أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(4)















المزيد.....



البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(4)


محمود الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6226 - 2019 / 5 / 11 - 07:48
المحور: القضية الفلسطينية
    


الفصل الثالث: الأصول التاريخية لعموم بني إسرائبل
كيف ومتى ظهر الإسراءيليون ؟ : إسرائيل فنكلشتين
تمهيد مسرح الأحداث
انتهى غزو كنعان وفقا لرواية الكتاب بنجاح جزئي, ويروي سفر يشوع ( 13 : 2-6) أن أجزاء كبيرة من كنعان لا يزال يتعين احتلالها، ويضم الإصحاح الأول في سفر القضاة قوائم المدن الكنعانية التي بقيت بمثابة جيوب في المناطق القبلية، أي داخل الأراضي التي تم فتحها. هذه هي مرحلة الإعداد لما سيحدث تاليا، وهي الفترة التي تسمى بعصر القضاة التي تمتد في الفترة ما بين الغزو وتأسيس الحكم الملكي في إسرءيل، وخلال هذه المرحلة كان يحكم إسرءيل زعماء بشخصيات كاريزمية دعوا بالقضاة الذين حموا الشعب من أعدائهم. و وفقا للمنطق الداخلي للسردية الكتابية، وعندما نضع عصر القضاة إزاء التاريخ القديم للشرق الأدنى، سنجد أنها تغطي نحو قرنين من الزمن ما بين 1200 -1000 ق.م . ومع ذلك لا يصور عصر القضاة واقع عصر الحديد الأول على الرغم من احتوائه ربما على مواد مبكرة نشأت من مصادر إسرءيلية شمالية ( التي من الممكن أن تكون قد دونت قبل انهيار المملكة الشمالية)، و يبدو سفر القضاة في صياغته الحالية سفرا تثنويا متأخرنسبيا، يمثل إيديولوجية يهوذا في القرن السابع ق.م، بعد مئات من السنين من زمن وقوع الأحداث المزعومة .ويمكن ملاحظة ذلك في عدة مجالات :
1) سلاسل الخطيئة و العقاب و الثواب و الفداء و العقاب التي تميز بوضوح اللاهوت التثنوي.
2) تدور معظم القصص غالبا في أراضي القبائل الشمالية كما في الإصحاح الأول من سفر القضاة, و الذي ينتمي -في اعتقادي-لعملية جمع تمت في القرن السابع ق.م، وتظهر هذه القصص بوضوح فشل القبائل الشمالية في تطهير الكنعانيين الزناة من وسطهم، كانت قبيلة يهوذا هي الوحيدة التي نجحت في ذلك. وهذا ما سوف يؤدي إلى وقوع القبائل الشمالية مراراً و تكراراً فريسة إغواء الآلهة الكنعانية بخلاف يهوذا
3) ظهور القضاة يعد مقدمة لظهور السلالة الداودية في أورشليم
يصور سفر القضاة قتامة الوضع قبل النظام الملكي-بما في ذلك العلاقة بين شعب إسرءيل و إله إسرءيل-. ويتنبأ في نهايته بظهور الملكية [25 فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ فِي إِسْرَائِيلَ. كُلُّ وَاحِدٍ عَمِلَ مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْهِ.] ( قضاة 21 :25). ولذلك، وعلى الرغم من إمكانية احتفاظ الأساطير والحكايات الواردة في سفر القضاة ببعض من ذكريات غامضة سابقة لأحداث محلية فإن معظمها ذو قيمة تاريخية ضئيلة لدراسة نشوء إسرءيل القديمة , نحن بحاجة إذن للالتفات إلى مصادر غير كتابية و إلى علم الآثار، حيث يزودنا كلاهما بشهادة من " الزمن الحقيقي" عن الأيام الأولى لإسرءيل القديمة.
مسلة الفرعون مرنبتاح، الذي يصف فيها حملته سنة 1207 ق.م على كنعان، ويذكر فتحه لثلاث مدن و إخضاعه-في الحقيقة إبادة- جماعة من الناس تحمل اسم "اسرءيل".وهو لا يشير إلى حجم هذه الجماعة و لا إلى موقعها بالضبط. إنها تشهد فقط على أن جماعة معينة تسمى إسرءيل كانت حاضرة في كنعان في أواخر القرن الثالث عشرق.م . و قد كشفت البحوث الآثارية عن موجة غير مسبوقة من التوطن في مرتفعات كنعان بدأت في ذلك الوقت, ففي سياق العصر الحديدي الأول-من القرن الثاني عشر حتى العاشر ق.م- تم إنشاء نحو 250 مستوطنة في المنطقة الواقعة بين وادي بئر السبع ووادي يزرعيل. ونظرا لاستمرار التوطن في معظم هذه المواقع دون انقطاع في العصر الحديدي الثاني عندما شكلت هذه المواقع معقلا لدولة يهوذاوإسرءيل، فيمكن الإشارة , بكل ثقة, إلى سكان هذه المواقع على أنهم "إسرءيليين "،أو "طلائع الإسرءيليين " (على حد تعبير وليم ديفر). هذه هي الخلفية المادية لصعود إسرءيل المبكرة. وقد هيمن سؤالان رئيسان على دراسة نشوء إسرءيل المبكر.
-ما هو أصل قرويي العصر الحديدي الأول سكان الهضاب- طلائع الإسرءيليين؟ حيث أن عملية مماثلة جرت في ذلك الوقت في مرتفعات شرق الأردن و يمكن أن يطرح السؤال نفسه عن طلائع العمونيين و طلائع المؤابيين، و طلائع الأدوميين.
-ما هي القوى التي حفزت تأسيس مئات المجتمعات المعزولة و الصغيرة التي تعود للعصر الحديدي الأول في منطقة الهضاب ؟
لم يستطع العلماء سابقا التوصل إلى توافق في الآراء للإجابة على هذه الأسئلة، وتحولت النظريات من الاعتماد الكامل على النص الكتابي إلى الإنكار التام لقيمته كسجل تاريخي. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت ضيق طيف وجهات النظر بصورة ملحوظة. فبادىء ذي بدء، يتفق معظمنا اليوم على ما لا نقبل به، وهذا في حد ذاته إنجاز بارز في البحث التاريخي. والمثير للدهشة اليوم أن معظم العلماء سيجدون من السهولة بمكان التجمع وراء رفض كل النظريات الثلاث المقترحة التي هيمنت على دراسة نشوء إسرءيل المبكرة منذ حوالي عشرين عاما مضى.
لقد شرحت في الجزء الثاني لماذا يجب استبعاد نظرية وليم أولبرايت عن الغزو العسكري- إخفاق آثاري للرواية الكتابية عن غزو كنعان-كما لا يمكننل قبول أجزاء هامة من نظرية التسلل السلمي لألبريخت آلت، التي تقول بوجوب النظر إلى ظهور إسرءيل المبكرة كعملية توطن و استقرار تدريجي لبدو السهوب الرعاة،وعدم القبول يأتي بسبب التغيير الواضح لفهمنا لطبيعة الحياة البدوية الرعوية في الشرق الأدنى القديم. نفهم اليوم أن نمط البدو رعاة الأغنام و الماعز انبثق من الحياة المستقرة، وأن سبيل الإستقرار-الرعي مفتوحا من الجانبين, أي التبدي و الإستقرار وفقاً للتغير السياسي والاقتصادي والعوامل الاجتماعية. باختصار،لم يكن هناك "منبع" بدو في السهوب يمكنه أن يؤمن متسللين سلميين إلى كنعان.
فسرت نظرية الثورة الاجتماعية لمندنهال-غوتوالد (التوليفة الساذجة للتيارات الماركسية التي كانت سائدة في الجامعات الأميركية لمرحلة الستينيات الطوباوية) ظهور إسرءيل المبكر على خلفية مقولة الصراع الطبقي؛ باعتبارها انتفاضة الفئات الريفية الكنعانية ضد استغلال ساداتهم, مما أدى إلى انسحابهم من الأراضي المنخفضة نحو الهضاب الفارغة من السكان,و أسسوا هناك مجتمعات المساواة. ولكن علم الآثار لايقدم سوى مقدار ضئيل من المؤشرات لتتبع أي دليل, سواء في الثقافة المادية لمواقع الهضاب أم في أنماط التوطن في الأراضي المنخفضة يشير إلى مثل هذا التحول الدرامي من الانتقال من الأراضي المنخفضة للتوطن في الهضاب في فترة زمنية قصيرة نسيبيا،. من ناحية أخرى وفي ما يتعلق بأنماط التوطن، لم يكن هناك ما يكفي من مواقع توطن العصر البرونزي الحديث في الأراضي المنخفضة لتوفير مثل هذا العدد المقنع من الناس المنسحبين. في الواقع، استمر العديد من مواقع هذا العصر التي شغلت بسكان العصر الحديدي الأول. ومن الجدير بالذكر أن كل النماذج "الكلاسيكية" الثلاث تصف ظهور إسرءيل المبكرة باعتباره حدثاً فريداً من نوعه في تاريخ فلسطين. وبعبارة أخرى، تتبع هذه النماذج الثلاثة سواء كان ذلك بوعي أم بدون وعي البناء اللاهوتي الأساسي للرواية الكتابية. وقد أثبتت الأبحاث الحديثة خطأ هذه الفرضية الأساسية. و سأقوم، فيما يلي، بتقديم نموذجا لفهم نشوء إسرءيل المبكرة مستندا على جهد عقدين من العمل الميداني المكثف في منطقة الهضاب، سبراً وتنقيباً على حد سواء. وتوظيف البحث الميداني الأثري الحديث في دراسة ظهور إسرءيل.
أجريت للمرة الأولى حفريات دقيقة ليس فقط في التلال الكبيرة في الأراضي المنخفضة, بل أيضا في المواقع الريفية للمرتفعات. وقد ألقت هذه الحفريات الضوء على الثقافة المادية والاستراتيجيات الاقتصادية لسكان العصر الحديد الأول. و في ثمانينيات القرن الماضي كانت الانعطافة الهائلة المتمثلة في "القفزة الكبيرة للأمام" في دراسة منشأ إسرءيل المبكرة، من خلال القيام بعمليات المسح الشاملة في منطقة الهضاب. وهذا ماجعل من الممكن إعادة بناء كاملة تقريبا لأنماط التوطن في العصور القديمة. مشطت معظم منطقة الهضاب في شرق الأردن بشكل كامل في سياق عمليات المسح الإقليمي للمنطقة. كما تمت عمليات مسح مكثفة في هضبة شرق الأردن. وقد زودتنا عملية السبر هذه بمعلومات لا تقدر بثمن عن عدد المواقع وحجمها وعدد سكانها، وموقعها الجغرافي, بما في ذلك العوامل الاقتصادية التي يمليها انتشارها .
وأود, البدء في الاستنتاجات الرئيسية، وباعتبار أننا ندرك بأن الخلاصة سوف تجعل من السهل متابعة التفاصيل الأثرية المعقدة و حشد التفاصيل النصية و الأنثروبولوجية والإثنوغرافية هنا. وبقدرما أستطيع الحكم, لم يكن ظهور إسرءيل المبكرة حدثاً فريداً في تاريخ كنعان. بل بالأحرى كان ظهورها دورة أخرى من دورات متكررة طويلة الأجل، وصيرورة من صيرورات اجتماعية واقتصادية وديموغرافية بدأت في الألفية الرابعة. وكانت موجة التوطن في منطقة الهضاب في أواخر الألفية مجرد فصل آخر للتحولات المتناوبة بين أنماط أوضاع العيش المستقرة و الرعوية في مجمل السلسة الاجتماعية-الاقتصادية للشرق الأدنى النموذجي.
