أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد مبروك أبو زيد - كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (3)















المزيد.....



كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (3)


محمد مبروك أبو زيد

الحوار المتمدن-العدد: 6238 - 2019 / 5 / 23 - 00:44
المحور: المجتمع المدني
    


في المقال السابق عرفنا أن العرب أمة بدوية برية لا نظام لها ولا تعرف التسامح ولا الرحمة ولا حتى أدنى درجات العدل .. وعرفنا انهم جعلوا من ‏دينهم " سبوبة " يلقطون بها الأرزاق من يد المصريين، فقد كان العرب حفاة عراة وجاؤوا لمصر وطلبوا السراويل جزية من أهلها إلى جانب الزيت ‏والعسل والخل والحنطة وباقي أنواع الأطعمة المدنية التي لا توجد في الصحراء .. وكان أجدادنا المصريون الأقباط مؤدبين جداً يحبون العلم والحكمة ‏والمعرفة ولديهم من الحشمة والحياء الكثير مقارنة بالعرب الذي كانت مهنتهم الرعي والتجارة والإغارة والدعارة ..‏

أما وهناك نظرية أخرى تفسر سبب ظهور متلازمة "ابن فلان" من طريق آخر في المجتمع العربي دون غيره من شعوب العالم؛ ذلك لأن كثيرين جداً ‏من زعماء العرب لم يكن لهم أب شرعي وإنما كانوا نتاج البغاء والزنا والدعارة، وتم ابتكار أسماء لهم أو نسبهم لأشخاص ذوى رمزية معينة في المجتمع ‏العربي ، فأصبح ذلك مصدراً للفخر عند هؤلاء نتاج البغاء والزنا الذين عاشوا أنصاف أعمارهم يبحثون عن آباء لهم.. وهي ذات المشكلة التي واجهها ‏عنترة ابن شداد وكثير جداً من الصحابة.. وفي الغالب كان ذلك يحدث فقط من أجل استمالة مصالح سياسية أو زعامة حتى أنهم عجزوا في بعض ‏الأحيان عجزوا عن إنساب شخص من نتاج حظيرة الدعارة، فلم يعثروا له على أب أو داعر يمكن نسبه إليه، ولأنه كان ذا ضرورة سياسية فاخترعوا لأبيه ‏اسماً دون أن يكون اسم حقيقي، فأطلقوا عليه "زياد ابن أبيه " ! ولذلك كان من حق الشرفاء مثل عمر ابن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وأبي بكر ابن ‏أبي قحافة أن يحتفظ باسمه كاملاً متوجاً بمتلازمة " ابن " لتأكيد شرعية بنوته لأبيه الأصلي الحقيقي والافتخار بشرف أصله في هذه الغابة المليئة ‏باللواقط.‏

ففي مقال كتبه الأستاذ الأديب أسامة أنور عكاشة بعنوان " أولاد القحبة الذين حكموا البلاد الإسلامية حيناً من الدهر" مقال هز مصر كلها، ‏كتبة الأديب أسامة أنور عكاشة استناداً إلى مصادر ومراجع معتبرة في التاريخ والسير. قال فيه: هؤلاء هم الرجال الذين أسسوا الدولة الإسلامية(1).. ‏اشتهر الزنا عند العرب في الجاهلية والإسلام على حد سواء , يروى أن قبيلة لما أرادت الإسلام سألوا الرسول الأعظم(ص) أن يحل لهم الزنا لأنهم ‏يعيشون على ما تكسبه نسائهم‎ ‎‏.. وليس من الصدفة أن يبدأ الصراع في الجاهلية بين أولوا الشرف من العرب كبني هاشم ومخزوم وزهرة وغيرهم وبين من ‏اشتهر بالعهر والزنا مثل بني عبد شمس وسلول وهذيل والذي امتد هذا الصراع إلى ما بعد دخول كل العرب الإسلام‎ .‎‏ ولم تكن من قبيل الصدفة أن نجد ‏أغلب من التحق بالركب الأموي كانوا ممن لهم سوابق بالزنا والبغاء, فهذه المهن تورث الكراهية والحقد لكل من يتحلى بالعفة والطهارة, إضافة الى أنها لا ‏تبقي للحياء سبيل وهي تذهب العفة وتفتح طريق الغدر والإثم.. لنرى بعض ما أنجب البغاء؛

‏1-‏ أمنة بنت علقمة بن صفوان أم مروان بن الحكم جدة عبد الملك بن مروان وكانت تمارس البغاء سراً مع أبي سفيان بن الحارث بن كلدة. وهذا مروان ‏هو الذي أتوا به بعد ولادته الى رسول الله (ص) فقال الرسول " أبعدوه عني هذا الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون " وهذا الذي يلعنه الرسول يصبح ‏هو الخليفة وأميراً للمؤمنين‎ ..!!! ‎


‏2-‏ النابغة سلمى بنت حرملة وقد اشتهرت بالبغاء العلني ومن ذوات الأعلام وهي أم عمرو بن العاص بن وائل كانت أمَة لعبد الله بن جدعان فاعتقها، ‏فوقع عليها في يوم واحد (أبو لهب بن عبد المطلب وأمية بن خلف وهشام بن المغيرة المخزومي وأبو سفيان بن حرب والعاص بن وائل السهمي), ‏فولدت عمرو, فادعاه كلهم لكنها ألحقته بالعاص بن وائل لأنه كان ينفق عليها كثيراً، فأصبح عمرو ابن العاص‎ . ‎


