أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حامد تركي هيكل - غطاء الرأس .. وظيفته ورمزيته















المزيد.....

غطاء الرأس .. وظيفته ورمزيته


حامد تركي هيكل

الحوار المتمدن-العدد: 6242 - 2019 / 5 / 27 - 04:33
المحور: المجتمع المدني
    


عرضت ذات مرة على طلبتي صورة قديمة تعود لبداية القرن العشرين لمنطقة البصرة القديمة حيث بان جزء من السوق وظهرت الدور بشناشيلها الجميلة . كانت الصورة بالأبيض والأسود ، ويظهر فيها عدد كبير من الرجال يبدو أن كل منهم يجتاز الساحة مارا بها الى وجهته.
طلبت من طلبتي التمعن بتلك الصورة ، ومن ثم كتابة نص عن أية فكرة توقدها تلك الصورة في اذهانهم.
ولكون الطلبة كانوا طلبة قسم الهندسة المعمارية، فقد كتب الكثير منهم عن بعض العناصر المعمارية التي كانت بالكاد تظهر على بعض الأبنية، فيما حاول بعضهم التركيز على اتجاهات الحركة وكثافتها في محاولة لتمييز مسارات بعينها أو نقاط جذب هي أكثر من غيرها تحفز الناس على المشي باتجاهها. وركز البعض على ملابس الرجال الظاهرين في الصورة ، واكتشفوا كم هي قديمة ، اذ اختلفت بين الجبب والدشاديش والسراويل والعباءات ، فيما لم يظهر البنطلون المعروف اليوم الا نادرا.الا ان أحدا من الطلبة لم ينتبه لأغطية الرأس التي كان الرجال الظاهرون في تلك الصورة يضعونها.
كانت أغطية الرأس في تلك الصورة المتشققة والمتآكلة الحافات والباهتة اللونين الأبيض والأسود، كثيرة التنوع بشكل مذهل. من عمامات بأشكال مختلفة ، الى جراويات الى شماغات (كوفيات) الى مجرد لاطيات او عرقجينات خفيفة متواضعة.أما الكوفيات فقد كانت متنوعة هي الأخرى بنقوشها وبطرق وضعها على الرأس ، ولولا كون الصورة بالأبيض والأسود لاكتشفنا تعدد الوان تلك الكوفيات المذهل. ولم يظهر رجل واحد حاسر الرأس في تلك الصورة.
وعلى ذكر الرؤوس الحاسرة ، كان الجنود الذين يرتكبون أخطاء أو مخالفات تتطلب العقوبة ، يقدمون الى آمر الوحدة حاسري الرؤوس ، وبدون نطاق . لذلك وفق هذا المفهوم فان كشف الرأس يعني شكلا من اشكال الاذلال مرتبط بالإثم، فمن ذا الذي يريد أن يجعل من نفسه أضحوكة ان هو خرج الى الشارع حاسر الرأس ، مهانا؟
وفي بداية عصر التحديث في العراق ، صمم الملك فيصل الأول غطاءا للرأس ليضعه موظفوا الدولة الحديثة يكون بديلا عن طرابيش الدولة العثمانية البائدة والتي يبدوا أن مسعى كان يتبلور لاجتثاث رموزها وألقابها وطرابيشها اجتثاثا. ولتكون سدارة فيصل او الفيصلية عنوانا لمرحلة جديدة ، مرحلة تشكل انقطاعا عن كل ما سبقها من مراحل التاريخ ، مرحلة تحث الخطى مسرعة باتجاه الحداثة الأوربية . فكان شعارها السدارة الجديدة والمختلفة.
وفي مرحلة لاحقة تمرد الشباب على أغطية الرأس تلك وعدوها أشياء من الماضي يجب التنكر لها ، فخرجوا للناس من دون غطاء يغطي رؤوسهم ، حاسري الرؤوس ، فأنكر عليهم المجتمع فعلتهم تلك ، ورفض أولياء الأمور تزويجهم ببناتهم باديء ذي بدء. ثم أخذ الناس بتقبل الأمر رويدا رويدا ، ثم لم يعد أحد ينتبه لغطاء رؤوس الناس البتة.
اذن ، فالرجال الذين بدوا مشغولين بحركتهم نحو وجهاتهم السرية في تلك الصورة كانوا يضعون أغطية للرأس فوق رؤوسهم لوظيفة محددة ، وهي التعريف بهم ، هي اذن بمثابة هويات ، أو رموز ، أو شعارات تنبيء عن المكانة الاجتماعية والمهنة التي يمتهنها كل منهم.
فالعمامة السوداء اذن ليس صاحبها كذاك الذي يضع جراوية على رأسه ، فالأولى تشير الى انتساب صاحبها لبيت النبي ( ص) فيما تشير الثانية لرجل عامل ، يعمل في مهنة ما ( كاسب كار) . والأعمال تتنوع وتتنوع تبعا لها أغطية الرأس للشغيلة ، مثلما تتنوع أشكال العقال والكوفيات تبعا لعوامل عدة.
غطاء الرأس بدأ لاداء وظيفة عملية محددة، مناخية برأيي. لذلك اختلفت أغطية الرأس التي استخدمها الرجال تبعا لاختلاف المناخات والفصول التي عاشوا فيها. واشتق اسمه من اسم ذلك الجزء من الجسد الذي يغطيه. فهو غطاء الرأس لأنه يوضع على الرأس، وهو شعار لأنه يغطي شعر رأس الرجل ، أو ربما يكون بديلا عن الشعر . فشعار مفردة مشتقة من الشعر . وقد أكتسب هذا الجزء أهميته ومكانته من أهمية الرأس . ولذلك قال الرسول (ص) للانصار ، الناس دثار والانصار شعار. اي ان كل الناس بمنزلة الملابس العادية التي تغطي الجسد ، بينما ينزل الانصار منزلة غطاء الرأس ، وشتان بين الاثنين.
واليوم تستخدم كلمة شعار في مواضع عدة، فللدول شعارات وللشركات شعارات وللجيوش كذلك ، وهذه الشعارات ضرورية ليتعرف الناس على هويات بعضهم بعض بسهولة وسرعة . والا عمت الفوضى.
واليوم تظهر الطائرات على شاشات الرادار بأرقام تميزها ، وتظهر السلع على رفوف المتاجر بشعارات تميزها وتدل عليها، ولا يسمح بحركة المركبات في الشوارع ما لم تحمل لوحات رقمية تعرف بها.
ِمكانة الشعار وشرفه اذن اكتسبها من مكانة وشرف الجزء من الجسد الذي يغطيه ، فالرأس مصدر الأفكار والوعي ومحل العقل، وبهذا فمكانته ليست كمكانة الرجل أو البطن.
وربما احتل الرأس مكانته وشرفه ليس من العقل والفكر بل من موقعه في الجسد ، فهو أعلى جزء منه ، ولو نظرنا الى الكائنات حولنا لوجدناها تحترم رؤوسها أكثر مما تفعل لباقي أجزاء أجسامها كالحوافر والذيول . فبعضها تحمل رؤوسها أدوات للقتال كقرون الثيران والخراف والأيائل ، وبعضها أصبحت مواضع للزهو والزينة والتفاخر. فعند الأسود تحدد لبدة الأسد على رأسه مكانته وحقه في الأكل أولا .فمكانة الرأس عند البشر ربما قد اكتسبها من شرعية تاريخية موغلة في القدم.
ولكن ثمة مفارقة منطقية، فأهمية الشيء يفترض تأتي من أهمية وظيفته ، لا من أهمية موضعه. ولهذا فقد يكون مايستر العورة أهم من غطاء الرأس وما يستر رأس الرجل . ذلك لأنه لا بأس اذا ظهر رأس الرجل أمام الناس ، بينما لا يمكن التسامح فيما اذا ظهرت عورته أمامهم . ومع هذا لم يكترث أحد لغير غطاء الرأس.