البيئة
شكلت طبيعة التضاريس القاسية والتكوينات الصخرية التي يصعب استغلالها وطبيعة الغطاء الكثيف من النباتات الطبيعية التي غطت المنطقة في ذلك الماضي البعيد منبعا للمعيقات التي قيدت الاستقرار في الهضاب, الأمر الذي دفع ببعض الباحثين إلى طرح اقتراح يرى بأن النشاط التوطني الواسع في مرتفعات العصر الحديدي لم يكن ممكنا دون إدخال واحد أو أكثر من الابتكارات التقنية كاستخدام الحديد، وبناء خزانات المياه، والخزانات المجصصة، و تسوية منحدرات التلال. ولكن مثل هذه الإقتراحات لاينبغي قبولها. فقد أظهرت الأعمال الميدانية في الآونة الأخيرة كثافة سكانية توطنية عالية في هضاب كنعان الوسطى خلال الألفيتين الثالثة والثانية ق.م. كما أن معرفة نحت صهاريج المياه وإقامة المدرجات كانت سائدة بالفعل في العصر البرونزي الأوسط، بل ربما قبل ذلك، في العصر البرونزي المبكر. إن نحت وتجصيص صهاريج المياه وبناء المدرجات كان نتيجة لتغلغل الإنسان في منافذ معينة من المرتفعات أكثر من كونه حدث حصل مرة واحدة و فتح الطريق أمام التوسع في هذه المجالات والإقتراب أكثر من مناطق السهوب في الشرق والجنوب، وتوافر المراعي الخضراء في الصيف الجاف، وحقيقة عدم تمتع المرتفعات بكثافة سكانية عالية و مزروعة حتى في فترات التوسع التوطني، جعل هذه المناطق مثالية للنشاط الرعوي للأغنام والماعز, و ملائمة بصورة خاصة "للترحل المغلق" (بعبارة مايكل راوتن ) بمعنى الهجرة الروتينية بين السهوب في فصل الشتاء والمرتفعات في الصيف. وبالإضافة إلى ذلك، مثلت الخاصرة الشرقية لمنطقة المرتفعات بصورة خاصة بيئة مناسبة لنشاط جماعات مستقرة نشأت أصلا من خلفية رعوية، لأنه كان بإمكانهم أن يستمروا في ممارسة تربية الحيوانات جنبا إلى جنب مع الزراعة الجافة ( الزراعة البعلية؟) .
يمكن لمجتمعات الهضاب الاستفادة من التخصص في اقتصاد البستنة الموجه المتضمن تصنيع المنتجات عندما تكون الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية مواتية. وفي عصور لاحقة أحدث، تخصصت قرى في مناطق معينة لبعض أجزاء وسط منطقة الهضاب، لا سيما المنحدرات الغربية، في زراعة الزيتون وإنتاج زيت الزيتون. فأنتجوا فائضاً كبيراً منه تمت مقايضته بالحبوب، لأن زراعة مثل هذه الغلال ستكون لها عواقب اقتصادية سيئة في هذه الأجزاء من المرتفعات. و من الضروري الإشارة، كمقدمة لعرض نتائج المسح إمكانية تقسيم الهضاب الوسطى الى وحدتين جغرافيتين فرعيتين رئيسيتين, و هما: مرتفعات السامرة بين القدس ووادي يزرعيل في الشمال وتلال يهوذا في الجنوب، بين القدس ووادي بئر السبع. ومرتفعات السامرة هي الأكثر ملاءمة للسكن في منطقة الهضاب، لاسيما هضبة بيتئيل والوديان الخصبة بين الجبلية شمالا. وكانت هذه المناطق في الواقع، ذات كثافة سكانية أكثر في العصر الحديدي الأول. أما تلال يهودا التي تحدها التخوم الصحراوية من الشرق و الجنوب فقد اعتمدت الرعي كاستراتيجية اقتصادية مفضلة فالنطاق المركزي لهذه التلال مسطح نسبيا و خاصرته الغربية وعرة و شديدة الانحدار، وأشارت عمليات المسح الحديثة بأن السكان المستقرين في تلال يهوذا كانوا قليلوا العدد لوقت متأخر جدا من العصر الحديدي الثاني.
القدور والعظام ، والناس : من هم إسرائيليو العصر الحديدي الأول ؟
تعكس الثقافة المادية لمجموعة معينة من الناس البيئة التي يعيشون فيها؛ كظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، وتأثير الثقافات المجاورة والثقافات السابقة، والتقاليد التي يتم جلبها من الموطن الأصلي في حالات الهجرة؛ وبنفس القدر من الأهمية، إدراكهم للعالم. ويقود التحليل الدقيق لهذه العوامل في منطقة الهضاب في العصر الحديدي الأول، بالإضافة إلى الفحص الدقيق للتوزيع الجغرافي والكمي للقى الأثرية إلى نتائج مشكوك فيها إلى حد ما فيما يتعلق بإمكانية تحديد "علامات أو معالم إثنية " تعود للإسرءيليين .
لا تظهر علامات استمرار تقاليد صناعة الفخار و غيرها من سمات الثقافة المادية في العصر البرونزي الحديث سوى تأثيرات منعزلة من مواقع العصر الحديدي الأول، و تعكس علامات الانقطاع لمواقع السهول التي لا تزال قائمة في ذلك الوقت في تقاليد فترات سابقة حقيقة أن الناس عاشوا في مجتمعات ريفية صغيرة و معزولة و قائمة على الاكتفاء الذاتي تقريبا (بالمقارنة مع دويلات المناطق المنخفضة في العصر البرونزي الحديث). و لكي تتعقد الأمور أكثر, لا توجد طريقة للتمييز بين الثقافة المادية لطلائع الإسرءليين وأقرانهم في شرق الأردن، أي طلائع العمونيين و غيرهم. ومع ذلك، تم استخدام اثنتين من ميزات تلك الفترة كمؤشرات على "الإثنية " الاسرءيلية: الفخار ( لاسيما الجرارة المؤطرة ذات الحواف) و العمارة ) لا سيما المنزل ذو الغرف الأربع )
يميل الآثاريون إلى وضع تسميات إثنية للأنماط. وهكذا، فإننا نشير إلى[إثنية]"فلستية, و"أدومية"، و"مديانية". و بذلك نتجاهل عوامل الأسلوب والتجارة والمكانة. لذلك لا يمكن للفخار, في معظم الحالات, أن يشير إلى الإثنية في ظل وجود العديد من المتغيرات الفاعلة خلف الكواليس. ويتجلى هذا في العديد من الأمثلة، لا سيما الحالات التي تتوفر على وثائق تاريخية يمكن الإعتماد عليها و الوثوق بها لاستكمال المعطيات الآثارية. ومن الأمثلة الجيدة لمنطقة المرتفعات هو فخار العصور الوسطى، الذي لا يسمح لنا بالتمييز بين المجتمعات الإسلامية الموثقة بشكل جيد، والمجتمعات المسيحية المحلية ( الشرقية) ومجتمع الفرنجة باستثناء عدد قليل من الحالات العرقية. لا توجد سمات خاصة في فخار المرتفعات في العصر الحديدي الأول، لا في التجمعات ككل، ولا في أنواع معينة. وثمة عوامل عدة كان لها تأثير حاسم على الذخيرة الفخارية لسكان الهضاب مثل المسافة التي تفصل المناطق البحرية عن المناطق البرية، والعزلة الاجتماعية للمجتمعات المحلية الصغيرة المفصولة بحواجز طبوغرافية، والصراع المستمر في مواجهة العقبات البيئية ، وهو ما كان له في المقابل تأثيراً محدوداً, إن لم نقل فقيراً على نمط الفخار و نوعيته . و تم اقتراح الجرار المؤطرة ذات الحواف على أنها مؤشر يعبر عن المواقع"الإسرءيلية"، التي وجدت بشكل متواترفي منطقة المخفضات. وانتشارها بغزارة في كل موقع من مواقع العصر الحديدي الأول في عمون و مؤاب. وينبغي أن يعزى هيمنة هذا النوع في مواقع الهضاب الوسطى إلى العوامل الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، مثل الاقتصاد القائم على البستنة، وأيضا إلى المسافة البعيدة لبعض المجتمعات المحلية للعصر الحديدي الأول عن مصادر المياه الثابتة، بدلاً من الخلفية الإثنية للسكان. وفي حالات معينة, قد تشير الأشكال المعمارية إلى الأصل، وبالتالي، إلى إثنية السكان في الماضي.
يناقش روني إلنباوم بأن العلامات الخاصة بالبناء و سمات مواقع البناء التي وجدت في القرون الوسطى في [إسرائيل] يمكن أن تستخدم لتمييز مستوطنات الفرنجة، بل حتى لتمييز المنازل الفردية التي سكنت من قبل الفرنجة عن [منازل] المجتمعات الإسلامية. لسوء الحظ ليس هذا هو حال العصر الحديدي. و وصف العديد من العلماء للبيت ذو الغرف الأربع على أنه نمط البيت الإسرءيلي رغم أن مخطط البيت الكامل لم يظهر قبل العصر الحديدي الثاني كما تم العثور عليه في المواقع المعاصرة في الأراضي المنخفضة ومواقع شرق الأردن. في هذه الحالة أيضا، ينبغي أن يكون لشيوعه في منطقة الهضاب ارتباطا بالعوامل البيئية والاجتماعية، بدلا من الحدود الإثنية .
أظهرت الدراسات الإثنوغرافية أن بعض العلامات الإثنية يمكنها أن تكون , في كثير من الحالات، رموزا أفضل للتحديد هذه الإثنية مثل الطقوس الجنائزية و العبادة و أساليب الغذاء، أي العادات الغذائية. بيد أن علم الآثار لم يقدم لنا أية معطيات عن الطقوس الجنائزية وطقوس العبادة. و لم يتم العثور قط على مقبرة أو حرم مقدس في منطقة المرتفعات في العصر الحديدي الأول. ولذلك فسوف نستنجد هنا بأساليب الغذاء أو ممارسة الطهي ممثلة في المرتبة الثانية الأوسع انتشارا للقى الأثرية التي وجدت في أعمال الحفريات و التنقيب, و هي تحديدا هنا ، العظام.
