أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 5















المزيد.....

الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 5


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6222 - 2019 / 5 / 6 - 01:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثالثاً التحول السياسي:
مع تصديها لوظيفة "الدفاع عن الوطن"، تحولت هذه الجماعات من كونها أداة ما دون سياسية إلى كونها أداة سياسية محددة المهام والأهداف .
دخلت هذه الجماعات العنفية حيز السياسة المباشرة، وهي تحافظ على وعيها ما دون السياسي . فتحولت بذلك إلى أدوات عمياء لا تقيم وزناً لأية قيمة "وطنية أو اجتماعية أو دينية أو أخلاقية" تتعارض مع "قيم" من يوجه لهم الأوامر . ويكتمل هذا الملمح الفاشي حين يتم تغليف النشاط القمعي، وأحياناً كثيرة الإجرامي، لهذه الجماعات بأهداف "رومانسية" ذات شحنة عالية مثل "الدفاع عن الوطن" أو "التصدي للإرهابيين". ويعتقد الكثير من السوريين أن هذا اللون الفاشي غزا الجيش العربي السوري نفسه، بعد أن زادت نسبة أبناء الأقليات فيه ولاسيما منهم العلويون، جراء الانشقاقات الواسعة التي شهدها الجيش خاصة في صفوف الجنود ولاسيما المسلمون السنة منهم، من جهة، وجراء امتناع غالبية أبناء المسلمين السنة عن الالتحاق بالجيش لتأدية الخدمة الإلزامية، من جهة ثانية. الأمر الذي حول الجيش أكثر فأكثر إلى كونه جيشاً للنظام يرتبط به بعلاقة عصبوية دون سياسية، ويربط أفراده وضباطه بقاءهم ببقاء النظام، ومصلحتهم بمصالحة، وسياستهم بسياسته.
أن التحول السياسي هذا فتح باباً واسعاً لقبول هذه الجماعات في وعي مجتمعاتهم، حين راحت تتصدى، كما يتبدى للوعي العام في هذه المجتمعات المحلية، "لإرهابيين ومتطرفين وغرباء" يريدون إيقاع أشد الأذى بالمجتمع السوري المتنوع. لا يغير في الأمر شيئاً استمرار، وحتى زيادة، الممارسات التشبيحية لهذه الجماعات في إطار مجتمعها المحلي. قد يصح هذا القول على مجتمعات الأقليات التي شعرت بالتهديد جراء الطابع الإسلامي السني للحراك وميله المتزايد إلى العنف، غير أنه لا يشرح بنفس الدرجة تأثير هذا التحول السياسي في علاقة جماعات الشبيحة السنة مع مجتمعاتهم المحلية.
رابعا تحولات في الحجم:
أي الانتقال من حالة مجموعات متفرقة ومحدودة العدد تتألف من أشخاص عاطلين عن العمل وذوو أخلاق وقيم معينة تناسب المهام الموكلة للشبيحة، إلى حالة التنظيم الذي يضم الآلاف ومن ضمنهم عناصر من كل الطيف الاجتماعي.
شهدنا من قبل استعانة سلطة الدولة الرسمية، في سياق سعيها الدؤوب لقمع الثورة السورية، بسلطات أهلية طارئة (لجان شعبية) تلتزم الدفاع عن سلطة الدولة (النظام) مستفيدة لصالح وظيفتها هذه من "لا رسميتها"، أي تحررها من أي التزام رسمي أو قانوني. ما أدى إلى نشوء سلطة ميليشيات متخلفة عن فكرة الدولة ولاسيما أن غالبية عناصر وكوادر هذه الميليشيات هي من فئات فقيرة ثقافياً مما يجعلها هشيماً لنار الطائفية التي راحت تجتاح المشهد السوري. ويغطي هذه اللجان سياسياً القولُ إن الوطن في خطر، وإن الضرورات الأمنية لها أولوياتها، وما إلى ذلك. وهو قول له قبول واضح لدى عامة الموالين للنظام والذين يشكلون مصدر عناصر "اللجان الشعبية" وبيئتها الحاضنة.
