أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود شقير - عن العودة وحلم العودة















المزيد.....


عن العودة وحلم العودة


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 6229 - 2019 / 5 / 14 - 13:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عن العودة وحلم العودة
محمود شقير
"أيها الشهداء قد كنتم على حق، لأنّ البيت أجمل من طريق البيت"
محمود درويش
1
في زمن اشتداد المؤامرة على القضية الفلسطينية ومحاولات تصفيتها؛ يبدو تخيّل حلم العودة أمرًا لا يخلو من صعوبات.
يمكن تقديم تصوّر نظري لحق العودة؛ أما تخيّل هذا الحق في إطار الممارسة وما يرافقها من مشاعر وانفعالات، ومن تفاصيل وردود أفعال فهو أمر يحتاج إلى ظروف سياسيّة مواتية، وإلى مخيلة خصبة لكي ترى بالملموس كيف يمكن للفلسطينيين الذين شردتهم الغزوة الصهيونية من مدنهم وقراهم، وعاشوا سنوات طويلة في مخيمات اللجوء والشتات؛ وتعرضوا لمختلف صنوف المعاناة، أن يعودوا إلى أماكن الطفولة والصبا، وأن يجربوا المفاتيح التي لطالما احتفظوا بها لليوم الموعود؛ في زرافيل البيوت التي احتلها الغزاة وسكنوها؛ أو أن يتأسّوا على بيوت كانت لهم فأخرجوا منها عنوة؛ ثم طالها النسف والتدمير والخراب.
لمقاربة هذه العودة المتخيّلة، ولتجسيد الحلم الذي لم يغادر مخيّلات الفلسطينيين من مختلف الأجيال، سأتذكّر عَوْداتي المتعدّدة إلى البيت، وإلى مدينة القدس بعد غياب متكرّر لم يكن لي فيه يد، بل كان المحتلّون الإسرائيليون هم الذين يفرضونه عليّ.

2
في شهر تموز 1948 بعد احتلال الجزء الأكبر من فلسطين، جرّبت أوّل ابتعاد قسري عن البيت الذي لم يخطر ببالي من قبل أنني سأبتعد عنه. كنت آنذاك في السابعة من العمر. وكان ثمة عدوان مسلح على جبل المكبر.
ولم نعد؛ أنا وأهلي، إلى بيتنا إلا بعد أشهر حين أعلنت الهدنة وتم ترسيم الحدود، وتأسست للمحتلين الإسرائيليين دولة؛ وأصبحت قريتنا واحدة من قرى الحدود.
شعرت بفرح غامر حين عدت إلى مكاني الأول، وإلى البيت الذي كان يحميني من المخاطر ويهبني الدفء والحنان؛ غير أن خوفًا فادحًا مما تعرّضنا له في تلك الليلة المشؤومة تسلل إلى صدري وظل كامنًا هناك لسنوات؛ وربّما حتى الآن.

***
وفي الخامس من حزيران 1967 انبعث الخوف الكامن في صدري من جديد؛ بعد أملٍ لم يدم سوى ساعات بأن تحرير فلسطين قد حان. كانت الحرب هذه المرة أكثر حسمًا مما سبق؛ ثمة طائرات معادية تقتحم سماءنا، وثمة قنابل مفزعة تنفجر على نحو متلاحق فوق رأس الجبل. عدت من مركز المدينة إلى البيت، وكنت أعتقد أننا لن نغادره مثلما فعلنا قبل تسع عشرة سنة؛ لكن اشتداد القصف أجبرنا على تكرار ما فعلناه من قبل. لجأنا إلى بيوت أقارب لنا بعيدة نوعًا ما من منطقة الخطر. بقينا هناك ثلاثة أسابيع أو أكثر قليلا؛ كانت تلك الأسابيع كأنها دهر بأكمله. ورغم أن الحرب المهزلة انتهت خلال ستة أيام، إلا أننا لم نعد إلى بيوتنا فور انتهاء الحرب.
ثم جازفنا وعدنا، ونحن نعلن استسلامنا لمشيئة الأعداء؛ كان رجل مسنّ من أقاربي يتقدّمنا وهو يرفع عاليًا راية بيضاء. كانت الرغبة في العودة إلى بيوتنا تملأ علينا مشاعرنا.
وآنذاك؛ أصبحت فلسطين كلها تحت هيمنة المحتلين الإسرائيليين؛ وأصبح البيت الذي ولدت فيه واقعًا تحت الاحتلال، وكم كنت مشفقًا على هذا البيت الذي كنا نتركه ليواجه مصيره وحده ثم نعود إليه؛ فيغفر لنا تخلّينا عنه في أوقات الشدّة، ثم نواصل العيش معًا في ألفة لا تنقص بل تزيد وتترسخ على مدى الزمان!

