ووقفت أمامه, بالأحرى فوقه, امرأة عملاقة ترتدي" البريتشيز" الخاص بركوب الخيل و برغم راحة التبغ القوية المنبعثة منها كان بمقدوره أن يتنشق رائحة إسطبلات و روث الأحصنة النفّاذة العالقة بالسيدة و ثم أتى -بعد جسمها- صوتها
-نعم؟ .. قالتها وهي تنظر نحوه بريبة , ثم أردفت "ما الذي تريده؟"
رفع مستر بوغيس قبعته و ناولها بطاقته وهو يتوقع منها أن تصهل في أي لحظة , ثم قال:-أعتذر بشدة لإزعاجك . و وقف يتابع تعابير وجهها حالما بدأت بقراءة اسمه و وظيفته على البطاقة, لم يدم الأمر طويلاً, فسرعان ما أعادت له البطاقة وهي تقول" لم أفهم .. ما الذي تريده؟", فما كان منه إلا أن بدأ يشرح لها وظيفة و مهمة جمعية الحفاظ على الأثاث النادر الموجود في المنازل, فردت عليه" ولكن هذا لا يعني بأي حال وجود علاقة ما مع الحزب الاشتراكي"؟ ثم حدقت به بشراسة من تحت زوج من الحواجب الكثيفة الشاحبة. وعند هذه اللحظة بدى الأمر سهلاً, فمن يرتدي "البريتشيز" مثل تلك السيدة يكون انتماؤه لحزب المحافظين, وهم أهداف سهلة له سواء كان أحدهم رجلا أم امرأة. لم يحتاج الأمر منه سوى دقيقتين ليكيل المديح للجناح اليميني المتطرف في حزب المحافظين, ومثلهما للتهجم على الاشتراكيين, ولكي يضفي بعضاً من الحقيقة على كلامه أشار بشكل خاص إلى مشروع القانون الذي يدفع به الاشتراكيون لإلغاء الألعاب الرياضية الدموية في البلاد و مضى يقول أن "فكرته عن الجنة [ رغم أنه من الأفضل عدم إخبار الأسقف بذلك يا عزيزتي] بوصفها المكان الذي يمكن أن نصطاد فيه الثعلب و الأيل و الأرنب من الضحى حتى الليل كل يوم من أيام الأسبوع , بما في ذلك أيام الأحد برفقة مجموعة كبيرة من كلاب الصيد التي لا تكل جرياً ونباحاً". كان يراقب وهو يتحدث السيدة صاحبة المنزل, و يتابع مفعول السحر الذي بدأ يؤتي بثماره, إذا افترّ فمها عن ابتسامة عريضة أظهرت أسنانها الصفراء الضخمة, فتابع يقول "أستميحك عذرا يا سيدتي لا تدعيني أبدئ في الحديث عن الاشتراكية" و هنا أفلتت منها ضحكة عريضة و رفعت يدها المحمرة و هوت بها على كتفه بقوة حتى كاد يقع ثم زعقت:
-تبا لكل هذا ...تفضل .. ادخل.., رغم اني لا أعرف ماذا تريد بالضبط . لكن لا عليك تفضل بالدخول .
لم يحتو البيت , لسوء حظه, على شيء ذو قيمة ,وهذا ما أثار استغرابه , لذلك قرر عدم إضاعة الوقت و البحث في أرض قاحلة, ولن يعدم عذرا بمغادرة المكان في الحال, و بالفعل لم يستغرق الأمر أكثر من ربع ساعة. نعم هكذا ينبغي أن تسير عليه الأمور, قال ذلك محدثاً نفسه وهو يعود لسيارته لينطلق نحو هدفه التالي- عدة بيوت ريفية أقربها على بعد نصف ميل عن الطريق العام, وهو عبارة عن بناء نصفه من الطوب و نصفه من الخشب القديم , وكان بإمكانه أن يرى شجرة كمثرى رائعة تغمرها أزهارها و تنتصب قرب الجدار الجنوبي.
طرق على الباب و انتظر, لكن لم يأت أحد, فأعاد الطرق من جديد, ولكن لا جواب, فقام بعمل جولة في المكان مقتربا من اسطبلات الأبقار, ولكن أيضا لم ير أحد هنا, خمّن أنهم يجب أن يكونوا في الكنيسة في مثل هذا الوقت, فاغتنم الفرصة و بدأ في النظر عبر النوافذ ليرى إن كان ثمة ما يثير اهتمامه, لم يكن هناك شيء في غرفة الطعام, ولا في المكتبة, فجرب الاقتراب من النافذة التالية التي تطل على غرفة المعيشة, وهناك على اليمين أسفل أنفه في الكوة الصغيرة التي صنعتها النافذة وجد ما يبحث عنه, طاولة نصف دائرية من خشب الماهوغني مكسوة بقشرة فاخرة و مشغولة بأسلوب هيبليوايت من سنة 1780, فصرخ بصوت عال " آه ..ها.. ها " وضغط وجهه بقوة على الزجاج و تابع يقول" حسن فعلت يا بوغيس ..حسن ما فعلت". ولكن ليس هذا كل شيء, لقد كان هناك كرسي أيضا, كرسي مفرد, وإن لم يكن مخطئا فقد كان أكثر جودة من الطاولة, عمل آخر من تصميم هيبلوايت, أليس كذلك؟ و يا للجمال , لقد كانت مشابك الظهر تزينه نقوش نباتية, وكانت القشرة و استدارة العصي تبدوان جميعها أصلية, أما الأرجل فكانت رشيقة و مستديرة برشاقة و ما كان يعني له الكثير شكل الأرجل الخلفية المتباعدة نحو الخارج, لقد كان بحق كرسياً رائعاً , خاطب مستر بوغيس نفسه بذلك وتابع بعد أن هدأ قليلاً " ها قد تم عمل اليوم , سأكون سعيدا بالجلوس على هذا المقعد الجميل في نهاية اليوم". كانت هذه عادته , فلم يسبق له أن اشترى كرسيا من قبل دون أن يقوم بهذه التجربة المفضلة عنده, لقد كان الأمر يثير فيه الكثير من المشاعر حين يهبط بجسمه بدقة وبطء على الكرسي في انتظار “إعطاء" وقياس بخبرة دقيقة هائلة درجة الانكماش التي تسببت فيها السنوات و نقر و تواصل المفاصل, لكنه يبدو الآن ليس على عجلة من أمره, سوف يعود لاحقا, فمازال لديه فترة بعد الظهر بأكملها.