الحقيقة أن النجاح الإعلامي والسياسي الذي حققه النظام، حين استطاع أن يدفع الثورة في مسارات تجعلها قابلة للانسجام مع الصورة السيئة التي رسمها لها منذ البداية، على أنها "عنيفة ومسلحة وطائفية وسلفية وذات ارتباطات خارجية" ..الخ، أثمر في حشد أعداد كبيرة من الشباب الموالين للعمل مع النظام. فقوات الدفاع الوطني، التي هي الشكل المطور والمرسّم عن اللجان الشعبية، تضم أعداداً كبيرة من الشباب المختلفين بالكامل من حيث الطبيعة والثقافة عن عناصر الشبيحة المعهودين. تجد اليوم في قوات الدفاع الوطني طلاب جامعيين ومدرسين وموظفين من حملة الشهادات الجامعية. هؤلاء لا يعملون لمصلحة "معلم" بل يعملون لمصلحة "الوطن" كما يرون. لا بل يمكنك أن تجد بينهم من له الكثير من الملاحظات على النظام من حيث استبداده وفساده، لكنه يجد أن المعركة ضد استبداد وفساد هذا النظام باتت مؤجلة لصالح معركة لها أولوية هي المعركة ضد "المؤامرة التي تستهدف الوطن" وضد التطرف الديني بأصنافه العالمية والمحلية. وهم على استعداد تام للتضحية دفاعاً عما يبدو لهم مصلحة عامة ومصلحة بلد. في حين لا يعرف الشبيح، ما قبل الثورة، معنى لكلمة التضحية، فهو أصلاً يعمل ضد المصلحة العامة، ولصالح مصالح خاصة وشخصية، لا وجود فيها لمعنى التضحية. إلا إذا فهمت على أنها تضحية بالكرامة الشخصية للفرد لإرضاء شذوذات شخصية المعلم.
أي نجح النظام في خلق قضية عامة قادرة على حشد المناصرين، واستطاع أن يحيّد فكرة إسقاط النظام لصالح فكرة مواجهة المؤامرة. وقد صاحب هذا "النجاح" نوع من انكماش السلطة عن الكثير من الشؤون الإدارية والعامة، لصالح تركيزها على المهمة الأساسية التي هي "استعادة الأمن والأمان" و"الحسم العسكري" بحسب تعابير وسائل الإعلام الرسمية. ومع طول المعركة غزا الفساد بأبشع أشكاله هذه الجماعات التي سميت قوات الدفاع الوطني، فقد استكشف الكثير من عناصرها، في سياق هذا الصراع، مصادر كسب سهلة ودون أن يتحملوا أي مسؤولية (السرقات، المصادرات، تهريب أشخاص على الحواجز مقابل مبالغ مالية، السماح بمرور مهربات لقاء المال ..الخ).
ومن ناحية ثانية، برز من بين هذه التشكيلات عناصر تبين أنها مستعدة لارتكاب المجازر. ومعروف أن هذه التشكيلات التي سميت "اللجان الشعبية"، كانت مستقلة، في نشأتها وطبيعتها ومهمتها، عما كان يعرف بالشبيحة في فترة ما قبل الثورة. ولدى مقابلة بعض الأشخاص الذين أقروا بمشاركتهم بمثل هذه الأعمال، يتبين لك أن محاكتهم السياسية محدودة بقطبين: (نحن) و(الآخر). هذه القطبية التي غذّت، على مر التاريخ، كل الأفعال الشنيعة والفاشية بحق (الآخر) الذي يتحدد سياسياً أو طائفياً أو عرقياً ..الخ. كما يتبين لدى مقابلة هؤلاء أنهم لا يشعرون بأسف وربما يشعرون براحة الضمير التي يشعر بها من أدى واجباً. وحين تستنكر أفعالهم، يقول أحدهم بانفعال: "لا تقل لي إنها ثورة ومطالب محقة، يريدون إبادتنا .. هؤلاء طائفيون متطرفون، إنه دفاع عن النفس. نحن لا نقتل إلا من يساعد الإرهابيين لقتلنا". وحين تستفهم: "ولكن ماذا عن الأطفال والنساء؟". لا يأتيك سوى الصمت الذي يقطعه صوت أحد الحاضرين الذين لم يشاركوا في مثل هذه المجازر: "ربما كان ذلك بهدف الردع" .
وفي المحصلة يمكن القول إنه جرى ما تصح تسميته "شبحنة" الموالين، بمعنى تحويلهم إلى شبيحة. فصار "المعلم" هو السلطة، والشبيحة هم الموالون الحاملون للسلاح. وهذا التحول، أي تعميم التشبيح، طال الطرف الآخر من الصراع أيضاً، فبرزت ظاهرة التشبيح على الضفة الأخرى منه، والتي سنسميها ضفة الثورة. وهذا ما سوف نتطرق له في مكان آخر.

