أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - وديع العبيدي - تفكيك العنف وأدواته.. (4)















المزيد.....

تفكيك العنف وأدواته.. (4)


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 6223 - 2019 / 5 / 7 - 21:56
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته.. (4)
مفهوم الاستعمار.. أو معنى التخلف..
(استعمار): لفظ مشتق من الفعل (عمّر/ إعمار)، ودخول المقطع الثلاثي (ا س ت) يفيد الرجاء والطلب، كالقول: (استحلف، أستعدّ). وتعبير (استعمار) لا يتضمن فعل (غزو) أو (عنف)، بقدر ما يشير إلى (اصلاح) و (تهيئة الشيء وتحسينه).
وفي العراق الملكي تم استحداث ما عرف بـ(مجلس الأعمار)، وفي عهده الجمهوري ظهر تعبير (اصلاح زراعي) نقلا عن مصر الناصرية، وشاع تعبير (استصلاح الأراضي البور)/ مثلا. وكان يجوز القول (استعمار الأراضي)، بتجريدها من الصبغة السياسية المقترنة بها.
لكن المفارقة اللغزية واللغوية هنا، تتمثل باقتران لفظة (استعمار) بفعل (إسكان/ توطّن/ استيطان)، وهو أمر غير لازم ولا وارد في أصل الفعل. ولذا يبدو من الغريب، اقحام هكذا تعبير من قبل (مترجمين) تلك المرحلة، في محاولة تطبيع/ تعريب لفظة (كولونيالزم) الانجليزية ذات اصول لاتينية.
يشير الاصل اللاتيني والاغريقي للمفردة، إلى المراكز التجارية التي أنشأتها أثينا خارج حدودها السياسية، لتأمين نشاطها التجاري في حوض المتوسط، وكانت تلحق بها حاميات عسكرية لحماية التجار والبضائع. ومع الوقت، تطورت تلك المراكز/ (كولونات) بتوطين جماعات موالية للمركز، وتتداول ثقافتها ولغتها، وتتبع نفس طرز النظام والعادات. وما زال حوض بحر ايجة وشرق المتوسط، حافلا بمدن وموانئ وآثار النفوذ الاغريقي القديم. وقد انتقل المورث الاغريقي الى روما وبيزنطه، وصولا لأوربا الحديثة، وبرامج نفوذها الخارجي عبر البحار.
استحياء هذا الاصطلاح القديم، وتوصيفه العمراني: (استعمار)، مخالف لحقيقة جوهره وأبعاده السياسية، التي صارت ظاهرة قهرية سائدة، وكأنها جزء من نظام الطبيعة، غير قابلة للرفض أو النقض أو التغيير. ظاهرة اقترنت بالقوة والخداع، لتجعل القوي قويا دائما، والضعيف ضعيفا دائما.
ومن مراوغات اللغة والخنوع ، تحوير هذه الظاهرة العنصرية، بما يتردد في أوساط اليسار الغربي، بعبارة: (الاغنياء يزدادون غنى، والفقراء يزدادون فقرا). دون تلميح لجوهر الحركة الكولونيالية الامبريالية وراء ذلك، والمقترنة بالوجود الأوربي السياسي منذ عهد الاغريق والرومان، حتى الآن. وكأن الغرب، لا يستطيع الوجود والاستمرار فيه، إلا على حساب جثامين ودماء الآخرين.
ومن أعراض تقليد الغرب واتباعه، شيوع ثقافة التطبيع مع السياسات والمنتجات الغربية، بله، الدفاع عنها وتبريرها، وكأن السياسات والدعايات والاساطيل الامبريالية، عاجزة، أو ناقصة الحيلة، في تسويق نفسها وفرضها على ثلث سكان الأرض.
ومن يراجع أدبيات الأحزاب والانظمة الوطنية والتحررية في القرن العشرين، يجدها تسوغ ترديد عبارة (الاستعمار والرجعية)، وهي تعني محاربتها. فكيف تحاربها وهي تمتدحها؟.. وكيف تتصدر الثورة وهي تدين نفسها، وتؤكد تبعيتها الثقافية للغة المحتل وبرامجه؟..