كانت المزرعة التالية تقع على الطريق خلف, ومن أجل أن يبقي سيارته بعيداً عن الأعين, اضطر إلى ركنها على الطريق و المشي نحو خمس مئة متر مباشرة في خط مستقيم يؤدي به إلى الفناء الخلفي لأحد البيوت الريفية الذي بدى كلما اقترب منه أصغر بكثير من البيت الذي رآه من قبل, ولايوحي بأمل العثور على شيء مهم بداخله, بدى البيت قذرا و بعض الحظائر بدت في حالة سيئة, وعلى مبعدة منه كان ثمة ثلاثة رجال يقفون في الفناء قرب بعضهم البعض, يقبض أحدهم على اثنين من الكلاب السلوقية السوداء الكبيرة, توقف الرجال فجأة عن الكلام فيما بينهم عندما لمحوه يقترب ببدلته السوداء و ياقته الكهنوتية, وتجمدوا في مكانهم بلا حراك, و اتجهت وجوههم نحوه تراقبه بريبة كلما كان يقترب أكثر, بدى الأكبر فيهم بمظهر متعجرف نوعا ما وفم كبير و عيون صغيرة غامضة, و على الرغم من أن مستر بوغيس لم يكن يعرف اسم هذا الشخص, فقد كان يدعى "رومينز" و هو صاحب هذه المزرعة, أما الشاب طويل القامة الذي يقف بقربه و الذي يبدو أن ثمة خطب ما في إحدى عينيه فقد كان يدعى بيرت وهو ابن السيد رومينز, أما أقصرهم ذو الوجه المسطح و الحواجب الضيقة و الكثيفة و الأكتاف العريضة فيدعى كلود, و هو هنا آملا في الحصول على قطعة من لحم الخنزير الذي ُقتل يوم أمس, وكان كلود على علم بقتل الخنزير-فقد ملأ ضجيجه الحقول- وكان يعلم أيضا أنه للقيام بمثل هذه العمل لابد من وجود تصريح حكومي , وأن رومينز -في الواقع- لم يكن يمتلك مثل هذا التصريح.
بادرهم مستر بوغيس بالقول :"مساء الخير, يبدو اليوم جميلاً , أليس كذلك. ألا يبدو ؟", لم يتحرك أي من الرجال الثلاثة, و يبدو أن شيئا واحدا جال في تفكيرهم أن من يقف أمامهم رجل دين, ولكنه ليس رجل الدين الذي يعرفوه, بل هو على الأرجح مبعوث أتى ليحشر أنفه في شؤونهم و يقدم تقريره للحكومة, قطع مستر بوغيس سلسلة أفكارهم وتابع" يا لها من كلاب جميلة.. ينبغي لي القول أنني لم أشترك شخصيا قط في سباقات الكلاب السلوقية, لكني أسمع أنها رياضة رائعة", ومن جديد عاد الصمت ليسود المكان, فيما كان هو يجول ببصره سريعا بين رومينز و بيرت و كلود, ثم عاد ينظر نحو رومينز, وقد لاحظ أن كل منهم لديه على وجهه ذات التعبير الغريب, تعبير يجمع بين الانزعاج و التحدي, ممتزجة بمعاني الازدراء التي يشكلها حركة الفم و السخرية البادية من أنوفهم, لم يتوقف مستر بوغيس عن الكلام, بل توجه دون اكتراث يخاطب رومينز كأنه يقدم نفسه " ألست أنت من يملك هذا المكان؟ أيزعجك لو سألتك هذا السؤال؟ "
-ماذا تريد؟
-اعتذر إن تسببت لكم ببعض القلق, ثم قدم بطاقته لرومينز الذي قربها من وجهه, في الوقت الذي بقي فيه بيرت و كلود ثابتين بلا حراك, و انقلبت وجوههم باتجاه رومينز كأنهما يحاولان أن يطلعا على محتوى البطاقة. و أتى صوت رومينز يقطع لحظة الصمت "طيب.. وماذا تريد بالضبط “؟ فبدأ مستر بوغيس -و للمرة الثانية هذا اليوم-, بتوضيح و بشيء من التفصيل أهداف و مُثُل جمعية الحفاظ على الأثاث النادر, ولما انتهى من حديثه , تمتم رومينز يقول "ليس لدينا أثاث نادر, أنت تهدر وقتك هنا" فقال مستر بوغيس " أذكر أن هكذا أجابني ذات مرة مزارع عجوز من ساسكس, ولكن هل تعلم ماذا وجدت عندما دخلت منزله؟ لن تصدق, كرسياً قديم المظهر ملقى في زاوية المطبخ, اتضح فيما بعد أن قيمته تتعدى أربعمئة جنيه, وعرضت عليه بيعه, ثم أتعلم ماذا؟ لقد اشترى لنفسه جراراً جديداً بثمنه", فقال كلود " شو عم تحكي أنت؟ هل يعقل أن كرسياً قديماً تبلغ قيمته أربعمئة جنيه, طيب ليش؟ هل يوجد كرسي في العالم يستحق هذا المبلغ “؟ فأجابه بوغيس" معلش بدك تسمح لي هذه المرة, فهناك الكثير من الكراسي في إنجلترا تستحق أضعاف هذا المبلغ, إنما هل تستطيع أن تقول لي أين هي بالضبط, إنها مبثوثة بعيداً في المزارع و البيوت في جميع أنحاء البلاد, ربما يستخدمها أصحابها سلالم أو دعّاسات فيقفون عليها بأحذيتهم ليتناول الواحد منهم مرطبان مربى من أعلى الخزانة أو كي يثبت صورة على الجدار, نعم أيها الفتى, هذه هي الحقيقة, نعم يا سادة, الحقيقة هي ما قلته لكم للتو يا أصدقائي" عدّل رومينز من وقفته غير المريحة وقال “يعني , فينا نفهم من كلامك أن كل ما تريده هو أن تنسل إلى المنزل و تقف في وسط الغرفة و تنظر حولك؟" فأجابه بوغيس بتوجس " نعم, بالضبط هذا ما أرغب به" ثم أردف " بالتأكيد لا أرغب في التنقيب في خزائنك والبحث عن شحم الخنزير هنا و هناك, كل ما أريده هو أن ألقي نظرة على الأثاث كي أرى إن كنت تجثم على كنز ما هنا, وعندها سوف أكتب عن كنوزك في مجلة الجمعية", فقال رومينز وهو ينظر نحوه بعينيه الصغيرتين و الشر باد منهما: " أتعلم؟ أشك في أنك لا تشتري هذه الأشياء لنفسك, وإلا ما الذي يدفعك لخوض مثل هذا النوع من المتاعب"؟ فقال بوغيس " أووو, ياريت يا صاحبي.. يا ريت , ليتني أستطيع ذلك, و لو كان لدي ما يكفي من المال فبكل تأكيد سوف أفعل.. أما لو رأيت شيء مما تجول به بمخيلتي و كان الأمر أكبر من إمكانياتي , يمكنني حينها تقديم عرض مغر, لكن للأسف , قلما يحدث هكذا أمر", فقال رومينز " طيب ..طيب , خلص , لا أرى ضرراً من أن تدخل وتنظر بنفسك إن كان هذا كل ما تريده" وقاده عبر الفناء إلى الباب الخلفي للمزرعة يتبعهما بيرت و كلود برفقة كلبيه, ودخل الجميع من باب المطبخ الذي تتوسطه طاولة غير ذات قيمة ملقى عليها دجاجة مذبوحة, وينفتح المطبخ على غرفة المعيشة الواسعة و المتسخة, وهناك رأي مستر بوغيس شيء جعله يقف كمن أصابته صعقة, وندت عنه صرخة كالمصدوم, لا يعلم بالضبط كم بقي على هذه الحال, خمسة, عشرة, خمسة عشر ثانية؟, أكثر قليلا, ربما أقل, كان يحدق غير مصدق ما تراه عيناه, بل لا يجرؤ على تصديق ما يراه, هل هذا الذي أمامه حقيقية؟ هل يعقل أن يكون حقيقة؟ ربما لا, ليس كذلك, ولكن كلما مر الوقت حيث يقف, كلما تيقن أن ما وقعت عليه عيناه هو الحقيقية بذاتها, فهناك إزاء الجدار أمامه تماما, ثمة قطعة أثاث حقيقية مثلما هو حقيقي المنزل هذا الذي هو الآن بداخله. ومن يستطيع أن يخطئ شيء مثل هذا, هناك قرب الجدار كانت تجثم مطلية باللون الأبيض, لكن هذا ليس مهماً, لاشك أن أحد الحمقى فعل ذلك, يمكن إزالة الطلاء بسهولة, ولكن يا الله.. يا الله, كم هي بديعة , يا الله ما أجملها, كل ها الجمال , وأين؟ في مكان كهذا. وعندها أدرك أن الرجال الثلاثة يحدقون به باهتمام بالغ من مكانهم قرب المدفأة, لقد رأوه يتوقف و يلهث و يحدق, ولاحظوا كيف تحول وجهه إلى اللون الأحمر, أو ربما كان أبيضاً, فداهمته الأفكار سريعا و قال لنفسه "سوف يفسد هؤلاء الرجال عملي إن لم أقم بفعل شيء ما حيالهم" ثم وضع مستر بوغيس يده على قلبه و ترنح وهبط على أقرب كرسي و بدى كأنه ينهار وصار يتنفس بصعوبة, فبادره كلود بالسؤال " ما خطبك" فقال بوغيس "لا شيء , سأتحسن بعد حين, ولكن هل لي بطلب كأس ماء من فضلكم؟ إنه قلبي, فسارع بيرت إلى إحضار كأس ماء و ناوله إياه و بقي بقربه يحدق فيه و ارتسمت على وجهه علامات الحذر و الغموض, و أتى صوت رومينز من قرب المدفأة " ظننتُ أنك ربما عثرت على ما كنت تبحث عنه" وافتر شفتيه عن ابتسامة ماكرة فبانت عدة أسنان مهشمة في تجويف فمه , فأجابه بوغيس" لا ..لا ليس هذا السبب . بل هو قلبي, يحدث لي هذا بين الفينة و الأخرى, ولكن, سأكون بخير بعد دقائق ". لقد كان ما رآه يجعله يطلب مزيداً من الوقت ولو ضئيل للتفكير في البحث عن حل, ولكن الأهم الآن هو أن يحصل على مزيد من الوقت ليتمالك نفسه قبل أن يتفوه بأية كلمة, خذ الأمور بحنية يا بوغيس, وابق هادئاً مهما حصل, هكذا خاطب نفسه, ثم تابع, قد يبدو هؤلاء الرجال جهلة, لكنهم ليسوا أغبياء, إنهم من النوع الحذر كثير الارتياب و الخوف, فإذا كان ما رأيت صحيحا, أوو لا يبدو كذلك, لا يبدو صحيحا, وكان يضع إحدى يديه على عينه مصطنعا الألم, ومن ثم يفرج اثنين من أصابعه و ينظر , أووه مازال ذاك الشيء في مكانه هناك, ثم انتهز الفرصة لينظر نظرة طويلة, نعم لقد كان محقاً منذ أن وقعت عليه عيناه أول مرة, لاشك في أن ما يراه حقا هو قطعة أثاث, ولو رآها أي خبير فهو على استعداد لدفع أي شيء تقريباً للحصول عليها, لكنها بالنسبة للشخص العادي, ليس فيها ما يثير الإعجاب, لاسيما بعد طلائها بهذا اللون الأبيض القذر, غير أنها بالنسبة لمستر بوغيس تمثل حلم كل تاجر, وكان على علم مثله مثل أي تاجر في أوروبا و أمريكا أن من قطع الأثاث الإنجليزي الذي يعود للقرن الثامن و أكثرها شهرة و رغبة في الاقتناء تلك القطع الثلاث الشهيرة المعروفة باسم "قصريات تشيبيندال" وهو يعرف تاريخ هذه القطع تماما و يعرف أن أول قطعة اكتشفت في العام 1920 في بيت في بلدة موريتون إن مارش و بيعت في دار سوثبي للمزادات في ذات العام, ثم ظهرت القطعتين الأخيرتين في دار سوثبي أيضا بعد ذلك بعام و كلتيهما أتتا من قاعة رينهام, نورفولك, و يذكر أن القطع الثلاث بيعت بأسعار عالية للغاية, وإن كان لا يستطيع تذكر ثمن القطعتين الأولى و الثانية, لكنه يعرف تماماً أن القطعة الثالثة بيعت بـ 3900 جنيه سنة 1921, و اليوم ذات القطعة ستكون قيمتها بالتأكيد عشرة آلاف جنيه , وأن أحدهم, لم يستطع مستر بوغيس تذكر اسمه, عمل دراسة عن هذه القصريات مؤخرا و أثبت أن هذه القطع الثلاثة صنعت في ورشة واحدة, لأن القشرة المستخدمة أتت من نفس قطع الشجرة, كما استخدم في صنعهم نفس مجموعة القوالب, لكن لم يتم العثور على أية فاتورة لأي منهم, بيد أن جميع الخبراء يتفقون على أن هذه القطع الثلاث لم يكن بالإمكان تنفيذها إلا على يد توماس تشيبيندال نفسه في لحظة ما من لحظات حياته المهنية الزاخرة . وهنا ظل مستر بوغيس يحدث نفسه وهو ينظر بحذر من بين الشق الذي أحدثه بأصابعه, و ها هي أمامي الآن القطعة الرابعة من عمل تشيبيندال, سوف يجي ثروة طائلة من ورائها, وسوف يصح مشهورا, فكل قطعة من القطع السابقة معروفة باسم يخصها مثل" صيوان تشاستليتون, صيوان رينهام الأول, صيوان رينهام الثاني , أما هذه التي أمامه الآن فسوف يذكرها التاريخ باسم صيوان بوغيس, يااااه, ما عليك سوى أن تتخيل وجوه الأولاد هناك في لندن عندما يلقون نظرة عليها صباح الغد, و كذلك العروض المغرية التي ستنهال عليه من التجار الكبار في ويست إند: فرانك بارتريدج, ماليت, جيتلي, وسواهم , سوف تنشرها "التايمز" على صفحاتها الأولى و ستضع عنوانا" صيوان تشيبيندال الرائع الذي اكتشفه التاجر اللندني, السيد سيريل بوغيس, .." يا إلهي ... يا لها من ضجة سيحدثها هذا الاكتشاف, الذي أمامه الآن, الذي بدى له شبيها إلى حد ما بصيوان رينهام الثاني " تختلف النماذج الثلاثة السابقة عن بعضها بقليل من الجزئيات الصغيرة", و الأمر المثير للإعجاب في تصميم هذه النماذج أنها بنيت وفقا لأسلوب الروكوكو الفرنسي الذي كان سائدا في زمن تشيبيندال المتأثر بزخرفة "الديركتوار" [ وهو أسلوب زخرفة نيوكلاسيكي وسيط بين نماذج لويس السادس عشر كثيرة الزخرفة و الأسلوب الإمبراطوري الذي انتشر ما بين 1795 – 1799], ونموذج تشيبيندال عبارة عن صيوان يتألف من عدة دروج عددها ستة ضخمة اثنان في المنتصف و اثنان أقصر قليلاً على كل جانب و محمولة على أربعة أرجل لا يتجاوز ارتفاع الواحدة منها قدم واحد منحوته. الواجهة الملتوية الأفعوانية مزخرفة بطريقة رائعة على طول الأجزاء العلوية و السفلية و الجانبية, وبين كل مجموعة من الدروج وبطريقة عمودية, وتتضمن منحوتات حلزونية و عنقودية و أشكال تزينية معقدة على هيئة أزهار و ورود, أما المقاض فهي مصنوعة من النحاس, وعلى الرغم من حجبها بالطلاء الأبيض فمازالت تبدو في منتهى الروعة, لقد كانت بالطبع "قطعة ثقيلة", ولكن تنفيذ التصميم على هذه الدرجة من الأناقة و الجمال لا يعطي إحساس بثقلها .