3
بعد هزيمة حزيران؛ كانت لي عودات مؤقتة، أو زيارات خاطفة إلى الجزء الغربي من القدس وإلى شفا عمرو والناصرة وحيفا ويافا وعكا وباقة الغربية ومجد الكروم وسخنين وغيرها من مدن فلسطين وقراها المحتلة منذ العام 1948. كانت عودات أو زيارات نابعة من فضول مشروع، فالوطن السليب الذي لطالما تغنينا بمدنه الجميلة في المدارس والجامعات، وفي النوادي والمنتديات أصبح متاحًا الآن؛ وإنْ على نحو منقوص، ومثير للمرارة في النفوس، بل إننا نحن الفلسطينيين الذين عادوا مؤقتًا تحت جنح الهزيمة؛ كنا نمارس نوعًا من العقوبة على أنفسنا وعلى مشاعرنا حين نرى مدنًا لا نملك فرصة للبقاء فيها إلا بإذن المحتلين؛ ومن خلال إجراءاتهم المفروضة علينا شئنا أم أبينا.
رحتُ أتذكّر على نحو غامض تلك الأماكن في الجزء الغربي من القدس التي زرتها مع أبي حين كنت طفلاً. بحثتُ عن "القهوة المعلّقة" التي كان أبي يرتقي دَرَجها وأنا معه، لنجلس هناك وقتًا؛ ثم نمضي عبر باب الخليل إلى القدس القديمة. لم أجد "القهوة المعلقة"، ربما دمّرتها القنابل التي كان يطلقها جنود الجيش الأردني من خلف السور نحو مواقع الغزاة، أو ربما دمرتها قنابل الغزاة.
تجوّلتُ مع نفر من الأصدقاء في شوارع الجزء الغربي من القدس؛ وكنّا مبهورين بأمكنة جميلة فقدناها إثر نكبة العام 1948 . كانت عودة مؤقتة مؤلمة في تلك الأيام المريرة التي أعقبت هزيمة العام 1967.
وسأذهب بعد سنوات من الهزيمة مع فريق تصوير تلفزيوني إلى بيت خليل السكاكيني في حيّ القطمون في الجزء الغربي من القدس. شاهدنا البيت من الخارج. كانت له مهابته التي استمدّها من رسوخ بنيانه ومن شهرة صاحبه المفكر التربوي اللغوي الأديب. وكان في الطابق الأرضي من البيت رجل عجوز من يهود العراق وزوجته المسنّة. طلبنا منهما أن يسمحا لنا بدخول البيت؛ وافقا بعد تمنّع وتردّد. دخلنا البيت والتقطنا صورًا لجدرانه ثم تكلمت أمام الكاميرا عن صاحب البيت وعن مآثره الكثيرة؛ ثم كيف مات في الغربة وهو غير قادر على العودة إلى بيته الذي بناه بتعب العمر، وكيف لم يعد ابنه وابنتاه قادرين على العودة إلى هذا البيت.
حاولنا دخول الطابق العلوي؛ الذي أصبح روضة للأطفال، فلم تسمح لنا المرأة المسؤولة عن هذا الطابق بالدخول.

