أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى منيري - خُماسي عاد إليكم من جديد!















المزيد.....

خُماسي عاد إليكم من جديد!


مصطفى منيري

الحوار المتمدن-العدد: 6239 - 2019 / 5 / 24 - 04:51
المحور: الادب والفن
    


يحكى أنه في قديم زمان لم يمض، تقدمت السن بقائد فريق يدعى خماسي. تَنافَر جسده وترهل وفقد الكثير من قدراته البدنية والفنية. لذلك، ولمزاجه المتقلب وسمعته غير الطيبة أيضا، لم يكن يحضى بثقة أغلب اللاعبين وأجودهم. فالبعض يتأفف من هوسه بالثرثرة والتقاط الصور اكثر من اللعب وربح المباريات، والبعض الاخر يُلمح الى انه يتسبب أحيانا في تسجيل اهداف غير مفهومة ضد فريقه. وثمة لاعبون مشهود لهم ب"علو كعبهم"يطالبون بتغييره و لا يترددون جهارا في القول انه ليس لاعبا بل مجرد عطار تسلط على الفريق و تسببت تجارته و وصَفاته في ضعف الفريق و منع الالتراس وعزوف الجماهير عن الملاعب.

في احدى المباريات الحاسمة، تخلف عن المشاركة في التدريبات الاعدادية، مما دفع اللاعبين الشباب المتحمسين لانتخاب ممثل لهم اسموه منسقا. وبمشاركة اللاعبين الشباب وعدد من اللاعبين المتمردين على القائد، انطلقت المباراة شيقة بخطط جريئة وروح جماعية مثيرة.

لم يلتحق هو الا لاحقا منتعلا حذاء جلديا أزرق فوق جوارب خضراء، ومرتديا سترة صفراء مباشرة فوق قميص داخلي وتُبَّانٍ ابيضان، ومتوشحا بربطة عنق حمراء. و يقول متتبعون حصيفون انه باستثناء ملابسه الداخلية البيضاء، فبقية طاقم ملابسه فاز بها كلها في حفلات كان ينظمها الفريق الخصم على شرفه اعترافا بمواهبه الفذة في المراوغات.

كانت مصلحة الفريق، ولاسيما تغطية مابدأ يبرز من ضعف في جبهته الدفاعية، ما دعا اللاعبين للتغاضي عن السمعة السيئة والملابس المتنافرة، والترحيب بالقائد الملتحق اخيرا.

لكنه ومع ارتفاع نسق المباراة، سرعان ما بدأ يقوم بتصرفات أزعجت حتى من لا يشكك في نواياه. تصرفات تظهره كما لو كان غير مهتم كثيرا لمجريات ونتيجة المباراة. أو انه فقد القدرة على الاستمتاع باللعب. او ربما ببساطة أن سنه ومكانته الاجتماعية لم تعد تسمح له باللعب في صف شباب يراه طائشا، وبخوض مباريات على مستوى عال من التنافسية.

المهم انه لسبب ما كانت تصرفاته محيرة. كان كثير التوقف عن اللعب. احيانا كان يترك الملعب ويقصد مقصورة الصحافة ليعلق على اطوار المباراة برشاقة أَخَّاذَة تَخْلُب لُبَّ الخصوم قبل المتحمسين له. وأحيانا كان ينتبذ ركنا قصيا للرد على اتصال هاتفي من مربيته التي لا يجرؤ أن يعصى لها اتصالا. وفي احيان اخرى كان يتوقف لالتقاط سيلفيات مع الجميع لاسيما مع حامل أمتعة الفريق الخصم.

لكن أغرب ما في الحكاية انه اقدم على فعل فاجأ الجميع حقا و بلا استثناء. ففي احدى اللحظات غير المسبوقة في تاريخ اللعبة حتى على الصعيد العالمي، أصر على تبادل الحديث مع قائد الفريق الخصم، لكن الاخير المنشغل بمجريات المباراة صَدَّه، وبفعل ما سببه له هذا الحادث من احراج توجه الى منصة التعليق مجددا. وهذا كله أصبح متوقعا من مثله بحكم العادة، غير العادي سيحصل وهو في طريق عودته. توقف فجأة على خط الملعب الجانبي. التقط بعض السيلفيات، ثم بهدوء واحترافية ترك عمدا سترته تسقط أرضا مستعينا ببعض الحركات التي يتطلبها احيانا التقاط سيلفي مميز. و بخفة نزع قميصه الداخلي أيضا. بدأ يجري جيئة وذهابا، على خط الملعب، ملوحا بقميصه شمالا ويمينا. ورغم أنه كان عاريا الا من تبانه، فقد توفق سريعا، بحكم سنه وخبرته غالبا، في رسم ملامح على وجهه بدت لبعض المتعصبين له في البداية آية في الجدية والوقار.

