أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد مبروك أبو زيد - غبار الاحتلال العربي (6)















المزيد.....



غبار الاحتلال العربي (6)


محمد مبروك أبو زيد

الحوار المتمدن-العدد: 6235 - 2019 / 5 / 20 - 23:56
المحور: المجتمع المدني
    


تعرفنا في المقالات السابقة على طبيعة العقلية العربية، وأدركنا أنها عقلية برية أدبية نظرية بحتة، وليس من شأنها الاشتغال بالعلوم... وكل ما حدث أنه بمجرد دخول الثقافة العربية لمصر تعطلت الملكة العلمية لدى المصريين وبدؤوا يتطبعون بطباع العربي وتعطلت مدارسهم وحل ‏محلها ثقافة العرب ولغتهم وشعرهم في الهجاء والفخر والحماسة، ونثرهم وحكاياتهم عن الفروسية والبطولات ورباطة الجأش(الشراسة والتوحش الفكري ‏والسلوكي)، وهذا ما تبناه الأزهر أو الفكر الديني الذي جاء به العرب، وغرس في الأطفال والطلاب صورة العربي كنموذج وقدوة، لأن العرب لم يقدموا ‏لنا الإسلام على حقيقته وإنما قدموه بفلسفتهم وفكرهم وعاداتهم وأعرافهم الشيطانية، ولأن المصريين كانوا ساذجين للغاية، فقد اعتبروا العرب هم مصدر ‏اللغة والدين والثقافة، وأن الإسلام قدسهم واختارهم وجاء قرآنه بلغتهم، وينبغي فهم الدين واللغة بناءً على فهم العرب، وهذا ما جعل من العرب آباء ‏روحيين لنا، حتى أننا نجد الشيخ الشعراوي عند وفاته يوصي ابنه بأن يظل "رابط الجأش" ! ..

وهنا لا بد من توضيح نبذة بسيطة عن أصل العرب والعروبة واللغة العربية فيما لا يتجاوز سطراً ( كانت شبه الجزيرة في الألف الثاني قبل الميلاد تتعدد فيها الشعوب التي جميعها من أصل واحد هو الآرامي وتتحدث اللغة الآرامية ثم انقسموا عشائر، وكل عشيرة تفرعت عنها قبائل، وكل عشيرة اتخذت ركناً من الجزيرة العربية رأته ملائماً للحياة فيه ، الحميريين اتخذوا اليمن وجنوب الجزيرة كموطن لهم. والنبطيين اتخذوا شمالها موطناً لهم، واختلفت ظروف هذه العشائر حسب مكان وطبيعة الموطن، وكانت كل عشيرة تستقل تدريجياً بلهجة خاصة بها، والأصل هو اللغة الآرامية لكنها كما تفرعت اللغة اللاتينية إلى إنجليزية وأسبانية وطليانية وفرنسية وبرتغالية..إلخ تفرعت اللغة الآرامية إلى لهجات متعددة كذلك وأصبجت كل لهجة لغة مثل الحميرية والنبطية والسبأية والسريانية والعبرية والعربية ، وبعض هذه العشائر كان مدنياً إلى حدٍ ما يسكن مدن وممالك وقرى زراعية، وكانت اللهجة العبرية لغة بدو الجبال بينما اختها العربية لغة بدو الصحراء ، فالإسرائيليين كانوا ينقلون خيامهم ويضربونها في قمم الجبال وسفوحها ويرعون أغنامهم وأبقارهم في تخوم القرى الجبلية ويسكنون مضارب خيام متنقلة ، وهؤلاء هم البدو الجبليين يعتاشون على رعي (البقر والغنم).. أما العرب فهم البدو الصحراويين الذين اختاروا الصحارى القاحلة في منطقة الحجاز مكة ولمدينة والطائف وما حولها وضربوا خيامهم فيها لرعي (الغنم والإبل) في الأيام التي بنا فيها جلالة الملك خوفو هرمه الأكبر لينتقل إليه في الحياة الأبدية بعد القصر الملكي..، وكانت كل العشائر لها دين إما مسيحية وإما يهودية وإما حنيفية، عدا البدو الصحراويين العرب انتشرت فيهم الوثنية والزندقة، وكانوا أكثر فسوقاً وجهلاً وجلافة .. حتى جاء النبي محمد ليطهرهم من رجسهم...لكنهم لم يكونوا أمناء في نقل الدين...

وبالتالي علينا أن ندرك جيداً أننا لا نتلقى الدين من نبي وإنما من ‏مجتمعٍ كان مريضاً وحصل على جرعة من العلاج (العلاج العقائدي الأخلاقي وليس علاجاً عقلياً كاملاً لأن الله خلقهم بالفطرة كائنات برية ومجتمعات ‏قبلية صحراوية وعقلية أدبية ليس بها عمود فقري علمي يحفظ قوامها الفكري، فظلت كما النباتات الزاحفة بلا سيقان رأسية، بل هي متوحشة سلوكياً ‏وفكرياً . والإسلام جاء علاجاً عقائدياً لهذه العقلية الأدبية وليس تحويلاً للكيان العقلي من أدبي إلى علمي بأي حال، وليس تحويلاً من مجتمع قبلي إلى ‏شعب مدني، وليس تحويلاً من نباتات زاحفة إلى أشجار ذات سيقان وأغصان تنمو رأسياً، لأن مثل هذا التحويل الفسيولوجي يقوم على جراحات زرع ‏الأنسجة وتغيير في النسيج الذهني وليس بتغيير في المعلومات. ولذلك علينا أن ندرك جيداً أننا نتلقى الدين من شعب لا يختلف عن بني إسرائيل ولا ‏يختلف عن قوم لوط ولا يختلف عن أي شعب من أولئك الذين اختصهم الله بالرسالات والإنذارات.‏

غير أن العرب لا يمكن ائتمانهم على دين، ويمكن اعتمادهم فقط مصدر اللغة، أما الدين فهو ليس ثقافتهم، وإنما نداء سماوي جاء علاج لفسادهم ‏وفسقهم، حتى أنهم قدموا لنا " الإغارة " على أنها جهاد في سبيل الله، بينما في الحقيقة هي عادتهم الجاهلية، وقدموا لنا مرويات وتفسيرات وهمية ‏لنصوص وآيات القرآن، أي مزيج من ثقافتهم وأعرافهم وتاريخهم مع الإسلام ولذلك تعطل العقل المصري عن الهضم والفهم والإبداع، فلا هو قادر على ‏تمصير هذه الثقافة وهضمها بما يتلاءم مع النسيج الذهني المصري ويدفعه للإبداع، ولا هو قادر على فهم الدين بعيداً عن ثقافة العرب وشعرهم ونثرهم ‏وتاريخهم، كل هذا أدى إلى عطب في العقل المصري في العلوم الطبيعية وفي علوم الدين والفقه إلا ما كان مبتذلاً عاجزاً ومقتصراً في حدود حفظ القرآن ‏دون فهم وحفظ المرويات وحفظ تفاسير وشروح من قبلهم، وفي الواقع فهذا لا يرضي طموحنا، وكان ينبغي تجريد المنهج الديني من كافة مؤثرات المجتمع ‏العربي، لأن هذا المجتمع هو منشأ ومنبت اللغة فقط وليس الدين. ‏