***
في العام 1968 ؛ بعد سنة من الهزيمة زرنا؛ أنا وزميلان آخران، بلدة شفا عمرو الواقعة في شمال فلسطين. انبهرنا بوجود فلسطينيين يحيون حياتهم بتصميم وثبات هناك؛ وعرفنا كم كابد هؤلاء الفلسطينيون لكي يبقوا في وطنهم أثناء النكبة المأساة وبعدها! وكم تعرّضوا لأذى ولاحتمالات القتل وسفك دمائهم! لكنهم احتملوا الأذى ولم يغادروا بيوتهم. حللنا ضيوفًا على عائلة الصديق الصحافي إلياس نصر الله؛ وتعرّفنا أثناء تلك الزيارة على أصدقاء جدد. كان مجرد بقائهم في وطنهم يملأ نفوسنا بالأمل.
زرنا الناصرة التي ظلت رغم القهر والعسف؛ ورغم الغزو المسلح مدينة عامرة بأهلها الفلسطينيين. شعرنا كما لو أننا في الجزء الشرقي من القدس أو في رام الله أو نابلس أو بيت لحم أو الخليل. ثمة رجال فلسطينيون ونساء فلسطينيات يملأون الأسواق؛ وثمة بيع وشراء ومكتبات وكتب وجمعيات ثقافية ومنتديات.
هناك؛ التقينا في المكتبة الشعبية بالصدفة المحضة؛ ممثل الحزب الشيوعي في الكنيست الصحافي والروائي إميل حبيبي، وكان لنا معه حوار.
كانت في نفوسنا مرارة وحزن واسى، وكان في الوقت نفسه ثمة أمل؛ هنا شعب حيّ لا يموت.
زرنا حيفا في المساء. كم كانت جميلة تلك المدينة التي سأتردّد عليها عددًا غير قليل من المرات! مشينا على الأرصفة المكتظة بنساء ورجال يهود؛ جاءوا إلى المدينة مع موجات الهجرة عبر البحر وسكنوا المدينة؛ تأملنا الشوارع التي تتزاحم فيها السيارات؛ تأملنا جبل الكرمل الصاعد نحو السماء؛ بالبيوت المتراكمة فيه، التي تركها الآلاف من أهل المدينة خلفهم تحت قصف القنابل ودويّ الرصاص؛ ما عدا قلة غامرت بحياتها وبقيت في المدينة.
هناك، في الصباح بحثنا عن محمود درويش وسميح القاسم اللذين كانا يعملان في صحيفة الاتحاد؛ ولسوء الحظ لم نجدهما بسبب عطلة كانت في ذلك النهار.
وسأزورها بعد ذلك مرّات عدة؛ في كل زيارة كان يتلبّسني شعور بالفقد والخسران؛ وسأتوقّف ذات مرّة عند قبر إميل حبيبي، الذي مات في الناصرة ودفن في حيفا، وكُتبت على شاهدة قبره تنفيذًا لوصيته، جملة تلخص تجربته وتجربة من بقوا في وطنهم من الفلسطينيين: باقٍ في حيفا.
وسأزورها لتقديم كلمة في احتفال تسمية ميدان في المدينة باسم إميل حبيبي، تكريمًا له، واعترافًا من بلدية حيفا به بصفة كونه رمزًا ثقافيًا وأدبيًا كان له فضل على المدينة التي أحبها وكتب عنها، وكان لها فضل عليه حين احتضنته ولم يفارقها.
وكان في ذلك التكريم إشارة إلى أن ثمة صهاينة معتدلين يعترفون للفلسطيني ببعض حقوقه في وطنه؛ إنّما السؤال: هل هم على استعداد للاعتراف بالنكبة التي حلّت بالشعب الفلسطيني؟! وهل يعترفون بتاريخ حيفا من دون مواربة أو اجتزاء؟!
بتاريخ 26 أيار 2013 قلتُ في الاحتفال: إن حضور إميل حبيبي في حيفا الذي فرضه بجهوده في حقلَيّ الأدب والسياسة، من شأنه أن يبعث إلى حيز التداول على كل صعيد تفاصيل الذاكرة الغنيّة لهذه المدينة، التي كانت قبل النكبة الفلسطينية مركزًا حضاريًّا متقدّمًا للثقافة والفن وللصحافة والسياحة وللتجارة والاقتصاد، ولغير ذلك من المظاهر المدنيّة التي جعلت منها آنذاك عروسًا لبحرها وقبلة لأنظار أفراد لا حصر لهم وشعوب. هذه الذاكرة الخصبة لا يجوز أن يجري تغييبها، وهذا التاريخ النيّر لا يمكن أن يُهال عليه غبار النسيان.
وكنت بعد كل زيارة لحيفا أعود إلى بيتي في القدس؛ وتظلّ حيفا حاضرة في البال.

