أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلام إبراهيم - صديقي الشاعر -زاهر الغافري-















المزيد.....

صديقي الشاعر -زاهر الغافري-


سلام إبراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 6223 - 2019 / 5 / 8 - 14:27
المحور: الادب والفن
    


صديقي الشاعر "زاهر الغافري"
سلام إبراهيم

في أمسية أدبية بمدينة "مالمو" وقع نظري عليه أول مرة. كان ذلك في منتصف تسعينيات القرن المنصرم. كان يجلس في الصف الأول بوجه الأسمر وكأنه رغيف خبزٍ تعطل قليلا في التنور، يحملق بعينين ذكيتين متابعاً وأنا أقدم صديق مسرحي ليحاضر عن طقوس المسرح، وحقيقة الأمر أنه ألح عليّ كي أعبر معه إلى مالمو، وقتها لم يكن الجسر قد أشيد، فأخذنا المركب. في الجلسة التي أعقبت المحاضرة أقبل نحوي وعانقني، لم يقدم نفسه، فبقيت حائراً بم أناديه، وخاض معي حديثاً متشعباً وغنياً عن الأدب والعراق ونصوصي التي أنشرها في الصحافة العربية، إلى أن حانت فرصة فسألت الجالس إلى جنبي من الجهة الأخرى وكان الروائي "جنان جاسم حلاوي" فحملق بيّ باستغراب وقال:
- سلام هذا "الشاعر "زاهر الغافري" أكو واحد ما يعرفه زوج أثمار!.
وأثمار فنانة عراقية "ممثلة" معروفة كانت حاضرة معنا.
كانت الجلسة محتدمة وبها خليط من مثقفي ومبدعي العراق، من هاجر مبكرا ومن خاض تجربة الثورة في الجبل ومن مَضّهُ الجوع بالحصار فهاجر، وقتها كان النقاشات محتدمة وكلها تتعلق بالمواقف. وكان "زاهر" شديد الحماس، شديد الإنصات، يشارك بتعليق مكثفٍ خاطف. وكنت كشأني مراقباً أنصت وأحلل، ظننت أول الأمر أن "زاهر " عراقياً بالرغم من أن لهجته فيها إيقاع لهجة أخرى، فسمعي شديد الحساسية باللهجات، لكن ما يرتسم في تقاسيمه السمراء الناصعة كماسةٍ من أنفعالات متوهجة وما يصيب نبرة صوته من تهدج وكل ما يدور حول العراق والمواقف جعلني أتقين بأنه "عراقي".
أصرَّ ليلتها، فأخذنا إلى شقته التي لا أتذكر الآن بعد كل تلك السنوات كيف وصلنا إليها، ما اتذكره الصالة الواسعة، وأحاديثنا الساخنة الودودة عن الشعر والنثر والعراق والمواقف، وكنا خمسة؛
زاهر وزوجته أثمار وأنا والمسرحي د. فاضل السوداني، والروائي جنان جاسم حلاوي، لكن باب الشقة قُرع ليأتي الشاعر "نصيف الناصري" بقامته الغارعة ووجه المرتبك ونظراته المستريبة فحّول الجلسة إلى جلسة ساخرة وهو يروي لنا طرائف وقت الحرب ومواقف الأدباء والشعراء مداحي الدكتاتور، وروى لنا طرائف الشاعر "كزار حنتوش" حينما علم أنني صديقه ومن الديوانية، سرد بفكاهة قصة زواجه من الشاعرة رسمية محيبس، وكنا نغرق بالضحك، إلى أن قرعت باب الشقة ليدخل شاب قصير القامة وزوجته التي كانت أيضاً قصيرة القامة. كانا جيران "زاهر" كما سيعلنا وسمعا بوجودنا فأحبا اللقاء بنا، ثم عرفّ الرجل بنفسه كونه مسرحيا ومخرجا وأسمه "كريم" لا أتذكر أسم أبيه، ولا أدري كيف تحول الحديث إلى حوارٍ حول الموقف من الدكتاتور وأسباب الهجرات، ليتصاعد حينما ساوى نصيف الناصري وكريم مواقفهم بمواقف فاضل السوداني وجنان جاسم حلاوي وكاتب السطور، فعلقت ساخراً على ما كانوا يرونه من مسيرتهم في مؤسسات البعث، ناكرين كونهم بعثيين فقلت:
- إذا أنتم مو بعثية، يمكن أحنه اللي تشردنه بالدول والجبال وحملنا سلاح كنا بعثية!.
فضج زاهر وجنان وفاضل بالضحك، مما جعل نصيف وكريم وزوجته ينسحبون.
من يومها توطدت علاقتي بـ "زاهر". بقينا على أتصال، نتخابر ونتراسل، وفي المرات التي عبرت فيها إلى "مالمو" كان يبتهج ويصّر على أستضافتي في بيته محضراً عدة الجلسة فنغور في أحاديث ليس لها مرسى تتعلق بالحياة والوجود والعراق والمواقف. ليس هنا بيت القصيد، ليس الأحاديث والحوارات هي ما يربطنا..لا، ما يشدنا خيط خفي يتجسد في الأصابع حينما تتلامس، انفعال القسمات، ود العيون الودودة، والشعور بالراحة والإسترخاء حينما نجلس جوار بعضٍ. وتلك النقطة التي يتكثف فيها الحب فيتحول كل حديث مهما كان مهما أو ثانوياً تفصيليا مبعث راحة وأهتمام، فسحة المحبة الصافية التي لا يبلغها إلا من كان قلبه نقياً كوردة جورية بيضاء.
كان لنا حكايا وقصص وطرائف في المرات التي حللت فيها في بيته بمالمو. وكنت سعيدا به جداً، لكن الحياة في كل التجارب تعاقبني تأخذ أصدقائي الحميمين مني سواء موتاً أو بعداً، إذ فجأة أخبرني في مكالمة هاتفية بأنه وأثمار قررا هجر الحياة في السويد والعودة إلى بلده –عُمان- وكأن أحدهم ضربني بحديدة على أم رأسي قلت مع نفسي "فقدته يا سلام" وله:
- زاهر متأكد من صواب قرارك!.
- نعم سلام لم نعد نحتمل!.