فلا غرو، ان لا تنجح اية حركة سياسية عربية، في تحقيق الاستقلال والسيادة والحرية الحقيقية لبلدها وشعبها؛ ولتسقط ثمة، سقوطا ارتوازيا في حفرة الامبريالية في القرن الواحد والعشرين.
من هنا هذا البون الشاسع بين الشرق والغرب، بين الحقيقة والافتعال. الغرب الذي انطلق من العقل والمنطق، وصنع الهته وطقوس دينه بيده، في صور الميثولوجيا ودراما الالهة الاغريقية والرومانية، لا يمكن أن يتساوى مع الشرق الذي يحتقر العقل ويعطله بناصية الدين.
وما يزال الشرق خاضعا وخانعا لجريرة الغيب والديانات الغيبية، ومضامينها الاقطاعية وتراتبيتها العبودية، سواء في هندوسية الهند ومداراتها المغلقة، أو دوامة شرق المتوسط الدينية الغيبية، والمسماة بالسماوية، دون توفرها على تعريف عقلي علمي لمفهوم السماء كمكان أو روح.
وقد لاحظ ابناء الشرق، وأحفادهم سمعوا، باقتران الغزو الغربي للشرق، بامتهان معابده ورموزه الدينية قبل أي شيء آخر، وذلك في تحد صارخ، لكسر كرامة الشرقي، وكأن لسان الاحتلال يقول، ما كان يقال في قصص التوراة: دع الهتك تحميك!.
وعند دخول الانجليز الى العراق، استخدموا حياض المساجد والاماكن الدينية، مرابط لخيلهم، ومعسكرات لقواتهم، دون أن يسخن دم اتباع تلك الاماكن. من هنا التقى زيف الدين والهامشية الثقافية مع الطفيلية الاجتماعية والاقتصادية، سبيلا للاستمرار في الوجود المنحني.
يعترف بعض اليهود، بأن ما يلاقونه من شتات وألام، هي بسبب عدم اتباعهم لجوهر ديانتهم، فسلط الله عليهم من يعيدهم إلى صوابهم، أو يتسلط عليهم، ويجردهم من الاستقلال والسيادة/(سفر ارمياء). ولكن، في كل تاريخ العرب، بعهديهم النصراني والاسلامي، لم تظهر فكرة العقاب الالهي، التي تلاحقهم، وتجردهم من السيادة والحرية، جراء نفاقهم وبعدهم عن جوهر العقيدة والدين.
لماذا استخدم القياس الديني في الشرق، وقد اعتبرته سبب انحطاط الشرق؟..
لأنه.. ما من دين شرقي، والاسلام تحديدا، يوصي المؤمن بالانحناء للكافر والغازي، ومضاهئته!.
لأنه ما من دين شرقي، والاسلام تحديدا، طلب من الفرد تعطيل عقله ومصادرة حريته وكيانه، ويتصرف تابعا قطيعيا، بلا رأي أو فكر، ويكون تبريره، فلان فعل وأنا اتبعته، الشيخ قال وأنا اطعته. الناس يلطمون وأنا ألطم معهم.
والقرآن، الذي هو الاصل والمصدر الوحيد للاسلام، يؤكد على يوم الحساب والآخرة، أولا، كما يؤكد على مسؤولية الفرد الكاملة عن نفسه، حتى أن الشيطان الذي يقوده للكفر، يتبرأ منه: [وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم؛ فلما تراءت الفئتان، نكص على عقبيه، وقال: اني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب/ الانفال 8: 48].
ومع ذلك، فأن الغالبية العظمى من المسلمين، بله اتباع الديانات الأخرى، منقسمين الى قطعان مذهبية وطائفية، ومنقسمين ضد أنفسهم وضد بلادهم، وراء هذا الشيخ، وامام ذاك المسجد، (عميانا تتبع عميانا/ الانجيل)..
ولا غرو، ان تكون المجتمعات الدينية، في مقدمة فرائس الاحتلال والتبعية الغربية، وتكون مجتمعاتها وأنظمتها في مقدمة طوابير الغرب؛ وقلما يدرك أبناؤهم بعمق تناقض الفكر الديني مع تطبيقه، وعمق نفاق الاباء ووصاياهم مع واقع الاداء المعمول به، منذ بواكير القرن الماضي.