بل إن العرب لم يتفقهوا حتى في دينهم ! فكيف يبنون حضارة؟، هم فقط احتلوا شعوباً متحضرة مثل فارس والعراق وأسبانيا وحكموها ليقولوا أن ‏لديهم حضارة ! بل حتى أنهم برغم أن أرضهم هي مهبط الدين الإسلامي، إلا أنهم حتى لم يتفقهوا في دينهم الذي بعث على أرضهم، والذي غزو العالم ‏كله لينشروه في أرجاء الدنيا.. لو كانوا صادقين، لكان حرياً بهم أن يخرج منهم أكبر علماء الفقه ليصدروا علمهم إلى العالم، إنما هم صدروا السيوف ‏وتخاذلوا عن العلم. ولذلك نجد أن جميع من برعوا في علوم الفقه ليسو عرب، وإنما من أصول أجنبية، بل إن كل مؤلفي كتب الحديث الستة:‏‎ ‎‏(البخاري, ‏مسلم, النسائي, أبي داود, الترمذي, ابن ماجة) جميعهم من الأجانب وليسو عرب.‏‎ ‎وجنسی---ات أصحاب الكتب الستة: (الإمام البخاري - أوزبكستان ‏‏) (الإمام مسلم – إیران) (النسائي – تركمانستان) ( أبو داود - إیران ) (الترمذي – أوزبكستان) ( ابن ماجة – إیران) . وكذلك أصحاب القراءات ‏وشيوخهم وأفضل تلاميذهم ليسوا عربا، وأئمة المذاهب الفقهية ليسوا عرباً ماعدا الإمام ابن حنبل، مؤلفو المساند والمتون والمصنفات ليسوا عربا، مفسرو ‏القرآن ليسوا عربا إلا ما ندر. وفيما يلي أئمة المذاهب الأربعة وأصولهم؛
‏1.‏ الإمام أبو حنيفة النعمان ثابت بن زوطي وهو مولى لبني تيم الله ومولده بالكوفة
‏2.‏ الإمام الشافعي محمد ابن إدريس ابن العباس ابن عثمان ابن شافع مولى أبي لهب، وقد قيل أن طلب شافع من الخليفة عمر أن يجعله من موالي ‏قريش فامتنع، فطلب بعدها من الخليفة عثمان ذلك ففعل فهو من موالي قريش وقد ذكر ذلك كل من الرازي في كتابه مناقب الشافعي وأبو زهرة ‏في كتابه المعروف الإمام الشافعي.. والكارثة الكبرى ليست في الإمام الشافعي ولا في جده شافع، ولكن في الذين يعتبرون هذه الحكاية سُبة في ‏حق الإمام الشافعي للطعن في فقهه وعلمه وإضعاف مذهبه الفقهي، وبخاصة الحنفية الذين حاولوا الترويج بها، وكأنها سُبه في الفقه والفكر ‏الشافعي، فالعلم لديهم لا يستمد دليله من ذاته وموضوعيته، بل من شخص قائله !‏
‏3.‏ الإمام مالك بن أنس بن مالك ذهب كل من ابن عبد البر صاحب الاستيعاب في كتابه الانتقاء والواقدي محمد إسحاق والسيوطي في تزيين ‏الممالك إلى أنه مولى من موالي بني تيم وليس بعربي.‏
‏4.‏ الإمام أحمد بن حنبل وهو العربي الوحيد..‏
بل إن أغلب علماء أهل السنة أصلهم من بلاد فارس
‏5.‏ أصحاب الصحاح
‏6.‏ ‏ البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم صاحب الصحيح الشهير : أعجمي‎ .‎
‏7.‏ مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري أعجمي
‏8.‏ الترمذي ابن عيسى بن سورة الضرير تلميذ البخاري أعجمي‎ .‎
‏9.‏ محمد بن يزيد بن ماجة مولى ربيعة ، أعجمي‎ .‎
‏10.‏ أحمد بن علي بن شعيب النسائي نسبة لمدينة نسا بخراسان ، أعجمي‎ .‎
‏11.‏ سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستاني وهي بلدة بقرب هراة : ينسب إلى الأزد ولم ينصوا أن النسبة بالأصل أم بالولاء يبقى انتماؤه إلى بلد ‏أعجمي‎ .‎
‏12.‏ الرواة
‏13.‏ إن معظم رواة الأحكام والأخبار ومعظم الفقهاء والمفسرين هم من الفرس ومنهم على سبيل المثال لا الحصر
‏14.‏ مجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وسعيد بن جبير . ومجاهد وعكرمة ممن يعتمد عليه البخاري والشافعي ويوثقه ويأخذ بمروياته جملة وتفصيلا‎.‎
‏15.‏ الليث بن سعد تلميذ يزيد بن حبيب والذي يعتبر مؤسس المدرسة العلمية الدينية بمصر ويقول عنه الشافعي الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه ‏لم يقوموا به وهو فارسي من أهل أصفهان.‏
‏16.‏ ومنهم ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك وهو ابن عبد الرحمن بن فروخ من أهل فارس
‏17.‏ ومنهم طاووس بن كيسان الفارسي ترجم له الشيرازي في طبقات الفقهاء
‏18.‏ ومنهم البيهقي صاحب السنن الذي قيل عنه : للشافعي فضل على كل أحد إلا البيهقي‎ .‎
‏19.‏ ومنهم مكحول بن عبد الله مولى بني ليث ،
‏20.‏ ومحمد بن سيرين مولى أنس ابن مالك ،
‏21.‏ والحسن البصري الذي قيل عنه إنه أشبه الناس بعمر بن الخطاب على حد تعبير الشيرازي في الطبقات‎ .‎
‏22.‏ ومنهم الحاكم صاحب المستدرك وعبد العزيز الماجشون الأصفهاني مولى بني تميم وعاصم بن علي بن عاصم مولى بني تيم ومن شيوخ البخاري ‏وعبد الحق بن سيف الدين الدهلوي صاحب مقدمة في مصطلح الحديث وعبد الحكيم القندهاري شارح البخاري في حاشيته وعبد الحميد ‏الخسروشاهي صاحب اختصار المذاهب في الفقه الشافعي‎ .‎
‏23.‏ وعبد الرحمن رحيم مولى بني أمية ومحدث الشام على مذهب الأوزاعي
‏24.‏ وعبد الرحمن العضد الإيجي صاحب كتاب المواقف
‏25.‏ وعبد الرحمن الجامي صاحب فصوص الحكم
‏26.‏ وعبد الرحمن الكرماني رئيس الأحناف بخراسان وصاحب شرح التجريد
‏27.‏ وشيخي زاده صاحب كتاب مجمع الأنهار عبد الرحمن
‏28.‏ وأحمد بن عامر المروزي صاحب كتاب مختصر المزني
‏29.‏ وسهل بن محمد السجستاني صاحب كتاب إعراب القرآن
‏30.‏ ومحمد بن إدريس أبو حاتم الرازي الذي يعد بمستوى البخاري
‏31.‏ وأبو إسحاق الشيرازي صاحب كتاب التشبيه
‏32.‏ وعبد الله بن ذكوان أبو الزناد عالم المدينة بالفرائض والفقه وممن روى عنه مالك والليث
‏33.‏ وأحمد بن الحسين شهاب الدين الأصبهاني صاحب كتاب غاية الاختصار
‏34.‏ ويعقوب بن إسحاق النيسابوري صاحب المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم بن الحجاج
‏35.‏ وأحمد بن عبد الله أبو نعيم صاحب الحلية
‏36.‏ أكبر المفسرين وأقدمهم الإمام الزمخشري فارسي
‏37.‏ وابن خلكان صاحب وفيات الأعيان
‏38.‏ وأحمد بن محمد الثعلبي المفسر
‏39.‏ إمام النحو سيبويه فارسي
‏40.‏ إمام المتكلمين واصل بن عطاء فارسي
‏41.‏ إمام اللغة الفيروز أبادي صاحب القاموس المحيط فارسي
‏42.‏ الإمام الغزالي فارسي
‏43.‏ الرازي فارسي
‏44.‏ ابن سينا فارسي
‏45.‏ ابن رشد فارسي

وفيما يلي أسماء أصحاب القراءات العشر مع بيان أصولهم القومية.‏
‏1- عبدالله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة اليحصبي. (21- 118هـ). قارئ الشام.‏
‏2- عبد الله بن كثير بن زادان بن فيروز (45- 120هـ) قارئ مكة، وهو فارسي الأصل.‏
‏3- عاصم بن بهدلة أبي النَّجُود الكوفي (ت127هـ) قارئ الكوفة، وهو مولى بني الأسد.‏
‏4- أبو عمرو البصري (ت154هـ) قارئ البصرة، اختلف في اسمه على عشرين قولاً.‏
‏5- حمزة بن حبيب الزيات (80- 156هـ) قارئ الكوفة، مولى آل عكرمة بن ربعي.‏
‏6- نافع بن عبد الرحمن المدني(70–169هـ) قارئ المدينة، مولى جعونة الليثي.‏
‏7- علي بن حمزة الكسائي (119-189هـ) قارئ الكوفة، مولى بني أسد فارسي الأصل.‏
‏8- يزيد بن القعقاع (35-130هـ) مولى عَبد الله بن عيَّاش المخزومي.‏
‏9- يعقوب ابن إسحاق الحضرمي (117- 205هـ) مولاهم، البَصْرِيُّ.‏
‏10- خلف بن هشام (150- 229هـ).‏

يقول المستشار أحمد ماهر: نلاحظ أن سبعة من أصحاب القراءات العشرة هم من الموالي، والثلاثة الباقون أحدهم كاذب.. والثاني غير معروف ‏الأصل وله أكثر من عشرين اسماً.. والثالث أخذ قراءته عن أحد الموالي. وبالتالي، بإمكاننا أن نحكم على أصحاب القراءات العشر للقران بأنهم جميعاً من ‏غير العرب. فماذا عن شيوخهم وتلامذتهم؟. بل إنه من الغباء أن تفخر بأمة عربية وضع لها رجل فارسي قواعدها اللغوية، ومن الغباء أن تفخر بأمة ‏عربية أغلب أئمتها من غير العرب، ومن العار أن تفخر بأمة لم تشترك في الثورة الصناعية بصامولة، ومن العار أن تفخر بأمة لم تشترك في ثورة ‏تكنولوجيا الفضاء إلا باستهلاك الهواء لتتنفسه شعوبها، ومن العار أن تفهم قوله تعالى [كنتم خير أمة أخرجت للناس] على أنها الجنس العربي".. لأن ‏المقصود بالأمة هنا هو المنهج الذي تتبعه مجموعة من البشر دون خصوصية عرقية، فالعرب المسلمون أمة، والعرب اليهود أمة، والعرب المسيحيين أمة، ‏والعرب المشركون أمة أخرى، إنما عند الحديث عن القومية العربية فهي نسيج اجتماعي، وكما سبق وبينا أنها من نوعية النباتات الزاحفة أفقياً وبعضها ‏متسلق، فهي في كافة الحالات إما أن تتمدد أفقياً فقط أو أن تتسلق على حضارات غيرها وتستهلك غذائها أو تعتمد على بنيانها العمودي القائم.. ‏وكما رأينا أن كافة علماء الدولة العربية كانوا من بلاد الفرس ومن بقايا الحضارة الفارسية.‏