***
وبعد هزيمة حزيران بعامين؛ سأكون قريبًا من حيفا؛ بعيدًا منها في الوقت نفسه.
ففي ليلة من ليالي صيف العام 1969 طوَّق الجنود الإسرائيليون بيتنا، وكان معهم أحد ضباط المخابرات. اعتقلوني واقتادوني إلى سجن المسكوبية في الجزء الغربي من القدس، ثم اقتادوني إلى سجن صرفند العسكري ومن ثم إلى سجن الرملة، وإلى سجن الدامون الواقع على مقربة من حيفا. أمضيت في الزنارين وفي غرف السجون عشرة أشهر. كان الحنين إلى البيت وإلى دفء البيت وناس البيت يدهمني في كلّ وقت؛ وحين وقفت صباح 7 / 5 / 1970 خارج بوّابة السجن؛ كان البيت هو الهدف الذي أتمنى لو أنني أصل إليه في لمح البصر.
بعد ثلاث ساعات من السفر في السيارة، عدت إلى البيت؛ وكم كنت مبتهجًا لأنني عدت! وكم تأسّيت على زملاء لي بقوا في السجون الإسرائيلية لسنوات طويلة وهم محرومون من متعة العودة إلى البيت!

***
بعد هزيمة حزيران بستة أعوام أُجبرتُ على مغادرة البيت.
ففي ليلة من ليالي خريف 1973 طوّق الجنود الإسرائيليون بيتنا؛ ولم أكن بالصدفة في البيت. كانت حرب تشرين تدقّ أبواب المحتلين وتبشّر بأمل ما. اختفيتُ طوال أسابيع في بيوت سرّيّة في نابلس وفي رام الله؛ ولم أعد إلى البيت إلا بعد أسابيع من انتهاء الحرب.
أقلّتني سيارة أجرة ذات مساء من رام الله إلى جبل المكبّر، فوصلته بعد المساء، ولم أشأ أن أجعل السيارة تهبط إلى آخر الشارع حتى لا ألفت انتباه أحد (كانت السيارات التي تصل الجبل شحيحة آنذاك). هبطت من قمة الجبل مسرعاً، انعطفت نحو الشارع المؤدي إلى "بير المشمشة"، سرتُ فيه مسافة قليلة، ثم صعدت نحو الحجاب الصخري المتاخم لأرضنا التي نسمّيها "السوط".
كان البيت يربض على مرتفع من الأرض في الظلمة، شعرت بشوق غامر نحوه وأنا أقترب منه. إنه وطني الأصغر الذي شهد كل التقلبات التي عشتها وعاشتها العائلة. كان يحنو عليّ كلّما عدتُ إليه حزيناً مجرّحاً من قسوة الزمان، وكان يشاركني فرحي كلما أصبت نجاحاً؛ من عتبته خرجت أخواتي الخمس إلى بيوت أزواجهن، ومن عتبته خرجت أختي أمينة إلى برودة القبر بعد أن أودى بها زواجها الذي لم يدم سوى عام واحد.
ولم يعد بيني وبين البيت سوى بضع خطوات.
(أخبرتني الصحافية الأمريكية ج. مانديل أنها بكت وهي تقترب منه ذات ظهيرة. جاءت من بلادها سائحة، ثم استقرّت في القدس وعملت سنوات عدّة في ملحق صحيفة الفجر الصادر باللغة الانكليزية، وكانت لها مواقف سياسية مؤيّدة للشعب الفلسطيني، تدلّل عليها كتاباتها وحساسيتها المفرطة التي تجعل الدموع تطفر من عينيها لدى تعرّضها لأقل انفعال. جاءت إلى عمان مرّة، فتعرّفت عليها، ثم أخذت تتعاطف مع قضيتي الشخصية باعتباري مبعداً من وطني. اقترحتْ ذات مرّة على صديقة لها من القدس، أن تصحبها إلى جبل المكبّر لرؤية البيت الذي عشتُ فيه. اقتربتا من البيت، ولم تستطع ج. مانديل الاقتراب أكثر، فابتعدت، وابتعدت معها صديقتها.
قالت لي: شعرتُ بأن البيت ناقص، لأن ثمة غياباً موحشاً يعتريه، وقالت إنها لم تحتمل الموقف، فآثرت أن تبتعد عن البيت).
وها أنذا أقترب من البيت. ارتبك أبي وارتبكت أمي وزوجتي، واعترتهم الدهشة حينما رأوني، إذ لم يكونوا يعرفون شيئاً عن مكان إقامتي طوال الأسابيع الماضية. أصابهم فرح مشوب بالقلق، راحوا يتلفّتون بخشية عبر باب البيت، نحو الظلمة التي تتكاثف في الخارج. كانت أمّي هي أكثر أفراد الأسرة حذراً، أذناها تصغيان لكل نأمة في الخارج، فهي تخشى أن يباغتني الجنود وأنا أحتضن أطفالي الصغار؛ فيلقوا القبض علي.