ومن المقبول بصورة عامة القول بأن أساليب الغذاء تميل لأن تكون رموزا محافظة للإثنية. وتقاوم بعض الجماعات التغيير في أساليب الغذاء حتى في وجه الاستيعاب المحتمل. فما يأكل الناس، وكيف يأكلون، يعد جانباً هاماً من جوانب هويتهم. و يجادل علماء الأنثروبولوجيا بأن أساليب الغذاء في كثير من الأحيان هي أسليب أيديولوجية متنافسة و دين بلغة النزعة الثقافية المحافظة, و الغذاء هو أحد الرموز الأساسية المفصلية من قبل الناس سعيا للحفاظ على هويتهم الثقافية وتضامن الجماعة. و تراكمت -لدينا- خلال السنوات الأخيرة مجموعة كبيرة من البيانات عن تربية الحيوانات في العصرين البرونزي و الحديدي. و اكتسبت المعطيات المتعلقة بنسبة عظام الخنزير أهمية خاصة لدراسة الإثنية في العصر الحديدي في ما يتعلق بالتجمعات الحيوانية في مواقع مختلفة. وأظهر كل من بريان هيس و بولا وابنيش بأن هذه النسبة في المواقع الفلستية أكبر بكثير من المتوسط-" العادي"-للعصر البرونزي. وقد يعود شيوع استهلاك لحم الخنزير في العصر الحديدي الأول في السهل الساحلي الجنوبي إلى ممارسة تربية الحيوانات التي تم جلبها من موطن الفلستيين. كما كانت تربية الخنزير في المرتفعات تمارس في العصر البرونزي و في فترات أخرى. في حين تختفي عظام الخنزير من التجمعات الحيوانية ابتداء من العصر الحديدي الأول. والحقيقة الأكثر إثارة للاهتمام هي أن عظام الخنزير المتزامنة استمرت في التمثيل باعداد كبيرة في حشبون على الحدود بين عمون ومؤاب في شرق الأردن. وتعكس تجمعات الحيوانات في العصر الحديدي الثاني السمات عينها. وبغض النظر عن العوامل المعقدة التي قد تؤثر على توزيع الخنازير, يبدو أن هذا الأمر عنى أن تابو أكل لحم الخنزيركان يمارس فعلا محرما في منطقة الهضاب في العصر الحديدي الأول. لم توجد الخنازير في مواقع طلائع الإسرءيليين في منطقة الهضاب، بينما كانت شائعة تماما في مواقع لطلائع العمونيين وفي العديد من المواقع الفلستية. و ثمة سببين محتملين وراء هذه الظاهرة: يمكن النظر إلى الشيوع الواسع لاستهلاك لحم الخنزير في فلستيا على أنه مؤشر إثني فلستي من قبل طلائع الإسرءيليين في المرتفعات، الذين تجنبوا نربية الخنازير كردة فعل. و بما لايقل أهمية عن ذلك ربما يأتي تجنب تربية الخنازيرمن خلفية رعوية لهؤلاء الناس الذين استقروا في المرتفعات في العصر الحديدي الأول، نظرا لعدم إمكانية تربية الخنازير على هيئة قطعان وضمن مسافات شاسعة. و يزعم العديد لهذا السبب تحول الخنازير إلى رمز للحياة المستقرة، و إلى تجنب الرعاة البدو في الشرق الأدنى القديم تربية الخنازير.
العمليات الدورية و منشأ إسرءيل المبكرة
بات من الصواب النظر إلى العمليات التاريخية المعقدة من منظور المدة الطويلة la longue durée حسب المدرسة الفرنسية الحولية. و يتطلب منا تحري العمليات التي وقعت في العصر الحديدي الأول , في واقع الأمر، النظر من منظور تاريخي أوسع بكثير:بدء من موجة التوطن الأولى في المرتفعات في بداية العصر البرونزي المبكر (أي النصف الثاني من الألفية الرابعة قبل الميلاد) حتى نتائج التحول في العصر الحديدي الأول-ظهور الدول الإقليمية في أوائل الألفية الأولى. وتشير عمليات المسح الواسعة التي أجريت في المشرق في ثمانينيات القرن الماضي إلى تمييز ثلاث موجات توطنية في المرتفعات مع فترتين فاصلتين من فترات الأزمات الاجتماعية بينهم و ذلك في الإطار الزمني المحدد أعلاه. تكاثف النشاط التوطني من فترة ذروة إلى أخرى.أدت هذه الدورات الثلاث في المجمل إلى بروز تشكيلات إقليمية معقدة. و في حين تلاشت الموجتين الأولتين،فقد أسفرت الذروة الثالثة عن حالة تكوين كامل للدولة، أي مملكتي يهوذا و إسرءيل. وكان لفترات الذروات الثلاث (فضلا عن فترتي الأزمة) الكثير من القواسم المشتركة، لا سيما في الأنماط الديموغرافية، وكذلك في تموضع المواقع و بعض جوانب معينة من الثقافة المادية.
بلغت الموجة الأولى ذروتها في العصر البرونزي المبكر الأول، في أواخر الألفية الرابعة ق.م. في حين لوحظ انخفاض في عدد المواقع و المساحة الأجمالية المأهولة على حد سواء في العصر البرونزي المبكر الثاني و الثالث، أوالألفية الثالثة ق.م، ولم يمنع هذا من ظهور مراكز كبيرة محصنة ميزت نطاما سياسيا أكثر تعقيدا، وأعقب تلك الفترة أزمة دراماتيكية كبيرة في العصر البرونزي المتوسط (أواخر الألفية الثالثة)، عندما تم التخلي عن معظم مواقع العصر البرونزي المبكر. ولم يكن هناك سوى عدد قليل من المواقع التوطنية محدودة الحجم في معظمها في تلك الفترة، مع تسجيل وجود عدد من المقابر لاعلاقة لها بالمواقع القريبة المستقرة، وبالتالي فهي ربما تمثل جماعات رعوية. واستمرت أزمة التوطن، بل ازدادت حدة في العصر البرونزي الوسيط الأول، أي أوائل الألفية الثانية ق.م. وحدثت الموجة الثانية من التوطن في العصر البرونزي الثاني و الثالث ( القرون 18 و 17 و 16 ق.م ). وتم تسجيل حوالى 250 موقع في منطقة الهضاب. وبدأت عملية التوطن في العصر البرونزي الثاني عندما أقيمت العشرات من المواقع الصغيرة في مختلف أنحاء المنطقة. ولوحظ نمو العديد من المواقع المتقدمة في العصر البرونزي الوسيط الثالث، من خلال وجود أعمال حجرية مثيرة ملفتة للنظرتقوم مقام مراكز حكومية موسعة للنخبة الحاكمة. ومع تهاية العصر البرونزي الأوسط انهار هذه النظام التوطني المثير ليسجل العصر البرونزي الحديث (من أواخر القرن السادس عشر ق.م إلى القرن الثاني عشر ق.م) أزمة ديموغرافية ثانية في منطقة المرتفعات، بوجود حوالي ثلاثين موقعا مأهولا في ذلك الوقت فقط. بالإضافة إلى تقلص حجم بعض المواقع الموجودة.
وفي الفترة ما بين القرن الثاني عشر إلى القرن العاشر ق.م حصلت الموجة الثالثة من التوطن المميزة لظهور "طلائع الإسرءيليين". و سجلت عمليات المسح الشاملة لأكثر من 250 موقع من مواقع العصر الحديدي الأول في منطقة الهضاب الوسطى. وتوسع هذا النظام التوطني بشكل مثير في العصر الحديدي الثاني من خلال تضاعف عدد المواقع ومجموع المساحة المبنية ( وبالتالي،السكان) إلى ثلاثة أضعاف تقريبا. وعلى غرار فترات الذروة السابقة، تميز العصر الحديدي الثاني بارتفاع عدد المراكز الحضرية الكبيرة لنظام التوطن التراتبي المعقد .
لم تكن التأويلات السابقة مقنعة لتفسير هذه الظاهرة المتمثلة في التذبذب الإستيطاني نتيجة هجرات جماعات جديدة من مناطق بعيدة من المشرق، أو التوسع الديمغرافي المتعاقب والانسحاب من المناطق المنخفضة القريبة, فأولا : أظهرت الدراسات الحديثة أن عدد سكان الأراضي المنخفضة لم يقترب بلا شك من" قدرة الاستيعاب", وبالتالي لم يكن هناك فائض سكاني في الأرض الشحيحة يدفعهم للتوسع نحو حدود جديدة. و ثانيا، يظهرالطابع العام للثقافة المادية في المرتفعات ملامح محلية واضحة دون أي إشارة إلى هجرات واسعة لجماعات جديدة قادمة من الخارج. ومن ثم فالأمر الأكثر عقلانية هو تفسير هذه التقلبات التوطنية بمنحى التغير الاجتماعي والاقتصادي، أي التحول إلى مجتمع أكثر استقرارا أو أكثر رعويا بالتوافق مع التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وقد سجل كل من دافيد غروسمان و لوس مع أوستين لابينكا على التوالي تحولات مماثلة في أزمنة مبكرة حديثة للسلسة الرعوية-المستقرة في منطقة الهضاب و شرق الأردن. هذه هي المناطق الهامشية الأكثر نموذجية في الشرق الأوسط، المرتفعات و أراضي السهوب على حد سواء. و تتمثل هذه التغييرات للسلسة الرعوية-المستقرة بصورة جيدة في الذخيرة الحيوانية لموقعين في الهضاب الوسطى:شيلوه [ خربة سيلون-سلوى؟] وعميق رافايم Emeq Refaim [ حي القطمون ؟] . تتوافق البيانات مع التحولات بين اقتصاديات الضرورة الزراعية التي تعتمد على الحراثة (أي ماشية أكثر) في فترات التوسع التوطني و بين والمجتمعات الرعوية (وهذا يعني، أغنام وماعز أكثر ) في سنوات الأزمة. و ثمة مؤشرات إضافية عن الخلفية الرعوية للجزء الأكبر لجماعات طلائع الإسرءيليين في المرتفعات. يدل أولها على عدم وجود ترابط بين مواقع العبادة القليلة في العصر البرونزي الحديث والمجتمعات المستقرة الدائمة. وثانيا، يبدو أن ثمة نصوصا من العصر البرونزي الحديث، لاسيما رسائل تل العمارنة من القرن الرابع عشر، تشير إلى مكون رعوي هام من السكان وصفوا باسم الشاسو أو "اللصوص". في الواقع، ألمحت عدة إشارات إلى أن الإسرءيليين الأوائل ينحدرون من جماعات الشاسو هذه. ثالثا، تتركز العديد من مواقع طلائع الإسرءيليين في المرتفعات التي تناسب على نحو أفضل المزج بين تربية الحيوانات والاقتصاديات الزراعية الجافة (البعلية). رابعا، ربما يشير تجنب تربية الخنازير إلى الأصول الرعوية لسكان مرتفعات العصر الحديدي الأول. خامسا، قد تشير بعض المميزات المعينة لعمارة مواقع طلائع الإسرءيليين في المرتفعات إلى الاتجاه ذاته، وأود أن أشيرهنا إلى أوجه التشابه بين الفناءات المفتوحة لمواقع من العصر الحديدي الأول و بين خيم السكان الرعاة في المشرق في الأزمنة الحديثة المبكرة .فيمتاز كلاهما بوجود فناء واسع (لحماية القطعان) محاطا بحزام من وحدات رئيسية هي: الغرف الحجرية في الماضي البعيد و الخيام في الماضي الأكثر حداثة. و لم يتم هنا معالجة العوامل الكامنة وراء هذه التحولات على مجمل السلسلة الرعوية-المستقرة بالتفصيل. ويكفي أن نذكر أنه ليس لدينا خيار في غياب أي مادة تاريخية متاحة من الألفية الثالثة، وبمساعدة مصادر محدودة للغاية من الألفية الثانية سوى الانغماس في نماذج أنثروبولوجية تأملية، مدعمة في بعض الأحيان بمعطيات إثنوغرافية لأزمنة مبكرة أحدث التي تأخذ في الاعتبار الصعوبات السياسية والكوارث الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية. وتجدر الإشارة إلى أن البداوة الرعوية هي التخصص المعتمد على قدرة المجتمعات المستقرة في إنتاج فائض من الحبوب يكفي للمقايضة مع مجتمعات الرعي. وبناء على ذلك، ينبغي أن يكون انهيار النظام الاقتصادي العالمي في العصر البرونزي الحديث قد لعب دورا رئيسا في توطن الرعاة بصورة أوسع من رعاة المشرق في العصر الحديدي الأول. و بانعدام فائض من الحبوب لدى المجتمعات المستقرة، أجبر الرعاة على إنتاج الحبوب، أي،التحول إلى شكل أكثر توازنا ومكتفيا ذاتيا من اقتصاديات الضرورة و الكفاف، الأمر الذي أدى إلى التوطن. وكن قد ذكرت للتو الاختلاف الإيكولوجي في منطقة الهضاب الوسطى بين شمال أكثر ملاءمة وجنوب أكثر قسوة. ونتج عن هذا التفاوت البيئي اختلافات ديموغرافية و توطنية ذات شأن. وكان شمال السامرة [الضفة الغربية ] أكثر كثافة ويمتاز بمواقع أكبر وأدلة محدودة للنشاط غير المستقر. وعلى العكس من ذلك، سكنت مجموعة من السكان المستقرين تلال يهوذا حتى العصر الحديد الثاني، غير أن عددتً من الجماعات الرعوية كانت لها أهمية خاصة. صاغت هذه الميزات شكل وطبيعة الكيانات السياسية التي نشأت في العصر البرونزي الأوسط حتى فترات العصر البرونزي الحديث، وكذلك العصر الحديدي الثاني. كما تشير فترات الازدهار التوطني الثلاث في الهضاب الوسطى إلى تمدد ديموغرافي تدريجي من الشرق إلى الغرب. وعندما تكون المنطقة ذات كثافة سكنية متناثرة, يمكن -حينها-للمستوطنين اختيار موضع ومكان قراهم في بداية كل عملية توطنية، ولذلك قام هؤلاء باختيارالمناطق الشرقية، التي كانت من الناحية الطوبوغرافية معتدلة وملائمة بيئيا، و واعدة زراعيا. وبالإضافة إلى ذلك، تمكن المنافذ الشرقية سكانها من أداء استراتيجيات اقتصادية متوازنة و مكتفية ذاتيا. و تدعم حقيقة أن المستوطنون انجذبوا إلى مناطق مناسبة لمزج مجموعة من الأنشطة الزراعية الجافة وتربية الحيوانات، الاقتراح الذي يقول أن العديد منهم ينحدر من خلفية رعوية.