وفي الفصل الخامس والثلاثون؛ باب: حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم ( 543)‏
يقول ابن خلدون: من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم لا من العلوم الشرعية ولا من العلوم العقلية إلا في القليل ‏النادر، وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته، مع العلم أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي. والسبب في ذلك أن ‏الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة. وأما العلوم العقلية أيضاً فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميز العلم ومؤلفوه ‏واستقر العلم كله صناعة فاختصت بالعجم وتركتها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحمله إلا المعربون من العجم شأن الصنائع كما قلنا أولا (1).‏

برغم قدرة ابن خلدون العبقرية في سبر النفس البشرية وخاصة من المنظور الجمعي، وهذا ما جل من مقدمته أساسً لعلم الاجتماع إلا أنه وقف ‏عاجزاً عن تفسير السبب في انصراف العقلية العربية عن العلم.. ولم يفسر سر إبداعهم وعبقريتهم الشعرية والأدبية، ربما لم يدرك أن العقلية العربية في ‏الأصل من نسيجٍ أدبي وهذا ما مكنهم من الإبداع في الأدب وأعجزهم عن هضم العلم.. حتى أن العرب لم يدونوا سيرة نبيهم محمد عليه السلام، ولم ‏يكتبوا عنه كلمة واحدة ولم يكتبوا تاريخه كما كتبوا أشعارهم وقصائدهم وعلقوها على أستار الكعبة، إنما النبي فتركوا سيرته وتاريخه الدعوي حتى جاء أحد ‏الأطفال السبايا من أسرى الحروب التي خاضها العرب ضد العراق وفارس، وعاش هذا الطفل عبداً في بلاد العرب، ثم كبر وأنجب أطفالاً، وجاء من بين ‏أطفاله "ابن إسحاق " الذي دوّن وأرخ لسيرة النبي محمد عليه السلام بعد وفاته بمائة وخمسين عاماً، لكن العرب نسو سيرة نبيهم وزعموا أنهم نشروا دينه ‏‏!‏

والموالي هم العبيد والخدم الذين جاء بهم الصحابة سبايا وأسرى من البلاد التي غزوها بجيوشهم، فعاشوا في بيوت العرب باعتبارهم عبيد للخدمة، أو ‏من أسلموا في بلادهم فاعتبرهم العرب مواطنين من الدرجة السابعة، بينما كانوا هم أفضل من أسيادهم العرب في الميزان العقلي والعلمي، لملموا المعرفة ‏الدينية وأجادوا علوم القرآن والفقه واللغة وتخصصوا فيها وبرعوا فيها أكثر من أسيادهم العرب الذين تركوا العلم والدين للعبيد يتفقهوا فيه وانشغلوا هم ‏بالسيوف والسبايا.. هؤلاء العلماء الأجانب اعتبروا العرب هم مصدر التشريع ووضعوا الصحابة في منزلة مقدسة وكأنهم شركاء في النبوة ونسوا أنهم ‏عرب وجزء أصيل من نسيج المجتمع العربي!، هؤلاء الفقهاء الأعاجم لملموا المعرفة الدينية من المجتمع العربي بحسن نية ولم يدرسوا طبيعة العرب وأعرافهم ‏وتقاليدهم وتكوينهم واعوجاجهم النفسي كما فعل ابن خلدون، فمعظم رواة الأحكام والأخبار ومعظم الفقهاء والمفسرين والعلماء هم من الفرس، من ‏بقايا الحضارة الفارسية، وحضارة الفرس هدمها العرب تحت أقدامهم الهمجية. أما ابن خلدون كان نبيهاً وأدرك حقيقة العرب باعتباره عالم اجتماع نابغة، ‏غاص في التكوين النفسي والتشكيل العقلي العربي بعمق، وكان يقول " أن الإنسان ابن نشأته ومألوفه ". أي كان بان خلدون يقصد " الكاريزما ‏العربية "‏

بينما الفقهاء لم ينتبهوا إلى أن العرب انحرفوا بعد وفاة الرسول وعادوا إلى عاداتهم وتقاليدهم الجاهلية وانقلبوا على الإسلام. هؤلاء الفقهاء تلقوا ‏ثقافة العرب على وضعها باعتبار العرب هم " الصادق الأمين" وخدعتهم الكاريزما العربية، ولم يستطيعوا الفصل بينها وبين مبادئ الإسلام، وطالما قال ‏لهم العرب أن هذا هو الإسلام فوثقوا فيهم واعتبروا كل ما نقلوه عنهم دين الله، لكنهم لم يسألوا أنفسهم كيف دخل العرب بلادهم بهذه الهمجية وهم ‏يحملون الدين؟ فاعتبروا طريقة الدخول الهمجية هذه دين لهم.. وصارت ركناً أساسياً في الدين باسم الجهاد؛ أي الهجوم والإغارة على الشعوب الآمنة ‏وخطف النساء والأطفال واستعبادهم ونهب بيوتهم وبلادهم.!! فقد تلقى هؤلاء العلماء والفقهاء الأعاجم ثقافة العرب باعتبارها هي الدين.‏

غير أن هناك عامل نفسي آخر لدى هؤلاء العلماء والفقهاء، فليس الاعوجاج النفسي في الجنسية والعرقية العربية والكاريزما العربية وحدها، إنما في ‏هؤلاء العلماء والفقهاء الذين جاؤا في حقبة كلها اضطرابات نفسية جمعية، صعود أهوج مفاجئ للعرب وانهيار عنيف مفاجئ للشعوب المجاورة، فلما ‏خرج أبناء هذه الشعوب المكسورة يتفقهوا في ثقافة العرب فكانوا في مزاج نفسي عام هو مزاج الخضوعية المازوخية وفقاً لمتلازمة ستوكهولم تجعلهم ‏يخضعون لا إرادياً للعرب ويؤمنون بوجهات نظرهم ويعتنقون ثقافتهم ويبررونها حتى في العدوان على بلادهم وبيوتهم، غير أنهم قد تربوا نشأوا في بيوت ‏العرب وتحت سلطانهم؛ لأن بلاد هؤلاء العلماء كانت في هذه الحقبة واقعة تحت الاحتلال العربي التي انعدمت وأعدمت إرادتها الشعبية الجمعية، وبخاصة ‏بلاد فارس والعراق التي خرج منها معظم علماء الإسلام، مع الوضع في الاعتبار أنها المنطقة التي شهدت أكبر مجازر بشرية جماعية في التاريخ عند دخول ‏العرب، وبما أن هناك متلازمة نفسية تجعل الرهينة يخضع للغاصب ويستسلم له، ثم بمرور الوقت يؤمن بأفكاره ويتبنى ثقافته، فلهذا جاء الفقه الإسلامي ‏عبارة عن فلسفة العرب خلال هذه الحقبة، وليس فلسفة الإسلام.. ‏

فهؤلاء الفقهاء والعلماء جاء علمهم وفقههم ترجمة عملية لمتلازمة ستوكهولم أكثر منه تعبيراً عن الغريزة الدينية، أو لنقل اندماج الغريزة الدينية في ‏متلازمة ستوكهولم، وما يثبت إصابة جميع فقهاء الأمة الإسلامية بعدوى المازوخية العربية بمتلازمة ستوكهولم، هو موقف الفقهاء من ظواهر تاريخية مثل ‏‏(ظاهرة السبي وخطف الأطفال والنساء واسترقاقهن في الحروب ومضاجعتهن عنوة دون رضا ودون عقد زواج باعتبار ذلك من الحقوق الشرعية ‏للمحاربين - الحروب الهجومية التي قدسها الفقهاء ووصفوها بأنها جهاد "جهاد الطب" برغم كونها جرائم حرب عدوانية يرفضها الإسلام – ظاهرة ‏سبي النساء والأطفال في الحروب العربية التي حولها الفقهاء إلى حق ديني مقدس – نظرية الخلافة التي هي في الأصل نظام حكم بدئي اتبعه العرب ‏فجعله الفقهاء نظرية الحكم الإسلامي وقولهم أن الحاكم لا بد أن يحمل لقب خليفة، وأنه لابد أن يكون من أصل قرشي– تسمية تاريخ العرب الأموي ‏والعباسي بالتاريخ الإسلامي برغم أنه دموي عنيف ويتناقض مع الإسلام- اعتماد الكثير من أعراف وعادات المجتمع العربي باعتبارها طقوس دينية- ‏تفادي البحث في الأخطاء السياسية التي وقع فيها العرب الصحابة الأوائل، وهي تعني تمجيدهم فوق كلمة الحق، وإعلاءهم عن البحث العقلي ما يثبت ‏خضوع العقل لهم – الدفاع عن تاريخ العرب بلهجة دينية مشتقة من الدفاع عن الدين) ‏