***

ولم يطل الوقت حتى ألقوا القبض عليّ بعد شهرين من ذلك المساء؛ ثم كان الغياب الطويل عن البيت وعن المدينة وعن الوطن.
الغياب الذي دام ثماني عشرة سنة؛ منذ العام 1975 إلى العام 1993 .
جاء رجال الأمن الإسرائيليون هذه المرّة في الصباح؛ كان ذلك في 19 / 4 / 1974 وكنت أقف على رصيف الشارع في جبل المكبّر في انتظار الحافلة التي ستقلّني إلى مركز المدينة. ألقوا القبض عليّ قبل أن أصعد إلى الحافلة، واقتادوني إلى سجن المسكوبية ثم إلى سجن رام الله، ثم إلى سجن الجَلَمة، ثم إلى سجن بيت ليد القريب من طولكرم، وبعد عشرة أشهر من الاعتقال الإداري بتهمة القيام بأنشطة تحريضيّة ضد الاحتلال؛ أبعدت إلى الحدود اللبنانية ومعي أربعة رفاق آخرين.
عشتُ في بيروت أقل من سنة، وفي براغ ثلاث سنوات، وفي عمّان أربع عشرة سنة.
كان الحنين إلى المكان الأوّل الذي ولدت فيه وعشت طفولتي وشبابي فيه؛ يجعلني غير قادر على مدّ جذوري في الأمكنة التي عشتُ فيها بعيدًا من ذلك المكان، رغم حبي لتلك الأمكنة ورغم أنها لم تقصر معي بأيّ حال.
وكانت فرحتي الكبرى حين جاءني خبر العودة إلى الوطن. كان اتفاق أوسلو يُطبخ بالسرّ آنذاك، وكنّا ثلاثين مُبعدًا من القدس ومن مدن فلسطينيّة أخرى قد اتفق اسحق رابين مع منظمة التحرير الفلسطينية على عودتنا إلى وطننا؛ بعد سنوات طويلة من النفي والتشريد.
عدتُ بتاريخ 30 / 4 / 1993 ؛ وكم كانت فرحتي غامرة وأنا أعود إلى بيتي من جديد! وكم كنت مسرورًا وأنا أذهب بعد أسبوع واحد من العودة؛ إلى الأمكنة التي لطالما تمشّيتُ فيها وجلستُ فيها؛ في القدس وفي رام الله وبيت لحم وأريحا وغيرها! تفقدتُ المقاهي والمطاعم التي كنت أتردّد عليها، وكذلك البيوت التي سكنتها في رام الله وفي بيت حنينا. وكنت مسكونًا بالأمل وأنا أرى جيلاً جديدًا من الشباب الذين صقلتهم انتفاضة الحجارة التي كانت تجتاز آخر مراحلها تلك السنة!
غير أن تلك العودة كانت ناقصة، لأن القدس ما زالت عرضة للتهويد؛ والوطن الفلسطيني ما زال مكبلاً بالقيود.
آنذاك؛ نشرت كتابي الموسوم ب "ظل آخر للمدينة" الذي ولدت فكرته من اقتراح لمحمود درويش؛ بأن أكتب نصًّا عن القدس، لينشره في مجلة الكرمل تحت باب: ذاكرة المكان.. مكان الذاكرة. كتبت النص ونشره محمود مثلما نشر نصوصًا لعدد من الكتّاب عن مدن فلسطينية أخرى، وقد صنّف بعض النقّاد هذه النصوص على أنها جنس أدبي يمكن أن يُطلق عليه: أدب العودة.