وغابت أخباره، ثم تواصلنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن مشكلتي مع الأصدقاء الذين احبهم بشدة لا تكفي وسائل التواصل في إرواء شغفي وشوقي بل تزيدها أستعاراً، فلا شيء يعوض اللقاء الفيزيقي المباشر هو الحياة والبهجة.
في مساء يوم شتوي قارص وجدت رسالة مكثفة في بريدي من زاهر تقول:
- سلام وصلت مالمو قبل يومين مع أثمار لزيارة بناتنا بكرى الصبح أني عابرلك لكوبنهاكن!.
تكاتبنا وأتفقنا ان يكون الموعد مبكراً لأنه رفض المبيت عندي، فأتفقنا على الساعة العاشرة صباحاً.
أيه ليلة سعيدة قضيت. أستيقظت مع أول خيطٍ للفجر وأستمتعت به يشب ويكبر ويشيب مع الشمس، مثل مشاعري هذا اليوم، وضعت أخر روايتي في حقيبتي الجلدية وخرجت إلى الشارع مثل صبي يعشق المدرسة. حملني السلم المتحرك إلى باحة المحطة، وتحت الساعة وسطها رأيتهما بوجهه الأسمر وسدارته الجيفارية التي لم ينزعها كل العمر وجواره أثمار باسمة تكاد تطير من الفرح. تعانقنا بشوق وشده وكأننا نلتقي أول مرة، كنا على حافة الحادية عشر صباحا، قلت لهما:
- أي مكان تودان الذهاب إليه؟
تبادلا النظرات والتفتا نحوي مبتسمين:
- سلام بكيفك أحنا بكوبنهاكن!.
ضحكت وقلت:
- يعني نروح متاحف!,
وأدري أنهما يودوان الكلام وليس غيره. ضحكا ونظرا نحوي بعيونٍ أفهمها. قلت:
- هيا بنا!.
من المحطة إلى ساحة البلدية فشارع المشاة غارقين بالحديث المنفلت دون تخطيط، وفي منتصف الشارع أشرت نحو مطعمٍ فخمٍ وبار أرتاده كلما حاصرتني الوحدة قائلا:
- أنجلس هنا ونتحدث!.
أجتزنا الباب المفتوح وأخترنا طاولة تشرف على الشارع، كان المطعم شبه خالٍ، نبّ "زاهر":
- لنبدأ بالنبيذ!.
انفجرت ضاحكاً:
- زاهر من الصبح نبيذ
- لا سلام يا صبح راح يأذن قريب ال 12
فغرقنا في الضحك!.
يا إلهي ما أجمل الأصدقاء.
كان "زاهر" يجلس جواري بينما جلست "أثمار" قبالتنا. وأنغمرنا بالأحاديث عن الأولاد والأحفاد، فلدى زاهر وأثمار خمس بنات بعضهن تزوجن فصار لهم احفاد، ولدي بنت وولدين وستة أحفاد، عببنا من النبيذ والجعة من أول الصبح حتى المساء، وكان زاهر الجميل يتفحص البشر وذهب لسيدة مع صاحبها تجلس في مقاعد خارج البار مغطاة بغطاء بسبب البرد وأصرّ بعد أن نشنش قليلا أنه يوما رآها في أمريكا عندما كان يعيش فيها ومتزوج من أمريكية وذهبت معه أثمار وصورتهم أي زوجة رائعة هي الفنانة "أثمار عباس" الجميلة. وهي تبتسم لشاعرها المجنون الذي يتخيل المحيط مثل ما يشاء ويتصرف حسب ذلك وتنساب معه مثل خيال.
في هذه الفسحة قررت أن أعرف سرّ تعلق "زاهر" في العراق سر ذلك الحب الطاغي في سلوكه وهمه، فسألته حال عودته من تهويمته الأمريكية خلف زجاج المطعم المشرف على الشارع:
- زاهر ما تقل لي شو قصتك ويه العراق؟!.
وحتى يكون ما قصه علي زاهر واضحا، زاهر من مواليد 1956، لدية أخوه ثلاثة على ما أتذكر، تيتّم مبكراً، وكان أخوه الأكبر متزوجاً ويعيش في الأمارات، ولما لم يكن لديهما أحدٌ في عُمان أنتقلا إلى أخيهما الكبير في الأمارات، لكن صعوبة الحياة دفعت بأخيه إلى بعثهما في منتصف ستينات القرن الماضي إلى العراق الذي كان يقدم وقتها مأوى لفقراء الخليج العربي يجد لهم عوائل ترعاهم إلى سن الرشد فينتقلون إلى أقسام داخيلة ويكملون تعليمهم. وبذا أنتقل "زاهر" وأخوه ليعيشا في بغداد صباهما وتفتحهما وليكملا دراستهما، أنفرد "زاهر" بقربه من اليسار العراقي وشملته الحملة على القوى الديمقراطية والشيوعيين إذ تعرض للمسائلة والتحقيق والحجز مما أضطره إلى الهجرة من العراق ليعيش تجارب بيروت وباريس وأمريكا والمغرب وووووووو وليضيع في العالم ليرسوا على ساحل "أثمار" العراقية ويعود إلى وطنه "عُمان" شاعراً عربياً معروفاً وعميقاً وإنسانا مصاغاً من خلاصات الحس والمعاني.
أنغمرنا في الحديث والنبيذ ولم يعد الوقت يعني لنا شيئاً، صباح نبيذي مكتظ بالأشواق وفكرة كوننا نلتقي هذي المرة وقد لا نلتقي، فقد حكى لي "زاهر" بعطب كبده وقال لي ضاحكا أن أخيه المتدين رفض إعطائه قطعه من كبده لكن لديه اخ سكير وحمد الله لوجود هذا الأخ قال له أعطيك كبدي كله.
أنغمرنا وشربنا أكثر من خمس قناني نبيذ أحمر ولم نحس بالوقت كنا بوقت المحبة نطوف ونطير ونحط ونغور ونسبح ونغرق ولا ندري.
يا إلهي لم لا تجعل أحبابي حولي
ليش؟
ليش؟
في المساء غادرنا البار المطعم، وترنحنا في شارع المشاة المكتظ نود عناق الناس كل الناس... كل الناس
شعور مبهم لا تفسير له
عناق البشرية كلها
وهذه الرغبة مستحيلة
إذ يساء فهمها
ندرك ذلك في الصحو والنشوة
ندرك
وهذا ما جعلنا نندمج مع لحن عازف شارع عابر فرقصنا على إيقاع العزف بصمتٍ رقصنا قبل الوداع
في محطة قطارات كوبنهاكن أفترقنا
وصرنا مجرد أحلام وخواطر