ان مراجعة تاريخ الشرق في بواكير القرصنة الغربية، واحتلالها لبلدان الشرق، يفضح جملة افاته وتناقضاته ونفاقه. وليس بين اولئك من لم ينهج للانشقاق والتشظي أو التخلي، وبشكل يضعف المواجهة والمقاومة، ويحيل الحراك المجتمعي، من الاتحاد في وجه الأجنبي، إلى معارك داخلية طائفية/ حزبية، مشيخية، تمنح الغازي كل القوة والمجال، لفرض برامجه.
وما حصل في لبنان والعراق، وليبيا وسوريا، دار ويدور في نفس الدوامة، والأهم فيها هو غياب الرشد والمصلحة الوطنية.
فهل من العقل، استمراء وتسويغ مفردات (استعمار)، وترويج منتجاته وافاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، باعتبارها مفاتيح للحضارة والتطور. إذن، لماذا لم تتطور مجتمعاتنا، وتتحرر من عبودياتها الاقطاعية، الدينية والحزبية؟.. لماذا زادت معدلات الانحطاط، والفوضى والاضطراب؟..
كل شيء يبدأ بالعقل.
كل فعل، وكل فكر، وكل حراك يبدأ من العقل.. التطور والتحرر يبدأ بالعقل، ولا يكون إلا به. والغزو والاحتلال يبدأ بالعقل، ولا يستمر إلا به. ولكل فرد ان يمتحن نفسه وعقله، ليعرف قدر استقلاليته وحريته، أم تبعيته..
(يتبع..)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,398,809,289
- تفكيك العنف وأدواته.. (3)
- تفكيك العنف وأدواته.. (2)
- تفكيك العنف وأدواته.. (1)
- العمّال والمهجر..
- من يحسن فهم الموت.. يحسن الحياة..
- مقامات تونس (3)
- مقامات تونس (2)
- مقامات تونس/1
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم (5)
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم..! (4)
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم..! (3)
- احذر السمنة.. ولا تتبع الريجيم..! (2)
- احذر السمنة.. واتبع الريجيم..! (1)
- قصائد من متحف العري..
- رواية (كركجورد العراقي) لوديع العبيدي تفوز في مسابقة منف الع ...
- دُخانُ المَعابدِ
- فَتاةٌ تخْرُجُ مِنَ المَدْرَسَةِ..!
- الذكرى العاشرة لرحيل محمود درويش..
- في علم اجتماع الجيولوجيا..
- العولمة: اشتراكية بزاوية مقلوبة!..


المزيد.....




- ثلاثة شبان لبنانيين آثروا البحر والهجرة لقبرص على الحياة في ...
- هجوم مسلح على مفرزة أمنية ومخفر للشرطة في ريف درعا الغربي بس ...
- في حكم "تاريخي".. محكمة تدين فرنسا في قضية تتعلق ب ...
- وزير الخارجية الإماراتي يؤكد أن هناك حاجة لأدلة مقنعة بشأن ه ...
- بالفيديو: رحلة وحيد القرن من أوروبا إلى القارة الأفريقية
- في حكم "تاريخي".. محكمة تدين فرنسا في قضية تتعلق ب ...
- وزير الخارجية الإماراتي يؤكد أن هناك حاجة لأدلة مقنعة بشأن ه ...
- بعد تصريحات كوشنر في ورشة المنامة... فلسطينيون: مؤامرة أمريك ...
- إسرائيل: انقطاعات غامضة لنظام -جي.بي.إس- في المجال الجوي
- صحفي إسرائيلي يكشف كواليس إحباط تفجير طائرة كانت في طريقها إ ...


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - وديع العبيدي - تفكيك العنف وأدواته.. (4)