أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - اليهود المصريون فى إبداع إحسان عبدالقدوس















المزيد.....



اليهود المصريون فى إبداع إحسان عبدالقدوس


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 6223 - 2019 / 5 / 7 - 23:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تجنــّـب معظم الأدباء المصريين التعرض لليهود الذين عاشوا فى مصر، واختلفوا عن كل يهود العالم، لدرجة أنّ كثيرين من الباحثين اليهود، أعتبروا اليهود فى مصرأنهم لايختلفون عن المصريين، فى عاداتهم ومجمل حياتهم.
وفى هذا السياق كتب أ.محمد حسن خليفة فى حديثه عن حارة اليهود فى القاهرة أوفى بعض المدن المصرية أنّ الكثيرين من الباحثين لم يهتموا بتوضيح الفارق بين الجيتوالأوروبى والحى اليهودى أوالحارة اليهودية فى المدن المصرية، من حيث أولا: أنها لم تكن حارة مُـغلقة على أهلها تــُحيط بها أسوارتمنع من الدخول أوالخروج من وإلى المجتمع (المصرى) الكبير..كما أنها فى كثيرمن الأحياء لم تكن حارة يهودية خالصة، بل عاش فيها مسلمون ومسيحيون بجواراليهود..والأهم أنّ الرغبة فى العزلة لم تكن مـُـتوفرة فى اليهودى المصرى، فنجده يعيش فى أحياء خارج الحارة اليهودية..ولم يكن مُلزمًا بالحياة داخل هذه الحارة..وأضاف ((إنّ تاريخ يهود مصرليس تاريخ حارات يهودية، بل هوتاريخ جماعة مصرية دينها اليهودية ومُـندمجة فى المجتمع المسلم والمسيحى ومُختلطة به وليست مُنعزلة عنه)) (من مقدمته لكتاب " تاريخ يهود مصرفى الفترة العثمانية"- تحرير يعقوب لاندوا– ترجمة جمال أحمد الرفاعى وأحمد عبداللطيف حماد– المجلس الأعلى للثقافة عدد 199عام 2000ص21، 22) ونظرًا لهذه اللغة العلمية فإنه ذكر لحقيقة التى تتغافل عنها الثقافة المصرية السائدة إذْ كتب أنّ ((الصراع بين المُتدينين والعلمانيين (الإسرائليين) على أشده ومُهدّد لمستقبل إسرائيل كدولة))
أما المُـترجمان فكتبا فى المقدمة ((إنّ هذا العمل يؤكد على أنّ يهود مصر كانوا جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع المصرى، يتفاعلون معه ويؤثرن فيه ويتأثرون به..وعلاوة على اندماج اليهود الاقتصادى والاجتماعى فى مجتمعهم (المصرى) فقد شارك بعض اليهود فى الحركة الوطنية المصرية لمناهضة الاحتلال البريطانى، بل شكلوا بعض المنظمات المناهضة لنشرالفكرة الصهيونية فى مصر. إنّ الطائفة اليهودية المصرية كانت جزءًا لايتجزأ من نسيج المجتمع المصرى والتى رحل معظم أبنائها عن مصرخلال عقد الخمسينيات من القرن العشرين)) وأثناء الحرب العالمية الأولى، حدث أنْ هاجراليهود الذين كانوا فى فلسطين إلى مصر..وكان ذلك من بين أسباب تزايد عدد اليهود فى مصر..وكانت ((حركة الهجرة اليهودية من فلسطين إلى مصرنتيجة لقيام السلطات العثمانية فى فلسطين بترحيلهم)) (من 25- 50)
الدراسات المنشورة فى الكتاب كتبها علماء يهود يتميّزون بلغة العلم..ومن بين المعلومات الموثقة أنه فى عام 1984كان عدد اليهود فى القاهرة يُقدّر ببضع عشرات أغلبهم من المسنين الذين عانوا الكثير..والآثاراليهودية فى القاهرة شاهد على وجود طائفة كانت– فى أيام ازدهارها- تـُـقـدّربعشرات الآلاف (ص 403)
000
بالرغم من ذلك فإنّ أغلب المُـبدعين المصريين، لم يهتموا بخصوصية اليهود المصريين فى أعمالهم الإبداعية (باستثناء بعض الإشارات العابرة) وعندما سُـئل الأديب الكبيرنجيب محفوظ: ألاترى أنك مسئول كروائى، قامتْ رواياته بمسح اجتماعى وسياسى لحياتنا، عن عدم انعكاس قضية الصراع العربى/ الإسرائيلى فى رواياتك، مع أنها قضية خطيرة ماسة بوجود الإنسان العربى؟ فقال: الحقيقة أنّ دخول الكاتب العربى على المسألة الصهيونية، ممكن أنْ يكون من أكثرمن باب: يوجد باب مباشر..وهذا لايتأتى إلاّ لكاتب خاض التجربة أواكتوى بنارها عن قرب، مثل غسان كنفانى، لكن الصراع بيننا (نحن المصريين) وبين إسرائيل، ليس مسألة احتلال أرض أوحرب فحسب، إنما هو((صراع حضارى)) (حوارمع نجيب محفوظ– منشورات وزارة الثقافة السورية- دمشق– عام1971)
وبالرغم من أهمية تعبير(صراع حضارى) بيننا وبين إسرائيل..وهوالتعبيرالذى يتغافل عنه كثيرون– مع أنه حقيقة تاريخية موثقة– فإنّ محفوظ وفق تعبيرد.رشاد عبدالله الشامى ((تحاشى تمامًـا الاقتراب من معالجة الشخصية اليهودية فى المجتمع المصرى، سواء على المستوى الاجتماعى، أوعلى مستوى رؤيته لها من خلال الصراع من إسرائيل)) (د.رشاد الشامى– فى كتابه: الشخصية اليهودية فى أدب إحسان عبدالقدوس– كتاب الهلال– إبريل1992 – ص96)
وذكرأنّ الأمراختلف مع إحسان عبدالقدوس (ربما) بسبب إقامته فى حى العباسية، الملاصق لحى الظاهر(أحد مراكزإقامة اليهود فى القاهرة..وخاصة أبناء الطبقة المتوسطة) وهذا ليس كل شيىء، لأنّ المهم هواحتكاكه عن قرب بمجتمع اليهود المصريين..ومعايشتهم فى الفترة الأولى من شبابه..وقد اعترف إحسان بذلك فقال: عشتُ فى هذا المجتمع منذ أنْ كنتُ أعيش صباى وشبابى، فى حى العباسية الملاصق لحى الظاهرالذى كان مُـخيم أغلبية السكان اليهود..وكان لى من بينهم أصدقاء وصديقات كثيرون..كما عشتُ مرحلة من صباى فى (حارة اليهود) كما جمعنى العمل بكثيرمن الأصدقاء اليهود..كان من بينهم ثلاثة عملوا معى فى مجلة روزاليوسف..إلخ (المصدرالسابق– من ص 98- 100)
000
وأعتقد أنّ كتاب د.رشاد الشامى عن اليهود المصريين فى أدب إحسان، يكتسب أهمية خاصة (ومُـتفرّدة) من زاويتيْن الأولى: أنه تناول الأعمال الأدبية التى كتبها إحسان..ويدورموضوعها وتدورشخصياتها وأحداثها عن اليهود الذين عاشوا فى مصر، من خلال المعرفة الدقيقة بمختلف التشريعات اليهودية..وأسباب تحول بعضهم عن الدين اليهودى واعتناق الإسلام..وكل ذلك بتناول شديد العمق، من خلال التحليل الدقيق لشخصيات كل عمل.
الزاوية الثانية: أنّ د.رشاد الشامى أحد أهم الباحثين المُـتخصصين فى الديانة العبرية + تخصصه فى دراسة المجتمع الإسرائيلى..والتناقضات البارزة بين التيارات الدينية المُـتشـدّدة المُـتعصبة، والتيارالعلمانى المُـتسامح..وله فى هذا الشأن أكثرمن كتاب، مثل: الشخصية اليهودية والروح العدوانية– سلسلة عالم المعرفة الكويتية– رقم 102- عام1986- وكتاب: عجزالنصر- الأدب الإسرائيلى وحرب 1967- دارنشرفكر- القاهرة– عام 1990- وكتاب: القوى الدينية فى إسرائيل– بين تكفيرالدولة ولعبة السياسة– سلسلة عالم المعرفة الكويتية– رقم 186- يونيو1994.
وبذلك يتبيـّـن أهمية كتابه الذى حلــّـل فيه أعمال إحسان الإبداعية عن اليهود المصريين، ومصداقية ما ذكره إحسان عن معتقدات اليهود الدينية..وهوما وافقه عليه د.رشاد الشامى، من مُـنطلق تخصصه فى هذا المجال.
000
وفى تحليله لرواية (أنا حرة) التى نشرها إحسان عام 1952..واثارتْ لغطـًـا شديدًا، نظرًا لجرأة إحسان فى تناول الموضوع..وأنّ البطلة– فى رأى د.رشاد الشامى ((تجسيد لشخصية إحسان عبدالقدوس نفسه، فى بحثه عن مضمون الحرية)) كما أنّ الفتاة (فورتينية اليهودية) ابنة حى الظاهرالتى صادقتْ أمينة، وتعلمتْ منها الكثيرعن مفهوم الحرية..هى نفسها (جلاديس) صديقة إحسان اليهودية..وقال (إحسان) عن الرواية: إنها قصة مُـنتزعة من حياتى فى حى العباسية الذى عشتُ فيه..ومن شخصيات عرفتها بالفعل ( من مقدمة رواية أنا حرة- ط2- ص7) وقال إحسان– أيضًـا– لا أحد ممن قرأوا قصصى يعرف (جلاديس) أويعرف مدى تأثيرها على نبضات فكرى التى أوحتْ إلىّ بأكثرمن قصة. جلاديس فتاة يهودية كانت تــُـقيم قريبـًـا منا فى حى العباسية، منذ أنْ كنتُ صبيـًـا..وكان كل ما يجمعنى بها..هوما يجمع أولاد وبنات الأحياء المتقاربة..وبفضل جلاديس اعترف إحسان أنها هى التى عرّفته بعالم الأدب والثقافة الفرنسية..وقال: كنتُ لا أقرأ بالفرنسية..وجلاديس تــُـجيد الفرنسية..وعندما اكتشفتْ هوايتى الأدبية..كانت تــُـترجم لى كثيرًا من القصص الفرنسية..وهى التى عرّفتنى بالكاتب الفرنسى (جى دى موباسان) الذى كان له تأثيركبيرعلى توجيه اسلوبى فى كتابة القصة القصيرة، بعد أنْ حصلتُ على كل إنتاجه القصصى مترجم إلى الإنجليزية.
