أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبير خالد يحيي - التشخيص والأنسنة تجربة رائدة في عالم الفانتازيا السردية _ دراسة ذرائعية للمجموعة القصصية ( حياة مؤجلة) للأديب المصري د. شريف عابدين تقدمها الناقدة الذرائعية السورية د. عبير خالد يحيي















المزيد.....



التشخيص والأنسنة تجربة رائدة في عالم الفانتازيا السردية _ دراسة ذرائعية للمجموعة القصصية ( حياة مؤجلة) للأديب المصري د. شريف عابدين تقدمها الناقدة الذرائعية السورية د. عبير خالد يحيي


عبير خالد يحيي

الحوار المتمدن-العدد: 6230 - 2019 / 5 / 15 - 05:56
المحور: الادب والفن
    


التشخيص والأنسنة تجربة رائدة في عالم الفانتازيا السردية دراسة نقدية بالآلية الذرائعية للمجموعة القصصية
(حياة مؤجلة) للأديب المصري د. شريف عابدين
تقدّمها الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

أولًا- المقدمة:

تفتقر اللغات الأجنبية إلى الكثير من العلوم اللغوية والبلاغية, التي لا نجدها إلّا في اللغة العربية, حيث تقتصر تلك اللغات في البلاغة على (علم البيان), وأكثر أركانه المستخدمة فيها : التشبيهات والاختلافات والاستعارات والتشخيص, وهذا بائن بشكل ملفت للنظر في اللغة الانكليزية التي كتب فيها أشهر الشعراء والأدباء العالميين مثل (بيرسي بيش شيلي) و( جون ميلتون ) و ( جون كيدز) و ( ويليام شيكسبير).
بينما ترفل اللغة العربية بكل علوم البلاغة, من علم البيان وعلم المعاني وعلم البديع, وهذا الأخير -علم البديع ( الطباق والجناس و ...) غير موجود في اللغات الأخرى, يأتون به- بالاستعاضة- عبر التشابه والاختلاف.
ويعتبر التشخيص من أكثر علوم البيان التي استخدمت في الأدب العالمي في القرن السابع عشر وما تلاه, لكنه استخدم قبل ذلك بكثير في الأدب العربي, في الكثير من المعلّقات في عصر ما قبل الإسلام, ونجده في النص القرآني في الكثير من الآيات الكريمة, وسنعرض لهذا العلم تحديدًا, لأن المجموعة القصصية التي نحن بصدد دراستها موسومة به كثيرًا.

إغناء استهلالي:

التشخيص: من أنواع البلاغة وهو إعطاء غير العاقل صفة العاقل.

قال صاحب الظلال : " والتشخيص – ونعني به خلع الحياة وتجسيمها على ما ليس من شأنه الحياة المجسّمة من الأشياء والمعاني والحالات النفسية- فن في القرآن, يرتفع بالصور وبالمشاهد التي يعرضها إلى حد الإعجاز بما يبثّ فيها من عنصر الحياة ". و قد جعل الآيتين المسؤول عنهما من هذا القبيل في كتابه التصوير الفني في القرآن في قوله تعالى : ( ولمّا سكت عن موسى الغضب), تشخيص الغضب كأنه إنسان يقول ويسكت .
وقوله تعالى: ( فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه), الجدار بنية جامدة كالجلمود, ولكنه في تعبير القرآن يحس ويريد... بالإضافة إلى الكثير من الآيات الكريمة الأخرى.
أمّا التشخيص في مفهومه الدارج فيعني: إعطاء خاصية متعلقة بالكائنات الحية من إنسان وغيره للجماد, على اعتبار تعريف التشخيص لغةً كما جاء في لسان العرب : الشخص سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد . والشخص كلّ جسم له ارتفاع وظهور.
والأنسنة لغة مأخوذة من لفظة إنسان . يقول ابن منظور : الإنس, الإنسان, وهو معروف ويُجمع على ناس. وتعني إضفاء بعض الصفات الخاصة بالإنسان على بعض العوالم المطلقة أو المجرّدة, مثل الأخلاق والشمائل. وهي تختلف عن (الإنسانوية) التي هي مفهوم فلسفي ترتكز على الإنسان كمحور لتفسير الكون بأسره" .
وإلى هذا المعنى بالذات (مصطلح الأنسنة) -والذي يعتبر وجهًا مخصّصًا جدًا من التشخيص- تنتمي قصص هذه المجموعة بالمجمل.

ثانيًا – البؤرة الثابتة Static Core :
دعوة أو رغبة بانفلات النفس من عقالها, ومن كل سجن أو قيد يكبّلها و يجعلها ترزح تحت وطأة الهمّ المجتمعي الكبير, ويغوص بها في أوحال الألم الداخلي للروح التي كثرت جراحاتها, ولا تجد مفرًّا للخلاص إلّا عبر مسلك واحد يخفّف عنها سخونة الوجع و لهيب اليأس, الحلم, التحليق, التخييل, وتدفق سيل الخاطر متجاوزًا ساحة الوعي إلى آفاق واسعة مخدِّرة, تتنسّم فيها نسمات ارتقاء روحي, قد تكون زادًا خفيفًا يسدّ رمقها عندما تعود لكتلتها المادية الآسرة, وتخضع لقانون الجاذبية الأرضية الذي يحكم كلّ الكتل التي تعيش فوق سطح الأرض. لم يغفل الكاتب التناصف الإنساني في هذا الحقل بين ذكر وأنثى, في حيّز زمكاني شديد المفارقة هو الحياة والموت والبرزخ القائم بينهما ...

الاحتمالات الديناميكية المتحركة Dynamic Possibilities
سأعرض لها بالترتيب من خلال المداخل التالية :
1-المدخل البصري External Trend:
الغلاف لوحة تعبيرية كأنها مرفق للبؤرة الثابتة التي حدّدناها سابقًا, حيث سواد الواقع من مبان شاهقة تحتل أسفل الغلاف بلا نوافذ ولا شرفات, فقط كتل قاتمة متدرجة الارتفاع تتشاهق باتجاه السماء, وسلّم خشبي يصل بين سطح إحدى هذه المباني وبين غيمة ماطرة باطنها مرج أخضر يمرّ فيه نهر أزرق, تتسامق عليه أشجار مورقة وشمس يستدفئ منها رجل وامرأة يتأمّلان ما ذُكر...
أعلى الغيمة عنوان ( حياة مؤجلة) باللون الصفر وسط لون ليلكي, كلون السماء عند بزوغ الفجر. على الجانب الأيمن من الغلاف وفي الثلث السفلي جنّس الكاتب مؤلَّفه ب ( قصص) باللون الأصفر, يخترق سواد المباني بياض اسم المؤلف ( د. شريف عابدين).
الغلاف الخلفي كلمة بحقّ العمل, كتبها أستاذ البلاغة والنقد الأدبي : د. محمد عبد الحميد خليفة.
مؤلَّف ورقي مطبوع من 255 صفحة, وهو بالحقيقة عبارة عن ثلاث مجموعات قصصية, مجموعها 40 قصة قصيرة, المجموعة الأولى ( ظلال الهمس) : 13 قصة تبدأ ب ( ريتا) وتنتهي ب( نقطة تقاطع), المجموعة الثانية ( أحمر شفاه): 12 قصة تبدأ ب(مؤاخذة جحش) وتنتهي ب( حياة مؤجلة) وهو العنوان الذي اختاره الكاتب لهذا العمل, المجموعة الثالثة ( جدوى العشق) : 15 قصة تبدأ ب(ارتقاء) وتنتهي ب(أرسطيات) وهذه الأخيرة عبارة عن مجموعة قصص مكثفة.
نصوص راعى فيها الكاتبة الشكل البصري للقصة القصيرة, ترتيب العنوان والسطور والجمل والفقرات, واستخدمت أدوات التنقيط, النقطة والفارزة وعلامات التعجب والاستفهام, بإدراك كبير لاعتبار كل علامة دلالة إيحائية تخدمه في إيصال كل الإشارات والإيحاءات المشهدية والصوتية إلى ذهن المتلقي ليقوم بتحليلها كمواد أولية لاستخدام ملكة التخييل عنده.
وهي قصص وجدانية, محورها النفس الإنسانية, مكثّفة بالرمز والإيحاء والتضمين, والفانتازيا الموجّهة, تدخل تحت نظرية الفن للمجتمع.

البناء الفني :
• العنوان
( حياة مؤجلة ): اختاره الكاتب من إحدى قصص المجموعة كدلالة تؤكد الرسالة الوجدانية التي أراد تضمينها في قصصه, فالحياة ليست التي نحياها بمرارتها و إنّما تلك التي تتوق النفس إليها, وهي مؤجلة بحكم الزمن.

• الاستهلال أو البداية والزمكانية:

البدايات في كل القصص شديدة التنوّع, تستلّ من الطبيعة صورها, والتي جاءت نموذجًا فريدًا في فنّ التشويق بعرض المكان, وكأن الكاتب يكتب سيناريو لمسلسل أو فيلم من أفلام ( الأكشن), الكاميرا تجوب المكان على لسان السارد - والذي هو بالغالب الشخصية المحورية- بصوته فقط دون أن تظهر صورته, المكان هو من يعرّف بهذه الشخصية, وسأعرض قصة ( ريتا ) نموذجًا :
( لا أرتاد سطح العمارة .. ولا أهبط إلى البهو الخلفي, أو ردهة بئر السلّم ماذا يجب على أن أفعل؟ لا حجّة لك بعد الآن ريتا.... أنا كائن جبلي .. لم أعتد التسكّع خلال تلك القنوات .. مجرى الماء ماورائيات بالنسبة لنا! اعتدنا الرمال والجفاف.. تعلمين ؟ أتحمّل جفاءك لأنني سليل تلك البيئة الصحراوية..... لولا هذه الأرضيات المكسوة بالسيراميك لحفرت لي جحرًا.....
بدلالة المكان عرفنا أن الشخصية المحورية فأر صحراء!
في قصة ( شيتوفيليا), لنلاحظ الصورة الوصفية الدقيقة التي بدأ بها الكاتب الفذ القصة: ( تمتد جذوري كالحبل السري إلى أمي الأرض, أنعم في حضنها بالاستقرار.....) نلاحظ أن الشخصية أيضًا عرّفت عن نفسها بدءًا من مكانها, بيئتها, وكيف أتى الكاتب بكل الألفاظ ( جذوري, الأرض, استقرار) كدلالات على المدلول ( الأرض) لندرك ماهيّة الشخصية الساردة قبل أن نتعرّف عليها بالتصريح( ..., أنا زهرة الصبّار, أنا رحم الأشواك, أقبع في هذه البقعة الجافة....)
أمّا عن الزمان فلم يكن محدّدًا في كل بدايات القصص, لكنه لم يكن مغفلًا أبدًا فيما تلا البداية ولا في أي قصة من القصص, حيث كان عنصرًا فنيًّا لا يبتعد عن بقية عناصر البناء الفني, إلّا في بعض القصص المكثّفة حيث الزمن فيها ومضة طارئة لا تنتظر تأريخ...
وظّف الزمن بحنكة, حسب مقتضى الحال, فتارة كان بالبداية باستهلال القصة كما في ( متلازمة اليوم التالي) : ( على غير عادتها..أمطرتني هذا الصباح أيضًا ....), كذلك في قصة ( فرط الرمان, يوم طويل في ذلك الشهر, أومتعاقبًا كما في (أحمر شفاه), وأحيانًا متسلسلًا بتتالي الأحداث كما في ( مؤاخذة الجحش بقضم الجزرة), وأخرى يكون الزمن هو العنصر الرئيسي في كل البناء الفني, حيث كان هو البطل في قصة ( 309 - خسته خانه) عندما كانت أحداث القصة في فضاء سبات والواقع, وهي قصة تدور في فلك ( تكسير الزمن), وهنا دخول في عالم البعد رابع( الزمن) وربما العالم الخامس(البرزخ) إن جاز لنا أن نصنّف هذا العالم في ترقيم, حيث كان زمن الواقع ساعة و تسع دقائق من فقدان الوعي, عاشها البطل في العالم البرزخي خمس ساعات, رحلة عبر الزمن, يظهر فيها التقويم صورة الوالي العثماني والعام الهجري 1127 ليوم الأربعاء التاسع عشر من شوال, رأى فيها أحداثًا امتدت على فترة زمنية تعادل حوالي 300 سنة, أو حوالي 300 دقيقة بالواقع المدرك معروضة على خمس شاشات عرض في نفس الوقت, وال9 دقائق الأخرى استغرقتها رحلة العودة, إن ربطناها بمدلول رقمي معروف لوجدناها فترة توازي فترة نوم وسبات أهل الكهف!
هناك قصص بدأت وصفية, اقتنص الكاتب من الطبيعة أجمل ما فيها وأسقطها على علاقة إنسانية حميمية ..( خروج من المولد) أنموذجًا, جمل إنشائية متتالية وكأنها استرسال لا يريده الكاتب أن ينتهي إلا بالنهاية المفارقة ( الكائنات تبتهج حين تقتبس شعاعًا من ضياك.. أمّا أنا فقد غنمت شمسك .. ما أسعدني بك!), وأحيانًا بداية تصف حالة وجدانية ومعالم خارجية للشخصية مباشرة, كما في ( ضمادة الطين) : (.... ملابس ممزقة تكسو جسده النحيل....)
هناك قصص بدأت واقعية, بجمل فعلية, كسر الكاتب شكلها الاعتيادي بالتصريح بأسماء الشخصيات بطريقة غرائبية تهكمية, كما في قصة (صرخة أنثى), ( عديلة وعدينة), ومن الأولى نأخذ الشاهد: ( سارت "مي" برفقة "ميمون", التفت حولهما الحيوانات في الشارع تحاول التحرّش بها ....).
وهناك قصص بدأت بالقول أو الحوار, كما في ( حياة مؤجلة ), والحوار من أهم التقنيات المستخدمة في التشويق: - تحققت نبوءتك.....