‏3-‏ سمية بنت المعطل النوبية وهي من البغايا ذوات الأعلام وكانت أمَة للحارث بن كلدة وتنسب أولادها ومنهم زياد مرة لزوجها عبيد بن أبي سرح الثقفي ‏فيقال زياد بن عبيد ومرة يقال زياد ابن سمية ومرة زياد ابن أبيه, حتى استلحقه معاوية بأن أحضر شهود على أن أبو سفيان قد واقع سمية وهي تحت ‏عبيد بن أبي سرح، وبعد تسعة أشهر ولدت صبياً أسموه زياد. ولم يستلحقه معاوية حباً وكرامة، ولكن لأن زياد بن أبيه كان عامل علي أبي طالب على ‏فارس والأهواز فأراد استمالته‎ . ‎


‏4-‏ مرجانة بنت نوف وهي أمَة لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، كان يصلها سفاحا العديد من الرجال من بينهم زياد ابن أبيه، فباعها عبد الرحمن وهي ‏حامل من الزنا, فولدت عبدين هما عباد وعبيد الله ابنا مرجانة لا يعرف لهما أب, فاستدعاهما زياد واستلحقهما به. فكان عباد والي سجستان زمن ‏معاوية وعبيد الله بن زياد والياً على البصرة, حيث يبدو أن أمة العرب قد خلت من الأشراف لتنصيبهم في هكذا مناصب, فلم يبق إلا أولاد الزنا ‏واللقطاء، ولكن الطيور على أشكالها تقع فرجل كمعاوية لا يمكنه استعمال رجل ذو فضيلة... وبعد أن كان عبيد الله ابن زياد والياً على البصرة زمن ‏معاوية ولاه يزيد الكوفة حيث قاتل الإمام الحسين حفيد نبي الأمة, حيث خاطبه الإمام بالدعي ابن الدعي.. وقيل للحسن البصري:يا أبا سعيد قتل ‏الحسين بن علي, فبكى ثم قال ( وا ذلاه لأمة قتل ابن دعيها ابن بنت نبيها‎ ‎‏..)‏


‏5-‏ قطام بنت شحنة التيمية وقد اشتهرت بالبغاء العلني في الكوفة، وكانت لها قوادة عجوز اسمها لبابة هي الواسطة بينها وبين الزبائن, كان أباها شحنة ‏بن عدي وأخاها حنظلة بن شحنة من الخوارج وقد قتلا معاً في معركة النهروان, فأصبحت والغل يأكل قلبها لهذا طلبت من عبد الرحمن ابن ملجم ‏عندما جاء لخطبتها أن يضمن لها قتل سيدنا علي (ر) ويصدقها بثلاثة آلاف درهم وغلام وجارية، (مهراً لها) فلم يشف غليل هذه الزانية مقتل الإمام ‏علي بعدما سمعت بمقتل ابن ملجم أيضاً، لهذا بعثت إلى مصر من وشى على جماعة من العلويين هنا عند الوالي عمرو العاص ابن البغي سلمى بنت ‏حرملة.‏‎ ‎

6- نضلة بنت أسماء الكلبية وهي زوجة ربيعة بن عبد شمس وهي أم عتبة وشيبة الذين قتلا يوم بدر. يذكر الأصفهاني في كتابه الأغاني أن أمية بن عبد ‏شمس جاء ذات ليلة إلى دار أخيه ربيعة فلم يجده فاختلى بزوجة أخيه وواقعها. فحبلت منه بعتبة‎ . ‎‏ ويروى أن أمية هذا ذهب إلى الشام وزنى هناك ‏بأمَة يهودية فولدت له ولداً سمّاه ذكوان ولقبه أبو عمرو، وجاء به إلى مكة داعياً أنه مولى له حتى إذا كبر اعتقه واستلحقه, ثم زوجه امرأته الصهباء, ‏قال ابن أبي الحديد أن أمية فعل في حياته ما لم يفعله أحد من العرب, زوّج ابنه أبو عمرو من امرأته في حياته فولدت له أبا معيط وهو جد الوليد بن ‏عقبة بن أبي معيط الذي ولاه عثمان الكوفة حيث كان يأخذه النوم بعد أن يقضي ليلته في شرب الخمر ولا يصحو على صلاة الفجر.. هكذا كانوا ‏ولاة أمور المسلمين‎ !!!! ‎‏ ‏


‏7-‏هند بنت عتبة وقد اشتهرت بالبغاء السري في الجاهلية هي زوجة أبي سفيان, وابنها معاوية يعزى إلى أربعة نفر غير أبي سفيان, مسافر بن أبي عمرو ‏بن أمية, عمارة بن الوليد بن المغيرة, العباس بن عبد المطلب, والصباح مولى مغن لعمارة بن الوليد‎ . ‎‏ و يروى أن سيدنا علي (ر) قال في كتابه رداً ‏على معاوية ( .. وأما قولك :(نحن بني عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض) ...فكذلك نحن .. لكن ليس المهاجر كالطليق ولا الصريح ‏كاللصيق..). وهي إشارة واضحة بإلصاق أصول معاوية بعبد مناف‎ . ‎