4

ولعلّ توْقَ الفلسطينيين إلى العودة وتمسكَّهم بها جيلاً بعد جيل هو الذي جعلهم يبتكرون بروفات لهذه العودة التي ظلت هدفًا ماثلاً في الوعي وفي الوجدان وفي الضمير.
تبدّى ذلك في بنائهم قرية باب الشمس مُذكّرين برواية إلياس خوري التي تحمل الاسم نفسه؛ مُصرّين في الوقت نفسه على بعث القرية الفلسطينية والإقامة فيها من جديد. تلت ذلك محاولات لبناء قرى أخرى؛ كان المحتلون يسارعون إلى محوها من الوجود مثلما فعلوا بقرى فلسطينية كثيرة في العام 1948.
وتبدّى ذلك في مسيرات العودة التي قامت وتقوم بها جماهير فلسطينية إلى حيث كانت قرى: عتليت، ميعار، إقرث، كفر برعم، اللجون، الحدثة، الكابري، لفتا، الخ...
تبدّى ذلك أيضًا في مسيرات العودة التي انطلقت في العام 2011 قي الذكرى الثالثة والستين للنكبة؛ وفي الذكرى الرابعة والأربعين لهزيمة حزيران، واتجهت نحو الحدود في الجنوب اللبناني وهضبة الجولان وفي مختلف مدن فلسطين وقراها، وكذلك في بعض مدن الوطن العربي والعالم؛ متأثّرة على نحو ما بانتفاضات الربيع العربي، وتبني شعارات عدّة من بينها شعار: الشعب يريد العودة إلى فلسطين؛ تماهيًا مع شعار الانتفاضات الذي تردّد في غير عاصمة عربية: الشعب يريد إسقاط النظام.
وتبدّى هذا التوق وهذ الإصرار على حقّ العودة في المسيرات التي قامت بها جماهير الشعب الفلسطيني في الذكرى السبعين للنكبة، في مختلف المدن الفلسطينية؛ وبخاصّة في قطاع غزة، ما أسفرَ عن آلاف الجرحى والشهداء الذين تظاهروا قرب السياج الفاصل وحاولوا اجتيازه لممارسة حقّهم في العودة إلى وطنهم.

5

والسؤال الذي تتلوه أسئلة: كيف يمكن تخيّل العودة بعد سبعين سنة طويلة مُضنية من التهجير والتشريد؛ ومن تقديم آلاف الشهداء ومئات آلاف الجرحى والمعتقلين؟! كيف يمكن تخيل هذه العودة إلى المدن والقرى التي كانت عامرة بأهلها؟! وكيف يمكن هجر المخيمات التي أنشئت للاجئين الفلسطينيين جراء نكبة العام 1948 وللنازحين جراء هزيمة العام 1967 والعودة إلى المكان الأوّل حيث البيوت الأولى وحيث الذكريات؟! كيف نحمي الجزء الشرقي من القدس من هجمة الأسرلة والتهويد؟! وكيف نحافظ على وجودنا العربي الفلسطيني الإسلامي المسيحي في المدينة؟! وكيف يتحقق العدل بإعادة بيت السكاكيني في الجزء الغربي من القدس وآلاف البيوت الأخرى لأهلها الفلسطينيين؟!
كيف يمكن ذلك في هذا الزمن الذي تتصاعد فيه نزعات التطرف لدى اليمين الصهيوني الحاكم في إسرائيل؛ ولدى الإدارة الأمريكية بقيادة ترمب، الذي قدم القدس هدية لحكام إسرائيل؟!
ذلك في اعتقادي؛ يحتاج إلى مخيّلة خصبة وإلى قدرة على اختراق ضباب الواقع والذهاب إلى مستقبل لا يمكن للظلم فيه أن يدوم، ولا يمكن لتجاهل الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني في وطنه أن يستمر، وفي الوقت نفسه، لا بدّ من التعويل على إقتناع الرأي العام العالمي بعدالة القضية الفلسطينية؛ وبضرورة عدم الاكتفاء بالتعاطف اللفظي مع الفلسطينيين، وإنما تجاوزه إلى أفعال ملموسة؛ وبضرورة إحكام طوق العزلة على النظام العنصري الإسرائيلي، ومحاصرته مثلما وقع للنظام العنصري في جنوب إفريقيا، ولا بدّ من فضح الرواية الصهيونية التي قامت على تزوير التاريخ وقلب الحقائق، وابتداع أوهام لا تصمد أمام العقل والمنطق؛ للقيام بأبشع غزو استعماري استيطاني كان من نتائجه تدمير مئات القرى الفلسطينية، وتنظيم عشرات المذابح ضد الفلسطينيين، وتشريد مئات الآلاف منهم من وطنهم؛ وما زال هذا الغزو مستمرًّا حتى اليوم، لاستكمال تهويد مزيد من الأرض الفلسطينية، وحشر المواطنين الفلسطينيين في القدس وفي الضفة الغربية وقطاع غزة في معازل محاصرة معرّضة دومًا للعسف وللهوان.
ذلك يحتاج إلى تعديل في موازين الصراع؛ بحيث ننهي نحن الفلسطينيين انقسامنا على أنفسنا، ونجدّد أساليب نضالنا ونطوّر خطابنا السياسي للخروج من حالة الترهّل وما يرافقها من استغلال للسلطة واستحواذ على الامتيازات وممارسة للفساد؛ وللحفاظ على مشروعنا الوطني وصيانته من خطر الانهيار. وبحيث لا يمعن بعض البلدان العربية في تطبيع علاقاتها مع حكام إسرائيل قبل دحر الاحتلال عن الأرض العربية والفلسطينية، وبحيث يتغير الوطن العربي من حولنا أو بعض أقطاره على الأقل؛ بما يسهم في إسناد الفلسطينيين لمجابهة الاحتلال، وبحيث يتوقف العالم أو بعض دوله المتنفذة وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية؛ بفعل الضغوط الشعبية والرسمية وأساليب النضال المناسبة، عن الكيل بمكيالين؛ وعن التحيّز السافر للمحتلين الإسرائيليين، وبحيث يزداد تأثير القوى الديمقراطية في الشارع الإسرائيلي، لجهة الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية في فلسطين.
ذلك يعني احتمال التوصل إلى تسوية سياسية ما زالت بعيدة بسبب تعقيدات الوضع الراهن؛ تسوية تسفر عن دولة فلسطينية مستقلة على جزء من أرض فلسطين، وهي للأسف الشديد غير مرئية في المدى القريب والمتوسط؛ ما يشير إلى استمرار الخطر المتمثّل في محاولات تصفية حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه من خلال صفقة القرن الأمريكية؛ أو استمرار الوضع الراهن الذي تهيمن فيه دولة الاحتلال الإسرائيلي على أرض فلسطين كلها؛ حيث نشهد، كما هو متجسّد الآن، وجودًا فعليًّا لدولة واحدة بنظامين، أحدهما موجّه ضدّ الفلسطينيين الذين تمارس عليهم دولة الاحتلال مختلف صنوف التمييز العنصري والقمع والإذلال.
والسؤال: هل يمكن تكرار تجربة جنوب إفريقيا وتطبيقها على الحالة الفلسطينية؛ بحيث يصبح الفلسطينيون مع الزمن أكثريّة تحكمها أقليّة؛ ثم يجري مع الزمن تعديل الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني من خلال دحر الفكرة الصهيونية وتجلّياتها الفعلية؛ والوصول إلى دولة ديموقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية؟! ربما. فهذا الظلم لا يمكن أن يستمر؛ وهذا العدوان لا يمكن أن يحقّق أهدافه على المدى الطويل، فالمشروع الصهيوني يحمل في طيّاته بذور تناقضاته ومخالفته لحقائق التاريخ والجغرافيا، ولكل الشرائع الدولية ومبادئ العدالة الإنسانية وحقوق الإنسان.