• الصراع الدرامي:
اعتدنا أن يكون الصراع الدرامي في العمل الأدبي بالمجمل صراع بين الخير والشر, يمثّلها شخصيات يستقيها الكاتب من المجتمع, يرصد سلوكها الإنساني في كفاحها اليومي للانتصار لمعتقدها أو لنفسها وترسيخ كينونتها...
ولكن دوكتر شريف عابدين لم يجعل هذا الصراع كما هو مألوف, ولم يهتم كثيرًا برصده من الخارج, وإنما قام برصده ومتابعته من داخل النفس الإنسانية, وبطريقة عجائبية, حيث كانت الشخصيات المنوط بها التصارع شخصيات ليست بشرية, تارة حيوانات, وتارة نباتات, أو حتى جمادات ( دموع الإسفلت)! لكن دواخلها هي دواخل إنسانية! وشغلنا بهذه الدواخل عن مظهرها الخارجي! وكأنه يشير إلى حقيقة هامة جدًا ومغفلة من قبل الكثيرين, هذه الحقيقة أنطقها الكاتب معرّفة عن نفسها بصرخة: "الإنسان ثابت الوجود بالداخل, وأما تفاصيله الخارجية فهي متحوّلة! وإن كانت ارتقاءً عن باقي المخلوقات فهي تكريم من الله للإنسان الذي في الداخل". وقد أدرك الكاتب هذه الحقيقة وعبّر عنها بحذاقة, فرصد الصراع النفسي الإنساني في كيانات مظهرية غير بشرية, وركّز على غربة النفس البشرية, في محيط بيئي فقد معه التواصل باللغة الصريحة المفهومة, وكان الصمت والكبت هو القناة الوحيدة التي يعبّر من خلالها إلى الآخر.. ولم يكن يعبُر, فكان السرد الحدثي مكتومًا بطريقة الترجمة الذاتية كما في (ريتا, شيتوفيليا, مذاق شهي للصبّار, لو أن.. زهرة ذات خريف.., رحلة العودة, خروج من المولد, نقطة تقاطع, أحمر شفاه, إغواء عطرها, حياة مؤجلة,...) هذه الطريقة انتقاها الكاتب انتقاءً مدروسًا للتتكلّم فيها الشخصية المحورية بضمير المتكلّم ( أنا), ليقوم الكاتب بتحليلها نفسيًّا عارضًا من خلالها بقية الشخصيات من وجهة نظره

الخاصة, لكن الكاتب نجح بالتقمّص لدرجة أنه جعلنا لا نشك للحظة أنه يعرض وجهة نظر البطل وليس وجهة نظره هو!.
أيضًا استخدم الكاتب طريقة السرد المباشر للأحداث في عدد من القصص, سرد فيها الأحداث بضمير الغائب, ما أتاح له حرية أكبر في تحليل شخصياته وسلوكها وأفعالها, نجد ذلك ب( أضواء خافتة, نشيج رداء ممزق, عديلة وعدينة, ارتقاء, سيلفي مع سموّه, منطق, منافذ افتراضية, السماء تمطر دمًا, تشبّع لوني
استخدم أيضًا طريقة الرسائل مقحمًا التكنولوجيا( فيسبوك) في معالجة موضوعه, كما في ( (متلازمة اليوم الثاني...)
وخلط الطريقتين معًا في سرد بعض القصص, مثل ( بخار جاف, المحطة, لا أريدأن أبكي الآن).
أما في بناء الحدث فقد اتبع الطريقتين:
- الطريقة التقليدية : تتبع التطور السببي المنطقي .
- الطريقة الحديثة : بكل تقنياتها, وأهم تلك التقنيات تدفق سيل الوعي Stream of consciousness غالبة بقصص عديدة, والذكريات Memories , والعودة إلى الماضي Flashback
عناصر الصراع الدرامي:
- الموضوع:
تنوّعت الموضوعات التي تناولها الكاتب - والتي كانت قاعدتها وجدانية- تراصّت فوقها العديد من الجدران الغرائبية والتاريخية والأسطورية والاجتماعية -وبعضها تابوهات سياسية وجنسية ودينية- تناول الفقد والافتقار للحب وللجمال والنبل, كما تناول آفات النفس من غيرة وأنانية وتسلّط و ظلم واستغلال, عرض لدناءة المجتمع حين تضطر المرأة للاتجار بنفسها لتكسب رزقها, عرض للخيانة, للخنوع والذل والاستكانة, والجوع والفقر, الكذب وتزييف الحقائق, العقم واليتم, وبالمقابل عرض لقيم نبيلة في محاولة منه ليوازي المتراحجة, تكلّم عن الوفاء والحب والإيثار والارتقاء والرحمة والخير والحكمة والبهجة والسعادة .....

- الحبكة:
هناك قصص اعتمد فيها على الصراع الوجداني داخل الشخصية, وذلك في القصص ذات الصوت الواحد مثل ( ريتا, زخات الفجر, شيتوفيليا, مذاق شهي للصبار, لو أن .. زهرة ذات خريف.., رحلة العودة, خروج من المولد, نقطة تقاطع, أحمر شفاه, نشيج رداء ممزق, لآ أريد أن أبكي الآن,, يوم طويل في ذلك الشهر, حياة مؤجلة, فرط الرمان, أحمر شفاه....), رصد كل ما يصدر عن تلك الشخصيات من أفعال منطقية وغرائبية, وكل ما يجيش في داخلها من عواطف, فجاء الحدث – في كثير من القصص- ليفسّر حالات تلك الشخصيات التي تمسك

بزمام الحدث على قدر إمكاناتها... اعتماده على تسلسل الأحداث كان في القصص البوليفونية بشكل عام ( أضواء خافتة, متلازمة اليوم التالي, خيبة الأمل, ضمادة الطين, سيلفي مع سموّه, 309- خسته خانه, دموع الإسفلت, صرخة أنثى, عديلة وعدينة, جدوى العشق....).

- العقدة:
يعتبر الكاتب شريف عابدين قصّاصًا من الطراز الرفيع, أخذ عن النسَاجين الأعجميين مهارة النسج والحبك, ينسج قصّته بحبكة رئيسية, والكثير من الحبك الفرعية التي ترفد الحبكة الرئيسية, روافد كثيرة جدًا من سرديات فرعية, تتدفّق من خلال الحوارات أو تدفق سيل الوعي أو الثرثرات التي يجريها على ألسنة الشخصيات بتهكّم أو سخرية, أو حتى أغاني تراثية أو أمثلة شعبية تتخلّل النص, فتثري الحبكة الرئيسية, قد يتساءل من يقرأها عن جدواها, تفاصيل سردية قد تبدو حشوًا زائدًا, كخيط رفيع يوشي به النسّاج سجادته, لنجده في النهاية أكثر الخيوط أهمية, وبه يعقد النسّاج كلّ الخيوط عندما ينهي النسج, الدوكتر عابدين يجيد ضمّ كلّ خيوط الحبك في عقد متينة, ثم يترك ما تلاها خيوطًا حرة, لتكوّن النهايات الحرة....
في (حياة مؤجلة): صراع بين الحياة والموت وبقاء في باحة بينهما ( سبات أو احتضار) يرفض العاشق أن يغادر الدنيا بدون محبوبته لكن تأتي النهاية: ( تململ قليلًا في رقدته بين أكوام الجليد .. أسرّ في نفسه: سأظل هكذا مجمّدًا ما لم تبزغ شمسها! بينما تقلّصت ملامحه.. وتطلّعت عيناه بعيدًا نحو السماء.
ولم تكن هذه نهاية وإنما عقدة, نهايتها سأذكرها تاليًا...

- الانفراج والنهاية:
تتميّز قصص الكاتب الفذ شريف عابدين, باسترسال السرد, مع الانتباه لناحية مهمة جدًّا, على المتلقي أن يتناولها وهو بكامل وعيه واستعداده الفكري, فلا ينفع أن يقرأها وهو يستعد للنوم مثلَا, وإنّما عليه أن يكون جالسًا بوضعية الاستعداد, للإحاطة بكل خيوط الحبكة أولًا, وللتحضّر للقفلة أو النهاية الفارقة ثانيًا! النهايات عند د.عابدين موجعة بمباغتتها, كما في (أضواء خافتة) عندما يجذب ذلك البحّار المومس من حمالة الرداء.. ينخلع في يده مشدّ صدرها.. وثديها الأيسر!! وكما في (ضمادة الطين) : وحلُ الأمطار رتق تمامًا ثقوب الثوب الداكن, والتأم تمامًا جرح البشرة الفاتحة اللون.
ومدهشة حدّ الصرخة بالمفارقة: يكون السرد طويلًا بمفهوم معين لتأتي النهاية مفارقة بمفهوم مضاد, في قصة ( خسته خانه) كانت المفارقة بالزمن ( زمن البرزخ وزمن الواقع 300 ساعة و9 دقائق و الساعة و9 دقائق), والمفارقة بين الواقع و الخيالات في ( زخات الفجر).

أمّا النهاية في ( حياة مؤجلة) فكانت مفارقة بين الحياة والموت : (صارح الطبيب أقاربه بأن الأمر معقّد تمامًا لاتخاذ أي قرار يرتبط بمسار حياته!)
وفي ( خروج من المولد ) كان هناك مفارقة إيحائية بين الظاهر والمضمر, فسّرها كلمة واحدة ( حمّص) بمشهد مجازي ( مولد) والمضمر( الخسارة) والإيحاء المثل الشعبي ( خرجت من المولد بلا حمّص).
في(خيبة أمل) في انتظار إسعاف التقني الذي أصيب بالحرق بانفجار مولّد الكهرباء, كانت المفارقة بمفهوم زمن الحركة ( البطيئة والسريعة):
النار تشتعل في جسد آدمي!
تظاهرة حاشدة تطالب بالاستعجال.
ثمّ:
.. ..
يتهادى هودج يرفع لافتة " عربة إسعاف" فوق جمل!.
إن النقاط ( .. ..) دلالة زمنية, فاصل زمني طويل نسبيًا.
وفي (أضواء خافتة ) فعلا المباغتة مدهشة, مومس تمارس البغاء بلا ثدي !

2-المدخل اللساني Linguistic Trend:
مدخل اللغة والألفاظ والتراكيب والجمال البلاغي والعمق الخيالي والرمزي بالدوال اللفظية...
ولقد تميّزت هذه المجموعة القصصية بشدّة ارتباط الألفاظ كدوال بالمدلولات (المعاني) المؤجلة بدلالات مقاربة, تصبّ في بركة المفهوم الذرائعي متجاوزة المفهوم السيمانتيكي القاموسي, وتحت هذه المظلة العامرة بالمفاهيم الذرائعية ساق الكاتب في قصصه أمثالًا شعبية كدوال جعلها حجر أساس في البناء الفني لقصّته, فقاعدة البناء الفني عنده ليس عنصرًا بذاته في كل القصص, بل إنّه يداول بين العناصر كلّها, حتى أنه يستعير من عناصر البناء الجمالي, وهذا ما رأيته هنا في قصّة (خروج من المولد), فالقصة كلّها بُنيت حول معنىً فريد للمثل الشعبي ( خرج من المولد بلا حمّص), رجل أحب زوجته حدّ أن وضعها بمصاف الملائكة, وأقنعها أنها ذات طبيعة نورانية, وتواعد معها على الموت معًا, يوم احتضر رأى مشهد المولد, ومشاهد جنائزية فرعونية وزوجته تعتذر منه أنها لن تستطيع الخروج معه من المولد( الحياة), فهي اختارت الحياة, بينما كان المشيعون في زي التشريفة يحملون أوان من فخار, ظنّ المحتضر أنهم سيكسرونها خلفه تطبيقًا للمثل الشعبي ( اكسرو وراه قلّة, خد الشر وراح) عندما سألها ماذا يحملون فيها ردّت متباهية : - إنه الحمّص!.
تسيّدت ألفاظ الفصحى النصوص بالمجمل, ألفاظ سهلة متداولة, لا تحتاج إلى قواميس للبحث عن معانيها, إلا بعض الألفاظ العلمية والطبية التي من الممكن أن يحتاج القارئ العادي إدراك معناها.