لم يكن بمقدور وحدات المنحدر الغربي ( التي تعتبر نموذجية للبستنة) إنتاج الفواكه إلا بعد فترة طويلة نسبيا من النشاط الزراعي الذي لم يعمل به بالسكان إلا في الأطوار الأخيرة من العصر الحديدي الأول. و بدأ إنتاج الفاكهة عندما كان المجموع السكاني مستقرا تماما وبدؤوا بالتحول إلى اقتصاد تخصصي، بما في ذلك إنتاج كميات كبيرة من منتجات البستة الثانوية. وكان التوسع غربا عاملا بارزا في تنمية التطورات اللاحقة للكيانات الإقليمية في المرتفعات. و بالعودة إلى الفترات الثلاث موضوع المناقشة، أدى نمو المجموعات السكانية المستقرة، والتوسع الإقليمي، والطلب على منتجات البستة من منطقة الهضاب لصالح المناطق المنخفضة إلى ظهورتدريجي لمجتمعات معقدة و متعددة الطبقات. كما أدت الخلفية المميزة الإيكولوجية للهضاب إلى تشكيل وحدات إقليمية واسعة، مع بعض أوجه التشابه الواضحة بين تلك الفترات الثلاث: وأبرزها، تميز كل منها باثنين من الأنظمة السياسية الحاكمة في الإقليم، الشمال أكثر استقرارا و منفتحا على المؤثرات الحضارية من المناطق المنخفضة و الجنوب أكثر رعوية ومعزول طبيعيا .
ملخص
امتلكت العمليات التوطنية في مرتفعات كنعان في العصر الحديدي الأول الكثير من القواسم المشتركة مع اثنتين من موجات احتلال سابقة في هذه المناطق. وتعززهذه المقارنات الفرضية القائلة بأن مقداراً كبيراً من النشاط التوطني الحديدي الأول كان جزء من آليات دورية طويلة المدى لعمليات التوطن و التبدي المتعاقبة لمجموعات السكان الأصلية كاستجابة لتبدل الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. و بترجمة هذه الكلمات إلى لغة بسيطة، يمكن القول أن الإسرءيليين القدماء هم في الواقع كنعانيين. نتائج النشاط التوطني في العصر الحديدي الأول-ظهور الدول الإقليمية الإسرائيلية واليهوذية- يتمثل في بعض الصفات بتشكيل أنظمة سياسية إقليمية كبيرة خلال العصر البرونزي الوسيط و العصر البرونزي الحديث و ربما العصر البرونزي المبكر في منطقة الهضاب، لكن صعود المملكة الشمالية لإسرءيل، التي تمكنت من الانسياح من المرتفعات باتجاه السهول وتشكيل دولة إقليمية حقيقية، مثلت ظاهرة جديدة -ثورة- في التاريخ الاجتماعي لـ "كنعان-إسرءيل". بعبارة أخرى، لم تكن "المستوطنات الإسرءيلية" للتقاليد الكتابية الحدث الاستثنائي حقا في مرتفعات فلسطين، بل كان الظهور التاريخي لدولة إسرءيل حوالي900 ق.م في المرتفعات الشمالية. ويبدو أن التصوير الأدبي لظهور إسرءيل القديمة في العصر الحديدي الأول تمت صياغته بعد عدة قرون من قبل تاريخ الدولة اليهوذية في أواخرالعصر الحديدي الثاني باعتباره حدثا فريدا في تاريخ المنطقة. الوصف الكتابي لظهور إسرءيل القديمة من قبل المؤرخ التثنوي هو بطريقة ما خدمة للجنوب، وللإيديولجية المركزية ليهوذا المتمحورة حولها، والتطلعات التاريخية والقومية، و تحمل رسالتها اللاهوتية. مثل هذه الرواية ظلت سائدة حتى وقت قريب، عندما احتل علم الآثار مركز الصدارة في البحث التاريخي في أرض كنعان -إسرءيل.
.......................................
الاستيطان الإسرءيلي : عميحاي مزار
تم تفسير المرويات الكتابية المتصلة بفترة الاستيطان الإسرءيلية (أو: عصر القضاة" الكتابي" ) عبرمقاربة تقليدية للآثاريات الكتابية باعتبارها تعكس واقعا حقيقيا تاريخيا للعصر الحديدي الأول(1200-1000 ق. م )، في حين يرى بعض العلماء حاليا في هذه المرويات أنها مجرد اختلاقات أدبية بدون أي شرعية. و علم الآثار هو أداة بحث مهمة في هذه القضية لأنه قد يلقي الضوء على عملية التوطن الاستيطان وعلى طبيعة مناطق التوطن و على مواقع محددة وردت في الرواية الكتابية وعلى طبيعة جيران اسرءيل وعلاقاتهم مع متوطني المرتفعات.
التوطن الإسرءيلي: نتائج السبر
سهلت عمليات البحث على مدى السنوات الخمسين الماضية فهماً أفضل لعملية التوطن للقبائل الإسرءيلية باستخدام الطرق الحديثة لعمليات المسح المكثفة، والدراسات البيئيةو الإثنوغرافية المقارنة. و تعود عمليات البحث هذه بجذورها إلى ثلاثينيات القرن الماضي عندما حدد وليم أولبرايت وزملائه ما اعتبروه الخصائص الأساسية للثقافة المادية الإسرءيلية في المرتفعات. وابتدأ المظهر الحديث لهذا البحث في العام 1950 بمسح سطحي قام به يوحنان أهاروني في الجليل الأعلى و أعيدت عملية المسح بعد العام 1967، عندما بات بمقدور العلماء الإسرائيليين الوصول إلى الهضاب الوسطى في يهوذا والسامرة. كما أضافت عمليات المسح و التنقيب في الأردن الكثير من البيانات المتزايدة. وكشفت المسوحات عن نمط توطني جديد تماما في العصر الحديدي الأول، حيث أنشئت المئات من المواقع الصغيرة الجديدة في المناطق الجبلية في الجليلين الأعلى والأدنى و في تلال السامرة وأفرايم، وبنيامين وتلال يهودا، و في شمال النقب، وأجزاء من وسط وشمال شرق الأردن.
قدمت المسوحات الأولية في العام 1968 لأول مرة صورة عامة لهذه الظاهرة. كما أجريت مسوحات مكثفة أكثر في السنوات التالية للهضاب الوسطى وأراضي منسّى، أفرايم، بنيامين، ويهوذا. وحدد آدم زرطال في إقليم منسّى, أكثر من 100 موقع يعود للعصر الحديدي الأول. كان هناك العديد من المدن الكنعانية بالقرب من الوديان الداخلية في هذا الإقليم بالإضافة إلى شكيم في نهايته الجنوبية. إلا أن عددا قليلا منها نقبت فقط، كما أن البيانات المنشورة عن عمليات التنقيب هذه غير كافية بصورة ما، ويمكن القول، مع ذلك استمرار هذه المدن الكنعانية خلال العصر الحديدي الأول، بينما تأسست في التلال المحيطة بالوديان مواقع توطنية جديدة بنيت في أماكن نائية في كثير من الحالات و بعيدا من مصادر المياه. كما عثر زرطال على عدد لا بأس به من هذه المواقع على طول تخوم وادي الأردن وتلال السامرة الشرقية شبه القاحلة، وفي المناطق الداخلية الغربية أيضا، وصولاً الى التلال المطلة على ممر وادي عارة. كما تم استكشاف حوالي 100 موقع توطني إضافي في أرض أفرايم بواسطة إسرائيل فنكلشتين وفريقه. كان التواجد الكنعاني متناثرا في هذه المنطقة ذات التضاريس الجبلية التي تقطعها الأودية العميقة. وتم تحديد توطنات العصر الحديدي الأول على طول الممر الرئيس، فضلاً عن المناطق النائية على حافة الصحراء أو في المناطق الحرجية. و معظم هذه المواقع كان صغير جدا، بمساحات تصل إلى نحو 0,5-0,8 هكتار من المساحة المبنية و عدد ضئيل من المنازل. وتقل كثافة المواقع كلما اتجهنا جنوبا نحو مرتفعات الخليل و بيت لحم . و عثر على حوالي 40 موقعاً توطنياً صغيراً خلال عمليات مسح في الجليل، في الأراضي المخصصة كتابيا لقبائل آشر ونفتالي في الجليل الأسفل، وقلبت المسوحات حوالي خمسة عشر موقعا يقع معظمها في المناطق الجبلية داخل أراضي قبائل زبولون. وعلى العكس من ذلك أظهر "زفي غال" أن القرن العاشر هو الذي بدأت فيه عملية التوطن في المرتفعات البازلتية ليسّاكر، ربما في أعقاب هجرة هذه القبيلة إلى هناك خلال الفترة الملكية من موقعهم الأولي في تلال السامرة. كما استقرت بعض الأسر من سبط منسّى في عدة مواقع متوضعة في منطقة جلعاد ( منطقة عجلون في شمال الأردن) وفقا للتقليد الكتابي.
تقدم نتائج مثل هذه الدراسات الاستقصائية صورة عن نمط التوطن، وبالتالي تجعل من الممكن تقدير حجم السكان واقتصاد الكفاف، والتكيف البيئي للمتوطنين. ونوقشت هذه المواضيع في العديد من الدراسات، لا سيما دراسات إسرائيل فنكلشتين، فضلا عن سلسلة مقالات لمجموعة من الباحثين نشرت في كتاب يحمل عنوان (من البداوة إلى الملكية : الجوانب الأثرية والتاريخية لاسرائيل القديمة.القدس 1994) . و من المعروف أن تقدير حجم السكان يتم حسابه من حاصل جداء مضاعفة المنطقة العمرانية المعروفة للمواقع مع معامل معين لعدد السكان لكل هكتار من المنطقة العمرانية، وعند استخدام معامل 250 شخصا في الهكتار الواحد للمنطقة العمرانية، استطاع فنكلشتين تقدير عدد سكان الهضاب الوسطى وحدها بحوالي 60000 نسمة خلال العصر الحديدي الأول، ولكي يكون هذا الرقم صحيحا، يشترط في هذه المواقع ذات الحجم عينه تقريبا أن يكون هذا الحجم دقيقا وأن يكون المعامل صحيحا. كل هذه العوامل لا تزال غير مؤكدة الى حد ما، وبالتالي ينبغي لمثل هذه التقديرات السكانية أن تبقى مؤقتة.