000
كانت أمينة بطلة رواية أنا حرة معجبة بالحياة التى تحياها (فورتينية) فهى حرة تخرج كما تشاء وتعود كما تشاء..وأيضًـا كانت أمينة تتساءل: هل تستطيع أنْ تفعل مثل اليهود وتكسب قوتها بمثل ما يكسبونه (أنا حرة – ص 62)
وقد اعترف إحسان بأنّ عامل الاختلاف فى الدين بينه وبين جلاديس، أوبين أمها وسائرأسرحى العباسية، لم يكن أبدًا معيارًا لنظرته الشخصية إليها، أوحتى لنظرة أبناء الحى لوالدة جلاديس..وطوال عمرهذه الصداقة لم أكن أشعرأبدًا بأنها يهودية..ولم يخطرببالى أنْ أقيسها بمقاييس ديانتها..صحيح أنه كانت هناك فوارق اجتماعية، تفصل بين اسرة جلاديس وبقية عائلات الحى..ولكننى لم أضع هذه الفوارق ((فى أى ميزان دينى)) (من مقدمة قصته: أين صديقتى اليهودية- ص7) وقال- أيضًـا- لم يخطرعلى فكرى أبدًا أنّ أسرة جلاديس تعيش حياة اليهود..وأنّ أسرتنا تعيش حياة المسلمين، بل كنتُ أقيس هذه الفروق بمقياس التقدم والعمل، استجابة لمتطلبات الحياة (المصدرالسابق– ص8، 9)
وهذا التأكيد من جانب إحسان على تسامح المصريين، ظهربوضوح فى رواية أنا حرة..وذلك بمشاركة أمينة (المصرية/ المسلمة) الاحتفال مع أصدقائها اليهود بأعيادهم الدينية.
ونظرًا لأنّ إحسان كان يعرف الكثيرعن أعياد اليهود وطقوسها، فقد توسّع فى ذكرالعلاقة الوثيقة التى كانت تربطه ببعض العائلات اليهودية..وهوما ظهرفى رواية أنا حرة من خلال شخصية الفتاة (فورتينية) صديقة أمينة، ليس ذلك (فقط) وإنما– الأكثرأهمية– ما ذكره أحسان من أنّ ما تناوله فى إبداعه عن يهود مصر، لم يكن تعبيرأدبى منه أورأى شخصى، بل كانت كتابته ترجمة للسمة الغالبة ((فى المجتمع المصرى)) وقال– أيضًـا– ((وخارج هذه الظاهرة كانت الأحياء تجمع فى سلام بين كل الأديان: المسلمين والمسيحيبين واليهود..وقد عشتُ طويلا قريبـًـا من (حارة اليهود) وكنتُ أقيم مع صديقى اليهودى فى بيته بالأيام، لنذاكردروسنا.. وكنتُ أنزل معه إلى دكان والده..وأعمل معه فى استقبال الزبائن.
وأكــّـد على– بحكم تاريخه الطويل- (توفى عن عمر71سنة) أنه لم تــُـحرق أوتدمرحارة لليهود فى مصر..كما تمّ حرق وتدميرحارات يهودية كثيرة، فى جميع أنحاء العالم عبرالتاريخ (من مقدمته لقصة: أين صديقتى اليهودية- ص9، 10)
وأشارإحسان إلى ظاهرة الانفتاح الثقافى..والإيمان بالتعددية الثقافية والدينية، لدى المصريين..ولذلك ظلّ الشعب المصرى ينظرلليهود، بعد أنْ شعروا (بالمواطنة المصرية) على أنهم ((مصريون وليسوا يهودًا))
000
ورصد د.رشاد الشامى إبداع إحسان عن يهود مصر، فقال: يمكن حصرأعمال إحسان عن الشخصية اليهودية فى المجتمع المصرى بشكل مباشر، أومن خلال تناوله لقضية فلسطين، فى خمس قصص قصيرة ورواية على النحو التالى:
1- بعيدًا عن الأرض: قصة قصيرة– عام 1951، ونــُـشرتْ ضمن مجموعته القصصية (شفتاه) بعنوان: الجاسوسة (من ص256- 285)
2- أين صديقتى اليهودية: قصة قصيرة، نــُـشرتْ ضمن مجموعته القصصية: الهزيمة كان اسمها فاطمة (من ص 5- 25)
3- أضيئوا الأنوارحتى نخدع السمك: قصة قصيرة، نــُـشرتْ ضمن مجموعته القصصية: الهزيمة كان اسمها فاطمة (من ص177- 203)
4- لن أتكلم ولن أنسى: قصة قصيرة، نــُـشرتْ ضمن مجموعته القصصية: الهزيمة كان اسمها فاطمة (من ص204- 220)
5- كانت صعبة ومغرورة: قصة قصيرة، نــُـشرتْ ضمن مجموعته القصصية التى حملتْ نفس عنوان المجموعة، كما نــُـشرتْ مسلسلة على حلقات فى صحيفة الأهرام: الأعداد 20/10/1985 ، 27/10/85.
6- لاتتركنى هنا وحدى: رواية– نــُـشرتْ عن دارروزا ليوسف– عام1979 بعد معاهدة السلام مع إسرائيل.
هذا بالاضافة إلى تناوله لأنماط من الواقع اليهودى فى مصر، خلال فترة الأربعينيات فى روايته (أنا حرة) وفى هذه الأعمال يمتزج ما هوإنسانى واجتماعى، بما هو سياسيى، فى عناق لافكاك منه.
000
وعن ذكريات إحسان عن يهود مصر، فى فترة صباه كتب: وكان لى صديق يهودى (من أيام الدراسة الإبتدائية) وكان والده يملك دكانــًـا لبيع الثياب فى شارع الموسكى، ويسكن فى (كوم الشيخ سلامة) المتفرّع من نفس الشارع قريبـًـا جدًا من حارة اليهود..وكنتُ أقيم مع صديقى فى بيته بالأيام..وكنتُ أنزل معه– فى أيام الإجازات المدرسية– إلى دكان والده..وأعمل معه فى استقبال الزبائن– كما حدث مع صديق يهودى آخر- كان والده يمتلك محل بقالة فى شارع الموسكى أيضـًـا– أما مع صاحب محل الثياب، فكان إحسان ينزل مع صديقه اليهودى لاستقبال الزبائن..وفى (قياس البدل) الرجالى على أجساد المشترين..وفى ((ظل هذه المعايشة المجرّدة من أى تعصب دينى، كانت صداقتى لكثيرين من اليهود المصريين)) (من مقدمة قصته: أين صديقتى اليهودية– ص 10)
000
وذكرد.رشاد الشامى أنه بعد (ثورة) يوليو1952فإنّ إحسان تناول وضع اليهود فى مصرمن منطلق أنّ: كل شيىء يتغيرفى مصر، وأنّ إحسان أكــّـد على حالة الهلع التى أصابتْ يهود مصر، من (ثورة) يوليو، ومدى القلق الذى ألمّ بهم بشأن ما يمكن أنْ يحدث ضدهم من الضباط الذين حكموا مصر، ومدى ارتباط ما سوف يحدث لهم، بما يمكن أنْ تقوله إذاعة إسرائيل.
وفى هذا الشأن كتب إحسان: إنّ ما تقوله إسرائيل هوما يمكن أنْ يـُـحـدّد مصيراليهود فى مصر، خاصة وأنّ إذاعة إسرائيل متفائلة بالضباط الذين حكموا مصر. إنّ إسرائيل تــُـبشر بالسلام على يد هؤلاء الضباط..وإذاعة أمريكا أيضًـا متفائلة. إنّ أمريكا تؤمن بأنها (ثورة) عاقلة (من مقدمة قصة: لا تتركنى هنا وحدى– ص 78) ولكن بعد حرب سنة 1956، فإنّ ضباط يوليو52 الذين حكموا مصر، اعتقلوا كثيرين من اليهود..واعتبرتهم جواسيس أولمجرد حماية الجبهة الداخلية، كما كانوا يقولون (المصدرالسابق- ص106)
000
وقد تعرّض إحسان للعائلات اليهودية الثرية، أمثال عائلات: موصيرى وسوارس وشيكوريل إلخ..وتناولهم فى روايته: لاتتركنى هنا وحدى..وأشارإلى أنّ هذه الطبقة كانت تتمتع بكل ما كانت تتمتع به الأرستقراطية المصرية آنذاك، من قوة اقتصادية ونفوذ سياسى وجاه اجتماعى..وتربعتْ عائلات هذه الطبقة على قمة الهرم الاجتماعى، فى المجتمع المصرى (لاتتركنى هنا وحدى – ص13)
وفى قصة (كانت صعبة ومغرورة) فإنّ ناهد المصرية/ المسلمة (بطلة القصة) بعد أنْ اكتشفتْ أنّ شريف الجواهرجى يهوديـًـا، لامتْ نفسها لأنها لوكانت تساءلتْ عن سبب اشتغاله بهذه المهنة، لتوصلت على الفورإلى كونه يهوديـًـا، على اعتبارأنّ هناك ربطــًـا بديهيـًـا بين هذه المهنة واليهود، فى أذهان المصريين، لشيوع اشتغال اليهود فى مصربتجارة الذهب.