لم تخلُ النصوص من التراكيب والألفاظ الوسيطة ( كان سترًا وغطاءً, الحي الأبقى, لملمي نفسك يا امرأة....), كما كان للهجة العامية مكان في قصة ( عديلة وعدينة ) ولاسيما في الحوارات الإيحائية التي يمكن أن نقول عنها إلى حد ما ( سوقية أو بيئة) :- تعالي يا ريحة الحبايب....رديتي الروح يا روح الروح.... إلهي يحرق قلبك يا بعيد...)
نسمع أنغام الأغاني الشعبية في العديد من القصص, وقد وظّفها الكاتب في سياق دلالات عديدة, في( فرط الرمان ): ( وادحرج واجري يا رمان.. وتعالي على حجري يا رمان), ( يا حلوة يا بلحة مقمعة شرفتي اخواتك الاربعة)....

إلى جانب ذلك أدخل الكاتب لغات أخرى كالإنجليزية, بمحاولة منه للتجريب بالاتجاه نحو التغريب, وذلك لاختيار هدف بلاغي انكليزي وهو التشخيص وكأني أراه يقوم بمقارنة بين البلاغة العربية والأجنبية, بمقتضى ثقافة الشخصيات والسوية الثقافية التي يقف عليها النص, كما في نص ( شيتوفيليا) :
Sheet-o-philia = بمعنى الهوس لحد الافتتان بارتداء ملاءتك!
Love means never having to say you re sorry= أن تحب يعني ألا تحتاج للاعتذار بمعنى ألا تفعل ما يستدعي الاعتذار.
Minimum Charge , غوغل ترانسليشن
Enigma= لغز
Interface= الواجهة الرقمية
Your Baby
السوبر ماركت
الشامبوهات
+IRCAD: قناة تلفزيونية
الماتشينج ف أسامينا
كورس خارجي
البيج بوس
اليوتيوب
الفيت Vet الذي يعالجه: الطبيب البيطري
الألارم
رات
الفور باي فور
رحلة السافاري

بالإضافة إلى استخدام اللهجة التي كانت سائدة في العهد العثماني في قصة (309-خسته خانه):


الباش تومرجي:
-(مريظ 309) ما في موجود,( مريظ 309 ) طار حظرات أفنديم
- خرسيس أدب سيس أخلاق يوك
- كان لا بد من اللسوعة, لإنعاش قلبك خرسيس.. لدينا إمكانيات بسيطة لكنها تعمل
التكوين البلاغي:
استخدم الكاتب شريف عابدين البلاغة العربية بكافة علومها, البديع والبيان, وقام بتوظيفها بحرفية بالغة, تنمّ عن ثقافة لغوية غزيرة, وحبّ شديد للغة العربية, لغة الأصالة والعراقة, و ليكون تحدّيًا لمن سيتهمّه بالتغريب هروبًا من صعوبة اللغة العربية, ليثبت للجميع أنه كاتب يملك كلّ أدواته الأدبية الأصيلة, مضافًا إليها ثقافته الغربية وجرأته في التجريب, سأعرض هنا لبعض ما أورد في المجموعة من علم البيان البديع والبيان:
1- علم البديع: لا يوجد هذا العلم البلاغي إلا في اللغة العربية.

o الجناس:
نفحتك – نفختك
ألفتك – الفتك
يختفي – يحتفي
تفحيص – تمحيص
تفحيص – تفعيص
تبوح – تلوح

o الترادف:
تماسكي – ثباتي
تفحيص- تمحيص

o الطباق:
تشككين # تؤكدين
الداخل # الخارج
الائتلاف# الخلاف
الطبع # التطبع
قمر الزمان # شمس المكان
اختفاؤك # وجودك
السكون # الضجيج
جفاف# بلل

o الاقتباس:
اذكروا محاسن موتاكم
الحي أبقى من الميت
لا حول ولا قوة إلا بالله

o المقابلة:
مواء مرتفع وغليظ ثم مواء قصير ومنخفض
سيفتح الباب الآن ويفتح جرحي أيضًا
هل أعيش في الصحراء لأني لا أثمر , أم لا أثمر لأني أعيش في الصحراء

- بالأمس كانت عينه تبوح.. اليوم يده تلوح
-أعطت إشارة بدء .. أعني انتهاء

o إطناب :
ما سرى نسيم ولا هبّ هواء

2- علم البيان: استخدم الكاتب هذا العلم في رسم صوره الجمالية المبتكرة, لا أبالغ إن قلت بإبهار:
o الاستعارة: وتعتبر الاستعارة من أكثر الأساليب اللغوية البيانية المستخدمة في الأدب العربي تليها التشابيه, وهي تقابل التشخيص في الأدب الغربي, نجد أن الكاتب جعل فيها الجمادات والمفاهيم والأشياء غير المرئية وغير المحسوسة كائنًا حيًّا محسوسًا يسلك سلوك البشر, وتجري عليه أحكام البشر, وقد كانت مركبة بالمجمل :
- ثمة ضوء يتسلّل خافتًا من الشيش مختنقًا يلفظ أنفاسه بعدما يجتاز حواجزها الخشبية ..
- حين يكبّله زجاج النافذة.
- تتكدّس الغرفة بالرائحة, تلتهم الأكسجين.
- تستغرق في أحلام اليقظة التي يغرقها الدوار في بركة النعاس.
- لو أعلم أن السكون هو كلمة السر, لكنت حاربت الضجيج.
- الكائنات تسترق السمع إلى حفيف إطلالتك بعد أن أطبق الصمت على أنفاس الكون.
- يتكئ على تحمّسه .
- استشفُ الخواء من أريجك كلّما اجتررتُ الشهيق.
- أتنسّم دون جدوى .. إيقاعًا لنبض شذاك.
- أتفقّد تلافيف المكان حتى أهتدي أخيرًا إلى عبق جسدك المضمّخ بالطيب.
51
o التشبيه: بأنواعه المختلفة :
- كان زحامًا مشهودًا كيوم الحشر .
- كان ولادة متعسرة كأني خرجت من رحم المدينة.
- كنت أختنق من تلك الرائحة كرائحة الموت
- تخيّلوا العرق ينهمر كالثلج
- كم زاد شحوبك .. تعرفين تبدين كتمثال شمعي
- هذه الكتل من يدرك طراوتها إنها كالجيلي كالمهلبية كلألماظية
- أعرف ذلك الإحساس .. يشبه الهسيس.. كأنه يزن
- تلك الذبذبات الخافتة المتصلة كأنما يسري داخلك تيار
- تمامًا كالمرتبة الهوائية التي ترقد عليها تلك العجوز.
- ألديك قرون استشعار ؟ قرون كالكبش
- كان ينهش لحمي كأسد ضار
- ألهث مطاردًا هواءً يعبر أنفاسي دون أن أستطيع تنفّسه كأنني ظامئ يجرع ماء البحر ولا يرتوي.
- الرغبة مستعرة تنبح داخله
- عاجزة تمامً جامدة كقناع
- يصطنع البهجة كمهرج سيرك
- ولولتك كأنثى مكلومة
- أنت تلتصقين بملاءتك مثلما تتشبث الجذور بتربتها
- ليت لي ذراعان كي أحتضنك مثلما أحتضن الفرع
- السيارات هذه الأيام صارت تماثل البشر لا تحتمل اللمس
- اعتدت الحياة بين الصخور, كسمكة لا يمكنها أن تغادر بركتها,
- حلّقت في الهواء كالبالون.
- تنامت الرجفة الواهنة, تصاعدت, تركّزت في مقلتي! كآخر موجة إرسال تجمّدت صورتها على شاشة الأحداق اقتنصتها جفوني.

البناء الجمالي :
 الأسلوب:
ينتهج دوكتر شريف عابدين منهجًا جريئًا جدًّا, فهو يترك لقلمه حرية الجري على الورقة في كل الاتجاهات, يقتحم الغرائبية, لكن لا يتجاوزها إلى السريالية أبدًا, لا


ينسى أبدًا أنه يكتب أدبًا رساليًّا, مع أن فضاءه (الخيال المطلق), منحة الله لعبده الإنسان, أهداه إياها مطلقة, لتكون ظاهرة في عالم لا مطلق فيه إلا الخالق سبحانه وتعالى, ليعطيه فرصة للتفكير العميق دون أن يحاسبه عليه, وقد صان دوكتر شريف هذه المنحة الإلهية, وأشغل فكره فيها, الخيال ظاهرة تحتاج أمكنة, وأمكنة كثيرة, وتتجلّى براعة الكاتب في خلق هذه الأمكنة, من هذا المنطلق كانت كتابات الخيال العلمي مبهرة بأماكن التخييل, ميزة دوكتر شريف أنه خلق الكثير من الأماكن ضمن ظاهرة الخيال فأبدع ... عندما يتخيّل حياة برزخية يسرد فيها عن أحداث تاريخية و حقائق علمية ومظاهر اجتماعية, يكون مبدعًا, وعندما يدخل في عمق الأرض يؤنسن شجرة, ونبتة صبّار, وزهرة, ويتخيّلها أنثى, مهمشة وعاقر, وينقلنا إلى بيئتها وخواصها البيولوجية والفيزيولوجية والموروفولوجية الخاصة بها, ليطرح مقاربة رائعة (في رحلة العودة ) بين طفلة ضائعة تبحث عنها أمها في يوم شديد البرودة: هل صارت طفلتي حبة تمر؟ .. هه .. وبذرتها لابد أنها.. العظام..
هذه الجرأة في الخوض في الخيال هي سمة بل تكنيك ينتهجه د. عابدين, يساعده على ذلك خبرته الرائدة في علوم وتقنيات الكتابة الإبداعية... للرمز والإيحاء عنده خزين كبير من الأعمدة والقرائن, لغة مكثفة يلغّمها بالتهكم والسخرية, تحدّي الفتى الذي يستفز بذكائه أساتذته, مستخدمًا ألفاظًا تكنولوجية حديثة, فهو لا يتورّع عن استخدام أي شيء يفيد موضوعه, حتى لو كان مطلع أغنية شعبية أو حتى مثَل من التراث, يجريها على لسان شخصيات متباينة الثقافات, لكن لغتها وثقافتها لصيقة بها..في قصة ( سيلفي مع سموّه ) نرصد هذه الخاصية بوضوح تام, عنوان القصة بحد ذاته دلالة تكنولوجية, والنص كتب بأسلوب رمزي عن زعيم طاغية, تعاظم جبروته وكبره وتعاليه على شعبه لدرجة أن تنصّبه حاشيته بطلًا أسطوريًّا خارقًا, تضخّم بالتبجيل والعظمة واضمحل شعبه بالخوف والرهبة, وسكنوا جحورًا وأنفاقًا تحت الأرض اختبؤوا فيها كالفئران:
.... أخذ يدندن متباهيًا وقد تدلّى لسانه : ( يا أرض انهدي, ما عليك قدّي).....
ظلّ الأمل يراودنا في العثور على (راعينا) حتى وصل عمق الحفر إلى (الحظائر) التي كانت تأوينا, حين استخرجنا بعض ملابسنا المصنوعة من (الفراء).
في (خاسته خانه) عندما يستخدم النجمة(*) كدلالة رمزية على أن الكلام هنا محظور فيما يخص الولاة, الولاة لا يموتون لا تجري عليهم أحكام الموت, فهم خالدون, الشعب فقط يحتضر ويموت :
- رامي محمد باشا أصلح المدينة, وأقام القناطر, ورمّم المساجد, أعانه الله على الابتلاء. يحتضر منذ أيام!
صرخت:
- لاااااااااااااااا الولاة لا يحتضرون الشعب فقط *


وللمذهب الرومانسي حضوره البارز على رأس قلم دوكتر شريف عابدين في العديد من قصص هذه المجموعة, يشف كثيرًا عندما يكتب عن الروح, ويعاملها ككائن معشوق, ملائكي البناء! في (إغواء عطرها) يحكي عن خوض غمار تجربة (خروج الروح من الجسد), استشهد بفقرة شفيفة : " مازلت أتنفّس عطرك أيتها الشعلة الخالدة .. بلورة شفافة .. يفوح عطرها.. في هالة الضياء .. لكم كانت نقية .. كنجمة متّقدة .. يتضوّعُ منها النور ويتضوّع حولها البخور, ويسري الأريج.. خافتة .. لكنها تحترق في صمت .. سألتها عن سر روعتها, قالت : أتطهّر كلّما احترقت..
عندما يكتب بأسلوب واقعي – وهو مقلّ بالكتابة بهذا الأسلوب- فإنه يبتعد كثيرًا عن المباشرة والسطحية, إذ أن على القارئ أن يهيئ نفسه لوجبة سردية دسمة مطهوة بأسلوب عميق. قصة (عديلة وعدينة) واقعية, تناقش موضوع التحرش الجنسي والانتهاك الذي تتعرّض له (عديلة ) زوجة البواب من قبل الباعة و الخبّاز الذي يسمح لها بانتقاء أرغفة خبز طازجة غير محترقة توزّعها على أهل العمارة, مقابل عائد مادي تدفع منه مبلغًا شهرية للجمعية التي تمسكها الجارة, والمقابل خضوعها لعبث جنسي شاذ من قبل ذلك الخبار( عجينة), استخدم الكاتب في هذا النموذج كل مقومات الأسلوب الواقعي, حتى الحوار أجراه باللهجة العامية المتضمّنة للأمثال الشعبية أو ما يمكن أن نصفه بلهجة( الحواري) أهل الحارات الشعبية :
تتنهّد : " رزق الهبل "
- تعالي يا ريحة الحبايب!
- رديتي الروح يا روح الروح!