-كيف تشعر الآن؟ سمع مستر بوغيس أحدهم يقول.
-شكر لك ... أشكرك. أشكركم , لقد صرت أحسن الآن, بل في الحقيقة بت بأفضل حال, نصحني الطبيب بعدم القلق كلما ألمّت بي هذه الحالة طالما نلت على إثرها قسطاً من الراحة ولو لبضع دقائق, ثم رفع نفسه ببطء و ارتكز على قدميه و قال الآن أفضل.. أنا بخير شكراً لكم, وبدأ يتحرك وسط الغرفة بطريقة تبدو هشة و غير ثابتة وأخذ يتفحص الأثاث من حوله, يتأمل القطعة, يلمسها ثم يعلق تعليقاً موجزاً و ينطلق لغيرها, وكان طوال الوقت لا يرفع بصره عن الصيوان القابع هناك الذي بدى له بحالة سيئة جدا, ثم قال على حين غرة : طاولة البلوط هذه تبدو لي لطيفة ثم تابع , لكن لا أراها قديمة بما يكفي لتسميتها أثاث عتيق و أنتيكا يجب الحفاظ عليها, الكراسي تبدو مريحة لكنها حديثة جدا, مممم نعم من الواضح أن الكراسي حديثة, وما هذه التي هناك ؟ خزانة ذات دروج؟ آه أجل إنها تبدو هكذا, جذابة لاشك, لكنها عديمة القيمة. وقد وقف الآن خلف صيوان تشيبيندال و بدأ يمرر أصابعه على سطحها, وتابع يحدثهم, لا أعتقد أنها تساوي أكثر من بضعة جنيهات,,, ليس أكثر, فهي تبدو تقليداً لأصل ربما يعود للعصر الفيكتوري, هل أنت من طلاها باللون الأبيض؟ فأجاب رومينز أجل, بيرت من قام بذلك, فرد عليه بوغيس, تصرف حكيم لاشك, فاللون الأيض يخفف من حدة ضخامتها, فقال رومينز: إنها قطعة أنتيكا واضحة أيها السيد, انظر, فهي مزينة بمنحوتات لطيفة, فرد عليه بوغيس" أجل, لكنه نحت آلي, أجل, أجل تبدو رائعة, ثم انحنى يتفحص براعة صنعتها, وتابع يقول, ألا ترى معي؟ يمكنك معرفة ذلك من بعد ميل, ومع ذلك تبدو لي صنعتها متقنة"... ثم تراجع قليلا إلى الوراء, وعاد يتقدم ببطء نحو الصيوان واضعاً طرف إصبعه على ذقنه, و رأسه موارب قليلاً على جهة أحد كتفيه, ورشق على وجهه مظهراً عابساً كما لو أنه ذاهل عما حوله فبدى كأنه غارق تماماً في التفكير العميق, ثم قال أخيرا " أتعلم؟ وتابع بصوت عرضي و خافت : بخصوص هذا الصيوان,, تذكرت للتو, فأنا منذ مدة أبحث عن أرجل طاولة, تشبه أرجل هذا الصيوان تقريبا, إذ تصادف أن اقتنيت طاولة غريبة ,من النوع الذي يضعه الناس عادة أمام الأريكة, بما يشبه طاولة قهوة أو شيء من هذا القبيل, و تصادف أيضا عند انتقالي إلى منزلي الجديد, أن أتلف أحد الحمقى الذين كانوا ينقلون العفش أرجل تلك الطاولة بطريقة قبيحة للغاية, و لا أخفيك أني كنت مغرماً جداً بها, فلطالما كنت أستخدمها لأضع كتابي المقدس عليها, و ملاحظاتي عن عظة الأحد, ثم توقف عن الكلام, كما لو أنه يفكر بشيء ما, وتابع يقول" كنت أقول بيني و بين حالي أن أرجل هذا الصيوان مناسبة تماما لطاولتي, نعم, ربما يمكن في واقع الأمر نشرهم بسهولة و تثبيتهم على طاولتي" ثم أتبع ذلك بنظرة نحو الرجال الثلاثة الواقفين أمامه بلا حراك, يتابعون حديثه و علائم الدهشة و الريبة بادية على وجوههم, يا للهول, ثلاثة أزواج من الأعين الفضولية المرتابة تحدق به, ثلاثة أواج مختلفة لكنها تحمل القدر ذاته من عدم الثقة, عيون رومينز الصغيرة مثل عيني خنزير, وعيون كلود المثقلة و الكبيرة, وعينا بيرت و تبدو إحداهما غريبة و الأخرى شاحبة و ضبابية وذات نقطة صغيرة في مركزها مثل عين السمكة, ابتسم بوغيس وهو يتابع أزواج العيون تلك و قال " أوووه , ماذا قلت لتوي؟ لا عليكم, لا تشغلوا بالك كثيراً, فقد كنت أحدث نفسي كما لو أني امتلك هذا الصيوان, أكرر اعتذاري لكم, فقال له رومينز" هل تقصد أنك تود شراء هذا الصيوان" نظر مستر بوغيس نحو الصيوان مجدداً وقال" حسن... لست متأكداً من ذلك, إنما مكن في مناسبة أخرى, فالأمر لا يستحق كل هذا العناء على كل حال, من الأفضل أن لا أفعلها الآن, ربما في فرصة قادمة.. ربما", فقال رومينز, ولكن ماذا كنت ستدفع ثمناً له؟ فجاءه رد بوغيس سريعا: الصيوان ليس أصلياً كما ترى, بل مجرد نسخة مقلدة, فقاطعه رومينز " لا أعلم.. لست متأكداً من قولك هذا, فهي عندي منذ نحو عشرون عاما, وقبل ذلك كانت في مانور هاوس, حيث اشتريتها بنفسي في مزاد عندما توفي مالكها, لذلك لا تستطيع أن تقنعني أنها حديثة" فقال له بوغيس" لم أقل أنها حديثة تمام, ولكن قطعا لا يتجاوز عمرها ستون عاماً ", فقال رومينز, بل أكثر من ذلك ثم التفت صوب بيرت و قال له " أين تلك الورقة التي وجدتها في أحد الدروج ذات مرة؟ تلك الفاتورة القديمة , فغر مستر بوغيس فاه غير مصدق ثم أغلقه بسرعة" وفاتورة كمان!؟ " وبدأ جسمه بالاهتزاز من شدة الإثارة,,, أجل الإثارة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى, ولكي يهدئ من اضطرابه اتجه نحو النافذة و بدا يتأمل دجاجة بنية اللون بدينة وهي تنقر أرضية الفناء لتلقط حبات الذرة , وفي هذه الاثناء كان بيرت يقول إنها هناك, في نهاية الدرج أسفل أفخاخ الأرانب؟ فقال رومينز هيا تعال و أحضرها لكي يراها الكاهن بأم عينه, وعندما تقدم بيرت باتجاه الصيوان, لم يستطع بوغيس منع نفسه من مراقبته, ومن حيث هو يقف رآه يسحب أحد الأدراج الوسطى الكبيرة ولاحظة الانزلاق البديع للدرج حيث كان يد بيرت بدأت في الغوص بداخله وتتجول هنا و هناك بين الأسلاك و الخيوط العديدة, وأخيرا صاح بيرت: هل تقصد هذه؟" و رفع قطعة ورقية صفراء اللون مطوية ومضى بها نحو أبيه الذي تناولها منه و فردها وقربها من وجهه ثم قال " لا تستطيع أن تقنعني أن هذه ليست كتابة قديمة", ومضى بها نحو مستر بوغيس ,الذي كان ذراعه في هذه اللحظة يهتز بشدة فأخذ منه الورقة و بدى ضعيفاً و هشاً, ولما صارت الورقة في كفه بدأت تطقطق بين أصابعه, وكانت مكتوبة بخط طويل منحني فيه ميلان مائل, ثم بدأ في القراءة " إدوارد مونتاجو, المبجل, عمل من إنجاز السيد توماس تشيبيندال, صيوان من الماهوغني فائق الجودة, غنية جدا النقوش و الزخرفة, ذات أرجل محززة وأدراج طويلة في الوسط و اثنين على كل جانب, ومزودة بمقابض نحاسية, انتهى العمل سنة 87, لم يستطع بوغيس أن يتمالك نفسه فظهر التأثر و الإثارة واضحين عليه وهو يقرأ مما جعله يشعر بالدوار, يا إلهي, معها فاتورة كمان؟ لاشك هذا سيرفع من ثمنها و قيمتها لأقصى حد, كم سيكون سعرها في هذه الحالة؟ اثنا عشر ألف؟ أربعة عشر ألف؟ ربما خمسة عشر أو عشرين, من يدري؟..." يا ولد" و ألقى الورقة على الطاولة بازدراء و قال بهدوء. هذا بالضبط ما كنت أحاول أن أخبرك عنه, إنها تقليد فيكتوري, هذه ببساطة الفاتورة التي دفعها البائع الذي صنعها و باعها كتحفة أثرية, لقد رأيت الكثير منها من قبل, ألا تلاحظ أنه لا يقول أنه صنعها بنفسه؟ وهذا ما يجعل الأمر واضحاً و مفضوحاً" فرد عليه رومينز" يمكنك قول ما تشاء, ولكن هذه الورقة قديمة, فرد عليه بوغيس, بالطبع يا عزيزي, إنها قديمة, من العصر الفيكتوري, من أواخر العصر الفيكتوري, بحدود سنة 1890, عمرها الآن ستون أو سبعون عاما, لقد رأيت المئات منها, إنها تعود للعصر الذي لم يقم به أرباب المهن و الصنايع سوى بتقليد و تزوير و استنساخ القطع الفاخرة التي تعود للعصر السابق, فقال رومينز مشيراً إليه بأصابعه القذرة, اسمع أيها الكاهن, لا أقول بأنك لا تعرف شيئاً عن صناعة قطعة الأثاث هذه, ولكن ما يمكنني قوله, كيف يمكن أن تقوم بهذا, كيف يمكن لك أن تكون متأكدا جداُ بأنها مزيفة في الوقت الذي لم تر كيف تبدو تحت كل هذا الطلاء؟ فقال مستر بوغيس تعال هنا و سوف أريك شيئاً, ثم وقف بجانب الصيوان و انتظر حتى تجمعوا حوله, فقال عندها, هل مع أحدكم سكينا؟ فقام كلود على الفور بجلب سكين له, فأخذها بوغيس و خدش بها سطح الصيوان, باستهتار ظاهري, لكن بحذر شديد وبدأ بإزالة الطلاء من على منطقة صغيرة من الجزء العلوي للصيوان, وكلما خدش أكثر كان الطلاء المكشوط يكشف أكثر ما كان خلفه من الورنيش الصلب القديم, وعندما أزال ما مساحته حوالي عشر سنتمترات, تراجع قليلاً للوراء و قال " و الآن.. هيا تعالوا و القوا نظرة هنا". بدت قطعة صغيرة جميلة من الماهوغني الرقيقة متوهجة مثل حجر التوباز, أنيقة وعبقة بلونها الحقيقي لعمرها البالغ مئتي عام, فقال رومينز" ما خطبها؟" رد عليه بوغيس" إنها معالجة, أي واحد يمكنه القيام بذلك"
-ولكن كيف يمكنك أن تجزم بذلك؟ هل لك تخبرنا أيها السيد الكاهن ؟
فاستدار بوغيس نحوهم و قال
-حسن علي القول أنه من الصعب شرح ذلك, فالأمر منوط بالدرجة الأولى بالتجربة, و ومن خلال خبرتي و تجربتي أستطيع القول أن هذا الخشب تمت معالجته بكل تأكيد بمادة الجير, وهي تقنية مستخدمة لمعالجة خشب الماهوغني, لإعطائه هذا اللون العتيق الداكن, أما بالنسبة لخشب البلوط, فيتم استخدام أملاح البوتاسيوم ,و يستخدمون حامض النتريك لخشب الجوز, ومهما يكن فهم يستخدمون الجير على الدوام لمعالجة الماهوغني. اقترب الرجال الثلاثة ونظروا نحو الخشب, وبدا نوع من الاهتمام قليل الشأن فيا بينهم, وتابع مستر بوغيس يشرح : من المثير للاهتمام دائما أن نسمع بين الحين و الأخر عن شكل جديد من أشكال الخداع و المراوغة , انظروا هنا ..هنا حيث أشير بأصابعي, أترون تلك الحبيبات؟ تلك اللطخات البرتقالية وسط اللون البني الداكن؟ هذه هي علامة الجير." انحنى الرجال الثلاثة إلى الأمام حتى كادت أنوفهم تلامس سطح الصيوان, اقترب رومينز أولاً ثم تلاه كلود و أخيرا بيرت. ولما تأكد من اقترابهم أكثر أضاف مستر بوغيس " ثم هناك الزنجار" فأتاه الصوت مستفسراً "ماذا"؟ فأوضح لهم معنى هذه الكلمة و استخداماتها في الأعمال الخشبية وأضاف" يا أصدقائي الأعزاء , أنتم لا تعلمون كيف يتعامل أولئك الأوغاد في تقليد مظهر الزنجار الحقيقي الشبيه بالبرونز الجميل,, إنها حقاً مشكلة فظيعة, عملٌ رهيبٌ حقاً, فمثل هذه الخدع تجعلني أشعر بالفزع, وأكاد أصاب بالدوار كلما تحدثت عنها" كان يبصق بحدة كل كلمة يتفوه بها من طرف لسانه ويزم شفتيه فيبدو فمه متقلصاً كمن يتذوق نكهة حامضة وذلك لإظهار حزنه الشديد. انتظر الرجال، على أمل الحصول على مزيد من الأسرار. فتابع يقول" كم يبذل البشر الفانون وقتهم و يخضون الكثير من الصعاب من أجل خداع الأبرياء!" ثم صرخ كأنه ينتحب" إنها مثيرة للاشمئزاز! هل تعرفون ماذا فعلوا هنا يا أصدقائي " أستطيع بكل وضوح إخباركم, كما لو أني أراهم وهم يقومون بهذا العمل من خلال طقوس معقدة و طويلة مبتدئين بدعك الخشب يزيت بذر الكتان، ثم يتبعوها بطقة طلاء من البوليش لفرنسي الذي تم تلوينه بطريقة مذهلة ليعطي بطريقة ماكرة اللون المطلوب، ثم يقومون بأعمال الصنفرة مستخدمين حجر الخفان و الزيت, و بعد ذلك يمسحون السطح بالشمع المشبع بالأوساخ والغبار، وأخيرا يقومون بالمعالجة الحرارية للتخلص من بقايا البوليش لتبدو القطعة كأن عمرها مئتي عام. أشعر بالغضب و الانزعاج كلما تأملت خداعهم و احتيالهم هذا ! "