مسيرة غطاء الرأس اذن تراوحت بين وظيفة عملية محددة، و وظيفة ثقافية اجتماعية رمزية تعبيرا عن انقسام المجتمع الى طبقات ، فاكتسبت بعض الأغطية شكلا من أشكال القدسية. وقد تحسب للمدينة التقليدية تعدد أشكال أغطية الرؤوس عند سكانها ، فيما يفتقر الريف لمثل ذلك التعدد.عدا تعدد أشكال العقل (جمع عقال). فذلك يدل على تعدد الطبقات والشرائح ، والذي يشير الى تعدد التخصصات العملية . فضلا عن أن سكان المدينة قد احتاجوا الى رموز تميزهم بدلا عن تعرفهم على بعضهم من مجرد النظر الى وجوه بعضهم بعض.
وعلى ذكر العقال ، عندما كنت صغيرا ، وفي أحد مواسم قطاف التمر ، حيث تعج قريتنا بشتى انواع البشر القادمين من الجهات الأربع ، لينالوا حصتهم من عطاء الأرض. كانت العقل ( جمع عقال) متنوعة . الا ان الناطور الذي كان يعمل في بستاننا كان له رأي آخر ، كان يقول العُقل ( جمع عقال) ليست سواء ، (عقال ينباس، وعقال ينداس ، وعقال فوق الراس). وياله من رأي حكيم . للأسف لم أعد أمتلك تلك الصورة القديمة الباهتة الملامح تلك ، ولم يتسن لي معرفة من قام بالتقاطها .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,396,473,716
- الحرب على الأرهاب: الدروس المستفادة من منظور حضري


المزيد.....




- الأمم المتحدة تدعو لحل مشكلة 29 ألف طفل من عناصر -داعش- الأج ...
- الأمم المتحدة تقدم ميسي -مثالا- للتمييز بين الجنسين
- "صفقة القرن" منفصلة عن الواقع
- الصحة الليبية: الأوضاع داخل مراكز إيواء النازحين واللاجئين أ ...
- بلجيكا: اعتقال مشتبه بتخطيط هجوم ضد سفارة أميركا
- الرئيس اللبناني يطالب الأمم المتحدة بتقديم مساعدات للنازحين ...
- مفوضية حقوق الإنسان: استعيدوا عائلات المقاتلين الأجانب
- المخطوبات للمعتقلين بمصر.. آمال معلقة على باب الزنزانة
- الأمم المتحدة تحث الدول على استقبال أُسر مواطنيها من مقاتلي ...
- وزير الصناعة اللبناني: السياسات الحالية بموضوع النازحين السو ...


المزيد.....

- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حامد تركي هيكل - غطاء الرأس .. وظيفته ورمزيته