ولو أردنا أن نتكلّم عن جرأته في الخوض في عمق النفس الإنسانية, نجده خبيرًا نفسيًّا, يجيد تحليل وتشريح النفس الإنسانية, بكل أمراضها وعوارها, بأسلوب عميق جدًا...
في ( شيتوفيليا) رصد أغوار الأنثى التي حرمها القدر من الخصوبة فخافت أن يصيب التصحّر حياتها الزوجية أيضًا لذا تلف نفسها دائمًا بملاءتها التي تعتبرها صك أنوثتها:
" إنني رغم كل ما أكتنز من حزن, ما زلت قادرة على إضفاء البهجة! جانب سار آخر! أنني رغم خلخلة جذوري ما زلت قادرة على الحياة".
في (مذاق شهي للصبّار) أيضًا نسمع صرخة الرغبة العارمة لأنثى تشتاق الحياة بحضن شريك تظنّه هجرها إلى أخرى, وترك جوفها خواءً إلا من حلم بالاحتواء:
" لو أنك سمحت لي حين تمايلت على إثرها .. بأن أستند إليك, لما قوّضت هبة السماء لي كإنسانة برمال تحتوي جذوري, تحتضنها في رفق وتمنحها الرسوخ, لاكتملت معجزة صراخك! واحتفظت معها أيضًا بنعمة الحياة, آاااااااه .. هل كان لي أن أحلم .. أنك احتضنتني..

وبالمقابل, في نص ( لو أن.. زهرة ذات خريف) يسمعنا الصوت الخشن وهو يدفع عن نفسه سيل الاتهامات التي أمطرته بها زهرة الصبّار البائسة, التي قبعت وحيدة باردة في ركن مظلم تنتظر أملًا, أن يحضر للبحث عنها... وفي رحلة بحثه عنها, يلقي نبات الصبّار الذكر بدواخله, بأسلوب لا يقل عمقًا وشاعرية عن صوت زهرة الصبّار الشفيفة, مع استعراض فحولته, بفلسفة الوجود والغياب :
" الكائنات التي عقدت ألسنتها دهشة غيابك.. تسترق السمع إلى حفيف إطلالتك, بعد أن أطبق الصمت على أنفاس الكون.. مشدوهة منذ افتقدت حضورك, فما سرى نسيم ولا هبّ هواء.. هدأت تمامًا الرياح.. صار المكان مكدّسًا بالحبيبات.. هيا.. اشحذي مجساتك ثمّ وجّهي شفّاطك الكهربائي .. أعني ميسمك, كي يلتقط كلذ ما يعلق مني في الأجواء. لا تقلقي سأتشبّث بصخرة قريبة حتى لا يشفطني معه ! أرأيت كيف أدى اختفاؤك إلى اكتمال وجودك؟..

وهو دائم المزج بين الواقعية والغرائبية, ليطرح أمامنا منتجًا رائدًا للواقعية السحرية...
في قصة ( لا أريد أن أبكي الآن ) صراع بين اليأس والأمل في حضرة الوحدة والفقد, وفلسفة الحياة والموت, بحوارات وجدالات بين رجل يشذًب عشب حديقته ويسقي الزهر, ينتظر النمو والنضارة, لكنها لا تأتي, تمرّر الفلسفة مشطها السحري على تشابك الجدل الدائر بين الرجل والعشب والزهر:
ذات يوم تعثّر في أرض غير ممهّدة .. عاتبه العشب اليابس على تقاعسه في الاهتمام.. فقال له: أنا مثلك تمامًا, انظر إلى ثيابي!
..... وحين نهض من عثرته سألهم : ألا نحيا جميعًا؟ تكفي الحياة!

تساعدة مهنته كطبيب, وثقافته الطبية, واختصاصه بالجراحة على تشريح وتحليل شخصيات نصوصه بدقة عالية جدًّا, لذلك من الصعب جدًا أن نقف على خطأ علمي عنده....
" آه لو أتنسّم فيرمونك.. أعرف أن دورتك البيولوجية قد اختلّت لغيابي عنك......

 السرد:
في هذه المجموعة القصصية تم تقريبًا استخدام كل تقنيات السرد اللغوية المعروفة, وتنوّع السارد في النص الواحد حتى, منولوج وديالوج, وراوي عليم.

 الشخصيات:
إن الشخصية القصصية لصيقة بالحدث القصصي, لا تنفصل عنه ولا بأي حال من الأحوال, لأنها الفاعل والمفعول به في فعل الحدث, أما الشخصية المحورية فهي


صنيعة الكاتب, والمرآة المصقولة التي يستخدمها الكاتب كقناة تواصلية يسكب عبرها أفكاره المحجوزة في باحة الإدراك في تلافيف عقله, وهو بذلك يضمن منفذًا آمنًا لخياله الرحب الذي لن يُحاسب عليه بحال من الأحوال إلّا إذا خالف منظومة الأخلاق العالمية, فيخضع عندها لمبدأ التعويض الأخلاقي, بمعنى أن الشخصية المحورية قد تكون شخصية إيجابية, وقد تكون سلبية, وفي الحالتين هي التي تستقطب أنظار كل الشخصيات الأخرى, مقدرة الكاتب تكمن في إقناع المتلقي بمصداقية هذه الشخصية, وجعلها تنعكس كما هي تمامًا أمام بصيرة المتلقي, عارية من كل زينة! ولا ينجح بذلك إلا الكاتب المحنّك, هذا الكاتب المحنك ينجح في جعل المتلقي يتعاطف مع هذه الشخصية حتى ولو كانت سلبية, لكنه يملك مطرقة القاضي التي يطرق بها على الطاولة معلنًا انتهاء الجلسة بعد النطق بالحكم العادل, الذي يعقب مداولات كثيرة... وهكذا كان د. شريف عابدين كاتبًا محنّكًا بارعًا جدًّا في بناء شخصيات قصصه, فلم يكونوا أبطالًا من ورق, بل كانوا خلقًا من خلق الله, شجرة , نبتة صبار, زهرة, فأر, قطة, قرد, محتضر, ميت, جائع, مهمّش...
هناك قصص جاءت متوالية, كل واحدة منها تقوم على شخصية محورية بالتبادل, كما في المتوالية القصصية ( شيتوفيليا, ومذاق شهي للصبار, لو أن.. زهرة ذات خريف.. ) التي كانت الشخصية المحورية فيها واحدة, زهرة الصبار العاقر التي تخشى هجر شريكها لها بسبب عقمها, وتشتكي خشونته وأنانيته, تلتْهما قصة (لو أن.. زهرة ذات خريف.. ) جاءت على لسان الشخصية ذكر الصبّار الذي جاء ذكره كشخصية معارضة في القصتين السابقتين, شخصية محورية, ذكر عنين يشرح نفسه, يعرّيها أمام أنثاه, يبوح بوحًا مؤثّرًا جدًّا, يردّ فيه على تساؤلات زهرته وهو يبحث عنها دون أن يكون قد سمع تلك التساؤلات أصلًا, تماهي بالتواصل والتخاطر الوجداني بينهما, لتكون المفارقة بأنهما عندما فقدا الحوار التواصلي المباشر, وانغلق كل واحد منهما على نفسه, وفقد الآخر واقعيًّا!
القصص كانت الشخصيات فيها قطط, كانت من أروع القصص, وعددها كبير نسبيًّا في المجموعة, ولا أظن أن ذلك كان محض صدفة, فالدكتور شريف يقصد تمامًا كل ما يكتب, وتكرارهذه الشخصيات على هذا النحو هو دلالة حسية تحسب للكاتب, لماذا اختار الكاتب هذا النوع من الحيوانات وأنسنها؟ على الرغم من أتها تعتبر متغطرسة ومتكبّرة جدًّا! لكن بالواقع وبالعلم فإن القطط تشبه الإنسان سيكولوجيًّا إلى حدّ كبير جدًّا, وما غطرستها إلّا مقاربة كبيرة بينها وبين الإنسان, وتنافسه في ذلك, وهي أيضًا لطيفة وعاطفية بشكل كبير, كما أنها متملّقة و انتقائية, وهي صديقة السجين والوحيد, لها دور كبير في علاج مرضى التوحّد, وهي حنونة و ودودة, عندما تكبر يمكن أن تصاب بالألزهايمر والاكتئاب والضجر, أي أنها قريبة جدًّا من الإنسان في الطباع, في مراحله العمرية, سماته السيكولوجية, هناك صفة مميزة جدًّا في القط وهو حب التملّك كما عند الإنسان


تمامًا, إن أعلن ملكيته على مكان أو شخص, يدافع عنه دفاع المستميت ضد كل من يحاول أن يسلبه أو يشاركه هذا الملك...!
ولا شك أن دوكتر عابدين مدرك لهذه الحقائق إدراكًا علميًّا, لذلك عندما أنسنه كان موفّقًا جدًّا بذلك, ولم يحتج إلى إقناعنا به, المبهر فقط عندما أعطاها أفعالًا تلائم فعلًا غطرستها بيقينها( أنا أفضل منك) في قصة ( جدوى العشق) حين جعل طبيب يذعن لرغبة القطة في تعلّم قيادة السيارة, وجهّز لها مقعد قيادة سيارته الأوتوماتيك ومراياها لتكون صالحة للاستخدام القططي! هنا الغرائبية في حدودها القصوى ...!
حتى النمل كان بطلًا في القصة المكثفة (مواساة) بتجسيد مدهش لمفهوم الطمع...
واللون عندما تكلّم في ( ضمادة الطين) يردّ على ذلك المعدم الذي عثر في كيس القمامة على بضع لقيمات تصطبغ بآثار خضراء :
... تمتم مبتهجًا: لا بدّ أنك بقايا تلك الوجبة الشهية " الملوكية" .. فأجابه اللون : بل أنا العفن!
وأما عندما يبكي الإسفلت( أنسنة الجماد) فأظن أن الأنسنة هنا تبلغ مداها بخيال وقّاد لا يستطيعه إلا كاتب حر قرّر أن يجرّب كل شيء, طالما أن ملكاته أمانة الله عنده, وأن الخيال عطية الله له, وهو مأمور بالتفكّر والتدبّر ورعاية وتبني رسالة إنسانية, كما أنه حرّ التصرف بالعطايا, الحلم والخيال, وإشراك كل ذلك بالعلم, بالتجريب حتى وإن كان غريبًا, فالتغريب لم يكن شرًا بالمطلق, وإنما خير في يد من أدرك وجرّب....
- لا بدّ أنه الإسفلت يبكي بعدما انشغلنا عن موت القطة بإصابة السيارة ! الجماد يتعاطف مع الكائن الحي .. يا لقسوة البشر يقتلون ويفرّون! .. قلب الجماد يرقّ وينهمر دمعه!....
الشخصيات الآدمية كانت من بيئات مختلفة, البحار والطبيب والحارس والبواب وزوجة البواب والمومس والأم والأب والزوجة والابنة و زوجة الأب والمعتقل والمزارع والمشرّد, وووو....
كما حضرت الشخصيات الأثيرية بمفهوم الغواية في قصة مؤاخذة (غين) بغمزة (عين),( غين) آدمي فقير معدم وقع تحت إغواء (عين) شخصية أثيرية ( جنيّة) :
- يا سيد غين .. لقد أجبرت السيدة عين حين اتهمتك, على أن تعرّي نفسها.. وتكشف عن .. طبيعتها الأثيرية.