استمر الرجال الثلاثة ينظرون إلى الرقعة الصغيرة من الخشب الداكن. و تابع السيد بوغيس يقول مخاطبا رومينز , هل تشعر بذلك؟ ضع أصبعك هنا, هنا ليس هناك, نعم هنا, كيف تشعر؟ هل هي باردة أو دافئة؟ فقال رومينز, بل هي باردة, فقال بوغيس, تماما يا صديقي, بالضبط هي باردة فهكذا هو حال الزنجار المزيف يكون بارد دائماً عند لمسه. الزنجار الحقيقي يعطي ملمساً دافئاً إلى حد ما؟ ولكن هذا طبيعي" كان رومينز كأنه على وشك البدء في سجال مع بوغيس, فأجابه بوغيس: لا يا سيدي, ليس الأمر كذلك, بل هو بارد, إنما في الواقع يتطلب الأمر يد خبرة و حساسة كي تعطي حكماً إيجابياً, في الحقيقة لا تتوقع أن يكون حكمك على هذا أكثر مما يمكنك توقعه من حكمي على جودة ما لديك من شعير, تلك هي التجربة , فكل شيء , يا عزيز, في هذه الحياة يا عزيزي هو تجربة". كان الرجال يحدقون في رجل الدين المثير ذو الوجه المستدير كما القمر وعيونه المنتفخة، ولكن ليس بريبة الآن لأنه يبدو أنه يعرف عما يتحدث, لكنهم ما زالوا لم يصلوا إلى درجة الثقة به. انحنى مستر بوغيس قليلا و أشار إل أحد المقابض المعدنية لأحد الدروج ثم قال" وهذا موضع آخر عرضة لعمل المزورين, عادة ما يكون اللون النحاسي القديم له لون و طابع خاص به, هل كنتم تعلمون ذلك"؟
حدق فيه الرجال الثلاثة من جديد، على أمل الحصول على المزيد من الأسرار وهم يتابعون السيد بوغيس يقول" المشكلة أن أولئك المزورون وأصبحوا مهرة للغاية في مطابقتها "في الواقع، يكاد يكون من المستحيل معرفة الفرق بين" القديم الحقيقي" و" القديم المزيف" لا يوجد ثمة سبب يمنعني من الإقرار أن ما أقوله هو تخمين. لذلك، لا جدوى من إزالة الدهان عن هذه المقابض فلن يكون هذا عمل صائب" فقال كلود" كيف يمكنك جعل النحاس الجديد يبدو كأنه قديم فالنحاس لا يصدأ، كما تعلم" فأجاب بوغيس "أنت محق تمامًا يا صديقي. لكن هؤلاء الأوغاد لديهم أساليبهم السرية الخاصة " فسأله كلود "مثل ماذا"؟ و بدا أن كلود مهتم بالحصول على هذه المعلومات لأنها قد تكون ذات قيمة عنده, فلا أحد يعلم متى يمكن أن يستخدم هذه المعلومات. رد عليه مستر بوغيس" كل ما يتعين عليهم فعله هو وضع هذه المقابض في صندوق من نشارة الماهوغوني المشبعة بملح الأمونياك الذي يحول المعادن إلى اللون الأخضر, ولكن إذا فركت اللون الأخضر، ستجد تحته بريقاً فضياً ناعماً و أنيقاً, بريق مماثل لذلك الذي نراه في معدن النحاس القديم... أوه، إنه أفضل الأشياء التي يقومون بها! أما للحديد فلديهم خدعة أخرى . " فسأل كلود بشغف" ماذا يفعلون بالحديد"؟ فأجاب بوغيس "الحديد سهل, يتم دفن الأقفال الحديدية و الألواح و المفصلات في الملح فتصدأ و تمتلئ بالثقوب خلال وقت قصير ", فقال رومينز : حسن, حسن ها أنت تعترف أنه لا يمكنك معرفة عمر المقابض رغم سعة اطلاعك و معرفتك, فقد يكون عمرها مئات و مئات من السنين صح؟ فقال بوغيس" آها وهو ينظر بحدة نحو رومينز بعينيه البنيتين الكبيرتين, ها أنت قد وصلت لتوّك إلى النتيجة الخطأ, انظر لهذا, وأخرج من جيب سترته مفكاً صغيراً, وفي الوقت عينه الذي لم يره أحد يقوم بذلك, أخرج برغياً نحاسياً صغيراً أخفاه في راحة يده , ثم اختار برغي من البراغي الأربعة التي تثبت المقبض وبدأ في إزالة كل آثار الطلاء الأبيض من رأسه بعناية. ثم قام و ببطء بفك البرغي, و قال "إذا كان هذا هو البرغي النحاسي القديم ينتمي للقرن الثامن عشر فسوف تكون اللوالب غير مستوية إلى حد ما، ويمكن ملاحظة أنه تم قصّه يدوياً ببراعة. لكن إذا كان مزيف ويعود للعصر الحديث، العصر الفيكتوري أو ما بعده، ومن الواضح أن المسمار سيكون من نفس الفترة، عبارة عن ساعة مصنّعة آليا وعلى نطاق واسع، ويمكن لأي شخص التعرف على البرغي المصنوع بواسطة الآلة. حسنٌ ، لنرى كيف هو الأمر ", و لم يكن صعباً عليه حين وضع يده على البرغي القديم أن يستبدله بالجديد المخفي في راحة يده. كانت هذه خدعة صغيرة أخرى له، وعلى مر السنين أثبتت أنها أكثر من مجزية و فعالة. كانت جيوب سترته الكهنوتية ممتلئة بكمية من البراغي النحاسية الرخيصة من مختلف الأحجام... ها هو, هاك البرغي ,وتقدم صوب رومينز ليعطيه البرغي, وتابع يقول أنظر , ماذا ترى؟ هل لاحظت تمام التكافؤ في حلزنة البرغي, انظر هنا,, نعم هنا تماما , جيد نعم هنا حيث تنظر الآن, ألا ترى أنه مجرد برغي صغير عادي يمكن أن تشتريه اليوم من أي محل بيع خردوات في البلاد؟", و انتقل البرغي بين الرجال الثلاثة وكل واحد يتفحصه بدقة, حتى رومينز بدا عليه أنه أخذ بهذا المشهد وقام بوغيس بإعادة المفك إلى جيبه مع البرغي التي فكها من الصيوان ثم التفت نحو الرجال ثلاثة و سار ببطء باتجاه الباب, وتوقف في المطبخ و قال " كان لطف منكم أيها الأعزاء أن سمحتم لي باختلاس النظر إلى بيتكم الصغير, كنتم لطيفين للغاية, و آمل أني لم أكن مجرد عجوز مصير للضجر" فرمقه رومينز وهو يتابع فحص البرغي ثم قال "ولكنك لم تقل كم كنت ستدفع ثمناً للصيوان؟"
فقال بوغيس" أوووه فعلاً, هذا صحيح, لم أقل, أليس كذلك؟ ولكن دعني أخبرك بكل صدق, أعتقد أن الأمر سيجلب متاعب لذلك أعتقد أني سأتخلى عن فكرتي ".