واصل التلويح برزانة والجري بخفة نزولا وصعودا غير مكترث بصافرات الاستهجان والصيحات الساخرة. وبين العري والرزانة وبين الجري والتلويح وبين الصراخ والايماءات الغامضة الصادرة عنه، كان المشهد مثيرا محيرا. كان كافيا لاحداث جلبة وسط كل لاعبي فريقه حتى أن المنسق الشاب نفسه انشغل بالمشهد محاولا فهم ما يجري وكاد يسجل هدفا قاتلا ضد فريقه لولا أن بقية اللاعبين انقذوا الموقف سريعا وحثوه على التركيز على مايجري داخل الملعب.

كان المشهد جليلا لدرجة انه حتى أكثر المتعصبين له، المحصنين عادة من البلبلة والاستياء، شعروا رويدا رويدا بشيء ثقيل غريب يشبه الاحراج يغزو أجسادهم من عري القائد وشطحاته أمام خلق الله أجمعين.

وباعتباره قائدا، فقد استشعر حيرتهم بل ربما كان يتوقع حتى احراجهم، لذلك جمعهم بعد نهاية الشوط مباشرة ليشرح لهم مالم يسطعوا عليه صبرا. وهكذا عرفوا وعرفنا وعرف العالم بأسره حكمة تعريه المحير.

فقد بَسَط لهم كيف أنه اكتشف وهو عائد من جولة تعليق، وبالصدفة، خطة جهنمية مبتكرة وغير مكلفة لهزم الخصم. كانت الخطة تقضي ان يتحول هو، و في غفلة من الجميع، الى حَكَم شرط. وشرح لهم ماكان يتطلبه ذلك طبعا من ضرورة التضحية خلسة بثيابه كلاعب. وزاد مفصلا، أنه بهذه الطريقة الماكرة يمكنه أن يمنح فريقه العديد من ضربات الجزاء في الاوقات الحاسمة، بل قد يكون بمستطاعه أكثر من ذلك، متى اسْتَتَبَّ له الامر، ان يبدع ويفرض قواعد جديدة تكون كلها في صالح الفريق ليس في هذه المباراة فحسب بل في كل المباريات.

كان متحمسا ونشطا لدرجة انه كان بوده ان يعطيهم أمثلة حية عديدة عن القواعد التي كانت "تتراقص في مخيلته" وآثارها المضمونة على سير المبارايات، لكنه رأى بفطنة القائد أن الاحراج لم يفارق ألسنتهم حتى وهم يسمعون صيحات "ارحل" المتعالية الاتية من مستودع الملابس و من فصائل الالتراس.

كان يعرف بحسه المبادر ان مصيره الرياضي وهيبته وحتى هيبة حوارييه على محك خطير، وان عليه ان يتصرف وبسرعة. صمت لحظة ارتدى خلالها قميصه الداخلي واتبعه السترة التي مدها إياه احدهم. فك ربطة عنقه، تأملها قليلا واعاد تركيبها. أطرق قليلا ثم اعتدل. انتبه الى ان معطفه أصبح شفافا وضيقا يكاد يخنقه. ومع ذلك فقد استجمع كل ما تبقى من قوته وحماسه صائحا: "أحضروا اللاعبين.. قولوا للمتفرجين ألا ينصرفوا.. اشعلوا الاضواء وشغلوا الكاميرات". وبايماءة منه شكل خمسة من مريديه الاشداء مايشبه منصة باجسادهم اعتلاها برشاقة وواصل بثبات: "باعتباري حكم شرط آمركم.. هاكم الجديد في اللعب والقواعد.. سيتواصل اللعب بين الشوطين.. سنواصله في الليل والنهار.. في القيلولة و الابكار .. في الصوم والافطار.. وسيعلم الجميع من يقابل التضحية بالانكار ومن له طول النفس والاصرار .. "

صمت بعد ان لاحظ وقع سحر كلماته وسَجْعِها على بعض من تبقى من حوله، استل من سترته الشفافة طاقم اسنانه القديم، الْتَقَمه واضاف بنبرة بثها كل ما استطاع من ثقة وعزم وتحد: سنريهم جميعا من يكون خماسي.. وكيف يكون اللعب بين الشوطين.
مصطفى منيري
10 ماي 2019





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,523,082,431





- موراتينوس يشكر جلالة الملك
- مؤسسة الدوحة للأفلام.. من قلب قطر إلى الأوسكار وكان
- 3 قراءات لاستفسار جلالة الملك للعثماني
- باولو كويلو يستذكر ألم الاختفاء.. حكاية تحذيرية من الدكتاتور ...
- وفاة الممثل والمسرحي احمد الصعري
- حظر فيلم للنجمة جينيفر لوبيز في ماليزيا بسبب -مشاهد إباحية- ...
- خيال وكوميديا.. كيف تناولت أفلام هوليود مرض ألزهايمر؟
- مع الوعد تنطفئ شمعتي
- نزار بركة : الخروج من الأزمة يفرض تفكيرا مغربيا خالصا
- أخنوش من أكادير: باقون في الحكومة.. وها علاش البيجيدي -تاي ...


المزيد.....

- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى منيري - خُماسي عاد إليكم من جديد!