 الحوار:
وعليه قام البناء الجمالي كأساس, المادة الأساسية( المحارة) التي ستغطي أحجار جدران البناء الفني, والكاتب بنّاء ماهر يعرف كيف يحدّد سماكة هذه المحارة باختلاف غرف البناء, عندما احتاج المنولوج أطال واسترسل, وترك للشخصية حرية التدفّق, حتى إن وصل إلى درجة اعتقد فيها أن القارئ قد يشعر بالملل, عندها يقطع هذا الدفق بصورة مباغتة, بذكر حدث إخباري, ثم يستأنف تدفّقه بجملة محفّزة تشدّ القارئ إلى استئناف قراءة القصة بتشويق حتى النهاية, على سبيل المثال وليس الحصر, في قصة ( ريتا) عن فأر جبلي وقع في حب فأرة تعيش في المدينة, ومسيرة شاقة قطعها ليصل إليها, ليجدها في وضع نفاس بعد أن وضعت حملها من فأر آخر وهو الذي جاءها شوقًا من الصحراء, بعد مونولوج احتل صفحة ونصف الصفحة, قطعه ب :
بصعوبة بالغة, يفلح أخيرًا في الوصول: " آه لو أتنسّم فيرمونك.. أعرف أن دورتك البيولوجية قد اختلّت لغيابي عنك...... أينك منشودتي؟"
ثم لا يلبث المنولوج أن يتتابع بتتداعي الخواطر, ويتحوّل إلى ثرثرة أنداد عندما تلتقي الشخصية المحورية بالشخصية الثانية, وبنفس الروح التهكمية الساخرة مع تجاوز إلى نوع من التوبيخ المبطّن:
- نعم حبيبتي .. أنا من أسميتك ريتا.. بعدما كنت ( سنكوحة) ....
- .... نحن نعشق الدهن, لذلك فأنا متيّم بك ( كلبوظتي)
أمّا في الديالوج, فالحوارات مقتضبة, لدفع الأحداث بعيدًا عن السرد الممل الذي من الممكن أن يوقع الكاتب في فخ المباشرة و التقريرية, وسأستشهد ببعض الحوارات في قصة ( خسته خانه ):
- يا لها من رحلة عبر الزمن !
قال رفيقي:
- لبثت حوالي ساعة في حالة فقدان الوعي ..
قلت:
- حسبتها أنت ساعة وعشتها أنا خمس ساعات ! فقد عشت أحداثًا كل على حدى .. أتذكّرها جميعها!
هناك حوارات تخييلية غلبت عليها الرمزية قامت عليها بعض القصص, (نقطة تقاطع) أنموذجًا, حوار بين إنسان في طور الاحتضار وبين ملاك الموت عزرائيل دون أي إشارة من الكاتب للمتحاورين, بل أشار لملاك الموت بطائر فقط وهو يصف الدنيا ب ( العاهرة).
قال لي :
- أما تحرّرت من أسر تلك العاهرة أما مللتها!
جريت بعيدًا أشحت له بيدي:
- تمهّل أيها القادم نحوي ..

أخذ يقهقه:
- سأنتزعك حتمًا, لا ملجأ لك سوى أحضانها أعرف.

التهكّم والسخرية المغلّفة للرمز, كانت في العديد من الحوارات لتخدم هيكلية القصة بعنصرها الموضوعي, الحوار بين المصوّر والأسد في (صرخة أنثى) مثال عن ذلك:
أحضرت القردة المليحة سباطة الموز الملون, فتعجّب المصوّر:
- أهناك بنفسجي اللون!
حسبه الأسد يقصد لون مؤخرتها فأجابه:
- والأحمر أيضًا!

هناك حوارات بتقنية الرسائل الالكترونية ( الشات) كما في (متلازمة اليوم التالي)

التطابق بين السوية الثقافية للشخصيات والحوارات التي يجريها الكاتب على ألسنتها متقن جدًا.


 الوصف والصور:
وهي مرتبة الجمال في تعددّية اللغة, يتشارك فيها الواقع مع الخيال, فيغدو الكاتب رسّامًا يرسم الواقعية السحرية...

- أعلم أنك هبة السماء لي .. وأن الله بعد حياة الجفاف التي عشتها في الصحراء رزقني ببلل حبك.
- ظلام حالك .. ثمّة ضوء يتسلّل خافتًا من الشيش مختنقًا يلفظ أنفاسه بعدما يجتاز حواجزها الخشبية .. حين يكبّله زجاج النافذة.
- ثمة شعاع دون ملامح لا يحمل معه أية معالم للقادم.. الذي لا يأتي أبدًا.
- تضحك : للصوت رائحة, ماذا عن شم الصوت!
- تتخيّل أنفها أذنًا.. الفكرة لا تروقها لأنها لن تستطيع عمل غسيل للشمع الذي اعتاد التراكم وإلا ستغرق. لا لا أريد أن أموت .. أنا أحب الحياة.
- تتكدّس الغرفة بالرائحة, تلتهم الأوكسجين .. بينما تستغرق في أحلام اليقظة التي.. يغرقها الدوار في بركة النعاس.



- أخذ يداري بسمة بلهاء مهنئًا نفسه بنجاحه في سرقة الزمن.
- ألهث مطاردًا هواءً يعبر أنفاسي دون أن أستطيع تنفّسه كأنني ظامئ يجرع ماء البحر ولا يرتوي.
- كنت واهنًا لا أستطيع أن أكمل التثاؤب.
- مبتهجًا .. طرت فرحًا نحو عنان السماء .. أعبّ من هالات بدر مكتمل, وتساميت روحًا ترفرف في حبور.
- لا أسكب المرّ دمعًا.. تتكثّف قطراته.. تتعتّق داخلي.. في أوراق تكتنز بالصبر .
- أنا واهنة, لا أستطيع التسكع في الطرقات, ولا التغنج, اعتدت الحياة بين الصخور, كسمكة لا يمكنها أن تغادر بركتها, اعتدت بيئتي, لا أجيد المناورة ولا المسكنة ولا الإغواء ولا غير ذلك من أفعال النساء.
- أنا زهرة, واضحة مباشرة, مجرد زهرة, لا أجيد التحليق خارج السرب, سرب الزهر, ولا يمكنني الخروج عن النص, نص الجمال.
- هناك مصطلح سحب السجادة, أنا أحتفظ بالملاءة حتى لا تسحب من تحتي, ملاءتي تحيل إلى الفراش, العلاقة الحميمة, الزواج, أنا أحتفظ بكل هؤلاء معي حين تلتصق بي ملاءتي.
- أنا امرأة تلتف بسجادتها لأن ملاءتي تعلن عن انتمائي .. واستحقاقي لهوية الزوجة, التي تكفل لي أن تستمر حياتي, لذا أتشبّث بها.
- أكتسي بغطاء فراشي لأستحق فيض العطاء, أتشبّث بالصك! بدونه أنا عارية بلا هوية, أترقّب كل يوم أن ينزع مني, أن يسحب كالسجادة من تحتي, حين ترمقني بنظرتك التائهة .
- يكمن داخلك ما يتنافى مع وجودي, الحلم بامرأة أخرى " مثمرة"
- أنا زهرة صبار, أوصال واهنة تتعلّق برمال جافة, أنا لا أثمر, أبهج فقط, هو يبوح دائمًا بذلك التوق, لمن ستعصف بي, هو لا يدري أن النبتة اليانعة ستحفر عميقًا تحتي وستنزع جذوري الهشة, أعرف جيّدًا جذوري, أنا أدرى بجذوري الواهنة, لو لم تكن واهنة لأثمرت, أليس كذلك!
- أنا أترقّب تلك اللحظة بالمزيد من القلق والتوجّس, يعتصرني التوتّر, التوتر يمزّق أوصالي الواهنة المتعلقة بالكاد بخيوط واهية تتشبّث بالحياة من منبتها, يفتّت قدرتي على الحياة.
- تمهّل ريثما يفرغ قلبي من عناق الكون .. تمهّل ريثما يحتضن العالم مودّعًا ملامح الأشياء
- أثناء القبلة يتوقّف الكون.. القبلة لا تختلس, لا تُسرق!
- الكل يترقّب نسائم الفجر الشحيحة.
- أعلم أن جسدك صار نحاسيًّا من اعتياد أحضاني الشائكة, لكن تبقى دائمًا ذاكرة بضاضتك.

هناك صور وصفية متحرّكة بالأفعال تقوم مقام ضربات الريشة على اللوحة أو على أوتار آلة موسيقية :
-..... لمحتُ الماء ممتدًّا نحو الجسد المتهتّك للقطة ممتزجًا بدماء داكنة حول الأشلاء, يتجاوزه في خطّين متعرّجين متوازيين متّجهًا نحو رصيف الشارع .. كأنه دمعتان انسكبتاعلى خدّ الإسفلت!
- كان يستعذب البكاء لينفث عما في صدره من حزن .. والكائنات تستعذبه لترتوي .. أشفقت عليه السماء ببعض القطرات فانتعشت النباتات بالدمع والمطر..
- تنامت الرجفة الواهنة, تصاعدت, تركزت في مقلتي ! كآخر موجة إرسال تجمّدت صورتها على شاشة الأحداق اقتنصتها جفوني, تشبّثت بها, لا بد أن أحتفظ بتلك الرجفة التي همّت بالتسلّل من عيني!
- ما أن حاولت رفع جفنيَّ المنسدلين في تثاقل, حتى طفرت قطرة دمع فشلت في الاحتفاظ بها بين عينيَّ المغروقتين, لم أعد أراها! هتفت : لا .. لن تحجب صورتها دموع, ولو كانت دموع فرح ! ستقبّلها عينيَّ .. نعم ستقبّلها عينيَّ..يا إلهي.. لا أريد أن أبكي الآن.
- غمر الطين الجسد المذعور القابع فوق رصيف الشارع .. اكتست الأجزاء العارية الأفتح نسبيًّا من جلده القمحي اللون والأجزاء الداكنة غير الممزقة بخليط من طمي أسود..وحل الأمطار رتق تمامًا ثقوب الثوب الداكن, والتأم تمامًا جرح البشرة فاتحة اللون....
- فزع الشعب وسارع بالفرار من مكامنه السفلية, ليجد نفسه أخيرًا .. فوق أنقاض أسطورته.كانت أمنية الجموع الغفيرة, التي سعت للتنقيب في ركام القصر إنقاذ حياته فهو مولاها وحامي حماها. أثار حماسهم ما ردّده بعضهم : لا بد أنه سيسعد بنا إذا أنجزنا هذه المهمة البطولية ولا نستبعد أن يسمح لنا بصورة تذكارية معه ابتهاجًا بنجاته. لكنهم تذكروا أن الفرد منهم قد لا يتجاوز الصفر إلى جوار الرقم الصحيح, فاقترح أحدهم أن يحمل كل منهم على كتف الآخر حتى يمكنهم بلوغ قامته السامقة.
-انكمشت تحت قدمي الكرة الأرضية, فهويت إلى مجاهل الإدراك لأصطدم بالحكم .. هائمًا يبحث عن الكرة !

صور تعبيرية بلغة الجسد: من نص ( مذاق شهي للصبّار):
- تسري أصداء صراخك عبر جذوري, تعتصرها, ترجّها أو تلوي ذراعها و تتحرّك في جوف الرمل فيتمدّد تدريجيًّا, وأشعر بالخواء حول منبتي, كثيرًا ما تتمزّق أوصالي حين تنفجر غاضبًا, لأصبح نبتة ممزّقة الأوصال معلقة بالهواء.


حينها أرتعد.. أرتجف.. أنكمش..داخل قبضته الجوفاء.. يتسع القمقم فأشعر بالخلخلة تزداد حولي.
- توترني, تفتّت التصاقها بي .. ثم تزلزلني فتزحزحني منها.. تتمدّد الهوّة ويتمزّق بعضي.. أتأرجح.. أفقد الاتزان.. أترنّح.
- ومن بوحك إلى صمتك .. أميل ثم تعتدل قامتي .. حتى يتفتّت معدني.. أتزحزح من تماسكي وثباتي, لأنفصل تدريجيًّا.
- في بشرتي سر حياتي .. أنت تريدني أن أصطبغ بألوان البهجة, أن أتّسم بصفة الحرباء.. أن تختزل حياتي في تلك القدرة. جلدها هو خصوصيتها.. أنا أشبه الحرباء.. أتلوّن كي أحيا.. الفرق بيننا أني أتلوّن لأظهر..لأتألّق وليس لأختفي.. أتلوّن ليُحتفَى بي.
- الرغبة مستعرة تنبح داخله.. حتى يهدأ.. أبقى .. أتجسّد عقبة أمام تحقيق الحلم .. يعاود الصراخ, لأني أعترض تحقيق هدفها .. هي تكرهني! أشفق عليه لأنه غالبًا ما يجهضها.. أعرف ألم الإجهاض, لذا أشفق عليه.
- " ما أبشع ان تتحسّس جسدك كل صباح, كي تطمئن أنك ما زلت على قيد الحياة , منتظرًا في فزع تلك اللحظة التي تفقد فيها وجودك".
- بالأمس كانت عينه تبوح.. اليوم يده تلوح, أعطت إشارة بدء .. أعني انتهاء , احتدّ اليوم .. زلزلتني صرخته المدوّية .. بصقته الممتلئة كانت القشة .. فمه المتّسع جدًّا يوحي بكلام كبير جدًّا .. يرعبني ! انكمش في جلدي وأرتجف .. الرذاذ الملتصق به يصيبني بالغثيان.. أتقيّأ آخر حصاة يستند إليها قلبي, ليختلّ اتزانه ويسقط نازفًا آخر قطرة من دمي.
- أنا زهرة صبّار .. لا تثمر .. أقبع الآن وحيدة .. في أحد الأركان .. أنا الليلة باردة للغاية, ولشفتي ملمس الشتاء .. شاحبة أشعر بالفزع, وأحدّق في المجهول .. أرقد ساكنة .. أتنفّس بوهن .. أشعر بحزن عميق, لكن قلبي ساكن تمامًا .. انتظر أن يوقظني غدًا, لأملأ عالمه .. لأكون دومًا معه.. وردته التي لن تموت أبدًا.