-"كم كنت ستدفع؟"
-"هل تعني أنك ترغب حقًا في التخلص منه "
"لم أقل أنني أرغب في التخلص منه, لقد سألتك عن السعر".
نظر بوغيس إلى الصيوان، أمال رأسه إلى أحد كتفيه, ثم أماله نحو الكتف الآخر و عبس و مط شفتيه و أرخى كتفيه وطوّح بيده بحركة فيها قليل ن السخرية كما لو أنه يقول إن هذا الشيء بالكاد يستحق التفكير , ولكن هل كان كذلك؟
-"هل نقول ... عشرة جنيهات. أعتقد أن هذا سيكون عادلاً."
-" عشرة ؟!" صرخ رومينز . "لا تتحامق، أيها الكاهن،أرجوك!"
-"يعني لو كانت حطب مدفأة لاستحقت أكثر من ها المبلغ !" قال كلود وقد بدى عليه الاشمئزاز. واندفع رومينز يقول "انظر هنا في الفاتورة !" وشد عليها بإصبعه القذر مما جعل السيد بوغيس يصاب بالذعر. و تابع رومينز "انظر إنها تقول لك بالضبط كم تكلفة هذا الصيوان , انظر , سبعة و ثلاثون جنيهاً وهذا وقت صنعها , فما بالك الآن بأسعار الوقت الحالي !" , فأجابه بوغيس" ولكن لو سمحت لي يا صديقي الأمر ليس كما تقول , إنها مجرد منتج [سكند هاند] كما ترى. لكن دعني أخبرك يا صديقي , فأنا شخص متهور إلى حد ما , و لا استطيع منع نفسي من ذلك , لذلك سأرفع السعر إلى خمسة عشر , ما قولك؟"
-"اجعلها خمسين" ، قال رومينز.
شعر بوغيس بخدر خفيف وتنميل لذيذ يشبه وخز الإبر يتراكض إلى اسفل أرجله حتى وصل أخمص قدميه ,هاد قد صار الصيوان ملكه الآن. لاشك في ذلك, لكن عادته في شراء الأشياء بسعر رخيص، وبأرخص ما يمكن أن يشتريه الناس, والتي اكتسبتها عبر سنوات من الضرورة والممارسة، كانت قوية جدًا لدرجة لم تسمح له بالاستسلام بسهولة, فهمس" يا عزيزي، أنا أريد الأرجل فقط. ربما أستطيع أن أجد استخدامات أخرى للدروج، ولكن الباقي منها، الذبيحة نفسها، فهي كما قال صديقك عن حق؛ حطب، هذا كل ما في الأمر " فقال رومينز " فاجعلها خمسة و ثلاثين إذن" فرد عليه بوغيس " لا أستطيع يا سيدي، ليتني أستطيع! لا يستحق الأمر كل هذا العناء. وببساطة لا يجب أن أسمح لنفسي بالمساومة هكذا و بمثل هذا السعر. ليس من الصواب القام بذلك صدقني, ولكن سأقدم لك عرضاً نهائياً واحداً، سأدفع عشرون جنيهاً ". فقال رومينز على الفور" قبلت بهم , الصيوان لك"
-"يا عزيزي" ، قال السيد بوجيس وهو يشبك يديه. "ها أنا أتورط من جديد , كان ينبغي لي عدم المضي بهذا منذ البداية "
-"لا يمكنك التراجع الآن ، أيها الكاهن "اللي أوله شرط آخره سلامة".
-"نعم نعم انا اعرف."
-"و كيف ستحمله ؟"
-"حسنًا ، دعني أرى. ربما لو كنت أحضرت سيارتي إلى فناء المنزل فسوف تساعدوني في جمله إليها أيها السادة اللطفاء؟"
-"ستضع الصيوان هذا في سيارة؟ عبثاُ تحاول و فذها الشيء يحتاج إلى شاحنة !"
-"لا أعتقد , سوف نرى على كل حال ,لقد ركنت سيارتي على الطريق العام وف أذهب لأحضرها و أعود بلمح البصر. سوف نتدبر أمر وضعها في السيارة بطريقة ما، أنا متأكد."
خرج السيد بوغيس إلى الفناء وعبر البوابة ثم عبر المسار الطويل الذي أدى به عبر الحقل نحو الطريق. وأثناء ذلك لم يستطع منع نسفه من الضحك، كان يشعر كما لو مئات و مئات من الفقاعات الصغيرة في داخله ترتفع من بطنه لتصل إلى رأسه فتنفجر هناك بجذل، مثل الماء الفوار. تحولت كل الفراشات في الحقل فجأة إلى قطع نقدية ذهبية تلمع ضوء الشمس انتثرت على الأرض، فابتعد عن الممر وخطا بحو العشب حتى يتمكن من السير بين تلك القطع الذهبية و دوسها بقدميه وسماع الرنين المعدني الصغير كما لو أنه يركلها بأصابع قدميه. و وجد صعوبة في منع نفسه من الركض, ولكن رجال الدن لا يركضون , بل يمشون ببطء . امش ببطء يا بوغيس , ببطء حافظ على هدوئك. لا داعي للعجلة , ها قد صار الصيوان لك الآن , و بعشرين جنيهاً فقط, في جين أن سعرها يصل إلى خمسة عشر أو عشرين ألف !. يا الله و إنه صيوان بوغيس! في غضون عشر دقائق، يكون في سيارتك, هكذا بسهولة , وسوف تعود إلى لندن وتغني طوال الطريق! انظر ما أجمل المشهد , مستر بوغيس يقود سيارته , الصيوان داخل سيارة مستر بوغيس .إنه حدث تاريخي , يكفي أن تخمن كم سيدقع صحفي للحصول على صورة للصيوان. هل عليه ترتب هذا الشأن؟ ربما , لننتظر و نرى , يا له من يوم مجيد, أووه , يوم صيفي مشمس و جميل, يا لهذا المجد.