الثقافة المادية للمستوطنين .
يمكن عن طريق التنقيب الحصول على تفاصيل أكثر دقة عن هذه التوطنات. و قد تم التنقيب و الحفر على نطاق ضيق في عدد قليل من المواقع ، ولاتسمح النتائج المتاحة بإعادة بناء المعالم الرئيسية للثقافة المادية لهؤلاء المتوطنين .بدأت عملية التوطن في أواخر القرن الثالث عشر و أوائل القرن الثاني عشر في الهضاب الوسطى من إسرائيل والى حد ما في شرق الأردن وشمال النقب. في حين نشأت معظم المواقع في الجليل على ما يبدو في وقت لاحق من القرن الحادي عشر. وكانت في أغلبها مواقع صغيرة على شكل قرى مفتوحة مرتبة على طول سور دائري، مع مساحات مفتوحة واسعة داخل المستوطنة. وعثر في بعض المواقع على أسوار دفاعية، وإن كانت مبنية بطريقة سيئة في معظم الحالات وقد أتيحت لي شخصيا فرصة الحفر في جيلوه، وهو أحد المواقع في منطقة الهضاب الوسطى، إلى الجنوب من القدس. وتبلغ مساحة هذا الموقع حوالي 0,6 هكتار محاط بسور خارجي يتكون من أقسام منفصلة، يمكن لكل قسم أن يخص عائلة أو مجموعة تعيش في المنطقة المتاخمة. مع وجود مساحات مفتوحة واسعة في القرية، ربما تلعب دور حظيرة مواشي. أما في الجليل، تم الكشف ، بالاضافة الى مواقع صغيرة في الجبال، عن أدلة على توطنات قبلية في المواقع الرئيسية في المدن الكنعانية السابقة في وادي الحولة، مثل حاصور ودان. تم هجر موقع حاصور الكنعاني خلال القرن الثالث عشرق.م بعد دماره. و أنشأت مستوطنة صغيرة مؤقتة خلال العصر الحديدي الأول قد تعود لسكان جدد ينحدرون من أصول شبه بدوية. اللقى في هذا الموقع شحيحة و تتضمن العشرات من حفر التخزين و بدون بقايا معمارية تقريبا. وتبدو مستوطنة العصر الحديدي الأول في تل دان أكبر حجما و أكثر أهمية من الناحية الجوهرية. كما تم العثور هنا أيضا على حفر تخزين كثيرة، فضلا عن مبان ردئية و أدلة عن استخدام النحاس.
كانت المساكن النموذجية من النوع المعروف باسم "البيوت ذات الأعمدة." تتألف من مساحات مستطيلة عدة، وفي العديد من الحالات، من خطوط من أعمدة حجرية تفصل تلك المساحات. وهذا النمط من استخدام الأعمدة يمكن مشاهدته في عدة مدن وبلدات كنعانية في جنوب كنعان (على سبيل المثال، لخيش، تمنة [تل البطاش] و تل هاراسيم ). وقد أصبح هذا النمط المعماري شائعا في العمارة الإسرءيلية الخاصة و العامة في العصر الحديدي الأول، و بدى ليكون نموذجيا في فترة الملكية و يعتبر المنزل ذو الحجرات الأربع هو الشكل الأكثر تفصيلا من هذه المساكن، التي أصبحت شائعة ابتداء من القرن الحادي عشر. والمنزل ذو الغرف الأربع النموذجي عبارة عن شكل مستطيل أو مربع، مع مدخل يؤدي عادة إلى فناء وسطي مستطيل محاطا بغرف أو أروقة ذات أعمدة من ثلاث جوانب. ولم يثبت في هذه المواقع التوطنية وجود مبان عامة، و الاستثناء كان بنيان أساس متين مربع (11,2×11,2مترا) من حجارة ضخمة غير مشغولة قمنا بكشفها في جيلوه قد يكون أساس لبرج طويل مع غرف داخلية. تم ذكر الأبراج في سفر القضاة كسمة مشتركة في هذه الفترة. ففي شكيم يتطابق على سبيل المثال البرج مع معبد المدينة (قضاة 9 : 46-49)، كما ذكرت الأبراج مع فنوئيل (قضاة 8 : 17) و تبصة (قضاة 9 : 50-52) بيد أنه من المستغرب أن نجد هذا الأساس لبرج ضخم في موقع جيلوه الصغير والنائي،كما يثير اكتشافه تساؤلات حول طبيعة مواقع التوطن الإسرءيلي في منطقة الهضاب.وينبغي لهذا البرج أن يكون مصمما بمثابة حصن للمستوطنين في حال تعرضهم لهجوم. اقتضى على متوطني منطقة الهضاب شديدة الانحدار المغطاة بالغابات، القيام بتنظيف الأرض و هي بالتأكيد أحد المهام الأكثر صعوبة لهم. وينعكس هذا في قول يشوع لأفرايم: [15 .... فَاصْعَدْ إِلَى الْوَعْرِ وَاقْطَعْ لِنَفْسِكَ ....](يشوع 17 : 15) و ينبغي أن يعقب إزالة الغابات بناء المدرجات على السفوح شديدة الانحدار.مثل هذه المدرجات الزراعية كانت أساسية لمتوطني العصر الحديدي الأول الذين استمروا في إنشاءها في فترات لاحقة، كاشفة عن مشهد مدرجات في منطقة الهضاب لاتزال مرئية حتى يومنا هذا. قطعت صهاريج المياه في الصخور، وتظهر الصوامع والمدرجات الزراعية الوسائل التي تدبرها المستوطنون مع الظروف البيئية الجديدة في الهضاب الوسطى .
شدد أولبرايت و من ثم أهاروني، على أهمية الصهاريج المجصصة. فقد اخترعت، في رأيه، من قبل الإسرءيلين لتسهيل توطن الهضاب. إلا أننا نعرف الآن بأن تلك الصهاريج استخدمت قبل ذلك بكثير، كما أنه عثر عليها في واقع الأمر، في عدد قليل فقط من المواقع التي يمكن بكل اطمئنان القول أنها تنتمي إلى التوطنات الإسرءيلية. تعتمد مصادر المياه في العديد من هذه المواقع بدرجة أقل أهمية على مصادر المياه الجوفية كالينابيع، التي غالبا ما تقع على مسافة بعيدة عن المستوطنة. واقترح زرطال أن وفرة الجرارالفخارية pithoi (التي تدعى الجرار ذات الحواف المؤطرة)، في هذه المواقع ينبغي أن يربط بالحاجة لتخزين المياه. كما استخدمت في هذه المواقع بشكل واسع الصوامع المبطنة بالحجر أو الحفر المجصصة الملائمة لمحاصيل الحبوب. عثر في موقع واحد-عزبة صرتة-في السفح الغربي لتلال أفرايم على هذه اللقى من هذه الشاكلة، كان المراد من القدرة الاستيعابية لصوامع الغلال أن تكون أكبر من كمية الحبوب المفترضة المطلوبة من قبل السكان المحليين. وهذا الدليل على فائض الحبوب أدى إلى استنتاج مفاده أن اقتصاد هذا الموقع وربما المواقع المماثلة يقوم على التجارة مع السكان الآخرين من منطقة الهضاب المتخصصين في زراعة البساتين و الرعي .
شملت المنتجات اليومية لهذه المواقع التوطنية في الهضاب على أواني فخارية بسيطة وحجارة طحن مختلفة تستخدم لإنتاج الطعام. ويقتصر المجموع الفخاري عموما على أشكال قليلة، لا سيما الضرورية لمعيشتهم الأساسية. فقد تم العثور على جرار تخزين متوسطة الحجم تستخدم لنقل وتخزين السوائل مثل الزيت والنبيذ، وأواني الطبخ، ومجموعة محدودة لأشكال أخرى. تتماثل أشكال الأوعية مع تلك المستخدمة من قبل الكنعانيين في الأراضي المنخفضة، غير أن المجموع الكنعاني كان أكثر تنوعا وشمل زخارف مطلية( ملونة؟)الأمر الذي تتفتقره الذخيرة الفخارية لمنطقة الهضاب، فالمجموع ككل يختلف كثيرا عن المجموع المتعلق بالثقافة الكنعانية-الفلستية المعاصرة في السهل الساحلي وعن تلك السائدة في وادي يزرعيل.
ساد،بصورة استثنائية، نمط الجرار الكبيرة أو جرار التخزين (المؤطرة ذات الحواف) في هذه التوطنات.ويمكن لمثل هذه الجرار أن تتسع حوالي80 لترا من السوائل، وربما استخدمت لتخزين المياه. و قد اعتبرت لسنوات عديدة بأنها السمة المميزة للتوطن الإسرءيلي نظرا لشيوع استخدامها في المواقع الاستيطانية في منطقة الهضاب من وادي يزرعيل في الشمال وحتى منطقة الخليل في الجنوب، إلى درجة أن ابراهام بيران حددها كدليل على الهجرة الشمالية لقبيلة دان من مناطق توطنهم الاصلية-كماوردت في الكتاب، وذلك عندما اكتشفت في مواقع غير معروفة إلا في الجليل الأعلى، في تل دان. ولكن البحوث الحديثة التي أجريت مؤخرا أظهرت أن مثل هذه الجرار لم تكن مقتصرة على مواقع التوطن في منطقة الهضاب. فقد تم ظهورها لأول مرة في أواخر القرن الثالث عشر في سياقات كنعانية، في تل نامي جنوبي حيفا و في أفيق [رأس العين] و بيسان.كما كانت شائعة في أوائل العصر الحديدي الأول في منطقة عمان في شرق الأردن (لا سيما في موقع تل العميري حيث عثر عليهم في واحد من أقدم المنازل المعروفةبالمنازل ذات الغرف الأربع). كما شاعت في ذات الوقت في الهضاب الوسطى، في حين كانت نادرة في شفيلة [سهل الرملة]، ومفقودة في كل من النقب الشمالي و فلستيا. من الصعب تفسير هذا التوزيع غير العادي من حيث الهوية الإثنية، إلا أنه من الواضح أن متوطني منطقة الهضاب وجدوا فيها فائدة لاقتصادهم المعيشي.في الجليل، حيث تختلف الثقافة المادية نوعا ما عن الثقافة المادية لمنطقة الهضاب كانت المنازل ذات الأعمدة مفقودة، وعثر بدلا من الجرار المؤطرة ذات الحواف على أنواع أخرى متميزة يمكن تسميتها بالنمط الجليلي.وقد تطور هذا النوع الأخير عن الشكل الكنعاني الشمالي لعصر البرونز الحديث في حاصور و في سوريا و قبرص .