3-المدخل السلوكي: Behaviorism Theory
حقل التساؤلات والإشكاليات والجدليات الاستفزازية, وهذا الحقل هو ملعب فسيح للدكتور شريف عابدين يجيد اللعب فيه بمهارة, هو مكانه وفضاءه الذي يطرح فيه فكره, تساؤلات يشرك فيها المتلقي ليحاول ترتيب إجاباتها معه, يعتمد فيها على
نظام تداعيات الأفكار والتساؤلات كالسلاسل الممتدة طوليًا, وتبرعمها بامتدادات أفقية معترضة...
نرصد في هذا المدخل تساؤلات حيرى عن سلوكيات خارجة عن السوية الأخلاقية كالخيانة في علاقة زوجية مثلًا في قصة( زخات الفجر), وتداعيات سيل الوعي عند الزوجة المغدورة عندما تشتم زوجها الخائن الذي تزوج من عجوز غنية, وتنعته بالكلب! ثم تستدرك أن الكلب مخلص ولا يخون, لتعود وتستأنف أنه كلب في دنسه ونجاسته وليس بوفائه!
"كيف يكون كلبًا ويخون ؟" تجيب : " كلب في دنسه.. لا أريد أن أتذكر حقارته.
ثم تتابع في تساؤلات حزينة تندب فيها حظها:
تنشج : " أخذني لحمًا ..." تمسح دمعها: " لكن كيف يتسنّى لكلب أن يزهد في عظام ؟"
تتساءل تساؤلًا آخر يفضي إلى قضية عقد الزواج العرفي الذي لا يلزم الزوج لا بالمهر ولا طلاق ولا نفقة ! ويجب إثارة هذه القضية باستفاضة في قانون الأحوال الشخصية.
" أين هي ورقة طلاقي ؟ تسرّ في نفسها : " ليس في العرفي ورقة طلاق . هي ورقة واحدة تزوجني بها ليس هناك ما يثبت أنه طلقني"
ثم تتواصل تداعيات هذه المرأة لتصل بنا إلى تداعيات نفسية جنسية ( شهوة الأنثى بين الاتقاد والخمود) بمقاربات إيحائية: صوت مواء القطة من الخارج, وصوت أمطار تنهمر بغزارة أيضًا بالخارج(شريك ذكر), تدرّج مواء القطة( أنثى) من صوت مرتفع غليظ إلى مواء قصير منخفض, ثم توقف صوت القطة والمطر( انتهاء العلاقة الجنسية), تغالب النعاس ( المرأة), تشعر بالدفء ينساب أسفلها البلل يمتد لفخذيها, بقعة صغيرة بملاءة السرير( دالّات حسية ومرئية) التماهي بين صوت المطر وصوت الماء بالحمام مع السعال ( دالّات صوتية), كل ذلك جعلها ترتعد في فراشها وتتساءل : أيكون جنيًّا؟ .. لكن من أين له بالمفتاح؟
تجيب هي : لابد أنها تهيؤات!
اللافت أنها تقدّم افتراض أنه جني! من يأسها من مجيئه!
أمّا الإجابات التي يبتغيها الكاتب فهي إجابات لتساؤلات أخرى: هل هي تهيؤات حقًّا؟ هل هو حلم كما ورد بسياق الجملة ( واستسلمت لنعاس دافئ لذيذ, تستكمل حلمًا اعتادته كل صباح) ؟ أم أنه هو فعلًا يدخل عليها بالمفتاح كما اعتاد دائمًا كل صباح؟!
نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات.

أما في قصة ( 309-خسته خانه) فقد كانت التساؤلات متنوّعة, فيزيولوجية طبية تستغرب حدوث أعراض غير مبرّرة تنبئ عن اضطراب جسدي وخلل وظيفي مجهول لطبيب مع أصدقائه, سقط يتصبّب عرقًا باردًا في زحام ليلة النصف من
شعبان والتساؤلات يطرحها هو, مستغربًا عما ألمّ به وهو في حالة إغماء:
من أين يأتي كل هذا العرق.. وكيف يُضخ كل هذا العرق ؟ أي آلية تلك التي تعمل دون طاقة .. أنا لا أتنفّس .. من أين لها بالأوكسجين .. بنزين الجسم .. لابد أنها معجزة ! لكن ألا تكتمل معجزة تلك الماكينة وتمنحنا أيضًا القدرة على السير بضعة أمتار للوصول والمشاركة في استقبال عرس الروح؟
عندما يعلم أن هناك من سرق ساعة يده ورماها ودهستها عربة وفقدت عقاربها, وأنه غاب عن الوعي ساعة يسأل سؤالًا استنكاريًّا: أي ساعة؟!
يجيب: لقد استغرقت كل من التهوية وتجفيف العرق واستجداء سائقي الأجرة وطلب الإسعاف ومروري بال ( خسته خانه) زمنًا طويلًا ...
لابد أنها ( ساعة إدراك ) لكل من قام بتلك المحاولات. ليست ساعة واحدة ! خمس ساعات على الأقل .. ثمّ الدقائق التسع للإفاقة ....
ميّز بين الوقت الخارجي المدرك بالواقع, وبين الوقت الداخلي أثناء الغياب في السبات أو الإغماء.
طرح الكاتب في هذه القصة أيضًا قاعدة أرسطو الفلسفية في قوانين الإدراك, وهي عن العلاقة بين الكل ومجموع أجزائه, عندما تحدث الأحداث بالتوازي في أفلاك مختلفة, بمعزل عن سياقها, فاقدة للتزامن ..
على هذا لاالقانون فسّر علميًّا وفلسفيًّا ما حدث معه وما رآه من أحداث في فترة إغمائه الذي استمر بالزمن المدرك ساعة وتسع دقائق, وبالزمن المسبوت خمس ساعات أي 300 دقيقة بالواقع, وهذه إدراكها يكون بالسنوات, 300دقيقة = 300 سنة والتسع دقائق الأخيرة استغرقتها رحلة العودة. تماهي عجيب مع فترة نوم أهل الكهف!

تساؤلات ماورائية رافقت رحلة الغياب عن الواقع تلك, بدأها بسؤال علمي عن عملية البناء الكيميائي في النبات ( التمثيل الضوئي) عندما شعر بالطاقة والنضارة حالما دخل ضوء القمر مسامه:
- تمثيل ضوئي ! هل صرت كائنًا كلوروفيللي ؟ هل تحوّلت إلى نبات؟
ثم بدأ يطرح أسئلة استنتاجية على ضوء ما يرى وما يحس:
جلست على إحدى الغيمات..
-هل أسبح في أفق الخيال؟
ما رقبت قمرًا صناعيًّا ولا سفن فضاء أو طائرة بلا طيار..
-أأكون رحلت إلى الماضي؟
شعرت ببرد يسري في الأوصال, فتحسست عميقًا في حنايا جسدي..فتشت طويلًا عن قلب نابض! .. بلا فائدة..

-أتراني مت ! .. أأكون فنيت ؟
البرد اشتد .. ما لي أرتجف هكذا ؟
ما لبثت أن ذابت تحتي الغيمة, وهطلتُ مع أمطارها كي اصطدم مجدّدًا بالأرض .. لم يكن الجو باردًا بتلك الدرجة.. علّق سائق العربة الكارو:
- طبقة الأوزون لدينا ما زالت بكرًا!.

هو الآن في أرض الماضي يبدأ بطرح أسئلة تاريخية :
- أهذه هي المحروسة ؟ أين واليها وأين الصدر العظم ؟
التقويم يظهر صورة الوالي العثماني والعام الهجري 1127 ليوم الربعاء التاسع عشر من شوال.
الإجابات كانت خلطًا بين الماضي والحاضر و فيها الكثير من التهكم :
- أرسله الباب العالي إلى الجزيرة .
- الجزيرة لم تعلن شيء .
- ليست جزيرة قطر.
- عفوًا ظننت أنه قد يرأس القسم الثقافي هناك.. أليس شاعرًا فحلًا؟
- لقد أرسله السلطان العثماني إلى رودس.
- يقضي الويك إند! ....
في (شيتوفيليا) : كانت التساؤلات فلسفية حياتية عن الخصوبة والعقم, عبر تداعيات الوعي عند زهرة صبار تخشى مفارقة ذكرها لها لأنها عاقر, علاقة المكان والبيئة بخصب الرحم أو عقمه:
-هل أعيش في الصحراء لأني لا أثمر ؟ أم لا أثمر لأني أعيش في الصحراء؟
ليس هناك فرق , أنا أحيا في بيئة تتسم في الحالتين بالقفار.
مفهوم البهجة: ذكر الصبار يسأل زهرة الصبار العاقر : لمَ لا تبهجي وتبتهجي؟
يأتي الجواب في القصة التالية ( مذاق شهي للصبار):بما أنني لا أثمر علي على الأقل أن أبهج! سأفعل ذلك لكن لابد على الأقل أن أحيا!
مفهوم الظهور والغياب: طرح فلسفي لهذا المفهوم عبر تساؤلات احتجاجية ومقارنات توضيحية :
- كيف تطالبني بالظهور, ثم تشرد بعيدًا ؟ الحرباء تختفي لتحيا, أنا أتواجد لأحيا.. لأني إن لم أتلون وأبرز وجودي سيتلاشى تمامًا هذا الوجود .. أنا أتلوّن كي أُدرك! سيُفتك بنا لو لم نتلوّن.
سؤال حائرعن مقدار الحاجة إلى التسامي والغريزة:
- بنسبة كم تحتاج أن تكون راقيًا؟ وبنسبة كم تحتاج أن تكون غريزيًّا ؟
له قلبان : قلب للزهرة, وقلب للثمرة .. وهو حائر بينهما .. قد يحب الزهرة ويحتاج إلى الثمرة ..يحتاج الابتهاج ويتوق إلى الإثمار , بين الحاجة الوجدانية الحالية, والحاجة المادية التالية .. تتنازعه الرغبة ويؤرقه التوق.
وفي ( لو أن.. زهرة ذات خريف..) تساؤلات تمنطق مفهوم المعرفة والواجبات الزوجية والمشاعر والعطاء من منظور الزوج الشديد الخشونة, تعكس سيكولوجية الرجل الشرقي بالمجمل- ولاسيما الرجل الذي يعاني من عجز جنسي لا يطلع عليه زوجته, معتبرًا ذلك انتقاصًا وهزيمة له أمامها- كما تبرّر سلوكياته العنيفة:
-"ما جدوى أن أعلمكِ بحق السماء؟أنت كائن بسيط فطر على العطاء.. لا شأن لكِ بالجدل والمعرفة, تلك الإشكالات العقلية والأطروحات الذهنية هل تضيف أو تنقص من وظيفتك؟ "
- " لا بد أن تتفرغي لمهمتك؟ لم أشأ أن أؤثر بالسلب في برمجتك الفطرية! حين أقولها لا أقلل من شأنك! لا أعني أن يقتصر عطاؤك على المادي.. لا استهانة في الأمر.
- هل لمستكِ شأن مادي بالمطلق؟ ليس ماديًّا تمامًا .. هناك الماورائيات بالطبع.. لا يقتصر تأثير لمستك على الجانب المادي منها!
- هل اللمسة مرادف للحنان؟ من المؤكد لا ! هناك الكثير مما يقال عن ما ورائيات لمستك مما جعلها تقترن بالحنان..هه؟
- أما كنت أدعوكِ دومًا لكي تبتهجي؟ أما كنت أزفر وأصرخ كثيرًا؟ ألم يوحِ ذلك بمدى توتري؟ كان أحد الأسباب أني لا أجد من أفرغ همي بالتحدّث معه! همّ احتفظ به داخلي و يؤرقني وحدي. لم أشأ أن أخبرك أنه الوهن! كنت مختنقًا .. لم يكن هناك معنى للكلام في ظلّ العجز. . لن تكون ثرثرة مثمرة على أية حال ..و لم أكن أوثر الإشفاق.
ميّز بين مفهوم الأمومة والكيان الأسري, من وجهة نظر رجل عقيم, مستندًا إلى منظور أخلاقي, يرجح مفهوم الكيان الأسري, والسؤال الذي يطرح نفسه, هل لو كانت المرأة هي العاقر تبقى المعايير ثابتة؟
-" أنا أثق في حبك لي, لكم حاولت أن أخرجك من كآبة عدم الإنجاب . أدرك أن عدم تكوين أسرة صغيرة كان يشغلك كثيرًا. كنت مستاءة جدًّا .. أعرف. الحق في المعرفة كان سيتيح لك احتمالية أن تخطئي انقيادًا وراء مشاعر الأمومة لتهدمي بكيانك الأنثوي الهش كياننا الأسري!؟ كرجل وامرأة . هل كنت أسمح لك بأن تلقي عرض الحائط بسعادتي؟ ! اليس ذلك منظور أخلاقي؟ لأحافظ على الكيان الأسري.. لم أشأ هدم عشنا.. لا.. لم أكن لأسامح نفسي أبدًا.
أما في (رحلة العودة)
أسئلة وجدانية مؤثرة جدًا من أم ملتاعة ضاعت عنها طفلتها في جو شديد