وبالعودة إلى المزرعة، قال رومينز لكل بيرت و كلود "يا للروعة , كيف يدفع هذا الوغد العجوز عشرين جنيهاً مقابل حمولة القمامة هذه "
قال له كلود: " حسن فعلت يا سيد رومينز , ولكن هل تعتقد أنه سوف يدفع لك؟"
-"سوف لن نضعها في السيارة حتى يدفع ". وعندها تساءل كلود "ماذا لو تتسع السيارة للصيوان, "هل تفكر بما أفكر به ؟ أتريد رأيي بصدق؟ أعتقد أن الشيء القبيح أكبر من أن تسعه سيارة الكاهن, وعندها ماذا سيحدث؟ سيقول فليذهب الصيوان إلى الجحيم و يذهب و لن تراه مرة ثانية، ولن تظفر بنقودك, لقد لاحظتم أنه لم يكن مهتم أصلاً بالموضوع", فبدا على رومينز الاهتمام في هذا الاحتمال الجديد المثير للقلق, وهو يتابع ما يقوله كلود ""كيف يمكن لهذا الشيء أن نضعه في السيارة؟.. ليس لدى الكاهن سيارة كبيرة على الإطلاق. هل رأيت من قبل كاهن بسيارة كبيرة يا سيد رومينز؟"
"لا.. لم يسبق لي أن رأيت."
تماماُ.. و الآن استمع لما أريد أن أقول , لدي فكرة , لقد أخبرنا الكاهن أنه يريد الأرجل فقط , أليس كذلك؟ , وإذن كل ما علينا القيام به هو نشرهم بسرعة و حالاً و على الفور قبل عودته، وعندها لن يكون عنده أي حجة , كل ما علينا فعله هو أن نخلصه من عبء نشرهم بنفسه حين عودته إلى البيت, ما رايك يا سيد رومينز, ما قولك في هذه الفكرة؟ قال كلود هذا و بدا وجهه المسطح يتلألأ بمسحة من الكبريا.
-"ليست سيئة هذه الفكرة" ردد رومينز هذه الكلمات و هو يتأمل الصيوان .ثم تابه يقول " في الواقع إنها فكرة رهيبة , هيا علينا العل بسرعة , أنت و بيرت انقلا الصيوان إلى الفناء و أنا سأحضر المنشار , خذ الدروج أولا"
وفي غضون دقاق معدودة، كان كلود وبيرت يحملان الصيوان خارجاً إلى الفناء و يقلبوه رأساً على عقب وسط فضلات الدجاج وروث البقر والطين. ومن حيث هم يقفون كان بإمكانهم أن يروا على بعد منهم في منتصف الحقل شخص على هيئة كتلة صغيرة بثياب سوداء صغيرة تسير على طول الممر المؤدي إلى الطريق. توقفوا لمتابعة المشهد, لقد كان ثمة شيء مضحك إلى حد ما في حركات هذا الشخص. فبين الحين و الآخر كان يهرول و ثم فجأة يقفز و يقفز و يقفز , كما تناهى إلى سمعهم كما لو أن اصوات أغنية بهيجة يتردد صداها ضعيفا باتجاههم , " أعتقد أنه رجل مجنون" قال كلود ذلك, فابتسم بيرت ابتسامة عريضة عميقة ,جاعلاً عينيه الضبابية تتدحرج ببطء في محجرها , ف هذه الاثناء تدلى رومينز من السقيفة بحركات تبه الضفدع و يحمل بيده منشارا طويلاً, أخذ كلود المنشار ومضى نحو الصيوان . هيا انشر الأرجل و لكن لا تنس أنه سيستخدمهم في طاولة أخرى. كان خشب الماهوغني قاسياً و جافاً, و كلما كان كلود يتقدم في العمل كان الرذاذ الأحمر لخشب الماهوغني يتجمع على نصل المنشار , وهكذا غلى أن سقطت الأرجل و الواحدة تلو الأخرى , فانحنى بيرت و صفها على الأرض بعناية في صف واحد, تراجع كلود إلى الوراء قليلاً ليرى نتائج عمله , ثم صفن طويلاً , وأخيراً قال لرومينز " دعني اسالك يا سيد رومينز , ها قد نشرت الأرجل , ولكن هل تعتقد أن هذا الشيء الهال يمكن وضعه في الجزء الخلفي من السيارة؟.
-" قطعا لا.. إلا اذا كانت شاحنة"
-تماماً .هذا ما قصدته, قال كلود, ثم أردف" و لكن الكهنة لا يركبون سوى السيارات الصغيرة" , فقال رومينز " هو يريد الأرجل , فإن لم يستطع أخذ بقية الصيوان فسوف يتركه هنا ’ لا يمكنه التذمر , لقد حصل على ما يريد", فقال كلود بفراغ صبر " كيف هذا ..و انت تعلم أنه لن يدخر جهدا في تخفيض السعر إن لم يضع على كل قطعة من هذا الصيوان في السيارة... أنت تعلم هذا الكهان مثل غيره من الكهنة يتحول إلى شخص ماكر عندما بتعلق الأمر بالمال، لاتدع مثل هذا الأمر يحدث, خصوصا مع هذا العجوز , لماذا لا نعطيه حطبه الآن وننهي الأمر ؟ أين تحتفظ بالفأس؟ ", فقال رومينز " أعتقد أن هذا عين الصواب وعادل بما يكفي ... بن اذهب و احضر الفأس" .. فذهب بيرت مسرعاً نح السقيفة و أحضر فأساً بعصاة طويلة و ناوله لكلود, حمل كلود الفأس و بصق داخل راحتيه و فركهما ببعضهما البعض, ثم قام بأرجحة الفأس في الهواء طويلاً وهوى به على الذبيحة عديمة الأرجل . لقد كان عملاً شاقًا، واستغرق عدة دقائق قبل أن يتم تحطيم كل شيء و يتحول إلى قطع صغيرة .
-دعني أخبرك أمراً قال كلود ذلك وهو يقف منتصباً و يمسح جبينه" من قام بصنع هذا الشأن كان نجاراً رهيباً ولا يهمني ما يقوله الكاهن ". وعندها صرخ رومينز" ها قد انتهينا في الوقت المناسب ..ها هو قادم من بعيد"
ملاحظات
العنوان الأصلي: Parson s Pleasure
المؤلف: Roald Dahl
المترجم: محمود الصباغ





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,964,622
- الإثنية واليهودية والتراث الثقافي لفلسطين
- -يوروفيجين- تل أبيب و- بصل الخطايا-
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرءيل القديمة(7 ...
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرءيل القديمة(6 ...
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرءيل القديمة(5 ...
- ربيع الشام و الحرب على السوريين
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(4)
- تمرين في الاقتصاد: متلازمة بومول
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(3)
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(2)
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(1)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(5)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(4)
- Il Postino ساعي بريد نيرودا: مجاز الوعد بوصفه خذلان
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(3)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(2)
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(7)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(6)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(5)- ال ...
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(1)


المزيد.....




- فنانون عرب يخوضون تحدي العمر
- كاريكاتير العدد 4470
- أمة في خطر : تأملات لحال ومستقبل التعليم، التربية والثقافة ...
- كاريكاتير العدد 4471
- هل يمكن الحديث عن نقد سينمائي في تونس؟
- هل يطيح الحراك باللغة الفرنسية في الجزائر؟
- لعنة الكتابة الإقليمية للبيجيدي بخنيفرة
- رواندا تقرر فتح سفارتها في المغرب
- كروغر يعود -بالرعب- إلى شاشات السينما من جديد!
- تطوان... انطلاق الجامعة الصيفية بمشاركة 120 شابة وشاب من مغا ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - متعة كاهن