وما يؤكد إصابة هؤلاء الفقهاء بمتلازمة ستوكهولم العربية هو أن جميع الفقهاء والعلماء شرعنوا ما اقتنع به العرب وما مارسوه فعلياً، آمن به ‏الفقهاء وجعلوه ديناً للشعوب دون أن يتفقهوا في الدين الإسلامي بعقولهم الحرة، لأنهم لم يملكوا عقولاً حرة خلال هذه الحقبة وإنما كانت مكسورة ‏إرادتها جمعياً تحت سطوة العرب، غير أن الجينات الوراثية العربية لا تعرف ولا تعترف بالعلم ولا العلماء ولن تعرفها إلا إذا تحوّرت هذه البنية الوراثية ‏الجينية.. فالوحيد الذي حطم متلازمة ستوكهولم العربية هو ابن خلدون، إذ أنه لم يعتمد على الرصيد المعرفي السابق كما غيره من الفقهاء وتجاوز طريقة ‏تفكيرهم وهي طريقة تراكُم الرصيد المعرفي التي يسميها توماس كون بالطريقة العاديّة لتقدّم العِلم، وإنما اتبع طريق الثورات العلميّة التي تتمثّل في ‏اكتشافات غير تراكميّة. فتلك الثورات العلميّة تحدث عندما يتجاوز المفكر الإطار الفكري السائد بإطارٍ فكريّ جديد يمثّل ثورة علميّة ذات قطيعة مع ‏الفكر المُهيمن في عصره.. فقد استبق ابن خلدون علماء ومؤرخي المسلمين في عصره بألف عامٍ من الزمن عندما وضع أسس عِلم الاجتماع. ‏

والمشكلة الآن لم تعد عند الأئمة والفقهاء بل عند المصريين الذين يتشبثون بالثقافة العربية، ويجعلون من هوجة العرب رمزاً تاريخياً لهم وللإسلام، ‏ويجعلون تاريخ العرب تاريخ لدينهم، ويجعلون حكام العرب خلفاء للنبي، ويقحمون نظرية الحكم والسيادة عند العرب في الدين ويجعلونها أصلاً للدين ! ‏جعلوا كل ممارسات العرب المسلمين الأوائل نماذج دينية وقدوة وتشريعاً دينياً، والغريب أن الفقهاء وعلماء الدين بالإجماع أيدوا هذه الممارسات ‏الإجرامية واعتبروها ديناً للشعوب، بينما علماء الطبيعة بالإجماع رفضوا هذه الممارسات الإجرامية واعتبروها جرائم حربٍ ضد الإنسانية، ولا يمكن ‏احتساب ذلك مجرد اختلاف وتنوع في الرأي، بل إن القارئ الذكي لا بد أن يدرك الفرق بجلاء، فكيف بعلماء الطبيعة بالإجماع يرفضون هذه ‏الممارسات (الفتوحات والهجوم والقتل والذبح والسبي ونظرية الخلافة وغيرها من ملامح القومية العربية التي صارت ديناً للشعوب)، ربما ذلك لأن علماء ‏الطبيعة بطبيعة عملهم وعلمهم تكون أدواتهم هي العقل، بينما الفقهاء فالدافع عندهم ليس العقل وليس الدليل وإنما تبعية غيرهم فيما فعل وما قال.‏

ونقرأ في الويكيبيديا عن" متلازمة ستوكهولم"‏‎ ‎هي ظاهرة نفسية تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من ‏الأشكال، أو يظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المخطوف مع الخاطف، وتسمى أيضاً برابطة الأسر أو الخطف، وقد اشتهرت في العام ‏‏1973 حيث تظهر فيها الرهينة أو الأسير التعاطف والانسجام والمشاعر الإيجابية تجاه الخاطف أو الآسر، تصل لدرجة الدفاع عنه والتضامن معه. هذه ‏المشاعر تعتبر بشكل عام ميول خضوعية مازوخية غير منطقية ولا عقلانية في ضوء الخطر والمجازفة التي تتحملها الضحية، ونتيجة لبشاعة الإساءة ‏والجبروت، فإنها تفهم بالمقابل وبشكل خاطئ أن عدم الإساءة من قبل المعتدي يعتبر منة وإحساناً ورحمة، ولهذا يشعر بمشاعر إيجابية نحوه ويتضامن ‏معه. وقد سجلت ملفات الشرطة وجود متلازمة ستوكهولم لدى 8% من حالات الرهائن في جرائم الخطف. وأطلق على هذه الحالة اسم "متلازمة ‏ستوكهولم" نسبة إلى حادثة وقعت في‎ ‎ستوكهولم‎ ‎في‎ ‎السويد‎ ‎حيث سطا مجموعة من اللصوص على بنك "كريدي بانكين‎ Kreditbanken ‎‏" ‏عام‎ ‎‏1972م، واتخذوا بعضاً من موظفي‎ ‎البنك‎ ‎رهائن لمدة ستة أيام، خلال تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفياً مع الجناة، وقاموا بالدفاع عنهم بعد ‏إطلاق سراحهم‎.‎‏ ‏

وإحدى الفرضيات التي تفسر هذا السلوك، تفترض أن هذا الارتباط هو استجابة الفرد للصدمة وتحوله لضحية. فالتضامن مع المعتدي هو إحدى ‏الطرق للدفاع عن الذات بالتخلص من نزعة المقاومة حيث يحل محلها نزعة الخضوع والمازوخية، ولذلك تؤمن الضحية بنفس أفكار وقيم المعتدي. وهذا ‏ما حدث مع كافة أبناء الشعوب التي وقعت تحت الاحتلال العربي خلال فترة الفتوحات، لأن الجيوش عندما تقتحم بلداً بالطريقة الوحشية التي اقتحم ‏بها العرب البلاد حتماً ستحدث صدمة و رضة نفسية عميقة في نفوس هذه الشعوب تجعلها تفقد ثقتها بذاتها، ثقتها في حماية أوطانها، وتفقد ثقتها ‏في إعمال إرادتها واختياراتها، ومجرد فقد المواطن ثقته في حماية نفسه فهذا معناه انهيار تام للإرادة، وانعدام تام لحرية العقل وقدرته على التفكير خارج ‏الصندوق الذي وقع فيه. ‏

وما حدث في بنك "كريدي بانكين‎ ‎‏" هو هو ما حدث في نموذج فتوحات العراق، لكن بدلاً من كريدي بنك، نضع "عين التمر" باعتبارها ‏عينة عشوائية من أحداث الفتوحات، حيث يروي الإمام البخاري والطبري وابن كثير عن وقعة عين التمر، وهي الأكثر كارثية في تاريخ السعودية، بينما ‏هم افتخروا بها كما لو كان مشهداً سينمائياً، فيقول: وقصد‎ ‎خالد‎ ‎حصن عين التمر، فلما بلغ‎ ‎مهران‎ ‎هزيمة‎ ‎عقة‎ ‎وجيشه، نزل من الحصن وهرب وتركه، ‏ورجعت فل النصارى الأعراب‎ ‎إلى الحصن، فوجدوه مفتوحا فدخلوه واحتموا به، فجاء‎ ‎خالد‎ ‎فأحاط به، وحاصرهم أشد الحصار، فلما رأوا ذلك سألوه ‏الصلح، فأبى إلا أن ينزلوا على حكمه، فنزلوا على حكم‎ ‎خالد، فجُعلوا في السلاسل وتسلم الحصن، ثم أمر فضربت عنق‎ ‎عقة، ومن كان أسر معه، والذين ‏نزلوا على حكمه أيضاً أجمعين، وغنم جميع ما كان في ذلك الحصن، ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، وعليهم باب مغلق، ‏فكسره‎ ‎خالد‎ ‎وفرقهم في الأمراء وأهل الغناء، وكان فيهم‎ ‎حمران، صار إلى‎ ‎عثمان عفان‎ ‎من الخُمس، ومنهم‎ ‎سيرين والد محمد سيرين، أخذه أنس مالك، ‏وجماعة آخرون من الموالي المشاهير".‏