البرودة, كانتا معًا تحت شجرة جرداء, تلوم الكون على تغيير نظامه ما كان سببا في ضياعها:
- كيف لصغيرة مثلها أن تغير نظام الكون ؟ أو أن تتخيّل هطول الثلج في الربيع؟
تهز الأم جذع الشجرة وقد أخذها فكرها المضطرب إلى احتمال أن تكون الطفلة فوق الشجرة:
هل انكمشت طفلتي من شدة البرد؟ هل صارت ندفًا يتطاير ؟
هل استقرّت في مكان ما ؟
وتماهٍ عجيب بين خاطر الأم وخاطر الطفلة سؤال تطرحه الأم بداخلها و تجيب عليه الطفلة بداخلها أيضًا:
- ها أنت يا أماه تهزين الجذع .. ترومين الهبوط وأنا أصعد.
- أيتها البائسة .. لكم تعلّقت بثوبك لكنك عارية مثلي.. هنا أحضن فرعًا ويغطيني الآخر.
- .. طفلتي تقبع أعلى الشجرة ..هل صارت حبة تمر ؟
بعدها نرصدًا خيالات عجائبيًّة لا يجرؤ على تجسيدها إلّا كاتب اختار أن يذهب بخياله إلى أبعد مدى! لدرجة أن الطفلة قد تتقلّص إلى حجم لا يُدرك, تستعرض الأم مخابئها الخارجي وتحاول الوصول إلى المكمن الصحيح بقاعدة رياضية هي نفي الاستنتاج بالاستحالة الحل أو النتيجة:
- هل قلصها البرد حتى صارت غير مرئية؟
- أتكون داخلي قد اختبأت؟
- في أنفي؟ لا .. لابد أنها ستسقط
- الأذن؟ ربما تبدو كأريكة لكنها بلا بوابة تحميها وصفير الريح يخترقها .. لابد أنه سيطيح بها.
- في فمي ؟ .. أنا أتلمظ المرارة, فكيف تكون حلوتي داخل فمي؟
- ترى اختبأت في طيات ثيابي ؟يا لغبائي .. يفترض ان تنعم بالدفء طالما احتمت بي .
- أي دفء وأنا أكاد اتجمّد؟ ومن أين يأتي الدفء؟ أنا أم ويفترض أن تكون أحضاني دافئة , لكني لا أتناول شيئًا..لا طعام ولا شراب..
- الحنان؟ أي حنان وقسوة البرد تملي السياق.
- كيف أحنو وأحتضن وصدري بارد كقربة هواء جاف يفتقد النبضات؟
- هل صارت طفلتي قطعة ثلج؟ جلباب وحيد سأخلعه وأفتشه, هاهو الجلباب يتناثر منه الثلج.. هه .. أنا عارية تمامًا.
والآن إلى التخيّل الأعظم, تترك المخابئ الخارجية بعد أن انتفت عندها كل احتمالات الاختباء الخارجي, لتلج إلى الداخل عميقًا:
- أين ذهبت طفلتي ؟ أتكون قد عاودت رحلتها واستقرّت داخلي بحثًا عن الدفء؟ ليتها استقرّت في الداخل ! ليتها تسكن أعماقي!.
- لكن هل انكمشت إلى هذا الحد كي تستطيع النفاذ؟ هل استعادت طراوتها للدرجة التي لم أشعر بها؟
- كيف تسللت إلى داخلي؟ وهل هناك ما أشعر به سوى الإحساس بلسعات البرد تخترقني؟
لنقف على هذه الصورة ذات التناص الرائع مع قصة مريم البتول وهي تهز إليها بجذع النخلة أثناء مخاضها! لندخل في أدب نسوي أبدع الكاتب فيه بتصوير الولادة ومشاعر الأمومة عبر تكنيك سلوكي ذكي جدًا قائم على قاعدة نفي الاحتمالات للوصول إلى الحل الوحيد أو النتيجة الحتمية:
- يا إلهي .. أنا أعتصر الشجرة.. أستحلفها أن تخفف من آلامي ؟ أأحتمي بها من صقيع يحاصرني؟ أأستدر عطفها والرفق بي؟
- اتراها تصرخ؟ من يصرخ طفلتي أم جوفي؟
- ها هي الآلام تختفي تدريجيًّا .. هل راقت لها أحشائي؟ حيث الدفء.. هل طاب لها البقاء داخلي؟!
النتيجة الحتمية: مخاض عسير ولا ولادة بل موت محتّم للأم, نصوير مهيب للاحتضار:
- جذع الشجرة لا يهتز, ثمارها تتساقط ثلجًا .. وطفلتي التي اختبأت داخلي لا تريد أن ترى نور هذه الحياة .. نور أي نور ؟ الرؤية تخبو تدريجيًّا .. والظلال الباهتة لهذا العالم تحاصرني في سكون .. حتى يطبق الظلام تدريجيًّا على أنفاسي.

في قصة (خروج من المولد) يندمج البطل في تصديق الوصف الذي ألصقه بزوجته من أنها ملاك تجري عليها الصفات والأحكام الملائكية, فيتساءل أسئلة استغراب وانبهار:
- مكانها في السماء .. لمَ تعشق الأرض ؟ هل تعاني من رهاب الفضاء هذه الفوبيا التي تصيب من تنتابهم هواجس تتعلّق بالماورائيات؟
- ألا تفضلين عالم الميتافيزيقا .. أنت بطبيعتك لا تنتمين لهذه الأرض فلم تنجذبين إليها! .. خمّنت مرارًا بأنك دالّة الموجة المرتبطة بالعذوبة والصفاء.
ليفاجأ بعدها وهو في الاحتضار بأنها لن تلحق به من فورها كما عاهدته لحظات مبالغته في تحديد ماهيتها المادية, عندما تحضر الذات الآدمية كما خلقها الله, تعشق الدنيا والحياة فيها رغم كل مرارها, الجنة مكان الملائكة لكنها الآن غير متاحة لإقامة البشر :
- أنت الآن رجل حكيم .. ولكم امتدحت شفافيتي!
- أما اعتبرتني ظاهرة كونية؟ .. الإيثار من خصالك المعهودة, ولقد عهدت فيك نكران الذات .. لن تقبل أن أنتحر كما وعدتك.. لا يليق بعمرنا ويرفضه إيماننا.

في نص( لا أريد أن أبكي الآن) : كانت الحياة وجدواها هي الجدلية التي اختلف عليها الرجل اليائس والكائنات التي تعيش في حديقته التي أهملها لشدة قنوطه:
- لماذا نمارس طقوس الازدهار إن كان بعيدًا ؟
بادره طائر يرقبه من أعلى الشجرة الجرداء:
- أنت تراهن على الرفاهية ونسيت الرهان الأهم.
- الأهم يأتي في السياق, يستوجب استمتاعي بالحياة أن أكون حيًّا. ثم يردّد:
- بالرفاهية ترتبط الحياة , الحياة ثانوية ... لكنه يردّد:
- ماذنب هذه الكائنات
في (إغواء عطرها ): جدال بين الروح والنفس والجسد:
حين قالت: تحرّر من قيودك قبلما تنشد أسري ! سألت كيف ؟
أجابت : ما يجبرك يكبلك.. ترضخ ! جدران أسري تعوق اندفاعك نحو كل ما يجذبك!
اسأل : تعنين الانفراد بي؟
تعقب محتدة : أقيدك لأحررك !
أتعجّب: أمن قيد إلى قيد؟ ( من قيد الجسد إلى قيد الروح؟)
تقول: قيدي يحررك!
أعترض: وما الفرق بينكما؟
ترد : .... أفق ! أنت تدفع مقابل أنفاسك.. تمتمت: كيف؟
ثارت: عندما تزفر ألا تمنح النبات قيمة النماء ( مفهوم الأخذ والعطاء)
في فضائي لا تحتاج إلى هواء.. لن تزفر أو تتأفف .. ستستنشقفقط الفيض السرمدي ما يكبلك هو جسدك .. وعندما تحتاج تندفع وراء تلبيته.
جادلتني النفس: كيف .. أمن قيد إلى شباك؟

4-المدخل العقلاني Mentalism Theory:
تناص مع رواية ( عوليس) للروائي الإيرلندي( جميس جويس) 1922على مستوى البنية الفنية والمادة السردية واستخدام أسلوب تيار الوعي بخصائصه التقنية ( تقطيع الحدث والانتقالات الزمنية والمكانية, الانتقالات الفجائية بين المواضيع, تشظي الزمن أو تكسير الزمن ضاربا عرض الحائط بالتسلسل الزمني, التعددية اللغوية وتوليد مفردات جديدة. لنرصد ذلك بدقة في نص ( يوم طويل في ذلك الشهر): .... تتأملين: ربما ليس لديك القدر الكافي من ( الميلاتونين) أتراها اختلت ساعتك البيولوجية ؟ يا ربي! أيكون الفارق بالتوقيت؟ أيكون يناير بالداخل والخارج مايو؟ .... لكنه الصقيع ! يمتد طويلًا كالأيام .. .... تسترقين السمع : هو مايو بالفعل والأول بالتحديد .. تلك هتافات العمال .. نعم .. بالحقوق......
كم يستمرالشتاء .. ماذا عن دورة الشمس! تجزمين أن شمسك لم تشرق في هذا اليوم. تقفز إلى ذهنك فكرة كثافة الغيوم .. تتشبثين بها كلعبة طفل ......
تجوبين الردهة الفسيحة زز يا إلهي الأثاث , المفروشات , السجاد حتى الصور على الحائط تنكمش أيضًا!.... تفركين عينيك .... كائنات تنحسر وفضاء يمتد....ما أجمل الحرية .... اليست لديك مدفأة ؟ ... مدفأتي أينك ؟ ... أخيرًا وجدتك.. تكتشفين أنها مثلك .. باردة تمامًا .. مثلك بلا ملامح.

على صعيد الأنسنة تناص مع حكايات كليلة ودمنة ترجمة عبد الله بن المقفع, وحكايات الفرنسي لافونتين فيما يختص بأنسنة الحيوان.
تناص مع الأديب العراقي عبد الرزاق عودة الغالبي في أنسنة النبات في قصص عديدة أذكر منها ( زهرتي البيضاء) كما تناص معه في شخصنة النفس والروح والضمير.
تناص مع قصص القرآن الكريم ( قصة أهل الكهف, وسورة مريم)
في التخييل : تناص مع بول ريكو, ومع غابرييل كارسيا في رواية ( الحب في زمن الكوليرا) في حيثية حاسة الشم عند فيرمينا داثا بوصفها دالة على فعل خاص يخرج عن نطاقها المنطقي والوظيفي في التعامل مع الملابس, ويتجاوزه إلى موقف أخلاقي من الشم, وهو شك فيرمينا بزوجها.
عند عابدين كان الأنف قلبًا نابضًا بحب شخصية أثيرية( الروح), كان صاحبه يحاول الخروج من جسده لملاقاتها والتحليق في صفاء, ليغدو الأنف مكتشفًا لكينونتها: من ( إغواء عطرها).
بادرتها: رائحتك هي حقيقتك .. أنا مفتون بعطرك.
تبسمت : يا لك من كائن أنفي!
قلت : من أنفي ينبض قلبي منتشيًا .. وعقلي يركض ناشدًا تفسير ظاهرتك الكونية .. عطرك هو حقيقتك .. أنت تبثين العطر .... عطرك هو مادتك الخام.. معدنك ! دون تشكيل..

يتغير ملمسك .. تتغير ملامحك لكن يبقى عطرك .. لا يحتاج عطرك لإعدادات خاصة كي يتسلل إلى حواسي .. عطرك هو ما تفعلين .. عطرك هو كينونتك.

التجربة الإبداعية عند الدوكتر شريف عابدين:

التجربة الفنية:
يعتمد فيها الكاتب على قواعد فنية معينة مرتكزًا على عمل فني سبقه, لذلك يكون سجين تقليد ما سبق من الأعمال التي وصفت بأنها مثالية.
التجريب:
ليس تقنية بقدر ما هو تعبير عن مواقف أو رؤى أو تصورات فلسفية وجودية وجمالية وتاريخية تحكم مجمل العملية الإبداعية, فالتجريب موقف متكامل من الحياة والفن, وهو ينطلق من حاجة ماسة إلى التجديد, ورغبة ذاتية في التخطي والاستمرار, فهو يستدعي نضج الفكر, و وضوح الرؤية, وتطور الأدوات الإجرائية, وتنوع الأساليب الفنية, وهو يختلف من شخص إلى آخر في فهمه وفي كيفية تطبيقه.