000
تناول إحسان مدى الحرية الدينية التى كان يتمتع بها اليهود فى مصر(قبل يوليو52) حيث أشارإلى عدد المعابد ونوعية الشعائرالدينة، فكتب: كان فى مصر26معبدًا لليهود..وكانت تــُـصدرأكثر من عشرصحف خاصة بالمجتمع اليهودى..وأكثرمن جمعية لجمع التبرعات..كما ذكرالكثيرمن التفاصيل عن الشريعة اليهودية..والطقوس والعادات الدينية..وتحريم العمل (يوم السبت) لأنه اليوم الذى استراح فيه الله، فكان اليهودى يمتنع عن أنْ يمد يده ليـُـضيىء النور أويطبخ أويكتب إلخ..وقد ترتب على هذا المنع، استعانة اليهود بالمصريين المسلمين أوالمسيحيين، من جيرانهم، ليتولوا عنهم فى أداء هذه الأعمال..وهذا ما جعل الأمرمحل تندرمن أطفال المسلمين والمسيحيين.
كما تناول إحسان موضوع تقاليد الطعام المفروضة على اليهود ((بدقة العارف والمُـلم بهذه التقاليد..ومن بينها– كما كتب إحسان– إنّ اليهودى لايأكل إلاّ لحم الحيوانات ذات الأربع، بشرط أنْ يكون لها (ظلف مشقوق) وليس لها أسنان. أما الطيورالأليفة يأكلها بشرط ألاّيكون لها منقار..وممنوع على اليهودى أنْ يأكل لحم الحنزير، لأنّ له أسنانــًـا..وممنوع عليه أنْ يأكل لحم الأرانب، لأنها لها أظافر..كما ذكرمعرفته بأنّ هذه الأطعمة المُـقيدة بالتقاليد اليهودية..ومعروفة باسم (الكوشير) كما أشارإلى تحريم الجمع بين اللحم واللبن (لاتتركنى هنا وحدى– ص 132) وهى معلومات أكدها وصدّق عليها د. رشاد الشامى، بحكم تخصصه فى دراسة الدين اليهودى.
000
ومن بين الشخصيات المهمة شخصية لوسيان (أولوسى) المُـتمردة على هذه التعليمات الدينية فقد كانت لاتواظب على التردد على معبد الاشكنازى القريب من بيتهم فى حى الظاهر..ولاتواظب على عادات الصلاة والصيام الشائعة بين اليهود، بينما شقيقتها ليزا كانت مُـتطرفة فى تدينها..وتصلى صلاة الصباح وصلاة الظهر..وتصوم يومىْ الإثنين والخميس من كل أسبوع، لأنهما اليومان اللذان تــُـتلى فيهما التوراة داخل المعبد..وعلى النقيض منها فإنّ لوسى سرقتْ شال الصلاة الذى كان والدها يعتزبه..وهوالشال الذى يلتف به اليهود، وقت الصلاة (قصة لاتتركنى هنا وحدى– ص11)
وقد قيل أنّ هذه الصلاة قد خـُـصصتْ لليهود الذين تضطرهم ظروفهم إلى إشهارإسلامهمـ أوإشهارالمسيحية، فإذا تلوا هذه الصلاة، أعفتهم من الإسلام ومن المسيحية (المصدرالسابق– ص44، 131)
000
وبينما معظم الروايات التى كتبها أوروبيون، يـُـقدّمون اليهودى (بملامحه الخارجية) على أنه ((يهودى شيطانى)) فإنّ إحسان– كما كتب د.رشاد الشامى- فإنّ القارىء لقصصه عن اليهوديات، فإنه لايشعربأى خصوصية، تفصل هذه الأوصاف عن بطلات قصصه الأخرى..وعندما وصف لوسى وصفها ((وكأنه يصف فتاة مصرية، تتميزبنوع خاص من الجمال والإثارة)) ووصف ملامح شريف هنداوى (المصرى اليهودى) بأوصاف لاعلاقة لها بأوصاف الشخصية اليهودية التقليدية..وقال عنه، إنه شاب وسيم، يحمل وجهه الأبيض من خلال عينيه الملونتيْن، ملامح جادة محترمة تحيطها ابتسامة هادئة..وهكذا فإنّ إحسان قـدّم الشخصيات اليهودية فى قصصه ((من صميم الشخصية المصرية..والواقع المصرى)) (مصدرسابق– من ص 208- 212)
000
وعن رواية (لاتتركنى هنا وحدى) فإنّ بطلتها مرّت بمرحلتيْن، ففى المرحلة الأولى عندما كانت لاتزال يهودية، فإنّ إحسان اختارلها اسم لوسى أو لوسيان هنيدى..وهواسم شـِـقه الأول له رنين أوروبى، يتفق مع ما كان شائعـًـا بين بنات اليهود آنذاك. أما الشـِـق الثانى (هنيدى) فهواسم له رنين مصرى وعربى وإسلامى..وكان اسم ابنتها من زوجها الأول اليهودى (زكى راؤول) هو(ياسمين) وهواسم كان شائعـًـا فى مصرفى فترة الأربعينيات من القرن العشرين..وكان المسلمون والمسيحيون واليهود يستخدمونه. أما ابنها فقد كان اسمه (إيزاك) وهوالنطق الأوروبى لإسحاق..وكان المسيحيون وبعض المسلمين يستخدمونه فى مصر..وربما أراد إحسان بتقديمه وفق النطق الأوروبى، أنْ يشيرإلى أنّ هذه الشخصية هى شخصية يهودية خالصة، لأنه هاجرمن مصر..وربما كان يسعى للهجرة إلى إسرائيل (وهوما سوف يحدث فى نهاية الرواية)
أما فى المرحلة الثانية من حياة لوسى/ لوسيان، فهى المرحلة التى تبدأ مع اعتناقها للإسلام..ورغبتها الجارفة فى الانتماء لمجتمع الارستقراطية المصرية /المسلمة..ومع الرغبة الحاسمة فى قطع روابطها بأى انتماء يهودى لها فى الماضى..ولذلك اختارلها اسمًـا إسلاميـًـا خالصًا هو(زينب)
ولأنها (براجماتية) لذلك سألتْ شوكت بك ذوالفقار، الثرى المسلم الذى سوف تتزوّجه: ما هوأحب اسم لديك؟ فقال إنه اسم أمه (زينب) وقال لها إنّ اسمها سيكون (زينب ذوالفقار) ولكن لوسى رفضتْ باصرار..وقالت له، إنها تريد أنْ يظل اسمها مرتبطــًـا بعائلتها (هنيدى) خاصة أنه اسم للمسلمين أيضًـا فوافق شوكت وأصبح اسمها الجديد (زينب محمد هنيدى) وعندما أنجبتْ بنتــًـا من زوجها شوكت، فإنها اختارتْ لها اسم (هاجر) وهواختياربرزفيه جنوح زينب اليهودية/ المسلمة نحواختياراسم يستخدمه أبناء الديانة اليهودية والمسيحية والإسلام..ولايحمل أية خصوصية انتمائية لدين معين.
وفى قصة (كانت صعبة ومغرورة) اختارإحسان لبطل القصة اسمًـا (محايدًا) لايخطرعلى بال أحد تحديد ديانته هو(شريف الهنداوى) وهوما جعل بطلة القصة المسلمة (ناهد) تقع فى حبه..وعندما عرفتْ ديانته اليهودية، لم يتغيرموقفها وتمسكتْ بحبها وقالت له: حتى اسمك اسم عام لايثيرالشك.
000
وفى تقديمه لروايته (لاتتركنى هنا وحدى) قال إحسان: هذه الرواية ليست من وحى المناسبة السياسية التى مررنا بها (سنة 1979بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد) ولكنها من وحى مجتمع عشتُ فيه.
تدورالرواية حول الفتاة اليهودية المصرية (لوسيان هنيدى) التى تنتمى لأسرة يهودية متواضعة..وتقيم فى حى الظاهر، تستولى عليها حالة من الطموح، لتصل إلى الطبقة الراقية فى مصر، فتعرّفتْ على ثرى مصرى مسلم (شوكت بك) الذى تزوّجها بعد أنْ أشهرتْ إسلامها..وبعد وفاة شوكت الذى ورثتْ عنه ثروة كبيرة، خافتْ من تقلبات الزمان..ورأتْ ضرورة البحث عن (حماية) فتعرّفتْ على ضابط من قادة ضباط يوليو1952وتزوّجته..وهوأحد أقطاب مراكزالقوى (فهمى جارالله)
رمزإحسان بشخصية لوسى (زينب بعد إسلامها) بأنّ تحولها من دين لدين، لايعنى اقتناعها بالدين الجديد..ولاتخليها عن دينها القديم، بالرغم من أنها كانت تسخرمن طقوسه وتقاليده..وبذلك أراد إحسان من هذه الشخصية، التعبيرعن (تحقيق المصلحة الشخصية) بواسطة التحول الدينى..وذلك عكس النموذج الثانى (ناهد المسلمة وشريف اليهودى) لأنّ شريف اعتنق الإسلام لأنه أحبّ ناهد بصدق ورغب فى الزواج منها..وهى– أيضًـا– بادلته الحب.
000
ولم تكن لوسيان (زينب) هى أول نموذج للشخصية اليهودية، غيرالمتدينة عند إحسان، فإنه فى روايته (أنا حرة) قدّم شخصية الفتاة (فورتينية) على أنها لاتحترم الشعائرالدينية اليهودية ((فكانت تجلس مع العائلة مُـدعية الخشوع والاحترام، بينما تتبادل مع صديقتها الابتسام والغمزات)) (أنا حرة- ص92)
وكذلك كانت لوسيان (زينب) كثيرًا ما عبـّـرتْ عن نفورها من المعبد اليهودى..وتنظرإليه وهى تبتسم ابتسامة شماتة..وكانت ابنتها ياسمين على شاكلة أمها، فهى تدخل المعبد للصلاة وهى غيرمقتنعة بفائدة تلك الصلاة.