يبدو أن متوطني منطقة الهضاب يفتقرون إلى تقاليد خاصة بهم لصنع الفخار،و حصلوا على معظم الأواني الفخارية اللازمة لهم من جيرانهم الكنعانيين.وربما أنتجت الجرار الكبيرة ذات الصلة الكنعانية محليا من قبل الخزافين الجوالين الذين جلبوا معهم تقليد الخزف وتقنية صنعه.وقد بدأ المتوطنون بإنتاج أشكال محددة من فخارهم الخاص بهم استنادا إلى النماذج الأولية الكنعانية، ولكنهم لم يوائموا الزخرفة الكنعانية. وإن كانت الأشكال الفخارية والفن والأعمال الفنية الحرفية القليلة مماثلة لتلك الأشكال و الأعمال الخاصة بكنعانيي المنطقة المنخفضة. إن طبيعة الثقافة المادية للمستوطنين تعد بمثابة مجموع يختلف إلى حد كبير عن المجموع الكنعاني للمنطقة المنخفضة .
الممارسات الدينية
تم التأكد من الممارسات الدينية لمتوطني الهضاب بصورة ضئيلة. لقد كانت شيلوه [خربة سلوان؟] في التقاليد الكتابية مركزا دينيا رئيسيا للإسرءيليين عشية الفترة الملكية. وكانت موقع المعبد، و يبدو أن مصادر الكتاب في واقع الأمر تشير إلى المعبد الذي وجد هناك. كشفت الحفريات في موقع خربة سلوان، موقع شيلوه القديمة، عن مدينة صغيرة دمرها حريق هائل تعود للعصر الحديدي الأول، قد تكون هي نفسها الواردة في الأدبيات الكتابية ( إرميا 7 : 12و 26 : 6,9). لا يمكن الكشف عن بقايا مركز عبادة في شيلوه نظرا لأن الجزء المركزي من الموقع دمر تماما بسبب عوامل التآكل و التعرية و بسبب المباني البيزنطية.
كشف آدم رزطال في جبل عيبال، شمالي مدينة نابلس على موقع غير عادي، حدده كموقع مذبح يشوع (يشوع 8 : 30-38, تثنية 11 : 29, 27 : 4-8). يشغل الموقع مساحة 0,4 هكتار وهو محاط بسور حجري. شيد مبنى دائري في أعلى نقطة فيه وذلك في مرحلة توطنه المبكرة التي تعود إلى أواخر القرن الثالث عشر. كما تم انتشال عظام حيوانات محترقة، مصدرها على الأرجح في هذه المرحلة، من المبنى البديل الممتلء الذي حل محلها. تم بناء هذا المبنى المستطيل اللاحق (8 × 9 متر) من الجدران الخارجية الضخمة من دون فتحة، كما ملئت المساحة الداخلية بالحجارة والتراب والرماد، وعظام الحيوانات. وكان ملحقا به على الجانب الجنوبي غرفتان كبيرتان أو باحاتان يفصل بينهما جدار عريض. فسر زرطال هذا البناء المستطيل على أنه مذبح كبير، وحدد بعض المكونات على أنها المتراس والمنحدر، إلا أن هذه التحديدات مستندة على الوصف الكتابي ووصف المشناه. مثل هذا التفسير لايزال مثيرا للجدل، نظرا لعدم العثور على مذبح آخر يعود للعصر الحديدي كله بهذا الحجم والضخامة. و التأويل البديل هو أن ذلك المبنى كان له وظيفة غير دينية، ربما يكون بمثابة منصة لبرج مراقبة مثل ذلك الذي وجدناه في جيلوه. و في الوقت الذي قد يكون زرطال مخطئا في تأويله للمعبد، فمن المحتمل على ما يبدو أن هذا البناء استخدم في الواقع لممارسة نشاط عبادة في المرحلة المبكرة له. و من الممكن أن يكون الوصف الكتابي المتأخر جدا يحفظ ذاكرة قديمة متعلقة بهذا الجبل، بل حتى بهذا الموقع بصفة خاصة، وهو الموقع الوحيد على هذا الشكل الذي يعود للعصر الحديدي الأول. وفي هذه الحالة يكون الأدب التثنوي قد حفظ تقاليد تعود إلى فترة التوطن.
قمت بعمليات حفر في موقع عبادة آخر من هذه الفترة في سلسلة التلال المرتفعة من تلال السامرة الشمالية. وهو بمثابة مكان عبادة مفتوح يمكن تعريفه بأنه "المرتفع " الكتابي. وقد بنيت مثل هذه الأماكن عادة [23 ...... عَلَى كُلِّ تَلّ مُرْتَفِعٍ وَتَحْتَ كُلِّ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ.] (سفر الملوك الأول 14 : 23). يتألف الموقع من دائرة من الحجارة الكبيرة, قطرها حوالي عشرين مترا. وتتوفر من الداخل على حيز حجري مسطح واحد كبير مفتوح. تم تعريفه على أنه "حجر النصب" الكتابي massebah. و أصبح الموقع معروفا باسم"موقع الثور"، نسبة إلى تمثال فريد لثور من البرونز بطول 18 سنتيمترا عثر عليه هناك. ينسب الثور في الديانة الكنعانية إلى إيل رئيس الآلهة و إلى بعل إله العواصف. وقد ورثت ديانة القبائل الشمالية لإسرءيل رمز الثور من الديانة الكنعانية (قارن "العجول الذهبية" التي أقامها يربعام الأول في بيت إيل وفي دان). وتم النظر إلى الثور في شمال إسرءيل كرمز لإله إسرءيل أو تمثال للإله (استدعاء لوظيفة الملائكة الشيروبيم في معبد أورشليم ). وتمثال الثور الذي نتحدث عنه قد يكون أنتج أو تم شراءه من ورشة كنعانية، إلا أن قرب الموقع لعدة مواقع توطنية من العصر الحديدي الأول يدل على أنه ربما كان يستخدم كمكان عبادة للمواقع المجاورة، الأمر الذي يجعلنا نميل إلى اعتباره موقعا مستقرا من قبل الإسرءيليين القدماء .
مشكلة الهوية الإثنية : "الجرار[الفخارية] و الشعب"
من هم مستوطنوا الهضاب في العصر الحديدي الأول في أرض إسرائيل؟ هل يمكن تحديدهم على أنهم إسرءيليين؟ قبل معظم العلماء، في الحقيقة، بهذا التحديد. ومع ذلك، أثيرت على مدى العقد الماضي بعض الأسئلة الجديدة. على سبيل المثال، هل كان مشتوطني الهضاب في العصر الحديدي الأول يمتلكون إثنية محددة ذاتيا؟ كما أثيرت في البحوث الحديثة أسئلة بخصوص ما إذا كان يتواجد إثنيات"قومية" أم لا في ذلك الوقت. وسابقا، كان هناك بعض الشكوك بأن الدين العام للمشتوطنين كان توحيديا، ولكن هذا الدين ما زال بعيدا عن الطابع الرسمي في العصر الحديدي الأول ولذلك من المشكوك فيه القول أن مواقع التوطن في الهضاب الوسطى والجليل والنقب وشرق الأردن ينبغي أن تعزى إلى "كيان" إثني واحد. و ربما لا تمثل هذه المواقع سوى مظهر من مظاهر مماثلة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية في وسائل المعيشة التي نتجت عن انهيار النظم الاقتصادية و السياسية للعصر البرونزي الحديث .
هناك وجهان لمسألة الهوية: هل من الممكن الإفتراض أن الجماعات المختلفة التي استقرت في منطقة الهضاب خلال العصر الحديدي الأول عرفوا انفسهم بأنهم إسرءيليين؟ ومن ناحية أخرى، هل نحن، كعلماء حديثين، قادرين على تعريف مستوطني الهضاب الوسطى كإسرءيليين؟
كلا السؤالين قابلين للنقاش. ويستند تحديد مستوطني الهضاب الوسطى كإسرءيليين على التقاليد الكتابية بصورة أساسية التي دونت بعد عدة قرون كما يتفق على ذلك كل الباحثين. ربما يتم توجيه النقد عند استعمال المصادر الكتابية لتحديد إثنية مستوطني العصر الحديدي الأول باعتباره جدل دائري. غير أنه و برغم هذه المخاطر، أزعم أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمتوطنين والبيانات التاريخية والجغرافية تناسب هويتهم كإسرءيليين قدماء .
يتفق التركيب الاقتصادي-الاجتماعي للعصر الحديدي الأول لمجتمع منطقة الهضاب مع الوصف الكتابي لإسرائيل خلال فترة عصر القضاة. كان هذا المجتمع مستقر غير حضري ويعيش فيه الناس في مجتمعات صغيرة للمزارعين والرعاة، بدون سلطة سياسية مركزية، وإن كان على الأرجح يتمتع بوجود مراكز عبادة مركزية مثل شيلوه. تظهر الأدلة الأثرية مؤشر يدل على أن هذا المجتمع كان قائم على المساواة حيث كان أفراده يكافحون للعيش في الظروف البيئية القاسية في الجبال التي تغطيها الغابات والمناطق شبه القاحلة من أرض إسرائيل. تظهر في السجلات الأثرية المواقع التي كانت قرى إسرءيلية كبيرة خلال عصر القضاة وفقا للتقليد الكتابي مثل شيلوه، و المصفاة (تل النصبة)،كمواقع توطن هامة للعصر الحديدي الأول. ومن الممكن تحديد هذه المواقع كمواقع إسرءيلية، فضلا عن مواقع أخرى بثقافة مادية مشابهة في نفس المنطقة. وهو يشير، مع ذلك، إلى صعوبات في استخدام هذا المصطلح للتعبير عن تلك الفترة المبكرة من التاريخ الإسرءيلي. وتصبح المشاكل أكثر وضوحا عند محاولة تحديد الهوية الإثنية، حتى عندما يتم الأخذ في الإعتبار إشارات كتابية معينة، مثل أورشليم والمدن الجبعونية الأربع التي تقع إلى الشمال الغربي منها كما هي مذكورة في الكتاب على أنها غير إسرءيلية وكذلك الإشارة إلى اليبوسيين و الجبعونين خلال فترة ما قبل الملكية.
كشفت الحفريات في القدس من قبل ثلاث بعثات مختلفة (برئاسة كل من كاثلين كينيون، يغال شيلوه، و إيلات مزار) عن ثقافة مادية تعود للعصر الحديدي الأول (بشكل خاص،المجاميع الفخارية التي تعود للفترة من أواخر القرن الثالث عشر حتى أوائل القرن الحادي عشر) مماثلة للثقافة المادية في المواقع التوطنية للعصر الحديدي في منطقة الهضاب، والتي نعرفها عادة بمواقع مأهولة "بالإسرءيليين" أو"طلائع الإسرءيليين". وهذه القضية تدل على التناقض بين النص الكتابي وعلم الآثار، إذ لا يوجد في السجل الأثري ما يلمح إلى اليبوسيين أو الجبعونيين ككيانات إثنية منفصلة. كما تم الكشف عن ثقافة مادية في موقع جيلوه، الذي يبعد ثلاثة أميال فقط الى الجنوب الغربي من القدس، على سلسلة التلال المطلة على القدس، مماثلة لتلك الموجودة في القدس وغيرها من مواقع الهضاب الوسطى من القرن الثاني عشر. فهل كانت جيلوه قرية إسرءيلية تقع قبالة أورشليم اليبوسية، أم كانت مستوطنة في منطقة أورشليم ؟ أو ربما يتعين علينا أن نعترف بحدود علم الآثار في صقل الهويات الإثنية في هذه الفترة لهويات الجماعة المتغيرة وإعادة بناءها في منطقة الهضاب في أرض إسرائيل. ويمكن طرح أسئلة مماثلة بشأن هوية المتوطنين في أجزاء أخرى من البلاد، كما هو الحال في الجليل الأعلى، أو في الموقع الهام لتل العميرية بالقرب من عمان في شرق الأردن. و قد اعتبر عدم وجود عظام الخنزير في منطقة الهضاب، على النقيض من وجود هذه العظام في مواقع فلستية معاصرة دليلا على احترام حظر تناول لحم الخنزير و الموجود أيضا في التقاليد الكتابية. إلا أنه تم العثور على عظام الخنزير، و حيث أن عدد قليل جدا من عظام الخنزير وجدت في موقع من المواقع الكنعانية الكبيرة في الأراضي المنخفضة فلا يبدو اختلاف منطقة الهضاب في العادات الغذائية في هذا الصدد كثيرا عن المناطق الكنعانية. ينبغي شرح التابو المفروض على استهلاك الخنازير بين الإسرءيليين باعتباره ضاربا في جذوره في العادات الغذائية للألفية الثانية، التي ربما كان لها علاقة بالظروف البيئية. وأيضا بالخلفية الرعوية لكثير من متوطني الهضاب (حيث يتجنب الرعاة في العموم استهلاك لحم الخنزير ). وفي الختام، عندما استخدم مصطلح "إسرءيلي" بالنسبة للعصر الحديدي الأول، فأنا أخص بالإشارة إلى عدة جماعات من الناس أو وحدات قبلية تعيش في وضع اجتماعي واقتصادي معين لنمط وأسلوب العيش في منطقة الهضاب، في الجليل والنقب الشمالي وهضبة شرق الأردن. وتشكل منطقة الهضاب معقل و قلب أرض إسرءيل.حيث أصبح مختلف فئات السكان هناك في نهاية المطاف جزء من إسرءيل خلال فترة الحكم الملكي، من المشروع من وجهة نظري استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى مستوطني العصر الحديدي الأول أيضا .