يتفق معظم النقاد على أن التجريب في الرواية هو قرين الإبداع لأنه يتمثل في مجموعة من الثوابت أهمها:
-1 ابتكار طرائق وأساليب جديدة في أنماط التعبير الفني المختلفة.
-2 تجاوز المألوف والمغامرة في قلب المستقبل, مما يتطلب الشجاعة والمغامرة.
-3 استهداف المجهول دون التحقق من النجاح.
-4 الفن التجريبي يخترق مساره ضد التيارات السائدة بصعوبة شديدة
-5 نادرًا ما يظفر الفن التجريبي بقبول المتلقين دفعة واحدة, بل يمتد إلى أوساطهم بتوجّس, ويستثير خيالهم ورغبتهم في التجديد باستثمار ما يسمى بجماليات الاختلاف, ويتوقف مصيره لا على استجابتهم فحسب, كما يبدو للوهلة الأولى, بل على قدر ما يشبعه من تطلعاتهم البعيدة عن التوقع, ويوظفه من إمكانياتهم الكامنة.
-6 جدل التجريب الإبداعي متعدد الأطراف, لا يجري داخل المبدع في عالمه الخاص, بل يمتد إلى التقاليد التي يتجاوزها, والفضاء الذي يستشرفه المخيال الجماعي.
لقد قام الدكتور شريف عابدين بدخول عالم التجريب الروائي عبر مفاصله التي دوائر ثلاث قد تتداخل فيما بينها وهي: المكان والأسلوب واللغة
- المكان: عوالم متخيلة مبتكرة, غير مألوفة في الحياة العادية, كعالم البرزخ, كما في (خسته خانه و نقطة تقاطع وخروج من المولد, لا أريد أن أبكي الآن) وتجربة الخروج من الجسد ( إغواء عطرها), عالم التهويمات النفسية (زخات الفجر, يوم آخر طويل), و قد تكون غير مسبوقة كعالم النبات ( شيتوفيليا, مذاق شهي للصبار, لو أن زهرة ذات خريف) و عالم الحيوان (ريتا, صرخة أنثى, جدوى العشق)
- الأسلوب: استخدام تقنيات أسلوبية أو فنية حديثة لم يسبق استخدامها في هذا الجنس الأدبي ( القصة القصيرة ) لها دور تواصلي في تقديم العالم المتخيّل مثل تيار الوعي, أوتعدد الأصوات أو ...الأمثلة معظم القصص
- اللغة : تعددية في المستويات اللغوية تكون بالمجمل خارجة عن المألوف ما يبرز إبداع الكاتب, ويؤكد تمكّنه وقدرته على توظيف ثقافته ومعارفه اللغوية في أماكنها المناسبة, مثل توظيف اللغة التراثية واللهجة الشعبية والأغاني والمفردات الأجنبية الحداثية المستخدمة في اللهجة الدارجة, والمصطلحات التكنولوجية الحديثة.
وبذلك نجد أن التجريب في الأدب العربي قد طال الشكل أو البناء الجمالي بشكل عام ما عدا الزمكانية من البناء الفني...
وفي إطار جدلية العلاقة بين الشكل والمضمون فإن التجريب على صعيد الشكل لا يلغي المضمون, بل هو يتّخذ من الشكل مدخلًا يقود إلى مضمونه.

التخييل :
"لفظ التخييل اللاتيني يتكون من معنيين ( الخلق وفعل الخيال ). والتخييل هو فعل صناعة يتدخل في المادة الجمالية ليصوغها على نحو مخصوص كي تُقدّم إلى متلق معين, والانتقال به من مجال العالم الجاري أمامه إلى مجال عالم آخر مختلق
وينبغي هنا استعادة كل من( كانط و ردزورث ) حيث يرى الأول بأن الخيال يركب الصور غير المترابطة في الذهن, ويغني الثاني فهم كانط يإضافة وظيفة الانسجام على عملية التركيب التي يمارسها الخيال, ومن ثم فالتخييل هو العمل الذي يمارسه الخيال, والذي يقوم على الجمع بين المتنافر وإنتاج واقع جديد" .
والأمثلة على ذلك القصص التي تتحدّث عن عالم البرزخ والتهويمات النفسية .

الأنسنة: سبق أن تكلمت عن هذا الموضوع تحديدًا في المقدمة.

تقنية المفارقة البلاغية : في ( أضواء خافتة): مومس تمارس البغاء وهي فاقدة لثديها) تناص مع بول ريكو في كتابه ( الاستعارة الحية) حين عدّ الاستعارة داخلة في عدم التلاؤم المحمولي, ومنتجة واقعًا جديدًا بفعل خلق التلاؤم داخل عدم التلاؤم.
يعتبر الكاتب شريف عابدين من الكتّاب الأوائل الذين ملكوا الجرأة في الكتابة التجريبية والابتعاد فيها إلى أبعد مدى حدّ التغريب, كلّ شيء متاح أمامه قابل للاستخدام والتناول بأريحية متناهية, مع الوعي التام والتأكد من أنه سينجح في هذا التجريب, طالما أنه لم يخرج عن أصالة اللغة العربية العريقة و بلاغتها ببديعها وبيانها الساحر, بل كان متفوّقًا بها بشهادة الإسناد الرقمي, حتى التغريب لم يكن عنده ممجوجًا, وإنما ساقه من باب التهكم والسخرية. وطالما أنه لم يهوّم في السريالية التائهة في غياهب التحليق في الفوضى الهدّامة, ومؤكد ليست خلّاقة, لأن الإبداع لا يكون إلّا برسالة إنسانية, تكون الهوية والهدف, وإلّا كان سرابًا يلاحقه المخمور والمتعاطي , ليصحو بعدها على خيبة حاله.
وبعد, لقد أخذت نقد هذه المجموعة القصصية استقرائيًّا حدّ الخلفية الأخلاقية بانبهار, وأسند ذلك بالقسم الموضوعي للرؤية الذرائعية بشكل إحصائي, لأثبت دقة ما استقرأته بإسناد علمي, وهذا دأب وهدف تتبناه الرؤية الذرائعية مستلًّا من مبدأ أن النقد علم ساند للأدب.


رابعًا- الخلفية الأخلاقية Moral Background:
أتحدّث فيها عن أبرز القضايا والعلاقات الإنسانية الأخلاقية التي مرّرها الكاتب كخيط وشي مذهب في منسوجاته القصصية وهو التناصف الإنساني بين الرجل والمرأة رغم الصراع بينهما, وقد أشار إلى المواقف الكثيرة التي تُهان فيها المراة من قِبل الرجل والتي يُقصم فيها ظهرها كالخيانة, الهجر, القسوة الخشونة والفظاظة في المعاملة, التهميش وإضاعة الحقوق في عقد زواج مجحف كالعقد العرفي, استغلال المرأة وتعريتها دومًا بحجة الحماية ( نشيج رداء ممزق, صرخة أنثى), وعندما كانت المرأة في أدنى مراتب الوضاعة ( مومس) أشار إلى أبرز الجوانب الإنسانية فيها, كما أشار إلى المواقف التي تكيد فيها المرأة وتنكره, لكن هذه القصص بالمجمل تنتهي بالمسامحة من قبل الجانبين وكأن الكاتب يريد أن يمرّر لنا رسالته الإنسانية(الحياة ستستمر رغم كل المنغصات, بتكامل المتناصفين)... بقي الكاتب لصيق مجتمعه رغم ميله الواضح نحو التغريب, ليؤكد أن الأدب العربي بأصالته وعراقته يبتلع التغريب, يأخذ أحسنه ويلقي شوائبه... حفلت معظم النصوص بثنائيات ( الموت والحياة) ( اليأس والأمل) انتصرت فيها بالنهايات ثنائية ( الحياة والأمل).

ننتقل إلى الأبواب الموضوعية العلمية البحتية:

خامسًا- التقييم الرقمي الساند Supporting digit analysis:
نحسب به درجة أرجحية الإبداع لدى الأديب, عن طريق إسناد جميع الدلالات والمدلولات والمفاهيم والعلامات الحسية التي قمنا باستخراجها إلى جدار رقمي ساند, بتحويلها جميعها إلى أرقام حسب تكرار مدلولاتها, حيث نضعها بمعيار حسابي دقيق كنقد رقمي ساند, نعرف من خلاله هوية الأديب و درجة رصانة النص, ليكون الحكم على النص والأديب حكمًا عادلًا غير متحيّز بلا محاباة ولا تجنّي ..

الدلالات الحسية:
الدلالات اللغوية : 208
الدلالات الخيال الصور الأدبية البراغماتية (الاستخدام البراغماتيكي الأمثل): 200
الدلالات التغريبية: 30
الدلالات الفلسفية : 178
الدلالات الوجدانية:206
الدلالات النفسية :138
الدلالات الرمزية:20
المجموع : 980
نقسم على 10 تكون النتيجة 98%
وهي درجة التعابير والاستخدامات اللسانية للكاتب والتي تتضمن :
1- المعاني السيمانتيكية أو المعجمية بمدلولاتها ومفاهيمها.
2- المعاني البراغماتيكية ( الذرائعية ) المتضمنة الخيال والرمز واللغة الساندة والتأويل والتضمين.
3- التعابير والاستخدامات البلاغية العربية أي المحسنات البديعية والمحسنات البيانية .
4- وبهذا أستنتج أن هذا الكاتب يستخدم السرد الأدبي بدرجة تمكّن باهرة 98%

سادسًا -الميل البراغماتيكي:

وهنا سيرتفع الميل البراغماتيكي وسيكون 9 وحدات و8 بالعشرة وهذا الميل يعطي لنا براعة الكاتب باستخدام الاستراتيجيات والتكنيكات السردية بشكل متمكّن وما يساوي 9,8من 10

سابعًا -الخاتمة:

د. شريف عابدين أديب جمع الحقائق والخيال بالأبعاد بهدف أن يجعلها واقعًا, يريد أن يستولي الواقع على الخيال, كلما توسع عقل الإنسان كلما ملك زمام الزمن, فينقرض الخيال بهيمنة الواقع, كالغيبيات الخمسة التي عرف نصفها إلى الآن بإذن الله, فالله هو الذي يسمح برقي العقل الإنساني لتوسيع ساحات الواقع على حساب الخيال اللا محدود, حتى يأتي يومٌ يكون فيه الخيال محدود, ربما هو يوم الديمومة ويوم الحساب ... و الدوكتر عابدين خبير بالتأرجح بين الخيال والواقع بإطار علمي, و قد تفوّق بتغطيته برداء أدبي فضفاض, وهذه حالة تقع بين العلم والأدب, وهي سمة يتصّف فيها هذا الكاتب بالذات, ولم أتعرض لها يومًا عند غيره, رغم أني كتبت نقودًا كثيرة لأدباء كثر...

أتمنى أن أكون قد قدّمت ما يشبه الدراسة النقدية تليق بهذه المجموعة القصصية الراقية, ملتمسة العذر على تقصيري, مع خالص التحايا و التقدير للأديب الفذ د. شريف عابدين .

#دعبيرخالديحيي
الت





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,360,573,300
- أدب الحرب في السرد القصصي واجهة للثقافة العراقية... قراة نقد ...
- البوكر .. إلى أين ؟
- لعبة الكر والفر دراسة ذرائعية مستقطعة لرواية/على فراش طاغية/ ...
- كتلة.. وفراغ
- لبينيّة السردية في رواية /ابن آني/ للكاتب المصري أحمد فؤاد د ...
- السرد والأسلوب بمنظور ذرائعي
- فراق...أم لقاء...؟
- إلى عملاقة شعر اسمها ريتا
- إشهار موسوعة الذرائعية
- سفر في أزرق الفنان التشكيلي محمود سعيد عبر رواية ( اللون الع ...
- مستوى التبئير الذرائعي
- عالم من البارادوكس في ديوان ( دروب) للشاعر اللبناني سلمان زي ...
- مستوى التبئير في المنهج الذرائعي
- الذرائعية وهوية النص العربي
- علمية النظرية الذرائعية
- مقارنة ذرائعية استرجاعية عن الأدب السردي الكلاسيكي والمعاصر ...
- زوبعة
- البعد الرابع
- أدب الرحلة في إطار روائي معاصر
- وجوه


المزيد.....




- الخارجية المغربية: ننوه بجهود كوهلر ومهنيته
- استقالة المبعوث الأممي إلى الصحراء المغربية لدواع صحية
- إسبانيا .. أزيد من 270 ألف مغربي مسجلون بمؤسسات الضمان الاجت ...
- محكمة إسبانية تمدد البحث في قضية جرائم ضد الإنسانية مرفوعة ض ...
- شاهد: هكذا استقبل الجمهور عملاقة السينما في مهرجان كان في فر ...
- فرقة روسية تعزف موسيقى صوفية على أكثر من 40 آلة
- شاهد: عازف البيانو السويسري ألان روش يقدم عرضا موسيقيا " ...
- فازت بالمان بوكر.. -سيدات القمر- لجوخة الحارثي تحلق بالرواية ...
- الدراما المصرية في رمضان.. العسكري يجلس على مقعد المخرج
- فنانة مغربية تعتذر بعد ضجة -القبلة- في مهرجان كان السينمائي ...


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبير خالد يحيي - التشخيص والأنسنة تجربة رائدة في عالم الفانتازيا السردية _ دراسة ذرائعية للمجموعة القصصية ( حياة مؤجلة) للأديب المصري د. شريف عابدين تقدمها الناقدة الذرائعية السورية د. عبير خالد يحيي