بينما المصريين كانوا حريصين جداً ومنضبطين جداً في أمور الزواج والعلاقات الأسرية، فها هو الحكيم "حتب بتاح" يكشف لنا عن التفاصيل ‏الدقيقة في التعامل اليومي بين الزوجين، ويحذر ابنه من اتخاذ ضُرة لزوجته في بيتها؛ فيقول: إذا أصبحت كفئًا، كوّن أسرتك، وأحبب زوجتك، عاملها ‏بما تستحق، أشبع جوفها، واستر ظهرها، وعطر بشرتها بالدهن العطر؛ فالدهن ترياق لبدنها، وأسعدها ما حييت، فالمرأة حقل نافع لولي أمرها، ولا ‏تتهمها عن سوء ظن، وامتدحها تُخبت شرها، فإن نفرت راقبها، واستمل قلبها بعطاياك، تستقر في دارك، وسوف يكيدها أن تعاشر ضرة في دارها ‏‎!‎

أما الحكيم آني فيُحث ابنه على حُسن التعامل مع زوجته ومساعدتها، وأن يحرص على استقرار البيت، فيقول له: عامل زوجتك برعاية، إن ‏كنت تعرف عنها أنها ممتازة، ولا تقل لها: أين هذا؟ وهاته، إن كنت قد وضعته في مكانه الصحيح. وإن شئت أن تسعد، فاجعل يدك معها وعاونها، ‏حاول أن تمنع أسباب الشقاق في دارك، ولا تعمل على خلقه، واعمل على الاستقرار في دارك، ولكن احذر أن تمشي في طاعة أنثى، أو تسمح لها بأن ‏تسيطر على رأيك‎.‎

أما الخيانة الزوجية والتحذير منها، فقد قال عنخ شاشنقي كلمات توزن بماء الذهب؛ إذ يقول: من نكح زوجة على سرير، نُكحت زوجته ‏على الطين، ومن نكح امرأة جاره، نُكحت زوجته على عتبة داره، وإنما تفجُر المرأة برضا زوجها! أي "كما تدين تُدان‎. "‎‏... وفي حالة إذا دعت ‏الضرورة للانفصال، فقد أوصى القدماء بأن يُسّرحها بمعروف؛ فها هو الحكيم حتب بتاح يقول: إذا رُزئت بزوجة رعناء ومُسيئة لمواطنيها، ترفق بها ‏أمدًا، ولا تعجل بتسريحها، ودعها تطعم خبزك‎!‎‏ ... وعن التعامل مع المرأة التي لا تُنجب، فيقول: لا تهجر امرأة في دارك لأنها عقيم؛ إنما تُنكح الزوجة ‏برغبة زوجها(2)‏‎.‎

وهذا ما قد يفسر سبب الكره الشديد الذي يحمله العرب تجاه حضارتنا ومحاولاتهم الدائمة لطمسها واتهامها بالكفر ... وهو ما يفسر لنا أيضاً ‏سبب تمسك العرب دون غيرهم من الشعوب بالأنساب والأصول والأسماء والألقاب ومتلازمة "ابن فلان " قرينة باسم كلٍ منهم لتمييز نسبه وأصله ‏عمن لا نسب ولا أصل له، فقد تدخلت عوامل كثيرة شكلت نسيجاً غير شرعياً للمجتمع العربي مثل ( الخدن -المرافقة أو زنا المرأة المشروط بعدم ‏الإفصاح- ووطء العبيد وأبناء العبيد ووطء الإماء وأبناء والإماء السبايا وأنباء السبايا والزنا والبغاء والسفاح وحفلات الجنس الجماعي والدعارة كنشاط ‏رئيس عند العرب) وكل هؤلاء وأبناءهم لا نسب لهم، والحر الشريف المولود من أبٍ شرعي سينفر من هذا الوضع المقزز الذي تداخل في كثير من ‏الأنساب، ولهذا كان العرب حريصين جداً على حفظ أنسابهم، فالحاجة أم الاختراع... وبعدما دخل العرب مصر لنشر الإسلام كما قالوا، كان المجتمع ‏المصري متماسكاً جداً من الناحية الاجتماعية والأسرية، فلم يكن المصريين يعرفون الدعارة ولا البغاء ولا هذه المفاسد الأخلاقية، ولذلك لم تشع في ‏مصر فكرة الاحتفال بالأنساب أو الافتخار بكلمة "ابن فلان " أو غير ذلك، لأن الدعارة واختلاط الأنساب ليس له وجود في مصر من الأساس. بل ‏كان المجتمع المصري مترابطاً وظلت الأسرة ذاتها مترابطة حتى مع دخول الإسلام مصر واعتناق بعض أفراد الأسرة له دون البعض الآخر، ظلت الأسرة ‏المصرية متماسكة لأن الروابط الأسرية وصلة الرحم قويمة جداً في مصر، فالمجتمع المصري ودودٌ بطبعه يحب الألفة والتآلف وتبادل المجاملات في المناسبات ‏وبغير مناسبات، وتهاون في الأعمال الحلقية والزراعة والحصاد وترابط بين الأقارب والأسر والأصدقاء من الأهالي... ‏

وبرغم أن النبي محمد عليه السلام عند وصوله المدينة أطلق أول مشروعاته في ميدان السلام الاجتماعي فوحّد القبائل العربية المسيحية واليهودية ‏ووأد تماماً ظاهرة الثأر بينهم والتي كانت مستعصية لزمنٍ بعيد، وكان عنواناً للسلام وغرس بذور الحب والود والتآلف بينهم حينما اجتذبهم للتوقيع على ‏المعاهدة النبوية.. وقد ارتضوا العيش في سلام، وتنازلوا عن خيوط الثأر المترسبة بينهم... لكن العرب ما كان لهم أن يفعلوا ذلك عند دخولهم مصر.. بل ‏فعلوا العكس تماماً.‏‎ ‎