أما لوسى– الأم– فكانت تكره يوم السبت..وكانت تقول لنفسها: حرام أنْ يـُـفرض على اليهود كل يوم سبت، أنه اليوم الذى استراح فيه الله، بعد أنْ خلق الدنيا فى ستة أيام واستراح فى اليوم السابع..وكان يوم سبت..ولأنّ الله لايعمل أى شيىء يوم السبت، لذلك حرّم على شعبه العمل كل أيام السبت..وبعد أنْ سخرتْ من هذا التحريم، ابتسمتْ بشماتة..وهى تتذكرما قاله بن جوريون: إنّ ((يوم السبت هويوم تعاسة للأطفال)) وقالت: كم كانت عظمة حكمتك يا بن جوريون..وقالت: لماذا لاتــُـجادل الله حتى يعفيها من هذه التعاسة؟ (لاتتركنى هنا وحدى– ص11، 12)
ليس ذلك فقط بل كانت تتمرّد على الطعام المفروض على اليهود..وقالت: لايمكن أنْ يكون الرب هوالذى أمربكل هذه التفاهات، التى هى أقرب إلى التعذيب بهذه الخزعبلات. إنّ لوسى تعبيرعن أنّ اليهودى يعيش الوعى بيهوديته، بغض النظرعن كونه متدينــًـا أوغيرمتدين..ومع ملاحظة أنّ اليهودى الذى يـُـغيردينه، لايستطيع– بناءً على تجارب كثيرة لأفراد من اليهود أقدموا على هذه الخطوة– أنْ يـُـطلــّـق اليهودية طلقة بائنة.
000
شخصية لوسى (زينب) شخصية توفرتْ فيها كل عناصرالدراما كما رسمها إحسان، فهى قبل أنْ تــُـشهرإسلامها لكى تتزوّج شوكت بك ذوالفقار، كانت متزوّجة من زوجها اليهودى (زكى راؤول) وكان لابد من الحصول على الطلاق منه حتى تتزوّج من شوكت المسلم..وعندما طلبتْ الطلاق فإنّ زوجها اليهودى رفض..وسبـّـها عندما عرف هدفها (تحقيق طموحها بالثراء من زواجها من شوكت) فقال لها: أنا لم أتزوّجك حتى أبيعك بأى ثمن. لم أتزوّجك لنترك حى الظاهر..ونسكن فى جاردن سيتى، تزوجتك لتكونى لى، وستبقين لى حتى تموتى.
ولكن هل تهديده وتوعده تحقق؟ إنّ إحسان وبأسلوب روائى بديع– فى عدة مراحل شيقة وممتعة– تناول الصراع بين الزوجيْن اليهودييْن كما لوكان (صراع الديوك وبحنكة اليهود) فعندما أيقنتْ لوسى أنّ زوجها لن يـُـطلــّـلقها، رأتْ أنّ الحل هوأنْ تضعه أمام الأمرالواقع بإشهارإسلامها، فهل استسلم زوجها؟ لا لم يستسلم. فشحذ سلاحه ليـُـحبط محاولتها؟ فكروقال لنفسه: إذا كانت هى أصبحتْ (مسلمة) والقانون سيـُـجبرنى على طلاقها، فلماذا لا أشهرإسلامى أنا أيضـًـا؟ وتبعـًـا لذلك لن تــُـجبرنى أية قوة على طلاقها..وهذا ما فعله بالفعل حيث أشهرإسلامه. فهل استسلمتْ لوسى للأمرالواقع؟ لا لم تستسلم، إنها تعرف (نقطة ضعفه– حب المال) فكان أنْ أقنعتْ شوكت بك بتقديم مبلغ خمسة آلاف جنيه لزوجها زكى راؤول، الذى أصبح اسمه الجديد: أبوبكرعبدالله، الذى فرح بهذا المبلغ..وكان مبلغا كبيرًا أيامها..وبذلك تمّ الطلاق بعد أنْ قبض الثمن.
وعند إشهارإسلام لوسى فإنّ الشيخ الذى تولى الاجراء، طلب أخذ رأى الحاخام اليهودى المختص..ولما سألته لماذا؟ قال لها: حتى لايـُـقال أنّ مصرتفرض الإسلام على اليهود..ولكنها رفضتْ الذهاب للحاخام اليهودى، وطلبت من الشيخ إعفاءها من هذا الشرط، فوافق الشيخ على طلبها.
ولوسى/ زينب مرّتْ بعدة أزمات بعد أنْ أشهرتْ إسلامها، منها رفض عائلتها لما فعلته من إشهارإسلامها..ومنها إحساسها بأنّ المجتمع المصرى (مسلمين ومسيحيين) تشككوا فى صدق إيمانها بالإسلام، بسبب ارتمائها فى أحضان الأرستقراطية المصرية..ولذلك مرّتْ بصراع نفسى كان يمزقها، صراع بين يهوديتها الراسخة..وإسلامها..وحسمتْ الصرع بأنْ تظل مسلمة، وترغب فى العيش فى المجتمع الإسلامى الراقى الأرستقراطى..وقالت سأبقى فى مصر، سواء كنتُ يهودية أومسلمة، لقد أصبحتْ شخصيتى (شخصية مصرية)
وحتى ابنتها ياسمين بعد أنْ أشهرتْ إسلامها..وتزوّجتْ من (عزيز راضى)..وأنجبتْ منه البنت والولد، ستبقى مصرية (مسلمة) وحتى لوهاجرتْ وحتى لوجعلتْ من نفسها يهودية، فلن يتغيـّـرشيىء فيها، إنها فقط متطلبات الطموح الطبقى..وهكذا تعود دورة حياة زينب مع ابنتها ياسمين. لقد اختارتْ كل منهما أنْ تعتنق دينــًـا جديدًا، سواء كان هذا الدين تحت شعارالبقاء على الإسلام..والتخلى عن اليهودية، أوتحت شعارالارتداد عن الإسلام والعودة لليهودية.
أما ابن لوسى/ زينب (إيزاك) الذى اعتنق الإسلام..وأصبح اسمه الجديد (خالد) وذلك رغمًـا عنه بسبب اعتناق أبيه للإسلام، فإنه الشخص الوحيد الذى لم يعان أى نوع من التمزق النقسى، لأنه منذ البداية..وهوثابت على يهوديته، ويؤكد لنفسه أنه يهودى وليس بمسلم..وإذا كانت ياسمين أقرب فى شخصيتها من أمها، فإنّ إيزاك أقرب إلى عقلية أبيه..وعندما قال لأمه: أنا لستُ خالدًا وأبى ليس أبوبكر..وأنت يا أمى لست زينب، أنت لوسى، فطلبتْ أمه منه أنْ يتخلى عن هذه الأفكارويعيش الواقع، فصرخ فيها وقال: الواقع أنى يهودى، أعيش كيهودى..وأفكر كيهودى..وأنت يهودية، فلا تتركينى أنكرأنك أمى.
وإيزاك نظرًا لتعصبه ليهوديته، فهومن الأقلية اليهودية الذى هاجرإلى إسرائيل، خصوصـًـا وأنه تأثربالدعاية الصهيونية..وهى الدعاية التى روّج لها الحاخامات المُـتعصبين دينيـًـا..ويتبنون فكرة تحقيق (حلم العودة إلى أرض الميعاد) كما وعدهم ربهم إله إسرائيل.
ومن بين المواقف التراجيدية الموقف عندما اشتىعلتْ الحرب فى فلسطين سنة 1948، حيث أنّ شوكت له ابن من أمه المسلمة (قبل زواجه من لوسى اليهودية) ولوسى لها ابن من شوكت، فى هذا الموقف فإنّ شوكت فاجأ لوسى بسؤل: تصوّرى لوأنّ ابنى تطوّع للقتال مع العرب والمسلمين..وابنك تطوع للحرب مع إسرائيل؟ فقاطعته زينب بحدة: ابنى لن يشترك فى القتال مع اليهود إنى متأكدة..ولاتنسى أنه مصرى.
وعندما حدثتْ حرب عام1956فإنّ لوسى/ زينب فكــّـرتْ فى ابنها المُـتعصب دينيـًـا (إيزاك) وتساءلتْ لوأنها أنجبتْ ولدًا من شوكت، يمكن أنْ يـُـحارب (كمصرى مسلم) أخاه من أمه اليهودية؟ وعندما دخلتْ عليها ابنتها هاجر(من زوجها شوكت) ورأتْ أمها تبكى سألتها: لماذا تبكين يا أمى؟ قالت: أبكى لأننى أكره الحرب. أكره أنْ يقتل الناس بعضهم البعض..وعندما سألتها ابنتها: من سينتصر؟ مصرأم إسرائيل؟ فإنّ الأم بحنكتها وتجاربها مع الحياة قالت: النصروالهزيمة كلاهما يترك ضحايا، من الموتى ومن الجرحى.
000
وهكذا حفرإحسان فى منطقة، لم يهتم بها أحد من المُـبدعين المصريين، وبهذا العمق فى تحليل الشخصية اليهودية، بكل مزاياها وعيوبها..وقد ساعده على ذلك صداقته للكثيرين من اليهود المصريين..وكما قـدّم شخصية لوسى البراجماتية الانتهازية، التى أشهرتْ إسلامها لمصلحة شخصية، فإنه قـدّم فى المقابل شخصية (شريف الهنداوى) اليهودى بغرض نبيل هوالزواج من ناهد المسلمة..وأنّ موافقة ناهد على الزواج من شخص يهودي، دليل– رمزبه إحسان– على سمة من سمات الشخصية المصرية، المؤمنة بحرية العبادة، وهى حرية لصيقة بالتعددية، المُـضادة والمـُـقاومة للأحادية والتعصب.
***









اليهود المصريون فى إبداع إحسان عبدالقدوس
طلعت رضوان
تجنــّـب معظم الأدباء المصريين التعرض لليهود الذين عاشوا فى مصر، واختلفوا عن كل يهود العالم، لدرجة أنّ كثيرين من الباحثين اليهود، أعتبروا اليهود فى مصرأنهم لايختلفون عن المصريين، فى عاداتهم ومجمل حياتهم.