مسلة مرنبتاح
حجر الزاوية في دراسة أصل إسرءيل هي شاهدة النصر المعروف باسم"مسلة إسرءيل"التي أقامها الفرعون المصري مرنبتاح (1213-1203ق.م)، خليفة رعمسيس الثاني. هذا النص الشعري المصري يصف غارة عسكرية ضد كنعان. ويذكر فيها الاستيلاء على مدن مثل عسقلان وجازر و يقنعام، فضلا عن الإنتصار على إسرءيل،التي تظهر هنا للمرة الأولى والوحيدة في المصادر المصرية. يظهر اسم إسرءيل في هذا النقش مع علامة التحديد الخاصة التي تشير للشعب ويؤكد مرنبتاح على وجه الخصوص"إسرءيل وضعت للنهاية، و بذرتها إلى الفناء"(ترجمة جون ويلسون في نصوص الشرق الأدنى القديم المتعلقة بالعهد القديم [تحرير.جيمس بريتشارد؛برينستون:مطبعة جامعة برنستون]،378). على هذا النحو، فإن إسرءيل هو"الشعب" الوحيد الذي ورد ذكره في هذا النقش الملكي، والإشارة إليها في هذا السياق محيرة. هل كانت إسرءيل في نهاية القرن الثالث عشر تشكل اتحادا كبيرا من القبائل يشكل تهديدا للامبراطورية المصرية التي حكمت كنعان لما يقرب من 300 عاما؟ وإذا كان الأمر كذلك، أين عاشت إسرءيل هذه؟ لاتزال الأجوبة على هذه الأسئلة محل نزاع. فالتصحيحيون الذين لا يقبلون إعادة البناء التقليدية لتاريخ إسرءيل القديمة تحاشوا هذه الإشارة إلى إسرءيل في هذا النص، واقترح آخرون مثل مايكل هازل على نحو مقنع في دراسة حديثة، بأن إسرءيل في هذا النص ينبغي أن يكون اسم لمجموعة سكانية مهمة في كنعان. وكما اقترح هو وغيره آخرون، من المغري مطابقة إسرءيل هذه مع مجموعة سكانية تتشارك العيش في توطنات واسعة في مرتفعات غرب الأردن فضلا عن شرق الأردن منذ أواخر القرن الثالث عشر و ما يليه، على النحو الوارد في السجل الأثري.
أصل إسرائيل
هل يمكن لعلم الآثار أن يلقي ضوء جديدا على مسألة أصل إسرءيل؟.اقترحت العديد من النظريات المختلفة وادعى أهاروني و زرطال وغيرهم متقفين مقترحات آلت التي طرحها في العام 1925 أن متوطني مواقع المرتفعات كانوا رعاة شبه بدو قدموا من شرق الأردن واستقروا في عملية بطيئة ابتدأت في وادي الأردن، وانتقلت تدريجيا نحو الغرب. كما اقترح مانفريد ويبرت في العام 1979 أن المتوطنين كانوا رعاة محليين يعيشون في المرتفعات على جانبي وادي الأردن شرقا و غربا، وقد ذكروا في المصادر المصرية باسم الشاسو. ويصورهم المصريين مرتدين غطاء رأس معين (أو ربما تسريحة) ويظهر زعيم هؤلاء الشاسو على نصب منقوش كبير وجد في مؤاب يقف أمام إله مصري. الأسباب التي فسرت من قبل ويبرت كانت ناتجة عن الزيادة السكانية للقبائل البدوية .
عرف دونالد ريدفورد الإسرءيليين القدماء بوصفهم بدواً من الشاسو. وأشار فنكلشتين إلى التشابه بين عملية التوطن في منطقة الهضاب في العصر الحديدي الأول والظاهرة الموازية في هذه المنطقة التي وقعت في فترة البرونز الوسيط قبل حوالي خمس مائة سنة. و اقترح بأن سكان العصر البرونزي الوسيط المستقرين، بعد أن أجبروا على اعتماد نمط حياة رعوي و شبه بدوي في العصر البرونزي الحديث، عادوا إلى الحياة المستقرة عندما تغيرت الظروف في نهاية العصر البرونزي الحديث. كل هذه التفسيرات تجسد الاعتراف بأن الإسرءيليين ظهروا من جماعات غير مستقرة معروفة في المصادر المدونة للعصر البرونزي الحديث، مثل الشاسو المذكورين في المصادر المصرية. وقد اقترح تأويل آخر من قبل الآثاريين جوزيف كلوي و و ليم ديفر، الذين يتبعون النظريات الاجتماعية التاريخية لجورج مندنهال ونورمان غوتوالد. ويزعم هذا التأويل بأن المتوطنين ليسوا سوى فلاحين كنعانيين معدمين، هجروا المجتمع الكنعاني المتدهور لمنطقة الأراضي المنخفضة و مضوا للبحث عن فرص عيش أفضل في الهضاب. لايوجد في اللقى الأثرية من هذه الفترة ما يشير إلى أصل أجنبي لمتوطني المرتفعات. لا يوجد ما يشير إلى تقاليد ربما جلبها المتوطنين من خارج البلاد، والقطع الأثرية الفقيرة المؤكدة كانت مستوحاة من مثيلاتها الكنعانية. هذه الحالة يمكن أن تدعم جميع النظريات الثلاث. إذا كان المتوطنين شعوبا شبه بدو، فمن المنطقي قيامهم بتدابير لموائمة التقاليد والعادات المحلية و ربما شراء السلع من المدن الكنعانية أو التجار المتجولين والحرفيين خلال عملية التوطن .
لعل مجمل مكونات النظريات الثلاث، قادرة، من وجهة نظري، على تفسير موجة التوطن في الهضاب و أصل ومنشأ إسرءيل. ولنا أن نتخيل التوطن على أنه عملية معقدة تجد فيها مختلف العشائر والجماعات ضرورة البحث عن أساليب جديدة للعيش في ظل تضاريس جبلية قاسية. وكما قال كل من بنيامين مزار وآن كيلبرو، وغيرهما، بـأن أصل مثل هذه الجماعات يمكن أن يكون مختلفا تماما، فقد يكون أصل البعض من الرعاة المحليين، و أصل البعض الآخر ربما أتى من الرعاة القادمين من شرق الأردن أو من أجزاء أخرى من البلاد. تبدو جوانب من الأدلة الأثرية كأنها تصف عملية التوطن التي انخرطت فيها الجماعات القبلية التي عاشت ذات يوم نمط حياة رعوي و قبلي. لا يوجد فعليا دليل مادي يمكن أن يتم تحديده لنمط الحياة السابق هذا، ولكن يمكن لتراثهم أن يتراءى في توزيع المواقع الاستيطانية، و في تنظيمهم واقتصادهم. وبالإضافة إلى ذلك، بعض من هؤلاء السكان يمكن أن يشمل كنعانيين مشردين أو مهاجرين قادمين من شمال سوريا أو أبعد من ذلك شمالا، حيث انهار النظام السياسي لعصر البرونز الحديث حوالي 1200 ق.م، مما أدى إلى تشتيت اللاجئين عبر المشرق.
مازال يتوجب علينا طرح عدة أسئلة, من قبيل : ما أصل الجماعة النواة التي ابتدأت العبادة اليهوية Yahwism ؟من كان مسؤولا عن تقاليد الإقامة في مصر والخروج وجبل سيناء وشخصية موسى؟ وأخيرا، أين هي كل هذه الفبركات المتأخرة؟ يمكن للدليل أن يكون بحوزتنا في عبارة " الشاسو من سعير " الواردة في نقش مصري من أيام رعمسيس الثاني، جنبا إلى جنب مع اسم علم "شاسو يهوي Shasu Yahwi". معادلة سعير مع أدوم باعتبارها المكان الذي يأتي منه يهوه معروف في أغنية دبورة (قضاة 5 : 4 ) و التلميح عن مباركة موسى (سفر التثنية 33 : 2) نظر إليهما من قبل العديد على أنهما النصوص الكتابية الأقدم. وينتمي الشاسو في العديد من المصادر المصرية لأدوم. وقد اقترح العديد من العلماء، لاسيما فرانك كروس، بأن"جماعة موسى"هاجرت خلال القرنين الثالث عشر والثاني عشر. على طول الطريق من مصر إلى مدين، وأدوم، جالبين معهم ديانة جديدة أي اليهووية. غير أن مساهمة علم الآثار مازلت ضئيلة في هذه المسألة.
جيران إسرءيل
يمكنني أن أذكر في إطار هذا المقال بإيجاز ذلك الكم الهائل من البيانات المتعلقة بجيران إسرءيل القديمة التي تتوفر عليها السجلات الأثرية كما سأعالج هنا فقط تفاصيل ضئيلة متعلقة بتقويم الجوانب التاريخية من النص الكتابي، وبالعلاقات المتبادلة بين اسرءيل وهذه الشعوب أي الكنعانيون وأحفادهم، والفينيقيون، الفلستيون، والآراميون، وشعوب الأردن (الموآبيين،عمون، وأدوم)، فضلا عن سكان الصحراء مثل المديانيين.
الكنعانيين والفينيقيين
استمر تواجد المدن الكنعانية في أجزاء معينة من البلاد طوال القرنين الثاني عشر والحادي ق.م (العصر الحديدي الأول)، لاسيما في أودية بيسان ويزرعيل والسهل الساحلي من تلال الكرمل نحو الشمال. وتعتبر مجدو القرن الحادي عشر(السوية VIA) مثالاً ممتازاً لمدينة ذات كثافة عمرانية و مزدهرة التي دمرت بحريق هائل حوالي 1000 ق.م، ربما بسبب زلزال. و أسفر التنقيب في هذه السوية عن العديد من اللقى كالقطع المعدنية والمجوهرات والتحف الصغيرة المختلفة، و وفرة من الفخار الملون ذو التقاليد الكنعانية فضلاً عن بعض الملامح المتعلقة بعالم شعوب البحر. كما أن تجارة محدودة مع قبرص كانت واضحة أيضا. وهذه الثقافة المادية مختلفة جدا عن ثقافة المواقع التوطنية في منطقة الهضاب، الأمر الذي يعزز الوصف الكتابي الوارد في سفر القضاة1 : 27 29، على النحو المذكور في الجزء الثاني من هذا الكتاب. مثل هذه الاستمرارية للحياة الكنعانية يمكن تحديدها أيضا في بيسان و تل رحوف و دور، ومواقع أخرى إضافية في المنطقة.