فقد بدأ العرب صراعاتهم المسلحة مع (جميع) الشعوب المجاورة لهم في وقت واحد ودون استثناء وفي كل اتجاه، وليس ذلك بشأن العلاقات ‏الخارجية فقط، بل أن حجم الفرقة والفتن والخلافات بين الصحابة والعصبية والصراع هو ذاته فرضوه على الشعوب التي احتلوا أوطانها.. فبدأ انقسام ‏نسيج المجتمع المصري على يد العرب إلى مسلمين يتبنون ثقافة العربي في محاولة للتخلص من جبروت العرب، ومسيحيين متمسكين بدينهم رافضين ‏لجبروت العرب، ونتيجة الختم زادت الفرقة بين نسيج الأسرة الواحدة، أصبح الابن المسلم يتقرب إلى العربي لإدراك مصالحه أو لإدراك الأمن والأمان ‏والأب المسيحي ينفر منهم بسبب الختم، ولم يكن هناك فرق بالنسبة للعربي بينهم غير أن المختوم على قفاه يدفع الجزية والخراج ويمول الخزانة العربية ‏وغير المختوم لا يدفع إلا الخراج، ثم بعدما وقع عجز في ميزانية الدولة العباسية عادت الجزية على الموالي "المسلمين المصريين" لكن عمر عبد العزيز ‏ألغاها مرة أخرى، وأما بالنسبة للتجار، فكان تجار الموالي يدفعون جمارك بنسبة 2.5% أما التجار المسيحيين فيدفعون 5%، ولما جاء عمر عبد العزيز ‏ألغاها وقال إنها نجس. ومن هنا كانت تنشأ التفرقة بين مسلم ومسيحي لأن نسيج الأسرة المصرية الفرعونية كان مترابطاً بطبيعة الوضع قبل دخول ‏العرب والجميع ينفر من سلوكيات وتصرفات العرب في مصر. وفي الواقع كان العربي يعامل المصريين جميعاً مثل العبيد كما يعاملونهم اليوم حتى في الحج ‏والعمرة والمرور على الجوازات نجد عنصرية العربي ظاهرة وطافحة في وجهه يملأه الغرور والصلف والتعالي على خلق الله.. هذه جينات وراثية موصولة إلى ‏قريش حتى عصر الجاهلية الأولى.. ولم يكن مسموحاً لهؤلاء "الموالي" أن يتزوجوا بامرأة من أصل عربي حتى وإن كانت من أحط القبائل العربية في مصر، ‏يقوم الوالي بتطليقها من الشاب المصري ويعاقبه بالجلد على التجرؤ على الأصل العربي.. ‏

وفي هذا الوقت كان المصريين أغلبهم مسيحيين، وبعضهم اعتنق الإسلام، وكانوا إخوة، أي قد تجد أب مسيحي وابن مسلم أو أم مسلمة وابن ‏مسيحي في منزل واحد دون أي خلافات بينهم. وهكذا في بداية تعرف المصريين على الإسلام، لكن خليفة العرب عمر الخطاب كان قد بدأ سياسة ‏طائفية عنصرية في مصر، حيث أمر واليه على مصر عمرو العاص أن يختم المصريين المسيحيين بخاتم من الرصاص لحصر السكان وتسهيل تحصيل الجزية ‏والخراج، فلم يكن العرب يتعاملون كما النبي بإنسانية، لكنهم كان من طبيعتهم النفسية أن يتلذذوا بإذلال غيرهم، ولم يدركوا أن هذا نقص لأن كريم ‏الأصل لا يتلذذ بإهانة الآخرين، ولم تكن هذه من أخلاق النبي محمد، وإنما من الخصائص النفسية للمجتمع العربي، ومن هنا جاءت العبارة الساخرة على ‏لسان المصريين (أنت فاكرني مختوم على قفايا؟ ) لأن عمرو العاص ختم المسيحيين على القفا بخاتم يحمل رسم أسد أي إشارة إلى الأسد العربي القرشي ‏الذي ركب على قفا المصريين، وتم ختم جميع المصريين وكان عددهم 6 مليون ما عدا الموالي (المصريين الذين أسلموا وكانوا 2% من الشعب هم من ‏أعلنوا الولاء للعرب واستبدلوا اصطلاح الاحتلال العربي بالفتح كما كان يسميه العرب). ولم يكن الأمر نشراً للإسلام تماماً ولم يحمل أخلاق الإسلام ‏ولا قيمه ولكن حمل سمات وخصائص المجتمع العربي الصحراوي، ومن هنا تفسخ نسيج المجتمع المصري وأصبح داخل الأسرة الواحدة تجد مصريين ‏مختومين على قفاهم واسمهم "الذميين " أو أهل الذمة، ومصريين رفضوا الختم ودخلوا الإسلام وأصبح اسمهم " الموالي " أي مسلمين غير عرب، كانوا ‏يعتقدون أنه بمجرد إسلامهم سيصبحون مثل العربي سواءً بسواء لأن النبي عليه السلام قال" الناس سواسية كأسنان المشط"، ولا فضل لعربي على ‏عجمي إلا بالتقوى، لكنهم اكتشفوا أن صفة "مسلم" غير كافية، وينقصهم الأصل العربي القرشي، وهم ليسو من أصل عربي، واكتشفوا أن الموالي مثل ‏المسيحيين، كلهم في النهاية مصريين... وبالمناسبة، عدل عمر الفاروق كان في نطاق القومية العربية فقط، ولم يطل هذا العدل الشعوب الأخرى غير ‏العربية.‏