وذكر "الطبري" أن "خالد بن الوليد" وجد في بيعتهم أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل، عليهم باب مغلق، فكسره عنهم، وقال: ما أنتم قالوا: رهن، ‏فقسمهم في أهل البلاد‎" ‎ونجد في الموارد الأخرى، إن "خالد بن الوليد"، لما فتح حصن "عين التمر" وجد في كنيسة جماعة يتعلمون سباهم، فكان من ‏ذلك السبى: "حمران التمري"، و" سيرين" و "أبو عمرة" و "يسار" و"نصير" ... أي أنه بعد أن فتح خالد (عين التمر)‏‎ ‎قاموا بالتحفظ على عينة ‏من الأطفال وأسرهم ونقلهم إلى السعودية، وتم توزيعهم على الصحابة الأبرار خدماً وعبيداً للخدمة‎..‎‏ فأسلم منهم الأول "سيرين" وأنجب .. ‏محمد بن سيرين .. الذي أصبح فيما بعد (التابعي والإمام القدير في التفسير والفقه والحديث‎ (..‎وأسلم الثاني "يسار" وأنجب إسحاق الذي جاء من ‏نسله محمد بن اسحق بن يسار ..(صاحب كتاب المغازي الشهير.. وصاحب كتاب "السيرة" الذي دون فيه سيرة حياة الرسول من أفواه وشهادات ‏المناضلين الذين أسروا والد‎ ..‎‏) وأسلم الثالث "نصير" وأنجب موسي بن نصير .. (الفاتح الإسلامي والقائد الشهير)‏‎ ..‎وأسلم الرابع "أبو عمرة" وأنجب ‏‏(عبد الأعلى الشاعر الكبير.)‏

ولما كان الجناة الذين سطوا على بنك "كريدي بانكين‎ Kreditbanken ‎‏"، قد اتخذوا بعضاً من موظفي‎ ‎البنك‎ ‎رهائن لمدة ستة أيام، وخلال ‏تلك الفترة بدأ الرهائن يرتبطون عاطفياً مع الجناة، وقاموا بالدفاع عنهم بعد إطلاق سراحهم‎.‎‏. وهو أكثر الشبه بسطو الصحابة على "عين التمر" ‏وخطف الأطفال المعتكفين في بيت من بيوت العبادة واستعبادهم للخدمة في بيوتهم"مدى الحياة"...‏

وتبدأ قصة المتلازمة بهذه الأسماء: بريغيتا لاندبلاد، وإيليزابيث أولدغرين، وكريستين إنمارك، وسفين سافستروم، من مواطني مملكة السويد، وهي ‏أسماء أربعة من الموظفين في أحد البنوك هناك‎.‎‏ ففي الثالث والعشرين من أغسطس عام 1973، احتجز الأربعة داخل بنك "كريديت بانكن" ‏بستوكهولم من قبل مجموعة من طلقاء السجون الذين اعتادوا ممارسة مهنة السطو والإغارة‎.‎‏ وبعد ستة أيام ومع انتهاء ذلك الاحتجاز، بدا على ‏المخطوفين أنهم قد بنوا علاقة إيجابية مع هذين الخاطفين‎.‎‏. ومن هنا نشأت فكرة متلازمة ستوكهولم. حيث كان الطبيب النفسي والباحث في علم الجريمة ‏نيلز بيجيروت هو أول من صاغ هذا المصطلح، وأظهر الطبيب النفسي فرانك أوشبيرغ اهتماماً بهذه الظاهرة وقام في السبعينيات من القرن الماضي ‏بتعريف المتلازمة وتوضيحها لمكتب التحقيقات الفدرالي وجهاز الشرطة البريطانية "سكوتلاند يارد‎".‎حيث كان يعمل في ذلك الوقت على مساعدة فرقة ‏العمل الوطنية الأمريكية لمكافحة الإرهاب والفوضى في وضع استراتيجيات للتعامل مع حالات احتجاز الرهائن‎.‎‏ ‏

وتضمنت معاييره ما يلي: "في البداية، بتعرض الناس فجأة لشيء يحدث رُعبا في نفوسهم، مما يجعلهم متأكدين من أنهم مشارفون على الموت. ثم ‏يمرون بعد ذلك بمرحلة يكونون فيها كالأطفال غير قادرين على الأكل أو الكلام أو حتى الذهاب لقضاء الحاجة دون الحصول على إذن‎."‎‏ ويقول أوشبيرغ ‏أن قيام المختطف ببعض الأعمال الطيبة تجاه المخطوفين، كتقديم الطعام لهم، من شأنه أن يحفز لديهم شعورا بالامتنان "لمنحهم الحياة‎".‎‏ و"يتكون لدى ‏الرهائن شعور إيجابي قوي أصيل تجاه خاطفهم، يرفضون من خلاله أن يكون ذلك الشخص هو من عرضهم لذلك الموقف، ويتأصل لديهم شعور بأنه هو ‏الشخص الذي سيمنحهم الفرصة للعيش‎."‎

ويبقى السؤال هنا: ما الذي حدث داخل ذلك البنك وأدى إلى ظهور تلك المشاعر الإيجابية لدى المخطوفين تجاه خاطفيهم، على الرغم من ‏تعرض حياتهم للخطر؟ ففي مقابلة أجريت معها عام 2009 على قناة راديو السويد، قالت كريستين إنمارك، وهي إحدى ضحايا تلك الحادثة: "إنه ‏نوع من مجريات الأحداث التي تتعرض لها، للدرجة التي تحدث بطريقة ما تغييراً في قيمك وأخلاقياتك كلها‎."‎‏ وطبقا للتقارير الواردة، كانت إنمارك صاحبة ‏أقوى العلاقات بين الرهائن الأربعة مع محتجزيها‎.‎‏ ففي إحدى المكالمات الهاتفية التي أجرتها من داخل أحد أقبية البنك مع رئيس الوزراء آنذاك أولوف ‏بالم، كانت إنمارك تتوسل إلى هذا الأخير حتى يسمح لها بمغادرة مبنى البنك مع الخاطفين، وقد منحتهم الثقة الكاملة.‏‎.‎‏! وقد أعربت في مكالمتها ‏الهاتفية لرئيس الوزراء عن "خيبة أملها" فيه، وقالت: "أعتقد أنك لا تقوم بشيء سوى الجلوس هناك واللعب بأرواحنا. إنني أثق بكلارك وبزميله، ولا ‏أشعر بأي نوع من اليأس. هم لم يرتكبوا أي أمر سيء معنا. بل على العكس، كانوا لطيفين جداً معنا‎." ‎‏ ‏

وكان الصحفي الأمريكي دانييل لانغ قد قام بعد عام بإجراء حوار لصحيفة "ذا نيو يوركر" مع كل من حضروا تلك القصة، وكان من شأن ذلك ‏الحوار أن يسلط الضوء على معظم ما حدث وكيف كانت طريقة تفاعل الخاطفين والمخطوفين مع الأحداث‎.‎‏ وكتب معلقاً أن الرهائن كانوا يتحدثون ‏عن حسن معاملتهم من قبل خاطفهيم. بل إنهم بدوا في لحظة ما وكأنهم مدينون لخاطفيهم بحياتهم‎.‎‏ ففي إحدى المرات أثناء حادثة الاختطاف تلك، ‏سمح لإيليزابيث أولدغرين -وكان لديها رُهاب من الأماكن المغلقة- بالخروج من ذلك القبو الذي كانوا محتجزين فيه والتحرك في الخارج وهي تربط ‏شريطاً حول عنقها‎.‎‏ وقالت إنها شعرت في ذلك الوقت بأن السماح لها بالتجول يعد لطفاً من خاطفها أولسون‎.‎‏ كما أن زميلها سافستروم، وكان أحد ‏المخطوفين، قال إنه شعر بالامتنان عندما أخبره أولسون بأنه ينوي إطلاق النار عليه حتى يبين للشرطة جديته في الأمر، إلا أنه أضاف بأنه سيتأكد من ‏أنه لن يقتله إلا بعد أن يكون مخمورا تماماً. (لاحظ كان مجرد موافقة الخاطف على عدم قتل الضحية إلا بعد أن يكون مخموراً تماماً، كانت هذه الموافقة ‏تعد لطفاً من الجاني في نظر الضحية، ولم يدرك الضحية أن الحياة بحرية كاملة حقٌ أصيل له؛ لأنه فقد حرية الإرادة وصار فكره محصوراً داخل صندوق ‏الأحداث وظروفها، فهو مضطرٌ للتفكير فقط في حدود صندوق الظروف)‏‎.‎