يعد التطور في المدن الساحلية القديمة، مثل صور وصيدا( لواقعتين اليوم في لبنان الحديث)،جانبا جديدا من جوانب الثقافة الكنعانية في الألفية الأولى ق.م يشار لها عادة باسم"الحضارة الفينيقية"، وهو مصطلح يعود إلى كلمة يونانية لوصف أحفاد الكنعانيين الذين طوروا حضارة خاصة بهم، وأسسوا مستعمرات في شرق المتوسط، ولاحقا في غربه .تم التنقيب في المواقع الفينيقية التي تعود للقرن الحادي عشر ق.م وما يليه على طول ساحل الكرمل (في دور- الطنطورة) وفي وادي عكا. و تم العثور على لقى من هذه المواقع، تشمل مجموعات فخار خاصة وأساليب دفن. وجد الفخار الفينيقي طريقه إلى فلستيا عن طريق التجارة كما عثر على هذا الفخار في شمال النقب و مصر و قبرص. الأمر الذي يقدم دليلاً قوياً على انتشار التجارة الفينيقية، كما تم العثور على بعض المؤشرات لاتصالات مع المدن الفينيقية في المواقع التوطنية في الجليل الأعلى (وخاصة مع صور) حيث عثر على شكل غريب من الفخار دعي النمط"الصوري".
الفلستيون
تم التعرف على الحضارة الفلستية بفضل عمليات التنقيب المكثفة في مدن أربع من المدن الخمس الكبرى للفلستيين المذكورة في الكتاب وهي عسقلان وأشدود وعقرون ، وغات, وبالتوافق مع التقليد الكتابي، كانت الحضارة الفلستية التي ظهرت من الحفريات الأثرية الحديثة عبارة عن حضارة حضرية لمهاجرين وصلوا من الغرب إما من اليونان نفسها أو من الجزر الإيجية الشرقية، آسيا الصغرى أو قبرص. جالبين معهم التقاليد الإيجية، التي كانت محفوظة في كثير من جوانب الحياة اليومية مثل العمارة، وإنتاج الفخار والأساليب الفنية والنسيج، والعادات الغذائية (على سبيل المثال، تربية الخنازير، على عكس الكنعانيين ومستوطني المرتفعات ). ولايمكن للمرء أن يتصور فرقاً عظيماً في نمط الحياة بين الفلستيين و بين مواقع التوطن الإسرءيلي .
يحدد الكتاب وطن الفلستيين بأنها"كفتور Kaphtor " التي تشير على الأرجح إلى كريت، أو أنها كانت تستخدم كقاعدة لتسمية أكثر عمومية للعالم الإيجي(عاموس 9 : 7 وإرميا 47 : 4 قارن أيضا صفنيا2 : 5 وحزقيال 25 : 16). هذه الإشارات الكتابية، بالإضافة إلى غيرها من الإشارات التي تذكر المدن الخمس الرئيسية للفلستيين فضلا عن مدن صغيرة أخرى مثل تمنة (تل البطش) تجد لها تأكيدات في الصورة الأثرية الحالية بطريقة مفاجئة إلى حد ما. وبعبارة أخرى، يجب أن تكون القصص التي تذكر الفلستيين في سفري القضاة وصموئيل، وكذلك التقاليد الكتابية الأخرى المتصلة بالفلستيين مستندة على المعيش التاريخي للقرنين الثاني عشر و الحادي عشر ق.م.
النقب الشمالي
أسست القليل من مواقع العصر الحديدي الأول في أماكن لم يكن فيها وجود للمدن الكنعانية في العصر البرونزي الحديث مثل عراد وأودية بئر السبع شبه القاحلة، أبرزها تل مصوص، أحد أكبرمستوطنات هذا العصر في كامل البلاد. توضعت المباني السكنية التي توصف عادة بالمنازل ذو الغرف الاربع في الجزء الشمالي من الموقع، بينما شيدت مبان مختلفة في الجزء الجنوبي، وهي عبارة عن مبنى بفناء من النمط الكنعاني وبناء محصن يبدو أنه مبنى إداريا. و يمكن إرجاع تركز السكان في جهة مركزية واحدة إلى مجموعة من العوامل البيئية (بشكل خاص مصادر المياه المتاحة)، والاعتبارات الأمنية، والدور الاقتصادي لهذا الموقع في النظام التجاري الذي كان يربط بين شرق الأردن و وادي عربة مع السهل الساحلي. و تبدي الثقافة المادية في تل مصوص تقاربا وثيقا مع مثيلتها في السهل الساحلي وتشير اللقى إلى اتصالات مع فيلستيا و فينيقيا ووادي عربة. وقد استقر هناك الكنعانيون و ربما الفلستيون بجانب السكان القبليين المحليين وربما كان يضم جزء من مجمع القبائل الإسرءيلية. و تدل اللقى على الثراء ويبدو أن الجزء الجنوبي من الموقع كان مخصصا لخدمة التجار الذين ربما زاولوا أنشطتهم التجارية مع الجماعات المسيطرة على صناعة إنتاج النحاس في وادي العربة.
إلى أي مدى يمكن للقى الأثرية أن تعكس التنوع الإثني للشعوب الموجودة في شرق الأردن حسب الرواية الكتابية أي قبائل رؤوبين وجاد ونصف سبط منسى في شرق الأردن الى جانب أدوم، و الموآبيين، و عمون، والأموريين؟
تلمح العديد من النصوص القديمة إلى العصور القديمة في التقاليد الكتابية، ولكنها لا تذهب أبعد من القرن التاسع ق.م. فقد أشار نقش الملك المؤابي ميشع (من القرن التاسع ق.م) إلى جاد كسكان قدماء إلى الشمال من مؤاب و الأرض شمال نهر ارنون، مما يؤكد بعضا من وصف الكتاب. وتؤكد النصوص الأدبية نقلا عن كتابات بلعام بن بعور التي وجدت مكتوبة على جدار كنيسة من القرن الثامن عشر ومنزل في تل دير علا في شرقي وادي الأردن أن التقاليد المرتبطة بهذا المتنبىء الذي يظهر بصورة بارزة في سفر العدد ( 22 -24 ) كان معروفا في شرق الأردن في العصر الحديدي. و تعتمد المعلومات الإضافية عن العصور القديمة لشعوب ودول شرق الأردن في مجملها على البينات الأثرية الصامتة. و بصورة عامة نقول أننا نمتلك معرفة جزئية عن ثقافة العصر الحديدي الأول لشرق الأردن. وكشفت الحفريات في إقليم عمون القديمة في مواقع سحاب و تل العميرية عن مدن تتمتع بثقافة مادية لها العديد من الصفات التي تتشارك فيها مع مستوطنات منطقة الهضاب الغربية. فقد عثر، على سبيل المثال بغزارة على المنازل ذات الأعمدة و الجرار المؤطرة ذات الحواف التي نوقشت سابقا. و تثير هذه النتائج مرة أخرى مسألة الانتماءات الإثنية لهذه الجماعات السكانية.
يقترح لاري هير بأن تل العميرية ينتمي إلى مستوطنة سبط رؤوبين في أوائل القرن الثاني عشر، رغم أن مثل هذا التحديد يمكن الطعن فيه، حيث يمكن للبعض الزعم بعدم تحديد أي كيان إثني أو سياسي في هذه المنطقة خلال الفترة المذكورة. أسفرت عمليات الاستكشاف في مؤاب القديمة في مدينتين رئيسيتين تمت الإشارة لهما في الكتاب، وهما ديبون و حشبون عن بقايا ضئيلة تعود للعصر الحديدي الأول. بيد أن مواقع عدة على طول نهر أرنون, لاسيما لحون و خربة المدينة العالية نمت وتطورت بشكل مثير في أواخر القرن الحادي. وكان كلا الموقعين محاطاً بسور محصن. وتشير هذه المواقع إلى ظهور كيان جديد في المنطقة ربما مبشرا بمؤاب. وبالكاد يمكن التأكيد على أدوم العصر الحديدي، ولكن الاكتشافات الاخيرة في مناجم النحاس في [خربة] فينان Feinan تشير إلى عمليات تعدين و صهر واسعة في العصر الحديدي الأول، لتحل محل مناجم النحاس الأقدم في تمنا إلى الجنوب. يزعم توماس ليفي، مدير عمليات الاستكشاف في موقع خربة النحاس في منطقة فينان بأن هذا الاكتشاف الجديد ربما يشير إلى ظهور أدوم كدولة في وقت أبكر بكثير مما كان مفترضا في السابق. وبمقدور هذه الاكتشافات الحديثة أن تبدل من فهمنا لظهور دول شرق الأردن. الصورة الأثرية عن دول معقدة وغير متجانسة،كما هو حال التركيبة الإثنية للمنطقة. يبدو, في نهاية المطاف أن الأدبيات الكتابية المتعلقة بشرق الأردن بما في ذلك ظهور أدوم وموآب والتوطنات الإسرءيلية في جلعاد في وادي سكوت لم تكن خيالية تماما، فهي منغرسة جزئيا في ذكريات فعلية عن الماضي .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,082,190
- تمرين في الاقتصاد: متلازمة بومول
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(3)
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(2)
- البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(1)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(5)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(4)
- Il Postino ساعي بريد نيرودا: مجاز الوعد بوصفه خذلان
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(3)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(2)
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(7)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(6)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(5)- ال ...
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(1)
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(4) -ال ...
- المملكة المنسية:تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(3)-الفص ...
- المملكة المنسية:تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(2)-الفص ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1)
- الطلقة41: الحب أم الثورة؟ قلب من لاقلب له
- الصهيونية الدينية وسياسات الاستيطان الإسرائيلية
- الحاجز:هندسة خوف و متلازمة رعب و ردع .


المزيد.....




- الحريري يكشف عن حزمة إجراءات إصلاحية.. والمتظاهرون يردون: -ا ...
- أكراد يرمون الخضار الفاسدة على القوات الأمريكية المنسحبة
- لبنان: الحريري يقر سلسلة إصلاحات ويدعم إجراء انتخابات نيابية ...
- رئيس هيئة الأركان العامة في السعودية: القوات المسلحة تتصدى ل ...
- -رويترز-: وزير الدفاع الأمريكي يصل إلى السعودية في زيارة غير ...
- سويسرا: مكاسب تاريخية لحزب الخضر في الانتخابات التشريعية
- بالفيديو: أهم اكتشاف أثري بمصر منذ 100 عام
- دعما لإخوة الدم والمصير في سوريا .. أكراد العراق يقاطعون الس ...
- سويسرا: مكاسب تاريخية لحزب الخضر في الانتخابات التشريعية
- المجلس الانتقالي يتهم الحكومة الشرعية بمحاولة إفشال حوار جدة ...


المزيد.....

- تسعون عاماً على هبة البراق / ماهر الشريف
- المياه والموارد المائية في قطاع غزة / غازي الصوراني
- ما طبيعة مأزق إسرائيل في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية؟ / ماهر الشريف
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة التاسعة : القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة السابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثالثة: السكان ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثانية: اقتصاد ... / غازي الصوراني
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الأولى : نظرة عا ... / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(4)