وبالنظر إلى أن التكوين الإنساني يقوم على دعامتين رئيستين أو مكوّنين أصليين؛ هما الوارثة الجينية والثقافة؛ فكل شعب لديه ثقافة دينية ‏واجتماعية وتاريخية وعلمية، ولديه ترابط في النسيج الذهني المتوارث، وهذان العنصران هما ما يشكل الشعب أو القومية، ونحن في مصر شعب له ذات ‏الترابط وذات القومية، حتى وإن تنوعت الثقافة الدينية بين المسيحية والإسلام، فتبقى جميع الروابط متحدة (الأجداد الفراعنة واللغة والتاريخ والعادات ‏والأعراف والشراكة في ملكية الأرض والوطن والنسيج الاجتماعي أي المادة الوراثية الأصل)، فلوا عدنا لخمسة قرون مضت للبحث في أصول شخصين ‏مصريين أحدهما مسلم والآخر مسيحي، سنجد أن أصولهما الوراثية مشتركة، وأنهما يعودان لأبٍ واحد وأمٍ واحدة ومادة وراثية مصرية فرعونية حتى ‏النخاع، ولهما ثقافة اجتماعية واحدة، وسلوك إنساني واحد نتيجة اشتراك ذات المادة الوراثية التي تنتقل جينياً بين الأجيال وتتفرع وتستنسخ بين ‏الأقارب والأنساب. ولو عدنا لذات الفترة، للبحث بشأن هذا الجذر الوراثي (الأب والأم المصريين الذين أنتجا أجيالاً مصرية مسلمين ومسيحيين)، ‏بالمقارنة مع جذر آخر سعودي، سنجد اختلافاً وفرقاً شاسعاً في قواعدهما الوراثية والاجتماعية بينهما وبين أسرة من المجتمع العربي السعودي مثلاً، فكلا ‏الشعبين له قواعد جينية متوارثة مختلفة جذرياً عن الآخر، وله وطن مختلف وله سلوكيات وأعراف وتقاليد متوارثة وله تاريخ مختلف، فالسعوديون ‏يفتخرون بأصولهم وأجدادهم من قريش، والمصريون يفتخرون بأصولهم وأجدادهم الفراعنة، وهذه المادة الوراثية هي ما ينتج أفكارنا ويشكل تصرفاتنا ‏وسلوكياتنا بالتفاعل مع المادة الثقافية والمعرفية والعلمية الموجودة في كل بيئة، ومهما اتفق أجيال هذا الأب المصري مع أجيال الأب السعودي في جانب ‏الثقافة الدينية (الدين الإسلامي) تبقى عناصر الاتفاق مع الأخ المصري المسيحي أقوي من السعودي، ليس بسبب ضعف في جانب الثقافة الدينية التي ‏تربط الأخ المصري المسلم بالأخر المسلم السعودي، ولكن لأن علاقة المصري المسلم بالسعودي المسلم تنحصر في عنصر واحد فقط ثقافي، بينما علاقة ‏المصري المسلم بالمصري المسيحي تستقل بباقي عناصر القومية جميعاً شئنا أم أبينا، بسبب رابطة الدم والوطن، وأخصها الروابط الوراثية والنسيج الذهني ‏المتحد والشراكة في ملكية أرض الوطن، والشراكة في ملكية التاريخ والحضارة الفرعونية.‏

وقد اصطدم العرب بهذه الحقيقة عند دخولهم مصر، خاصة في عهد معاوية أبي سفيان، وجدوا أن هناك روابط وراثية ولُحمة اجتماعية تربط الناس ‏ببعضها، ففكروا تلقائياً في تفتيت هذه القومية بتفكيك عناصرها أولاً بتفرقة (الموالي عن الأقباط بالختم- ثم تفتيت فكرة المواطنة، بجعل حقوق ‏والتزامات المواطن في الدولة حسب ديانته، فالمسلم تكون حقوقه أكثر من المسيحي والتزاماته من الضرائب والجزية أقل من المسيحي وهكذا لأن هذه ‏الأمور كانت متساوية قبل دخول العرب) فاتبعوا سياسة " فرق تسُد"، وبما أنهم لا تربطهم بالشعوب التي احتلوها أي روابط سوى رابطة ثقافية هي ‏الدين فقط ورغبة سياسية هي الحكم، بينما تربط أبناء هذه الشعوب روابط متعددة وأقوى وأكثر متانة، فحاول العرب أن يجعلوا هذه الرابطة الثقافية ‏أقوى من الروابط الوراثية وصنعوا قطيعة داخل الأسرة المصرية الواحدة، حينما احتلوا الشعوب المجاورة لهم حاولوا أن يجعلوا الولاء لهم للقومية العربية، ‏وللنداء السياسي العربي على نزعة القومية الأصلية، فغلبوا الرابطة الثقافية على الروابط الوراثية التي هي صلة الرحم والدم بين الآباء والأبناء والأخوات ‏والزوجات، لأن ما يربط الابن المسلم بالأب المسيحي هو رابطة وراثية متينة جداً، أما ما يربط هذا الابن المسلم بالعرب فهو رابطة ثقافية فقط، ولهذا ‏في محاولة منهم لكسب الولاء السياسي قاموا بتغليب الروابط الثقافية على الروابط الوراثية التي شكلت عقبة أمامهم لأنها أصل وجذر متين في كل ‏مجتمع، فقرروا مبدأ "لا توارث مع اختلاف الأديان" كي يتمكنوا من التفرقة بين أفراد المجتمع، وهذا شعار سياسي في المقام الأول، لكنهم أعطوه غطاءه ‏الديني باعتباره حديث نبوي شريف! ‏