وفى هذا السياق كتب أ.محمد حسن خليفة فى حديثه عن حارة اليهود فى القاهرة أوفى بعض المدن المصرية أنّ الكثيرين من الباحثين لم يهتموا بتوضيح الفارق بين الجيتوالأوروبى والحى اليهودى أوالحارة اليهودية فى المدن المصرية، من حيث أولا: أنها لم تكن حارة مُـغلقة على أهلها تــُحيط بها أسوارتمنع من الدخول أوالخروج من وإلى المجتمع (المصرى) الكبير..كما أنها فى كثيرمن الأحياء لم تكن حارة يهودية خالصة، بل عاش فيها مسلمون ومسيحيون بجواراليهود..والأهم أنّ الرغبة فى العزلة لم تكن مـُـتوفرة فى اليهودى المصرى، فنجده يعيش فى أحياء خارج الحارة اليهودية..ولم يكن مُلزمًا بالحياة داخل هذه الحارة..وأضاف ((إنّ تاريخ يهود مصرليس تاريخ حارات يهودية، بل هوتاريخ جماعة مصرية دينها اليهودية ومُـندمجة فى المجتمع المسلم والمسيحى ومُختلطة به وليست مُنعزلة عنه)) (من مقدمته لكتاب " تاريخ يهود مصرفى الفترة العثمانية"- تحرير يعقوب لاندوا– ترجمة جمال أحمد الرفاعى وأحمد عبداللطيف حماد– المجلس الأعلى للثقافة عدد 199عام 2000ص21، 22) ونظرًا لهذه اللغة العلمية فإنه ذكر لحقيقة التى تتغافل عنها الثقافة المصرية السائدة إذْ كتب أنّ ((الصراع بين المُتدينين والعلمانيين (الإسرائليين) على أشده ومُهدّد لمستقبل إسرائيل كدولة))
أما المُـترجمان فكتبا فى المقدمة ((إنّ هذا العمل يؤكد على أنّ يهود مصر كانوا جزءًا لا يتجزأ من نسيج المجتمع المصرى، يتفاعلون معه ويؤثرن فيه ويتأثرون به..وعلاوة على اندماج اليهود الاقتصادى والاجتماعى فى مجتمعهم (المصرى) فقد شارك بعض اليهود فى الحركة الوطنية المصرية لمناهضة الاحتلال البريطانى، بل شكلوا بعض المنظمات المناهضة لنشرالفكرة الصهيونية فى مصر. إنّ الطائفة اليهودية المصرية كانت جزءًا لايتجزأ من نسيج المجتمع المصرى والتى رحل معظم أبنائها عن مصرخلال عقد الخمسينيات من القرن العشرين)) وأثناء الحرب العالمية الأولى، حدث أنْ هاجراليهود الذين كانوا فى فلسطين إلى مصر..وكان ذلك من بين أسباب تزايد عدد اليهود فى مصر..وكانت ((حركة الهجرة اليهودية من فلسطين إلى مصرنتيجة لقيام السلطات العثمانية فى فلسطين بترحيلهم)) (من 25- 50)
الدراسات المنشورة فى الكتاب كتبها علماء يهود يتميّزون بلغة العلم..ومن بين المعلومات الموثقة أنه فى عام 1984كان عدد اليهود فى القاهرة يُقدّر ببضع عشرات أغلبهم من المسنين الذين عانوا الكثير..والآثاراليهودية فى القاهرة شاهد على وجود طائفة كانت– فى أيام ازدهارها- تـُـقـدّربعشرات الآلاف (ص 403)
000
بالرغم من ذلك فإنّ أغلب المُـبدعين المصريين، لم يهتموا بخصوصية اليهود المصريين فى أعمالهم الإبداعية (باستثناء بعض الإشارات العابرة) وعندما سُـئل الأديب الكبيرنجيب محفوظ: ألاترى أنك مسئول كروائى، قامتْ رواياته بمسح اجتماعى وسياسى لحياتنا، عن عدم انعكاس قضية الصراع العربى/ الإسرائيلى فى رواياتك، مع أنها قضية خطيرة ماسة بوجود الإنسان العربى؟ فقال: الحقيقة أنّ دخول الكاتب العربى على المسألة الصهيونية، ممكن أنْ يكون من أكثرمن باب: يوجد باب مباشر..وهذا لايتأتى إلاّ لكاتب خاض التجربة أواكتوى بنارها عن قرب، مثل غسان كنفانى، لكن الصراع بيننا (نحن المصريين) وبين إسرائيل، ليس مسألة احتلال أرض أوحرب فحسب، إنما هو((صراع حضارى)) (حوارمع نجيب محفوظ– منشورات وزارة الثقافة السورية- دمشق– عام1971)
وبالرغم من أهمية تعبير(صراع حضارى) بيننا وبين إسرائيل..وهوالتعبيرالذى يتغافل عنه كثيرون– مع أنه حقيقة تاريخية موثقة– فإنّ محفوظ وفق تعبيرد.رشاد عبدالله الشامى ((تحاشى تمامًـا الاقتراب من معالجة الشخصية اليهودية فى المجتمع المصرى، سواء على المستوى الاجتماعى، أوعلى مستوى رؤيته لها من خلال الصراع من إسرائيل)) (د.رشاد الشامى– فى كتابه: الشخصية اليهودية فى أدب إحسان عبدالقدوس– كتاب الهلال– إبريل1992 – ص96)
وذكرأنّ الأمراختلف مع إحسان عبدالقدوس (ربما) بسبب إقامته فى حى العباسية، الملاصق لحى الظاهر(أحد مراكزإقامة اليهود فى القاهرة..وخاصة أبناء الطبقة المتوسطة) وهذا ليس كل شيىء، لأنّ المهم هواحتكاكه عن قرب بمجتمع اليهود المصريين..ومعايشتهم فى الفترة الأولى من شبابه..وقد اعترف إحسان بذلك فقال: عشتُ فى هذا المجتمع منذ أنْ كنتُ أعيش صباى وشبابى، فى حى العباسية الملاصق لحى الظاهرالذى كان مُـخيم أغلبية السكان اليهود..وكان لى من بينهم أصدقاء وصديقات كثيرون..كما عشتُ مرحلة من صباى فى (حارة اليهود) كما جمعنى العمل بكثيرمن الأصدقاء اليهود..كان من بينهم ثلاثة عملوا معى فى مجلة روزاليوسف..إلخ (المصدرالسابق– من ص 98- 100)
000
وأعتقد أنّ كتاب د.رشاد الشامى عن اليهود المصريين فى أدب إحسان، يكتسب أهمية خاصة (ومُـتفرّدة) من زاويتيْن الأولى: أنه تناول الأعمال الأدبية التى كتبها إحسان..ويدورموضوعها وتدورشخصياتها وأحداثها عن اليهود الذين عاشوا فى مصر، من خلال المعرفة الدقيقة بمختلف التشريعات اليهودية..وأسباب تحول بعضهم عن الدين اليهودى واعتناق الإسلام..وكل ذلك بتناول شديد العمق، من خلال التحليل الدقيق لشخصيات كل عمل.
الزاوية الثانية: أنّ د.رشاد الشامى أحد أهم الباحثين المُـتخصصين فى الديانة العبرية + تخصصه فى دراسة المجتمع الإسرائيلى..والتناقضات البارزة بين التيارات الدينية المُـتشـدّدة المُـتعصبة، والتيارالعلمانى المُـتسامح..وله فى هذا الشأن أكثرمن كتاب، مثل: الشخصية اليهودية والروح العدوانية– سلسلة عالم المعرفة الكويتية– رقم 102- عام1986- وكتاب: عجزالنصر- الأدب الإسرائيلى وحرب 1967- دارنشرفكر- القاهرة– عام 1990- وكتاب: القوى الدينية فى إسرائيل– بين تكفيرالدولة ولعبة السياسة– سلسلة عالم المعرفة الكويتية– رقم 186- يونيو1994.
وبذلك يتبيـّـن أهمية كتابه الذى حلــّـل فيه أعمال إحسان الإبداعية عن اليهود المصريين، ومصداقية ما ذكره إحسان عن معتقدات اليهود الدينية..وهوما وافقه عليه د.رشاد الشامى، من مُـنطلق تخصصه فى هذا المجال.
000
وفى تحليله لرواية (أنا حرة) التى نشرها إحسان عام 1952..واثارتْ لغطـًـا شديدًا، نظرًا لجرأة إحسان فى تناول الموضوع..وأنّ البطلة– فى رأى د.رشاد الشامى ((تجسيد لشخصية إحسان عبدالقدوس نفسه، فى بحثه عن مضمون الحرية)) كما أنّ الفتاة (فورتينية اليهودية) ابنة حى الظاهرالتى صادقتْ أمينة، وتعلمتْ منها الكثيرعن مفهوم الحرية..هى نفسها (جلاديس) صديقة إحسان اليهودية..وقال (إحسان) عن الرواية: إنها قصة مُـنتزعة من حياتى فى حى العباسية الذى عشتُ فيه..ومن شخصيات عرفتها بالفعل ( من مقدمة رواية أنا حرة- ط2- ص7) وقال إحسان– أيضًـا– لا أحد ممن قرأوا قصصى يعرف (جلاديس) أويعرف مدى تأثيرها على نبضات فكرى التى أوحتْ إلىّ بأكثرمن قصة. جلاديس فتاة يهودية كانت تــُـقيم قريبـًـا منا فى حى العباسية، منذ أنْ كنتُ صبيـًـا..وكان كل ما يجمعنى بها..هوما يجمع أولاد وبنات الأحياء المتقاربة..وبفضل جلاديس اعترف إحسان أنها هى التى عرّفته بعالم الأدب والثقافة الفرنسية..وقال: كنتُ لا أقرأ بالفرنسية..وجلاديس تــُـجيد الفرنسية..وعندما اكتشفتْ هوايتى الأدبية..كانت تــُـترجم لى كثيرًا من القصص الفرنسية..وهى التى عرّفتنى بالكاتب الفرنسى (جى دى موباسان) الذى كان له تأثيركبيرعلى توجيه اسلوبى فى كتابة القصة القصيرة، بعد أنْ حصلتُ على كل إنتاجه القصصى مترجم إلى الإنجليزية.