8-5-2019
دنمارك





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,476,576,451
- يؤثَّثُ الفراغَ ويضحكُ- مجموعة الراحل -حميد العقابي- القصصية ...
- حول الشيوعية السابقة والنصيرة -نصيرة القيسي- وحوارها في برنا ...
- العراق ولّاد رغم الخراب.. ينبض شعراء: الشاعر -كرار ناهي-
- الفنان التشكيلي العراقي -بشير مهدي- و 8 شباط 1963
- ما أتعسني
- في الضوء.. في الضوء
- بمناسبة الذكرى ال85 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي 31-3-2019
- كل حب جارف يفضى إلى الجسد؟
- تجربة مشتركة وأسلوبان مختلفان
- عن اغتيال الروائي العراقي علاء مشذوب عصر 2-2-2019 وسط كربلاء
- عن كتاب الحرب القتلة
- مقال وقصة من مجموعة -رؤيا اليقين-
- مساهمتي في كتاب -كيف تكتب رواية ناجحة- صدر مؤخرا
- الكتابة بحث لا إملاء
- رسالة للرفيقة سلوى زكو
- إدراك متأخر
- الكاتب والبوح العاري
- من رموز حياتي
- من دفاتر القراءة
- علاقتي الثقافية بالحزب الشيوعي العراقي 2- مو وقتها يا رفيق م ...


المزيد.....




- ميادة الحناوي تلغي حفلا في لبنان وتكشف عن السبب
- في الجزائر.. استقالة وزيرة الثقافة وإقالة مفاجئة لمدير الشرط ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية على خلفية مقتل خمسة أشخاص إث ...
- بعد حادثة التدافع.. وزيرة الثقافة الجزائرية تقدم استقالتها و ...
- قراصنة المتوسط الذين نقلوا كنوز العربية لأوروبا.. رحلة مكتبة ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية على خلفية مصرع خمسة أشخاص جر ...
- -عندما تشيخ الذئاب-.. إنتاج سوري يزعج الفنانين الأردنيين
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية بعد حادث تدافع مأساوي أثناء ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية بعد وفاة 5 أشخاص في حادث تدا ...
- فيديو: اكتشاف بقايا حوتيْ عنبر في بيرو يسهم في معرفة أسرار ح ...


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سلام إبراهيم - صديقي الشاعر -زاهر الغافري-