وهذا ما لم يقل به الله؛ لأن الميراث مبني على صلة الرحم والقرابة الإنسانية وليس على صلة الثقافة، أي أن اتحاد الدين ليس سبباً من أسباب ‏كسب الميراث، فكيف يكون اختلاف الدين سبباً مانعاً من الميراث؟، بينما صلة القرابة هي السبب الوحيد لكسب الميراث، فكيف منعوا الابن المسلم ‏من ميراث والده المسيحي؟ وكيف منعوا الابن المسيحي من ميراث والده اليهودي؟ ولماذا.. فهل هناك خوف من أن تؤثر صلة الرحم بين الأب والابن ‏على الدين؟ فلماذا اشترط الله الإحسان إلى الوالدين والبر بهما؟ أليست عبادة الله أدعى للخوف على دين الابن وأوفر حظاً لإقرار القطيعة؟.. فليس ‏هناك خوف من دين الأب (المتوفى) على دين الابن الوارث، ولكن الخوف عند العرب هو استمرار الوحدة الثقافية والروابط الأسرية والقومية لهذه ‏الشعوب التي احتلوها، وليجعلوا الانتماء والولاء حصراً للرابطة الثقافية الدينية التي تستمد جذورها من العرب ومن هنا يتمكنوا من إخضاع الشعوب ‏والسيطرة عليها، ولهذا عجلوا بتفكيك الروابط الأسرية وجعل الانتماء للعرب من خلال تحدثهم باسم الدين وإعلاء صيحة الدين، فألبسوا الدين هوية ‏عربية سياسية ليستطيعوا التغلب على الشعوب.. وكل ذلك كان في سبيل وأد الثورات وحركات التمرد التي كانت تقوم في هذه الشعوب باتحاد ‏‏(المسلمين الموالي والمسيحيين) ضد العرب بسبب زيادة الخراج والجزية، وعمليات النهب الاستعماري والاستنزاف الاقتصادي الذي مارسه العرب في ‏مصر خاصة في عهد عبدالله سعد القرشي... فالعرب غلّبوا هويتهم على المبادئ الدينية الأصلية، جعلوا هويتهم هوية للدين، فهم شعب بطبيعته ‏معروف بالمكر والدهاء ويستقلون عن كافة الشعوب بظاهرة " النفاق الديني"، وهذه الظاهرة غير موجودة في المجتمع المصري سواء المسلمين أو ‏المسيحيين. ‏

فالقرآن هو كلام الله المنزل من السماء ((ولا يخدم طموحاتهم التوسعية الاستعمارية، ولم يتمكنوا من تحريفه، فحرفوا تفسيره ودعموا نظامهم ‏السياسي بمرويات مزورة لخدمة مشروعهم الاستعماري)، وليس وحدهم، فهذه السياسة تعتمدها جميع القوى الاستعمارية وعلى مدار التاريخ، وكما يقول ‏الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ، «في عام 1922 أثناء تشكيل الدستور المصري اتصل الإنجليز مع بعض السياسيين الأقباط سلامة موسى، ‏وويصا واصف، ومكرم عبيد، وطالبوهم بضرورة تقسيم الوظائف في مصر على أساس ديني، بحيث تكون نسبة تولي الأقباط للوظائف واحد على اثني ‏عشر -أي مقابل كل موظف قبطي 12 موظفًا مسلمًا، فاعترض السياسيين الأقباط، واعتبروا أن تطبيق هذه النسبة سيساهم في إشعال الفتنة الطائفية ‏في مصر‎.‎‏ غير أن هذا المصطلح حاول الاحتلال الانجليزي أن يخلقه في مصر في مطلع القرن الماضي، كما فعل في احتلاله للهند بالوقيعة بين الهندوس ‏والمسيحيين لكن المصريين لم يرضخوا لهذه المحاولات‎».‎‏. فالمستعمر من المستحيل أن يعتمد كلياً على السلاح العسكري في قمع الشعوب ووأد الثورات ‏وحركات التمرد، لأن ذلك سيكوون مكلفاً جداً، وما أسهل أن يلجأ إلى الحرب المعنوية لتفتيت القوى قبل ضربها.. ولعل عقد الشراكة بين شخصين ‏من أبناء المحافظة في عام 1923 دليل على قوة علاقات المصريين البينية، هذا العقد بموجبه اتفق اثنين من أبناء مدينة سمالوط على التشارك في ‏‏«جاموسة»، طرفي العقد كانا الفلاح القبطي قرياقوس تواضروس، والمسلم محمد محسب، وتضمن شروط تلزم الطرفين بدفع تكاليف مأكلها ومشربها ‏مناصفة، فضلًا عن الاتفاق على تقاسم الربح سواء «لبن الجاموسة»، أو حصول كل طرف على نصف الثمن إذا قررا بيعها‎.‎‏. وفي الواقع كانت مثل ‏هذه العلاقات هي حجر العثرة أمام المستعمر العربي والأوروبي، ولهذا لجأ الأول كما لجأ الثاني إلى تفتيت خلايا المجتمع في سبيل السيطرة عليه.‏‎ ‎