000
كانت أمينة بطلة رواية أنا حرة معجبة بالحياة التى تحياها (فورتينية) فهى حرة تخرج كما تشاء وتعود كما تشاء..وأيضًـا كانت أمينة تتساءل: هل تستطيع أنْ تفعل مثل اليهود وتكسب قوتها بمثل ما يكسبونه (أنا حرة – ص 62)
وقد اعترف إحسان بأنّ عامل الاختلاف فى الدين بينه وبين جلاديس، أوبين أمها وسائرأسرحى العباسية، لم يكن أبدًا معيارًا لنظرته الشخصية إليها، أوحتى لنظرة أبناء الحى لوالدة جلاديس..وطوال عمرهذه الصداقة لم أكن أشعرأبدًا بأنها يهودية..ولم يخطرببالى أنْ أقيسها بمقاييس ديانتها..صحيح أنه كانت هناك فوارق اجتماعية، تفصل بين اسرة جلاديس وبقية عائلات الحى..ولكننى لم أضع هذه الفوارق ((فى أى ميزان دينى)) (من مقدمة قصته: أين صديقتى اليهودية- ص7) وقال- أيضًـا- لم يخطرعلى فكرى أبدًا أنّ أسرة جلاديس تعيش حياة اليهود..وأنّ أسرتنا تعيش حياة المسلمين، بل كنتُ أقيس هذه الفروق بمقياس التقدم والعمل، استجابة لمتطلبات الحياة (المصدرالسابق– ص8، 9)
وهذا التأكيد من جانب إحسان على تسامح المصريين، ظهربوضوح فى رواية أنا حرة..وذلك بمشاركة أمينة (المصرية/ المسلمة) الاحتفال مع أصدقائها اليهود بأعيادهم الدينية.
ونظرًا لأنّ إحسان كان يعرف الكثيرعن أعياد اليهود وطقوسها، فقد توسّع فى ذكرالعلاقة الوثيقة التى كانت تربطه ببعض العائلات اليهودية..وهوما ظهرفى رواية أنا حرة من خلال شخصية الفتاة (فورتينية) صديقة أمينة، ليس ذلك (فقط) وإنما– الأكثرأهمية– ما ذكره أحسان من أنّ ما تناوله فى إبداعه عن يهود مصر، لم يكن تعبيرأدبى منه أورأى شخصى، بل كانت كتابته ترجمة للسمة الغالبة ((فى المجتمع المصرى)) وقال– أيضًـا– ((وخارج هذه الظاهرة كانت الأحياء تجمع فى سلام بين كل الأديان: المسلمين والمسيحيبين واليهود..وقد عشتُ طويلا قريبـًـا من (حارة اليهود) وكنتُ أقيم مع صديقى اليهودى فى بيته بالأيام، لنذاكردروسنا.. وكنتُ أنزل معه إلى دكان والده..وأعمل معه فى استقبال الزبائن.
وأكــّـد على– بحكم تاريخه الطويل- (توفى عن عمر71سنة) أنه لم تــُـحرق أوتدمرحارة لليهود فى مصر..كما تمّ حرق وتدميرحارات يهودية كثيرة، فى جميع أنحاء العالم عبرالتاريخ (من مقدمته لقصة: أين صديقتى اليهودية- ص9، 10)
وأشارإحسان إلى ظاهرة الانفتاح الثقافى..والإيمان بالتعددية الثقافية والدينية، لدى المصريين..ولذلك ظلّ الشعب المصرى ينظرلليهود، بعد أنْ شعروا (بالمواطنة المصرية) على أنهم ((مصريون وليسوا يهودًا))
000
ورصد د.رشاد الشامى إبداع إحسان عن يهود مصر، فقال: يمكن حصرأعمال إحسان عن الشخصية اليهودية فى المجتمع المصرى بشكل مباشر، أومن خلال تناوله لقضية فلسطين، فى خمس قصص قصيرة ورواية على النحو التالى:
1- بعيدًا عن الأرض: قصة قصيرة– عام 1951، ونــُـشرتْ ضمن مجموعته القصصية (شفتاه) بعنوان: الجاسوسة (من ص256- 285)
2- أين صديقتى اليهودية: قصة قصيرة، نــُـشرتْ ضمن مجموعته القصصية: الهزيمة كان اسمها فاطمة (من ص 5- 25)
3- أضيئوا الأنوارحتى نخدع السمك: قصة قصيرة، نــُـشرتْ ضمن مجموعته القصصية: الهزيمة كان اسمها فاطمة (من ص177- 203)
4- لن أتكلم ولن أنسى: قصة قصيرة، نــُـشرتْ ضمن مجموعته القصصية: الهزيمة كان اسمها فاطمة (من ص204- 220)
5- كانت صعبة ومغرورة: قصة قصيرة، نــُـشرتْ ضمن مجموعته القصصية التى حملتْ نفس عنوان المجموعة، كما نــُـشرتْ مسلسلة على حلقات فى صحيفة الأهرام: الأعداد 20/10/1985 ، 27/10/85.
6- لاتتركنى هنا وحدى: رواية– نــُـشرتْ عن دارروزا ليوسف– عام1979 بعد معاهدة السلام مع إسرائيل.
هذا بالاضافة إلى تناوله لأنماط من الواقع اليهودى فى مصر، خلال فترة الأربعينيات فى روايته (أنا حرة) وفى هذه الأعمال يمتزج ما هوإنسانى واجتماعى، بما هو سياسيى، فى عناق لافكاك منه.
000
وعن ذكريات إحسان عن يهود مصر، فى فترة صباه كتب: وكان لى صديق يهودى (من أيام الدراسة الإبتدائية) وكان والده يملك دكانــًـا لبيع الثياب فى شارع الموسكى، ويسكن فى (كوم الشيخ سلامة) المتفرّع من نفس الشارع قريبـًـا جدًا من حارة اليهود..وكنتُ أقيم مع صديقى فى بيته بالأيام..وكنتُ أنزل معه– فى أيام الإجازات المدرسية– إلى دكان والده..وأعمل معه فى استقبال الزبائن– كما حدث مع صديق يهودى آخر- كان والده يمتلك محل بقالة فى شارع الموسكى أيضـًـا– أما مع صاحب محل الثياب، فكان إحسان ينزل مع صديقه اليهودى لاستقبال الزبائن..وفى (قياس البدل) الرجالى على أجساد المشترين..وفى ((ظل هذه المعايشة المجرّدة من أى تعصب دينى، كانت صداقتى لكثيرين من اليهود المصريين)) (من مقدمة قصته: أين صديقتى اليهودية– ص 10)
000
وذكرد.رشاد الشامى أنه بعد (ثورة) يوليو1952فإنّ إحسان تناول وضع اليهود فى مصرمن منطلق أنّ: كل شيىء يتغيرفى مصر، وأنّ إحسان أكــّـد على حالة الهلع التى أصابتْ يهود مصر، من (ثورة) يوليو، ومدى القلق الذى ألمّ بهم بشأن ما يمكن أنْ يحدث ضدهم من الضباط الذين حكموا مصر، ومدى ارتباط ما سوف يحدث لهم، بما يمكن أنْ تقوله إذاعة إسرائيل.
وفى هذا الشأن كتب إحسان: إنّ ما تقوله إسرائيل هوما يمكن أنْ يـُـحـدّد مصيراليهود فى مصر، خاصة وأنّ إذاعة إسرائيل متفائلة بالضباط الذين حكموا مصر. إنّ إسرائيل تــُـبشر بالسلام على يد هؤلاء الضباط..وإذاعة أمريكا أيضًـا متفائلة. إنّ أمريكا تؤمن بأنها (ثورة) عاقلة (من مقدمة قصة: لا تتركنى هنا وحدى– ص 78) ولكن بعد حرب سنة 1956، فإنّ ضباط يوليو52 الذين حكموا مصر، اعتقلوا كثيرين من اليهود..واعتبرتهم جواسيس أولمجرد حماية الجبهة الداخلية، كما كانوا يقولون (المصدرالسابق- ص106)
000
وقد تعرّض إحسان للعائلات اليهودية الثرية، أمثال عائلات: موصيرى وسوارس وشيكوريل إلخ..وتناولهم فى روايته: لاتتركنى هنا وحدى..وأشارإلى أنّ هذه الطبقة كانت تتمتع بكل ما كانت تتمتع به الأرستقراطية المصرية آنذاك، من قوة اقتصادية ونفوذ سياسى وجاه اجتماعى..وتربعتْ عائلات هذه الطبقة على قمة الهرم الاجتماعى، فى المجتمع المصرى (لاتتركنى هنا وحدى – ص13)
وفى قصة (كانت صعبة ومغرورة) فإنّ ناهد المصرية/ المسلمة (بطلة القصة) بعد أنْ اكتشفتْ أنّ شريف الجواهرجى يهوديـًـا، لامتْ نفسها لأنها لوكانت تساءلتْ عن سبب اشتغاله بهذه المهنة، لتوصلت على الفورإلى كونه يهوديـًـا، على اعتبارأنّ هناك ربطــًـا بديهيـًـا بين هذه المهنة واليهود، فى أذهان المصريين، لشيوع اشتغال اليهود فى مصربتجارة الذهب.
000
تناول إحسان مدى الحرية الدينية التى كان يتمتع بها اليهود فى مصر(قبل يوليو52) حيث أشارإلى عدد المعابد ونوعية الشعائرالدينة، فكتب: كان فى مصر26معبدًا لليهود..وكانت تــُـصدرأكثر من عشرصحف خاصة بالمجتمع اليهودى..وأكثرمن جمعية لجمع التبرعات..كما ذكرالكثيرمن التفاصيل عن الشريعة اليهودية..والطقوس والعادات الدينية..وتحريم العمل (يوم السبت) لأنه اليوم الذى استراح فيه الله، فكان اليهودى يمتنع عن أنْ يمد يده ليـُـضيىء النور أويطبخ أويكتب إلخ..وقد ترتب على هذا المنع، استعانة اليهود بالمصريين المسلمين أوالمسيحيين، من جيرانهم، ليتولوا عنهم فى أداء هذه الأعمال..وهذا ما جعل الأمرمحل تندرمن أطفال المسلمين والمسيحيين.
كما تناول إحسان موضوع تقاليد الطعام المفروضة على اليهود ((بدقة العارف والمُـلم بهذه التقاليد..ومن بينها– كما كتب إحسان– إنّ اليهودى لايأكل إلاّ لحم الحيوانات ذات الأربع، بشرط أنْ يكون لها (ظلف مشقوق) وليس لها أسنان. أما الطيورالأليفة يأكلها بشرط ألاّيكون لها منقار..وممنوع على اليهودى أنْ يأكل لحم الحنزير، لأنّ له أسنانــًـا..وممنوع عليه أنْ يأكل لحم الأرانب، لأنها لها أظافر..كما ذكرمعرفته بأنّ هذه الأطعمة المُـقيدة بالتقاليد اليهودية..ومعروفة باسم (الكوشير) كما أشارإلى تحريم الجمع بين اللحم واللبن (لاتتركنى هنا وحدى– ص 132) وهى معلومات أكدها وصدّق عليها د. رشاد الشامى، بحكم تخصصه فى دراسة الدين اليهودى.