6
والآن؛ بعد الغياب المتكرّر الذي كان يفرض علي؛ ومن ثمّ العودة إلى البيت وإلى المكان الأوّل؛ فإنني أدركُ أهمية عودة الفلسطينيين إلى وطنهم بعد سنوات طويلة من التهجير القسري والتشريد، وأدركُ مقدار الهزّة الشعورية التي ترافق ذلك، أدرك مدى الانعطافة التي يحدثها فعل العودة في الوجدان وفي الضمير وفي أسلوب الحياة، عبر التلاحم مع تفاصيل المكان؛ مع البيت وباب البيت وحيطانه وشرفته وشبابيكه؛ مع الحديقة التي حول البيت وما فيها من ورود وأزهار وأشجار، مع الحقل والبيّارة، مع الزرع ومع البيدر، مع المصنع والمكتب ومقرّ الصحيفة ودار السينما والشارع والميدان، مع هواء المكان وسمائه، مع صيفه المعتدل وخريفه الهادئ وشتائه غير الصاخب وربيعه الفتّان، تلك التفاصيل الحميمة التي تمدّ الإنسان بالقدرة على البقاء وعلى مواصلة الحياة باقتدار.
وحين أدركُ ما يُحيط بي وبأهلي وبأبناء مدينتي؛ مسلمين ومسيحيّين، من مخاطر التهجير المباشر أو غير المباشر، فإن تحرير القدس من الاحتلال يجعلني أكثر اطمئنانًا على استمرار حياتي في المدينة؛ على النحو الذي يحفظ لي كرامتي؛ ويحميني من التعرّض للسجن أو للنفي كما وقع لي من قبل.
آنذاك، سوف أشعر بطمأنينة مؤكّدة، وسأجد وقتًا للتأمّل ووقتًا للعزلة ولممارسة الكتابة؛ سأجوب أطراف المدينة ومركزها من دون خوف أو قلق، وسأرتاد مسارحها ودور السينما والمنتديات الثقافية فيها التي ستتكاثر بفعل الحرية والازدهار والأمن والاستقرار، وبفعل انبعاث الحداثة والعصرنة فيها من جديد.