فالقرآن يأمرنا بالسلام على أهل الكتاب ومرويات العرب تمنعه؛ لأن القرآن كلام الله المنزل هدى ورحمة للعاملين، بينما المرويات فهي نتاج ‏وعصارة القومية العربية الزائدة الملوحة، ونحن تركنا المنبع الأصل وتمسكنا بعصارة القومية العربية، فصرنا نقرأ في القرآن الكريم «وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ ‏بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا» [04 النساء86]، «وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا» [البقرة83]، «وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [العنكبوت46]، ‏ونترك ذلك لنقرأ في مرويات العرب: «لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه»، فى تغيير وتحريف واضح ‏لنصوص القرآن عن غير مرادها لصالح العرب، فقد كانوا يحاولون تسييد مبدأ " فرق تسد " في الشعوب التي احتلوها لإحكام السيطرة عليها ووأد ‏الثورات وحركات التمرد والتنسيق الجماعي ضدهم، ومن هنا لجأوا إلى تفتيت قوميات هذه الشعوب وبث الفرقة بينها وتحطيم اللحمة الإنسانية الوطنية ‏العميقة بين مختلفي الأديان ليبق العرب المسلمون و " الموالي " عُصبة واحدة ضد الشعوب التي قمعوها فيتمكنوا من استمرار قمعها. وبهذا تمكن العرب ‏من استقطاب الموالي المسلمين في صفهم وعزل غير المسلمين لكسر الشوكة الوطنية، فقد حاول العرب استخدام أدوات دينية لقمع الشعوب، واستخدموا الدين لخدمة ‏أهدافهم ومصالحهم التوسعية الاستعمارية، وإن اضطرهم ذلك لتحريف الدين نفسه، فالغاية لديهم تبرر الوسيلة. ‏

وفي محاولات متكررة من العرب لتوطيد أركان حكمهم فرضوا على الشعوب الطاعة العمياء، وأقنعوهم بأنها دين ومن يخالف هذا الدين تُضرب ‏عنقه، ومن أمثلة ذلك نجد في تراثهم الديني: عن حذيفة - رضي الله عنه - قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‎:‎‏ يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، ‏وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ‏ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ. [مسلم1847‏‎]‎‏.. ذلك لأن العرب حرفتهم نهب الأموال كما يقول ابن خلدون، ولذلك صنعوا من الدين ‏أدوات تمكنهم من النهب، ولم يصنعوا أدوات مماثلة تمكن المواطن الضعيف من استيفاء حقه من هذا الأمير الظالم الناهب.. بينما نجد أجدادنا المصريين ‏القدماء قد أرسوا مبادئ العدالة في بردياتهم ووثقوها بروابط متينة أقوى من مرويات البخاري، فنجد الحكيم " أمون أم أوبى " ينصح ابنه بأن يكون ‏سلوكه طيب، فيقول: في كل مشاجرة ومشادة مع أعدائك لا تضع ثقتك فى نفسك، بل اترك نفسك بين ذراعي الرب فصمتك سيسقط أعدائك"‏‎.‎‏ بل ‏ينصحه بأن يتصرف بحلم – ربما نراه غير مقبول في عصرنا – حتى مع رئيسه الغاضب؛ فيقول: عليك أن تنحني أمام الرئيس السريع الغضب حتى ولو ‏أهانك فإنه سيصلح الأمر في اليوم التالي " ‏

وفي المقابل نجد الملك المصري خيتي – أحد ملوك الأسرة العاشرة – ينصح ابنه "مري كا رع" بالرشد في حكم الشعب فيقول: " تحدث في ‏لطف؛ لأن الكلام أقوى من العراك "، كما يًحثه على التعامل بهدوء وتأني مع الرعية وأن لا يقسوا عليهم، ويحذره من معاقبتهم بقسوة، فيقول: لا ‏تقتل فإن ذلك لن يكون ذا فائدة لك بل عاقب بالضرب والحبس فإن ذلك يُقيم دعائم هذه البلاد، إلا من يثور عليك وتتضح لك مقاصده فإن ‏الرب يعلم خائنة القلب، والرب هو الذي يعاقب أخطاءه بدمه، لا تقتل رجلًا إذا كنت تعرف مزاياه ". (3)‏

بينما العرب عندما دخلوا مصر كانوا يقتلون عضهم بعضاً بكل خسة، فقد مارس العرب هذه السياسة بحق الشعوب المقهورة، وأقنعوهم أنها دين، برغم أنها ما كانت إلا وسيلة ‏قمعٍ سياسي تعادل جحافل الأمن المركزي التي تستخدمها الحكومات في عصرنا، بل إن العرب أنفسهم ليس من طبيعتهم الطاعة، ولو قلنا أن مثل هذه النصوص من الدين فهذا معناه ‏أنه لا يوجد عربي عنده دين... ذلك لأن الجنس العربي بطبعه التمرد، وأبسط دليل على ذلك ما وقع من خلافات وصراعات وحروب أهلية طاحنة ‏سقط فيها أغلب الصحابة البدريين " أهل بدر" وسقط ما يجاوز مائتي ألف قتيل حرب أهلية خلال حقبة الحلفاء الراشدين، وهذا معناه أنه لو كان هذا ‏النص من الدين فإن العرب هم أول من خالفوا هذا الدين، واستخدموه أداة للسطو والسيطرة على الشعوب. ولذلك ليس غريباً أن نبحث في كافة ‏الأحاديث المشكوك فيها ونجدها في حقيقتها عبارة عن أدوات سياسية، لأن العرب لم يكن لهم دراية أو "علم السياسة" فاستخدموا الدين كأداة وصنعوا ‏منه هيكلاً سياسياً، برغم أن السياسة في الأصل علم مستقل ومتخصص كما الطب والميكانيكا لا علاقة لها بالدين إلا بحدود المبادئ فقط.‏