000
ومن بين الشخصيات المهمة شخصية لوسيان (أولوسى) المُـتمردة على هذه التعليمات الدينية فقد كانت لاتواظب على التردد على معبد الاشكنازى القريب من بيتهم فى حى الظاهر..ولاتواظب على عادات الصلاة والصيام الشائعة بين اليهود، بينما شقيقتها ليزا كانت مُـتطرفة فى تدينها..وتصلى صلاة الصباح وصلاة الظهر..وتصوم يومىْ الإثنين والخميس من كل أسبوع، لأنهما اليومان اللذان تــُـتلى فيهما التوراة داخل المعبد..وعلى النقيض منها فإنّ لوسى سرقتْ شال الصلاة الذى كان والدها يعتزبه..وهوالشال الذى يلتف به اليهود، وقت الصلاة (قصة لاتتركنى هنا وحدى– ص11)
وقد قيل أنّ هذه الصلاة قد خـُـصصتْ لليهود الذين تضطرهم ظروفهم إلى إشهارإسلامهمـ أوإشهارالمسيحية، فإذا تلوا هذه الصلاة، أعفتهم من الإسلام ومن المسيحية (المصدرالسابق– ص44، 131)
000
وبينما معظم الروايات التى كتبها أوروبيون، يـُـقدّمون اليهودى (بملامحه الخارجية) على أنه ((يهودى شيطانى)) فإنّ إحسان– كما كتب د.رشاد الشامى- فإنّ القارىء لقصصه عن اليهوديات، فإنه لايشعربأى خصوصية، تفصل هذه الأوصاف عن بطلات قصصه الأخرى..وعندما وصف لوسى وصفها ((وكأنه يصف فتاة مصرية، تتميزبنوع خاص من الجمال والإثارة)) ووصف ملامح شريف هنداوى (المصرى اليهودى) بأوصاف لاعلاقة لها بأوصاف الشخصية اليهودية التقليدية..وقال عنه، إنه شاب وسيم، يحمل وجهه الأبيض من خلال عينيه الملونتيْن، ملامح جادة محترمة تحيطها ابتسامة هادئة..وهكذا فإنّ إحسان قـدّم الشخصيات اليهودية فى قصصه ((من صميم الشخصية المصرية..والواقع المصرى)) (مصدرسابق– من ص 208- 212)
000
وعن رواية (لاتتركنى هنا وحدى) فإنّ بطلتها مرّت بمرحلتيْن، ففى المرحلة الأولى عندما كانت لاتزال يهودية، فإنّ إحسان اختارلها اسم لوسى أو لوسيان هنيدى..وهواسم شـِـقه الأول له رنين أوروبى، يتفق مع ما كان شائعـًـا بين بنات اليهود آنذاك. أما الشـِـق الثانى (هنيدى) فهواسم له رنين مصرى وعربى وإسلامى..وكان اسم ابنتها من زوجها الأول اليهودى (زكى راؤول) هو(ياسمين) وهواسم كان شائعـًـا فى مصرفى فترة الأربعينيات من القرن العشرين..وكان المسلمون والمسيحيون واليهود يستخدمونه. أما ابنها فقد كان اسمه (إيزاك) وهوالنطق الأوروبى لإسحاق..وكان المسيحيون وبعض المسلمين يستخدمونه فى مصر..وربما أراد إحسان بتقديمه وفق النطق الأوروبى، أنْ يشيرإلى أنّ هذه الشخصية هى شخصية يهودية خالصة، لأنه هاجرمن مصر..وربما كان يسعى للهجرة إلى إسرائيل (وهوما سوف يحدث فى نهاية الرواية)
أما فى المرحلة الثانية من حياة لوسى/ لوسيان، فهى المرحلة التى تبدأ مع اعتناقها للإسلام..ورغبتها الجارفة فى الانتماء لمجتمع الارستقراطية المصرية /المسلمة..ومع الرغبة الحاسمة فى قطع روابطها بأى انتماء يهودى لها فى الماضى..ولذلك اختارلها اسمًـا إسلاميـًـا خالصًا هو(زينب)
ولأنها (براجماتية) لذلك سألتْ شوكت بك ذوالفقار، الثرى المسلم الذى سوف تتزوّجه: ما هوأحب اسم لديك؟ فقال إنه اسم أمه (زينب) وقال لها إنّ اسمها سيكون (زينب ذوالفقار) ولكن لوسى رفضتْ باصرار..وقالت له، إنها تريد أنْ يظل اسمها مرتبطــًـا بعائلتها (هنيدى) خاصة أنه اسم للمسلمين أيضًـا فوافق شوكت وأصبح اسمها الجديد (زينب محمد هنيدى) وعندما أنجبتْ بنتــًـا من زوجها شوكت، فإنها اختارتْ لها اسم (هاجر) وهواختياربرزفيه جنوح زينب اليهودية/ المسلمة نحواختياراسم يستخدمه أبناء الديانة اليهودية والمسيحية والإسلام..ولايحمل أية خصوصية انتمائية لدين معين.
وفى قصة (كانت صعبة ومغرورة) اختارإحسان لبطل القصة اسمًـا (محايدًا) لايخطرعلى بال أحد تحديد ديانته هو(شريف الهنداوى) وهوما جعل بطلة القصة المسلمة (ناهد) تقع فى حبه..وعندما عرفتْ ديانته اليهودية، لم يتغيرموقفها وتمسكتْ بحبها وقالت له: حتى اسمك اسم عام لايثيرالشك.
000
وفى تقديمه لروايته (لاتتركنى هنا وحدى) قال إحسان: هذه الرواية ليست من وحى المناسبة السياسية التى مررنا بها (سنة 1979بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد) ولكنها من وحى مجتمع عشتُ فيه.
تدورالرواية حول الفتاة اليهودية المصرية (لوسيان هنيدى) التى تنتمى لأسرة يهودية متواضعة..وتقيم فى حى الظاهر، تستولى عليها حالة من الطموح، لتصل إلى الطبقة الراقية فى مصر، فتعرّفتْ على ثرى مصرى مسلم (شوكت بك) الذى تزوّجها بعد أنْ أشهرتْ إسلامها..وبعد وفاة شوكت الذى ورثتْ عنه ثروة كبيرة، خافتْ من تقلبات الزمان..ورأتْ ضرورة البحث عن (حماية) فتعرّفتْ على ضابط من قادة ضباط يوليو1952وتزوّجته..وهوأحد أقطاب مراكزالقوى (فهمى جارالله)
رمزإحسان بشخصية لوسى (زينب بعد إسلامها) بأنّ تحولها من دين لدين، لايعنى اقتناعها بالدين الجديد..ولاتخليها عن دينها القديم، بالرغم من أنها كانت تسخرمن طقوسه وتقاليده..وبذلك أراد إحسان من هذه الشخصية، التعبيرعن (تحقيق المصلحة الشخصية) بواسطة التحول الدينى..وذلك عكس النموذج الثانى (ناهد المسلمة وشريف اليهودى) لأنّ شريف اعتنق الإسلام لأنه أحبّ ناهد بصدق ورغب فى الزواج منها..وهى– أيضًـا– بادلته الحب.
000
ولم تكن لوسيان (زينب) هى أول نموذج للشخصية اليهودية، غيرالمتدينة عند إحسان، فإنه فى روايته (أنا حرة) قدّم شخصية الفتاة (فورتينية) على أنها لاتحترم الشعائرالدينية اليهودية ((فكانت تجلس مع العائلة مُـدعية الخشوع والاحترام، بينما تتبادل مع صديقتها الابتسام والغمزات)) (أنا حرة- ص92)
وكذلك كانت لوسيان (زينب) كثيرًا ما عبـّـرتْ عن نفورها من المعبد اليهودى..وتنظرإليه وهى تبتسم ابتسامة شماتة..وكانت ابنتها ياسمين على شاكلة أمها، فهى تدخل المعبد للصلاة وهى غيرمقتنعة بفائدة تلك الصلاة.
أما لوسى– الأم– فكانت تكره يوم السبت..وكانت تقول لنفسها: حرام أنْ يـُـفرض على اليهود كل يوم سبت، أنه اليوم الذى استراح فيه الله، بعد أنْ خلق الدنيا فى ستة أيام واستراح فى اليوم السابع..وكان يوم سبت..ولأنّ الله لايعمل أى شيىء يوم السبت، لذلك حرّم على شعبه العمل كل أيام السبت..وبعد أنْ سخرتْ من هذا التحريم، ابتسمتْ بشماتة..وهى تتذكرما قاله بن جوريون: إنّ ((يوم السبت هويوم تعاسة للأطفال)) وقالت: كم كانت عظمة حكمتك يا بن جوريون..وقالت: لماذا لاتــُـجادل الله حتى يعفيها من هذه التعاسة؟ (لاتتركنى هنا وحدى– ص11، 12)
ليس ذلك فقط بل كانت تتمرّد على الطعام المفروض على اليهود..وقالت: لايمكن أنْ يكون الرب هوالذى أمربكل هذه التفاهات، التى هى أقرب إلى التعذيب بهذه الخزعبلات. إنّ لوسى تعبيرعن أنّ اليهودى يعيش الوعى بيهوديته، بغض النظرعن كونه متدينــًـا أوغيرمتدين..ومع ملاحظة أنّ اليهودى الذى يـُـغيردينه، لايستطيع– بناءً على تجارب كثيرة لأفراد من اليهود أقدموا على هذه الخطوة– أنْ يـُـطلــّـق اليهودية طلقة بائنة.
000
شخصية لوسى (زينب) شخصية توفرتْ فيها كل عناصرالدراما كما رسمها إحسان، فهى قبل أنْ تــُـشهرإسلامها لكى تتزوّج شوكت بك ذوالفقار، كانت متزوّجة من زوجها اليهودى (زكى راؤول) وكان لابد من الحصول على الطلاق منه حتى تتزوّج من شوكت المسلم..وعندما طلبتْ الطلاق فإنّ زوجها اليهودى رفض..وسبـّـها عندما عرف هدفها (تحقيق طموحها بالثراء من زواجها من شوكت) فقال لها: أنا لم أتزوّجك حتى أبيعك بأى ثمن. لم أتزوّجك لنترك حى الظاهر..ونسكن فى جاردن سيتى، تزوجتك لتكونى لى، وستبقين لى حتى تموتى.