ويعرف الغالبية من الناس اليوم مصطلح "متلازمة ستوكهولم" نتيجة لاستماعهم إلى عدد من القصص الشهيرة عن حالات الاختطاف واحتجاز ‏الرهائن، خاصة في الحالات التي كانت الرهينات والمختطفات فيها من النساء‎.‎‏ وغالبا ما يجري ربط هذا المصطلح بما حدث لباتي هيرست، وهي ابنة ‏أحد الأثرياء من كاليفورنيا، والتي كان قد اختطفها بعض المسلحين الثوريين عام 1974، لتبدي تعاطفا مع مختطفيها وتشاركهم في إحدى عمليات ‏السطو..(2). إذ أن الجناة استطاعوا إقناعها واستمالة مشاعرها حتى تقمصت عقليتهم واقتنعت تماماً بأن سلوكهم نضالي شريف وشاركتهم في ‏نشاطهم.. حتى تم القبض عليها ومحاكمتها، إلا أن محامي الدفاع عن هيرست قال إنها قد خضعت لعملية غسيل دماغ، وأنها كانت تعاني مما يعرف ‏بمتلازمة ستوكهولم، والتي اصطلح عليها مؤخرا لتفسير المشاعر غير المنطقية التي يشعر بها المختطَفون تجاه مختطِفيهم‎.‎‏. وكانت آخر تلك القصص التي ‏وصفتها التقارير الإعلامية بنفس الوصف هي حالة ناتاشا كامبوش، والتي كانت قد اختطفت وهي في العاشرة من عمرها من قبل وولف غانغ ‏بريكلوبيل واحتجزت داخل أحد الأقبية لمدة ثمانية سنوات. حيث نقل عنها أنها أجهشت بالبكاء عند سماعها خبر موت مختطِفها، وقامت بإشعال ‏شمعة حيث يرقد جسده‎.‎

فهل من المتوقع أن يخرج أطفال عين التمر للدفاع عن خالد ومجموعته الذين أسروهم وتحفظوا عليهم في بيوتهم حتى كبروا وصاروا فقهاء وعلماء ‏وحكّائين ومحدثين عظام ؟ وهل تتواتر هذه المتلازمة النفسية في جينات الأجيال بالتتابع لتنتج رهائن شعبية بذات المواصفات والملامح النفسية يدافعون ‏عن الجناة الذين أسروهم ؟ وهل تستمر هذه المتلازمة النفسية أجيال طويلة تصل إلى ألف عام أو أكثر على مستوى الشعوب؟ فقد كانت جملة هؤلاء ‏الأطفال المختطفين من كنيسة عين التمر هم نواة الحضارة العربية بكاملها، وهم نواة العلم والعلماء والشعراء والمدونين، ومنهم جاء أول عالم صاغ سيرة ‏حياة النبي محمد عليه السلام سماعاً شفاهياً من أفواه هؤلاء ودونها تحت رعايتهم وهو "ابن إسحاق"، وتبعه على ذات النهج في صياغة السيرة "ابن ‏هشام"، ثم انطلقت الحركة الفكرية والعلمية في ذات الاتجاه، وتشعبت في كافة البلاد التي دخلها العرب بذات الطريقة وتناقل هؤلاء العلماء علمهم ‏واستعاروا كتبهم من بعضهم وتشابهت أفكارهم، وجميعها يحاكي بعضه بعضاً ويحاكي الأصل الذي تم تنفيذه عملياً بحق آبائهم وأجدادهم.‏

خصوصاً أننا إذا نظرنا إلى الحضارة العربية سنجدها في حقيقتها لم تكن حضارة وإنما هوجة حضارية، فكيف تؤسس دولة على عوائد الجيش من السطو ‏والنهب والسلب وخطف النساء ! بداية من عهد الخلافة التي قيل أنها راشدة، ثم مروراً بخلافة الأمويين والعباسيين، فطريق البناء والصعود المفاجئ الذي ‏ظهرت به دولة العرب واستقرارها في دمشق ثم بغداد ثم الأندلس وتفرعها ثم انكماشها.. ما كان إلا أشبه بمجموعاتٍ من العصابات الصحراوية حاولت أن ‏تحكم مستعمرة لها، فلو نظرنا في أصل النشاط العربي ذاته سنجده قائمٌ على الإغارة، فكانوا يهجمون على بعضهم البعض ويهجمون على القبائل التجارية ‏والأدبية وقوافل الحج والعبادات وينهبونها حتى أنهم حرموا الأشهر الحرم عاماً وأحلوها عاماً كي يطعمون، وقالوا لو التزمنا بها لنهلكن من الجوع.. إذن كان ‏نشاطهم الرئيس هو الإغارة والإغارة فقط.. ولهذا شدد الله عليهم حرمة القتل في الأشهر الحرم وضاعف فيها العقاب حتى يوفر الأمن والأمان للقبائل ‏والقوافل التجارية والأبية وقوافل الحجاج القادمة والعابرة، ولهذا فرض الأشهر الحرم.. ولو نظرنا للحضارة العربية خلال 500 سنة من تاريخ قيامها في عهد ‏الخلافة وحتى سقوطها، سنجدها نموذج مُكبر من هذه الإغارات، أي إغارة حضارية كُبرى بحجم 500 إغارة موسمية من تلك التي كانوا يباشرونها قبل ‏الإسلام، فطبيعة الإغارة أنها تتخذ محطات مختلفة في الطريق لتعيد حساباتها كل فترة وتراقب الطرق والحركة ومراكز القوى ولا تستقر في مكان واحد.. وهكذا ‏كانت حضارة العرب لها محطات مختلفة ما بين المدينة ومكة ثم الكوفة بالعراق ثم دمشق بالشام ثم بغداد بالعراق ومحطة أخرى منعزلة في قرطبة بالأندلس، ثم ‏تنازع حكام الأندلس وشكلوا عصابات مستقلة، وصارت لكل عصابة محطة مستقلة تنازعوا فيما بينهم.. ثم في النهاية ما نهبه بني العباس في 400 سنة أخذه ‏هولاكو في ليلة.. فالحضارة العربية كما سنرى في الإضاءة القادمة كانت أشبه بهجمة كريدي بنك لكنها لم تتوقف عند حدود الستة أيام بل استمرت أكثر ‏من ذلك، وتركت آثاراً مشابهة لها.‏

إذ أننا عندما نتصفح مواقع التواصل الاجتماعي نجد عينة من أبناء العراق اليوم الأستاذ عمر الشيخ حامد عمر‎ ‎‏(3) من سكان العاصمة ‏العراقية بغداد يترحم على سيده خالد ابن الوليد ويقول : ((ماذا لو أن خالد بن الوليد فجر كنيسة (عين التمـــر) بمن فيها ؟؟‎!!‎‏ فكان هناك كنيسة ‏اسمها عين التمر بالعراق كان بها 3 غلمان بها لدراسة الإنجيل ونشر المسيحية فى أرض العراق وجزيرة العرب وأسماؤهم سيرين ، يســــار ، نصــير .. فلما ‏فتح خالد بن الوليد عين التمـــر‎ ‎تعرفوا على الإسلام‎ ‎، فاسلم الأول وأنجب محمد بن سيرين من أئمة التابعين فى الحديث والفقه وحتى تفسير الرؤى، وأسلم ‏الثاني وأنجب إسحاق أبو محمد بن اسحق بن يسار صاحب كتاب السير والمغازى المعروف باسم (سيرة بن إسحاق) وأسلم الثالث وأنجب مــــوسى بن ‏نصير فاتح الأندلس وشمال أفريقيا‎ .‎‏ هذا هو نتاج الإسلام الذي فهمه خالد والصحابة الكرام‎ ‎ولم تســـتطع أن تفهمه داعــــش‎ .‎‏ فماذا لو أن خالدا فهم ‏كما فهمت داعش ودمر الكنيسة بمن فيها ؟‎!‎‏ )) أي أن الأستاذ عمر الشيخ حامد عمر كنموذج من أبناء العراق ينتقد تصرفات داعش الإرهابي لأنهم ‏يقومون بتفجير الكنائس، وكان عليهم أن يفعلوا ما فعله خالد ابن الوليد بأن يقوموا بخطف الأطفال فقط دون تفجير الكنيسة !!.. على اعتبار أن ‏جدران الكنيسة أغلى وأسمى قيمة من الإنسانية أو أكثر قدسية من براءة الأطفال ! نعتقد بشدة أن هذه هي آثار متلازمة ستوكهولم في صيغتها العربية ‏الشعبوية، لأن تماثل الأحداث والظروف والأسباب من شأنه توحيد النتائج .. فلا غرابة أن يتحدث هؤلاء العلماء والفقهاء الثكالى المغبونين باسم ‏الخاطفين ونيابة عنهم ويتقمصوا عقليتهم.‏

بدليل أننا نحن المصريين نتقمص عقلية العرب كما العراقيين سواءً بسواء، فحينما نتحدث عن وطننا مصر بداية من عصر الاحتلال الروماني ‏لمصر، جميع الكتب والمراجع التاريخية تتحدث عن المصريين بلسان الحاضر وتتحدث عن الرومان بلسان الغائب أو الأجنبي الداخل على أهل البيت.. ‏المتحدث يصف نفسه وأهله وبلده وأحواله بلسانه ولا يتحدث عن روما مثلاً... بينما عندما ننتقل إلى قترة الحكم العربي في مصر تجد كتب التاريخ ‏تتحدث بلسان العرب وتتحدث عن مصر بلسان الغائب، وكأننا حدث لدينا انفصام في الشخصية نتيجة الصدمة وتقمصنا العقلية العربية وصرنا ‏نتحدث عن أنفسنا بصيغة الغائب، كما يقول أحدنا ( عرض عمرو ابن العاص على عمر أن يفتح مصر ويضمها لحكم المدينة، فتوجه عمر من الشام إلى مصر، ‏وعبر حدودها الشرقية ثم دخل العريش ثم ذهب إلى الفرما، وكان أهل مصر أقباط ولم يتعرضوا له، تقدم عمرو إلى حصن بابليون واستمر في حملاته على الحصن ستة ‏أشهر حتى جاءه المدد من الشام، ثم تمكن من كسر الحصن وذهب إلى الإسكندرية ففتحها، وعاد إلى القاهرة واستقر بالفسطاط، وأرسل إلى عمر بالبشرى والخمس ‏والغنائم إلى الخليفة يبشره بفتح مصر، ثم أصدر عمر ابن الخطاب أمراً لعمرو أن يجمع الجزية من الأقباط ويرسلها إليه، وكان عمرو العاص حازماً في معاملته مع الأقباط ‏أهل مصر، وكان يجمع منهم الجزية 12 ألف دينار كل عام خراج ووضع للمصريين نظام .... ثم عزله عثمان وعين بدلاً منه عبد الله ابن سعد أبي السرح حاكماً ‏على مصر .. إلخ). ‏