‏1-‏ من مقال الأديب أسامة أنور عكاشة نقلاً عن المستشار أحمد عبده ماهر – مع التصرف-.. ونحن نعتبر تسمية الدولة بأنها " دولة إسلامية" هذا خطأ من الكاتب لأن أفعال العرب ‏تنسب لهم وليس للدين، ودولة العرب تمثل قوميتهم ولا تمثل الدين في شيء، إنما كانت المشكلة أن العرب نسبوا دولتهم للدين، فجاء نقاد التاريخ ولم يستطيعوا تخليص الدين من الدولة ‏فانتقدوا تاريخ العرب بمسمى تاريخ الإسلام.. ولهذا فلا غرابة أن نرى الدماء تلون كل أوراق التاريخ المسمى ظلماً بأنه إسلامي... ولا غرابة أن يؤدي هذا المقال إلى اهتزاز المجتمع المصري ‏لدرجة أصدر فيها الأزهر بيان بتكفير الكاتب الذي رد عليهم بأهمية التحاور وقبول الآراء والرجوع للدلائل، لكن الأزهر أصدر خطاب بحرمة زوجته علية أي باعتبار زوجته طالق منه في ‏محاولة للضغط عليه للعدول عن رأيه والاعتذار، لكنه أصر وقدم دلائل في منهجه (وموقف الأزهر هنا هو ما يدفعنا إلى التمسك بوصفه أنه مؤسسة أجنبية تمثل العرب في مصر وتدافع ‏عنهم وتتبنى تاريخهم وتحبذ سيادتهم على مصر واحتلالهم لها، وفي دفاعها عن العرب وشخصياتهم التاريخية تستخدم الدين وتصدر أحكاماً دينية على الكاتب لمجرد أنه طرح رأياً في التاريخ، ‏وهذا ما يؤكد أيضاً أن تاريخ العرب أصبح ديناً للشعوب).. وعموماً مواضيع كهذه قد تثير حساسية لدى البعض لكن من الجيد أن نطلع عليها بموضوعية وكتب التأريخ أمامنا لو أحببنا ‏النظر بإنصاف والتأكد مما قاله الكاتب. ‏
‏2-‏ من مقال للدكتور حسين دقيل، منشور على موقع ساسة بوست، بعنوان " من أخلاق المصريين القدماء ج(4) آداب الزواج " ‏‎12 ‎مايو, 2018 – نقلاً عن مصادره من وصايا وتعاليم الحكيم «كاجمني» موجودة في «بردية ‏بريس» المحفوظة بمتحف اللوفر بباريس وترجع إلى عصر الأسرة الثانية عشرة، وبردية بريس تُعتبر من أشهر البرديات الطبية، وقد عُثر عليها في الأقصر سنة 1862، حيث اشتراها جورج أبريس – الذي قام بنشرها – من أدوين ‏سميث، ويبلغ طولها 20.3 مترًا ًوعرضها 0.3 مترًا، وتحتوى 108 عمود، وكانت تحتوى على 887 وصفة طبية لأنواع متعددة من الأمراض وأعراضها، ومن بينها وصفات لأمراض الجلد والتجميل والزينة وإنماء الشعر‎.‎‏ ‏على رابط : ‏https://www.sasapost.com/opinion/ancient-egyptians-4‎‏/‏
‏3-‏ دكتور حسين دقيل في مقال له بعنوان " من أخلاق المصريين القدماء ج(8) الحلم والأناة" منشور بموقع ساسة بوست بتاريخ 2 يوليو 2018 على الرابط التالي ‏
‏" ‏https://www.sasapost.com/opinion/from-the-morals-of-the-ancient-egyptians-8-dream-and-patience‏/‏
‏ – نقلاً عن مصادره : كلير لالويت، الأدب المصرى القديم، ترجمه: ماهر جويحاتى، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة 1992‏





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,499,230
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (4)
- كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (1)
- غبار الاحتلال العربي (7)
- غبار الاحتلال العربي (6)
- غبار الاحتلال العربي (5)
- غبار الاحتلال العربي (4)
- غبار الاحتلال العربي (3)
- غبار الاحتلال العربي (2)
- غبار الاحتلال العربي (1)


المزيد.....




- -نجدة المتوسط- تستأنف عمليات إنقاذ المهاجرين من الغرق في عرض ...
- حملة جديدة لإنقاذ المهاجرين قبالة سواحل ليبيا
- بريطانيا للأمم المتحدة: إيران اقتربت من الناقلة ستينا إمبيرو ...
- بريطانيا للأمم المتحدة: إيران اقتربت من الناقلة ستينا إمبيرو ...
- مركز حقوقي إسرائيلي يكشف نتائج التحقيق بإصابة طفل فلسطيني بر ...
- -مرحبا باللاجئين-.. أستراليون ينتفضون ضد سياسات الحكومة
- رايتس ووتش: العراق يخلي مخيمات نازحين استعداداً لاستقبال عوا ...
- عشرات الآلاف يتظاهرون في هونغ كونغ
- كردستان العراق تعلن اعتقال قاتل الدبلوماسي التركي وتنشر تفاص ...
- تركيا تهاجم مخيما للاجئين الأكراد في العراق


المزيد.....

- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد مبروك أبو زيد - كيف حكمت سلالة قريش أرض الفراعنة (3)