ولكن هل تهديده وتوعده تحقق؟ إنّ إحسان وبأسلوب روائى بديع– فى عدة مراحل شيقة وممتعة– تناول الصراع بين الزوجيْن اليهودييْن كما لوكان (صراع الديوك وبحنكة اليهود) فعندما أيقنتْ لوسى أنّ زوجها لن يـُـطلــّـلقها، رأتْ أنّ الحل هوأنْ تضعه أمام الأمرالواقع بإشهارإسلامها، فهل استسلم زوجها؟ لا لم يستسلم. فشحذ سلاحه ليـُـحبط محاولتها؟ فكروقال لنفسه: إذا كانت هى أصبحتْ (مسلمة) والقانون سيـُـجبرنى على طلاقها، فلماذا لا أشهرإسلامى أنا أيضـًـا؟ وتبعـًـا لذلك لن تــُـجبرنى أية قوة على طلاقها..وهذا ما فعله بالفعل حيث أشهرإسلامه. فهل استسلمتْ لوسى للأمرالواقع؟ لا لم تستسلم، إنها تعرف (نقطة ضعفه– حب المال) فكان أنْ أقنعتْ شوكت بك بتقديم مبلغ خمسة آلاف جنيه لزوجها زكى راؤول، الذى أصبح اسمه الجديد: أبوبكرعبدالله، الذى فرح بهذا المبلغ..وكان مبلغا كبيرًا أيامها..وبذلك تمّ الطلاق بعد أنْ قبض الثمن.
وعند إشهارإسلام لوسى فإنّ الشيخ الذى تولى الاجراء، طلب أخذ رأى الحاخام اليهودى المختص..ولما سألته لماذا؟ قال لها: حتى لايـُـقال أنّ مصرتفرض الإسلام على اليهود..ولكنها رفضتْ الذهاب للحاخام اليهودى، وطلبت من الشيخ إعفاءها من هذا الشرط، فوافق الشيخ على طلبها.
ولوسى/ زينب مرّتْ بعدة أزمات بعد أنْ أشهرتْ إسلامها، منها رفض عائلتها لما فعلته من إشهارإسلامها..ومنها إحساسها بأنّ المجتمع المصرى (مسلمين ومسيحيين) تشككوا فى صدق إيمانها بالإسلام، بسبب ارتمائها فى أحضان الأرستقراطية المصرية..ولذلك مرّتْ بصراع نفسى كان يمزقها، صراع بين يهوديتها الراسخة..وإسلامها..وحسمتْ الصرع بأنْ تظل مسلمة، وترغب فى العيش فى المجتمع الإسلامى الراقى الأرستقراطى..وقالت سأبقى فى مصر، سواء كنتُ يهودية أومسلمة، لقد أصبحتْ شخصيتى (شخصية مصرية)
وحتى ابنتها ياسمين بعد أنْ أشهرتْ إسلامها..وتزوّجتْ من (عزيز راضى)..وأنجبتْ منه البنت والولد، ستبقى مصرية (مسلمة) وحتى لوهاجرتْ وحتى لوجعلتْ من نفسها يهودية، فلن يتغيـّـرشيىء فيها، إنها فقط متطلبات الطموح الطبقى..وهكذا تعود دورة حياة زينب مع ابنتها ياسمين. لقد اختارتْ كل منهما أنْ تعتنق دينــًـا جديدًا، سواء كان هذا الدين تحت شعارالبقاء على الإسلام..والتخلى عن اليهودية، أوتحت شعارالارتداد عن الإسلام والعودة لليهودية.
أما ابن لوسى/ زينب (إيزاك) الذى اعتنق الإسلام..وأصبح اسمه الجديد (خالد) وذلك رغمًـا عنه بسبب اعتناق أبيه للإسلام، فإنه الشخص الوحيد الذى لم يعان أى نوع من التمزق النقسى، لأنه منذ البداية..وهوثابت على يهوديته، ويؤكد لنفسه أنه يهودى وليس بمسلم..وإذا كانت ياسمين أقرب فى شخصيتها من أمها، فإنّ إيزاك أقرب إلى عقلية أبيه..وعندما قال لأمه: أنا لستُ خالدًا وأبى ليس أبوبكر..وأنت يا أمى لست زينب، أنت لوسى، فطلبتْ أمه منه أنْ يتخلى عن هذه الأفكارويعيش الواقع، فصرخ فيها وقال: الواقع أنى يهودى، أعيش كيهودى..وأفكر كيهودى..وأنت يهودية، فلا تتركينى أنكرأنك أمى.
وإيزاك نظرًا لتعصبه ليهوديته، فهومن الأقلية اليهودية الذى هاجرإلى إسرائيل، خصوصـًـا وأنه تأثربالدعاية الصهيونية..وهى الدعاية التى روّج لها الحاخامات المُـتعصبين دينيـًـا..ويتبنون فكرة تحقيق (حلم العودة إلى أرض الميعاد) كما وعدهم ربهم إله إسرائيل.
ومن بين المواقف التراجيدية الموقف عندما اشتىعلتْ الحرب فى فلسطين سنة 1948، حيث أنّ شوكت له ابن من أمه المسلمة (قبل زواجه من لوسى اليهودية) ولوسى لها ابن من شوكت، فى هذا الموقف فإنّ شوكت فاجأ لوسى بسؤل: تصوّرى لوأنّ ابنى تطوّع للقتال مع العرب والمسلمين..وابنك تطوع للحرب مع إسرائيل؟ فقاطعته زينب بحدة: ابنى لن يشترك فى القتال مع اليهود إنى متأكدة..ولاتنسى أنه مصرى.
وعندما حدثتْ حرب عام1956فإنّ لوسى/ زينب فكــّـرتْ فى ابنها المُـتعصب دينيـًـا (إيزاك) وتساءلتْ لوأنها أنجبتْ ولدًا من شوكت، يمكن أنْ يـُـحارب (كمصرى مسلم) أخاه من أمه اليهودية؟ وعندما دخلتْ عليها ابنتها هاجر(من زوجها شوكت) ورأتْ أمها تبكى سألتها: لماذا تبكين يا أمى؟ قالت: أبكى لأننى أكره الحرب. أكره أنْ يقتل الناس بعضهم البعض..وعندما سألتها ابنتها: من سينتصر؟ مصرأم إسرائيل؟ فإنّ الأم بحنكتها وتجاربها مع الحياة قالت: النصروالهزيمة كلاهما يترك ضحايا، من الموتى ومن الجرحى.
000
وهكذا حفرإحسان فى منطقة، لم يهتم بها أحد من المُـبدعين المصريين، وبهذا العمق فى تحليل الشخصية اليهودية، بكل مزاياها وعيوبها..وقد ساعده على ذلك صداقته للكثيرين من اليهود المصريين..وكما قـدّم شخصية لوسى البراجماتية الانتهازية، التى أشهرتْ إسلامها لمصلحة شخصية، فإنه قـدّم فى المقابل شخصية (شريف الهنداوى) اليهودى بغرض نبيل هوالزواج من ناهد المسلمة..وأنّ موافقة ناهد على الزواج من شخص يهودي، دليل– رمزبه إحسان– على سمة من سمات الشخصية المصرية، المؤمنة بحرية العبادة، وهى حرية لصيقة بالتعددية، المُـضادة والمـُـقاومة للأحادية والتعصب.
***




























كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,699,928
- صاحب الديانة الموصوف بالمارق
- تحديث مصر: والبداية مع عهد محمد على
- ما بناه أتاتورك الحداثى يهدمه الخليفة أردوغان
- إبداع أحمد رامى فى ترجمته لرباعيات الخيام
- هل سلطة الرئيس الأبدية أفضل من تداول السلطة ؟
- الإخوان المسلمون ومخطط (فتح مصر)
- المتعلمون المصريون وجهلهم بعلم اللغويات
- لماذا يرتعب بعض المصريين من تهمة العداء للسامية؟
- اكتشاف حديث يؤكد صدق هيرودوت
- جرائم حماس ضد الفلسطينيين وغياب الإعلام العربى (والمصرى)
- لماذا يكون الانتماء الدينى على حساب الوطن؟ حلايب وشلاتين نمو ...
- محمد على ووأد مشروعه: إنهاء تبعية مصرلتركيا
- إبراهيم باشا ودوره فى الحياة السياسية المصرية
- ثورة برمهات1919 بين الشعب والزعماء
- هل يتحقق الانجازالعلمى فى مجتمع تحكمه الخرافة؟
- العداء العربى/ العربى ومرض (وهم العروبة)
- الفلسفة والعداء للمعرفة
- رامى مالك والأوسكار وتزويرالانتماء الوطنى
- الوباء المُهدد لتقدم الشعوب
- الشعب الجزائرى ينتفض ضد تأبيد الحكم


المزيد.....




- مديرة مدرسة إسلامية غير مسجلة في بريطانيا تتحدى السلطات وتوا ...
- الفاتيكان يبتكر مسبحة صلاة إلكترونية بصليب ذكي
- الأردن يدين الانتهاكات الإسرائيلية في المسجد الأقصى
- ما هي أبعاد تبني تنظيم -الدولة الإسلامية- إطلاق سراح عدد من ...
- التعايش الديني في مصر الإسلامية.. مخطوطة تظهر شراء راهبين لع ...
- المنح التعليمية بالحضارة الإسلامية.. موسيقي يرعى العلماء ومس ...
- أيتام تنظيم الدولة الإسلامية يواجهون مصيرا مجهولا
- منظمة التعاون الإسلامي تُدين اقتحام المسجد الأقصى المبارك
- -قناصة في الكنائس وأنفاق-... بماذا فوجئت القوات التركية عند ...
- مسيحيون يتظاهرون احتجاجا على غلق كنائس بالجزائر


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - اليهود المصريون فى إبداع إحسان عبدالقدوس