***
وإلى أن يحين ذلك الوقت المأمول ويصبح الحلم حقيقة، فإنني سأواصل الابتهاج كلما عدتُ إلى قصيدة "مأساة النرجس ملهاة الفضة" التي كتبها محمود درويش بوحي من الانتفاضة الأولى 1987-1993 التي بشرت بأملٍ ما للخلاص.
أبتهج حين أرى الفلسطينيين وقد:
"عادوا
من آخر النفَق الطويل إلى مراياهم.. وعادوا
حين استعادوا مِلْحَ إخوتهمْ، فرادى أو جماعاتٍ، وعادوا
من أساطيرِ الدفاع عن القلاع إلى البسيط من الكلامْ"
أو حين:
"عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم؛ ويُرتّبوا هذا الهواءْ
ويزوِّجوا أبناءهم لبناتهم، ويرقِّصوا جسداً توارى في الرخامْ
ويُعَلِّقوا بسُقُوفهم بَصَلاً، وباميةً، وثوماً للشتاءْ
وليحلبوا أثداء مَاعِزِهم، وغيماً سالَ من ريش الحمامْ."
... إلى أخر القصيدة الملحمة التي تدلّل على شعب مسالم طامح للحرية وللحياة السويّة العادية؛ مملوء بالأمل وحبّ الحياة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,359,591,205
- عن الجبهة الوطنية الفلسطينية وتجربة الاعتقال والإبعاد
- إشكاليات التحديث الثقافي في فلسطين للباحث سعيد مضية.
- الفارس/ قصة
- زجاجة ماء/ قصة قصيرة جدًّا
- من دفتر اليوميات 24/3/2008
- عيد ميلادها
- من دفتر اليوميات23/03/2008
- من دفتر اليوميات/الاثنين17/03/2008
- من دفتر اليوميات11/03/2008
- يوميات/ الخميس 06/03َ/2008
- من دفتر اليوميات/ الثلاثاء/ 15/01/2008
- من دفتر اليوميات/ الخميس 03 /01 / 2008
- من دفتر اليوميات/ الثلاثاء 1/1/2008
- من دفتر اليوميات27/12/2007
- من دفتر اليوميات/ السبت8/12/ 2007
- من دفتر اليوميات/ الجمعة 23/11/2007
- من دفتر اليوميات/ الخميس 22 /11 / 2007
- قصتان قصيرتان جدًّا
- خمس قصص قصيرة جدًا
- صندل و..و ثلاث قصص قصيرة جدًّا


المزيد.....




- أرملة فرنسية تطالب بوينغ بتعويض قدره 276 مليون دولار بسبب ال ...
- ترامب يرشح الرئيسة السابقة لمركز أبحاث الطيران لتولي قيادة ا ...
- تحييد عنصرين مسلحين بمدينة فلاديمير الروسية كانا يخططان لعمل ...
- دراسة صادمة حول تأثير التغير المناخي
- واشنطن تدرس تقييد أنشطة -هيكفيجن-
- الحرب الكلامية بين ترمب وطهران... هل تغير التصريحات الواقع؟ ...
- استطلاع: نصف الأميركيين يعتقدون أن أميركا ستدخل حربا مع إيرا ...
- أميركا ترى دلائل على استخدام النظام السوري الأسلحة الكيميائي ...
- السعودية تطالب بموقف حازم من النظام الإيراني -لإيقافه عند حد ...
- السعودية: سنفعل ما بوسعنا لمنع الحرب وتحقيق التوازن في سوق ا ...


المزيد.....

- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله
- رسائل مجاهدة / نورة طاع الله
- مصر المسيحية - تأليف - إدوارد هاردى - ترجمة -عبدالجواد سيد / عبدالجواد سيد
- معجم الشعراء الشعبيي في الحلة ج4 / محمد علي محيي الدين
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج2 / محمد علي محيي الدين
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج3 / محمد علي محيي الدين
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج4 / محمد علي محيي الدين
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج5 / محمد علي محيي الدين
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج6 / محمد علي محيي الدين
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج7 / محمد علي محيي الدين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود شقير - عن العودة وحلم العودة