في هذه الفقرة التي وردت في كل كتب المدارس والجامعات المصرية عند تحليل لغة الخطاب فيها نجد أن المتحدث عربي وليس هناك أي شخص ‏مصري ظهر في الصورة، وأن عدسة الرصد تقف خارج مصر وتحديداً تقف في شبه جزيرة العرب، وترصد حركة العرب الداخلين إلى الشام والعراق ومصر ‏ولا ترصد حركة المصريين أنفسهم بالداخل، فهو يتحدث عن الأقباط بلغة الغائب، ثم بعدما انتشر الإسلام وأصبح هؤلاء الأقباط مسلمين استمروا في ‏الحديث عن أنفسهم بضمير الغائب ! ، فالمتحدث في هذه الفقرة ليس واحداً من الأقباط أهل مصر، وإنما من خارجها، ومصر ورد ذكرها بضمير ‏الغائب، بينما ضمير الحاضر انحصر فقط على المتحدث والذي يتضح من كلامه أنه عربي من قبائل شبه الجزيرة أو كان مساعداً للخليفة وليس من أبناء ‏مصر .. والغريب أن هذا الكلام يدرسه المصريين أنفسهم اليوم في مدارسهم وجامعاتهم بذات الصياغة وكأنهم يتحدثون أن أنفسهم بضمير الغائب !! ‏إنما لو تحدث أحد من المصريين فمن الطبيعي أن يقول (جاء عمرو إلى مصر ولن يقول ذهب إلى مصر بالطبع)، لأن ذهب إلى مصر معناها أن ‏المتحدث ليس مصرياً ويتحدث من خارج مصر وليس من داخلها.. هذا ما يؤكد إصابة العقل الجمعي المصري بمتلازمة ستوكهولم التي جعلته في حالة ‏فصام عقلي يتقمص شخصية الغير في الحديث عن نفسه، ويتقمص الشخصية والعقلية العربية عندما يتحدث عن نفسه.. هذا الفصام العقلي يؤدي ‏إلى انعكاس المفاهيم الوطنية في العقل الجمعي، كما حدث وأن قام العرب عمدياً بأن عكسوا المفاهيم الدينية، فمعارك النبي كانت دفاعية أسموها ‏غزوات، مع أن الغزو لغوياً وفعلياً وتاريخياً يعني حرب هجومية..إلخ. وأما غزوات الصحابة التي كانت هجومية أسموها فتوحات ! وكأنهم أعظم وأكثر نُبلاً ‏من نبي الإسلام ! إنما المصريين نتيجة حالة الاضمحلال الحضاري وانسلاب الإرادة قلبوا المفاهيم الوطنية إلى عكسها دون وعي... لكنني ولله الحمد قد ‏شُفيت من متلازمة استوكهولم العربية وأدركت معنى الوعي الوطني والثقة الذاتية بالوطن... " وها أنا ذا أقول بكل ثقة وبملء فيهي ؛ من العار أن يجلس ‏بدوي مثل ابن العاص على عرش جلالة الملك سقنن رع ". ‏

وهناك دليل آخر على هذا الفصام العقلي الذي يقلب المشاعر ذاتها في العقل الجمعي وليس المفاهيم الوطنية فقط، فلدينا في مصر فئة السلفية، ‏وهم مصريون من أبناء مصر أباً عن جد، لكنهم ينفرون من تاريخ الفراعنة وحضارتهم ويشعرون بحميمية الانتماء للعرب وقوميتهم، برغم أننا لو بحثنا في ‏أصولهم وجذورهم الوراثية سنجدهم أحفاد الفراعنة وما زالوا يحملون جيناتهم الوراثية، فهل انقلب الأبناء على الآباء لمجرد أنهم عرفوا الله ؟ هل انقلب ‏سيدنا إبراهيم على أباه لمجرد أنه عرف الله ؟ هل مجرد أن الابن عرف الله وعرف الإسلام أن يعادي أباه ونفر منه؟ وهل هذه مبادئ وتعاليم الإسلام ؟ ‏بالطبع لا ولكن لأن الشعب هو كائن اجتماعي يشعر بذات المشاعر التي يمر بها الإنسان الفرد، فعلينا النظر إلى الشعب المصري كإنسان فرد واحد، ‏وأنه يمر بمراحل عمرية مختلفة، ما بين الطفولة والمراهقة والشباب..إلخ. وقد تحدث قطيعة بين الابن والأب فينقلب الابن معادياً أباه معتقداً أنه عدو له.. ‏ثم بمرور الوقت يعود الابن لرشده رغم احتفاظ كل منهم بقناعاته الدينية، فالدين ليس سبباً للقطيعة الأسرية.. وليس من الممكن للابن المتنكر لأصله أن ‏ينجح في حياته، بل تظل لديه عقدة نفسية من أصله ومنشأه.. ولن ينجح إلا إذا كان متسامحاً مع ماضيه، متسامحاً مع أصله ونسبه ومنشأه.‏

وليس الأمر بالنسبة للسلفية مجرد اندماج للشعب المصري في الشعب العربي؛ لأن السلفية لم يكتفوا بهذا الاندماج ولكن تنكروا لأصولهم ‏وأجدادهم وانتموا كلياً للقومية العربية، حتى أننا وجدنا رمزاً من رموز السلفية عقب ثورة 25 يناير د. عبد المنعم الشحات وكان مرشحاً لعضوية البرلمان ‏يضف الحضارة المصرية بأنها حضارة "عفنة" وآخرين سلفيين حرضوا على هدم آثار الحضارة المصرية، وتنكروا لها ورفضوا الاعتراف بأصولهم. فمجرد ‏الاندماج القومي قد يعني المساواة في لانتماء بين الفراعنة والعرب، إنما الأمر بالنسبة للسلفية ليس اندماج ولكن تنكر وتملص من طرف وتشبث ‏بطرف.. وكل ذلك بحجة أن أجدادنا الفراعنة لم يكونوا مسلمين ! فهل كان أجداد العرب مسلمين؟ وهل تنكر العرب لأصولهم وقبائلهم وأنسابهم ‏بعدما عرفوا الإسلام؟ أم استمروا في حفظ أنسابهم وأصولهم وألقابهم ؟ وهل يسمح لنا أي عربي بأن نسب أصله وقبيلته وقوميته؟ بل إن النبي ذاته لم ‏يتنكر لأمه برغم أنها لم تكن مسلمة ولم يتنكر لأبيه وأعمامه برغم أنهم لم يكونوا مسلمين، لأن النبي لم يكن يعاني من فصام في الشخصية كما يعانيه ‏السلفيين الذين تنكروا لأصولهم وقوميتهم.. فالإنسان المتزن نفسياً يسعي دائماً للتستر علي عيوب أجداده وأصوله ويبرز محاسنهم لا أن يفضحهم ‏ويتجاهل حضارتهم وإنجازاتهم التي حيرت العالم ويركز فقط على إبراز العيوب والنقائص كما يفعل السلفية في مصر. إذن المسألة ليست فقط انقلاب ‏للمفاهيم الوطنية بأن يتحدث المصريون عن أنفسهم بضمير الغائب خلال حقبة وجود العرب، ولكن أن يتنكر بعض المصريون لأصولهم وينتمون ‏بحميمية للقومية العربية ويشعرون بالحنين الوطني تجاهها وينفرون من وطنهم وأصولهم. ‏

ولا يغرنا القول بأن متلازمة ستوكهولم تصيب الأفراد المذعورين فقط الواقعين تحت سطوة الاختطاف أو الاحتجاز كرهائن أو التهديد والقمع من ‏قبل غيرهم. فمتلازمة ستوكهولم تحدث على المستوى الفردي (مجموعة أشخاص تعرضوا للاختطاف معاً وأصيبوا بذات الأعراض النفسية) فهل ممكن أن ‏يصاب بها مجتمع بأكمله بذات الأعراض إذا تعرض المجتمع بكامله لذات الظروف وعلى مدار حقبٍ زمنية؟ فإذا كانت متلازمة ستوكهولم فردية من ‏حيث الأطراف (المعتدي والمعتدي عليه الرهينة)، فإنها جماعية من حيث الاحتلال (الجيوش المعتدية والشعوب المتعدى عليها). فهذا ما يعتبر مدخلاً ‏للتعميم بالنسبة لكل من تعرضوا لذات الظروف.. وقد جاء ارتباط علم النفس بالعلوم البوليسية ليكشف لنا عن متلازمة ستوكهولم التي تصيب الأشخاص ‏المحتجزين كرهائن بنسبة 8% منهم يعانون ذات الأعراض، وينقلبون على أنفسهم أو كأنهم يعادون أنفسهم ويؤمنون بأفكار المعتدي عليهم ويتعاطفون ‏معه ويتضامنون معه ويدافعون عنه لفترة نتيجة الصدمة النفسية التي تعرضوا لها، ويأتي هذا التعاطف والتضامن مع الجناة بسبب فضلهم في منح الضحية ‏والمنّ عليه بــ" سر الحياة" كأن يعطيه شربة ماء أو وجبة تنعشه من الموت جوعاً وعطشاً في ظل ظروف الارتهان القهري هذا.. فمن شأن الدراسات ‏الاجتماعية وعلم الاجتماع أن يكمل علم النفس، فإذا كان علم النفس يرتكز محوره على دراسة الأشخاص كأفراد، فإن علم الاجتماع يرتكز على دراسة ‏المجتمعات باعتبار المجتمع "كائن بشري" واحد وليس حبات خرز متناثرة بعيداً عن بعضها. فيتمكن علم الاجتماع من وضع نظرية التعميم إذا تطرق إلى ‏الشعوب ووضعيتها وظروفها النفسية الجمعية (التي يشترك فيها جميع الأفراد أو أغلبهم) تحت الاحتلال ليخرج بنتائج تفسر لنا متلازمة الاحتلال؛ فليس ‏ببعيد أثر الجيوش وقوات الاحتلال والاستعمار على الشعوب ذاتها بالعقلية الجمعية، فهي تمارس ذات الفعل على الشعب، وتحتكر حركته وتتحفظ عليه ‏وعلى أملاكه وتكسر إرادته وتتصرف فيه كيفما شاءت، فمن الطبيعي أن يصاب أبناء هذه الشعوب بمتلازمة الاحتلال، خاصة إذا استمر هذا الاحتلال ‏حقبة زمنية طويلة مع التأكيد على فاعلية " سر الحياة " .. وبالتالي فإن صياغة مصطلح "متلازمة ستوكهولم " في نطاق علم النفس، يقابله تكميلاً ‏وتتميماً مصطلح " متلازمة الاحتلال" في علم الاجتماع. لأن علم النفس يتناول الحالات الفردية وعلم الاجتماع يتناول الحالات الجماعية.‏

وللمرة الثانية يتحفنا ابن خلدون بعبقرية الفذة في تحليل العقل الجمعي للشعوب المقهورة "متلازمة الاحتلال" في صياغتها الخلدونية، فيقول؛ " ‏في أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده: والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد ‏الكمال في مَن غلبها وانقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو ‏لكمال الغالب. فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقادًا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء. ولذلك ترى ‏المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله، حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ‏ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير "‏‎.‎‏ انتهى

وما يصفه ابن خلدون هنا هو الصيغة المُعظَّمة من متلازمة ستوكهولم، فهو يصف حال المقهور بعد استسلامه، ولا يمكن لعلماء الأزهر أن يدركوا ‏ذلك طالما أنهم ما زالوا في ظروف الاستسلام هذه، لأن الضحية الرهينة لا يدرك تناقض مشاعره وأفكاره إلا بعد تحسن أوضاعه النفسية، وحصوله على ‏قسط من الهدوء والاعتدال والاتزان النفسي. وبطبيعة الحال لم يكن ابن خلدون يقرض شعراً من وحي خياله كما العرب وإنما غاص في أعماق نفسه ‏ومجتمعه وعقله الجمعي الذي خضع للاحتلال العربي، فلم تكن هناك في عصر ابن خلدون تجربة جمعية يمكن أن يستقي منها نظريته سوى ما عاصره ‏شعبه وشعوب جواره تحت ظروف الاحتلال العربي، وما تحدث عنه ابن خلدون هو النموذج الشعبي المعظَّم من متلازمة ستوكهولم، حيث تتطابق الظروف ‏والمسببات والنتائج. فما بالنا إذا خضع شعب للاحتلال العربي مئات السنوات متواصلة، وهذا الاحتلال مقترنٌ بالقمع السياسي والعسكري والأمني ‏والاقتصادي والفكري. ‏

وأذكر مثالاً بسيطاً على ما ذكره ابن خلدون من عادات وشهوة الشعوب المغلوبة في تقليد الغالب المنتصر السائد المسيطر، فما زالت هذه ‏الملامح سارية في عصرنا، وأولها أننا مازلنا نعتبر من احتل وطننا بطلاً، ونتشبث بمسمياتهم وألقابهم، لدرجة أن السلفيين في مصر وهم الموالي الأكثر ولاءً ‏للعرب، عندما يبرز اسم شيخ سلفي فيختارون له اسماً أعرابياً من الأسماء السائدة في شبه الجزيرة، ويا حبذا لو كان من جيل الأوائل الذي احتلوا وطننا، ‏وفي أضعف الأحوال، ومتلازمات العرب هي "أبو" و"ابن " فمثال" أبو إسحاق الحويني" وحازم صلاح أبو إسماعيل، وأحياناً يضعون لاسمه متلازمة "بن" ‏فيصير كما العرب، مثال" الشيخ السلفي محمد إسماعيل المقدم، زعيم السلفية بالإسكندرية، يصبح اسمه " محمد بن إسماعيل المقدم" كما عادة العرب أن ‏يتفاخروا بالأنساب والأصول العرقية فيضعون قبل كل اسم متلازمة "بن " مثل عمرو بن العاص، وعقبة بن نافع..إلخ.. وكأنها علامة الشرف وبرغم أن ‏السلفية في مصر لا يعرفون المغزى من هذه المتلازمة ولا صلة لها بالدين إطلاقاً سوى كونها من بقايا العرب في مصر، لكنها دليل على ما يقوله ابن ‏خلدون من شهوة المغلوب المركوب في التشبه بالغالب.. وكذلك أفتى الشافعي بأن الخليفة لا بد أن يكون قرشي الأصل.. فالعقل في هذه الحالة يفقد ‏إرادته ويفقد بوصلته الحرة ويعتبر القوة هي الحق، وأن المنتصر هو صاحب الحق، وتجعله يتضامن مع المنتصر ضد الضعيف المهزوم بل ويحمّله الذنب.. ‏كما كثير من الناس اعتادوا أن يحملوا الضحية المسؤولية عما يحدث له ويلقون عليه باللوم، وهذه ظاهرة رصدها علم النفس حديثاً.. فنحن بهذه الجريمة ‏نشارك العرب في الإجرام ضد وطننا باسم الدين.‏.. (انتهى المقال السادس بتصرف من كتابنا؛ غُبار الاحتلال العربي)

الهوامش؛
‏ 1- المصدر : كتاب مقدمة ابن خلدون - طبعة دار القلم (بيروت -لبنان ) - الطبعة السادسة 1986‏
‎2‎‏ - رابط الموضوع: ‏http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2013/08/130825_stockholm_syndrome‏ ‏
‎3‎‏ - رابط : ‏https://www.facebook.com/profile.php?id=100010554378800&fref=ufi&rc=p





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,387,761,470
- غبار الاحتلال العربي (5)
- غبار الاحتلال العربي (4)
- غبار الاحتلال العربي (3)
- غبار الاحتلال العربي (2)
- غبار الاحتلال العربي (1)


المزيد.....




- قيادي في -الحرية والتغيير-: هذه التهمة كافية للحكم بإعدام ال ...
- إيران تعلن اعتقال عملاء للمخابرات الأمريكية وتفكيك شبكة تجسس ...
- بسبب كأس الأمم الأفريقية.. ارتباك وتكدس في قضايا المعتقلين ب ...
- شاهد.. مشجعة مصرية من ذوي الاحتياجات الخاصة تبكي بعد مصافحته ...
- ماليزيا تدعو جميع الأطراف في السودان للتهدئة وتجنب العنف واح ...
- إيلي الفرزلي: لبنان يراهن على المبادرة الروسية لإعادة النازح ...
- تركيا.. قتلى بغرق زورق للمهاجرين
- الأمم المتحدة ترحب بمبادرة السراج لحل الأزمة الليبية
- جمهورية أفريقيا الوسطى: اعتقال وضرب صحفيين لوكالة الأنباء ال ...
- شاهد: اقتياد البشير إلى نيابة مكافحة الفساد في أول ظهور له م ...


المزيد.....

- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد مبروك أبو زيد - غبار الاحتلال العربي (6)