خامساً التحول "الأخلاقي" :
الانتقال وسط المجتمع المحلي، من دائرة النبذ الأخلاقي للشبيحة على أنهم خارجون عن قيم المجتمع المحمودة، إلى دائرة القبول الأخلاقي وأحياناً التمجيد على أنهم مدافعون عن الوطن.
مع انطلاق الاحتجاجات في سورية شهد المزاج السوري العام تحولاً ملموساً مضاداً للفساد والفاسدين، حتى بات يخشى أعلام الفساد من الظهور في مجتمعاتهم المحلية. وصار أبناؤهم يخجلون من تاريخ آبائهم ومن صورتهم في عيون الناس. كانت لحظة نادرة من استعادة الإنسان الصالح لقيمته في نظر نفسه وفي نظر الآخرين، مقابل الحط من قيمة الفاسدين وازدرائهم رغم ثرواتهم وبهرجهم. كانت تلك لحظة تختصر الثورة وتدل على معناها. غير أن مسار الأحداث تبدل بفعل مواظبة النظام على تشويه الحراك الاجتماعي، سواء عبر الإعلام، أو عبر دفع الحراك بوسائل عديدة لارتكاب الأفعال التي تشوه صورته. وسرعان ما انقضت لحظة الحقيقة تلك، وارتسم في وعي الناس فهماً آخر للحراك. بعد زمن غير طويل، شعر الكم الأكبر من أبناء الأقليات بغربة عن الحراك الذي راح يأخذ أكثر فأكثر منحى إسلامي، الأمر الذي زاد أكثر فأكثر من غربة هؤلاء عنه. ومع الوقت راح العنصر العنفي في جانب الثورة يشتد أكثر فأكثر، الشيء الذي حرك مخاوف لها جذور عميقة في تاريخ الأقليات المذهبية والدينية في هذه المنطقة الدائمة الاضطراب من العالم.
جرى استثمار تلك المخاوف لتحريك نوازع الدفاع عن النفس، وليظهر المدافعون عن النظام مدافعين عن الخائفين على مصيرهم من هؤلاء المحتجين. ولاسيما أن العديد من إشارات التهديد قد صدرت من جانب الحراك ضد الأقليات وضد العلويين بالتحديد. هنا بدأت تتغير النظرة القيمية للشبيح الذي بات عنصراً في منظومة الدفاع الجماعي عن النفس . وكان للصور التي تنقل حالات القتل التي تعرض لها جنود وعناصر أمن النظام أو عناصر "اللجان الشعبية" أن زادت من قيمة هؤلاء على أنهم يعرضون أنفسهم للخطر دفاعاً عن غيرهم.
يضاف إلى ذلك، تحسن نظرة المحيط الاجتماعي إلى هذه التشكيلات بعد أن انضم إليها أعداد كبيرة من الشباب ممن لهم تقديرهم في محيطهم الاجتماعي، ومنهم من حملة شهادات جامعية. فهذا التدفق من الشباب المتعلم والحسن السيرة في نظر الناس، عدّل من سوء صورة الشبيح وخلق انطباعاً جديداً حول هذه التشكيلات الجديدة.
ويتعين الانتباه إلى أن طول أمد الصراع الدائر في سوريا اليوم، غيّر في انطباعات الناس وميولهم ومواقفهم. حيث يعتقد غالبية الناس اليوم إن "أخلاق التشبيح" التي لا صلة لها سوى بالمصالح الخاصة بعيداً عن المصلحة العامة وعلى حسابها، تطل برأسها من جديد في ممارسات الكثير من عناصر ما يسمى "جيش الدفاع الوطني". غير أن ذلك لم يُحدث تحولاً حاسماً في التقييم نظراً إلى أن المجتمعات المحلية للشبيحة لاتزال تعيش الخوف على مصيرها من التطرف الإسلامي الذي يسود، وبالتالي لا تزال المهمة العامة التي يقوم بها الشبيح تغطي على أفعاله التي يتعدى فيها على الحقوق العامة وعلى حقوق الأشخاص.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,387,385,600
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 4
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 3
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 2
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 1
- إياك أن تموت مع الرئيس المقبل
- بيتنا والاسفلت
- البديهيات والاستاذ
- الكوفيون الجدد
- آلة التشبيه
- حديث اللبن
- أطفال سورية
- العلويون، عزلة ثانية
- رفة عين اسمها الاستيقاظ
- خيانات مضمرة
- براميل على الذاكرة
- -المقامر- على أضواء سورية
- الموت تحت التعذيب
- بيت في المخيم
- إرهاب ضد الإرهاب
- البلد العابر للسياسة


المزيد.....




- الجيش الأميركي يكشف تفاصيل إسقاط طائرته المسيرة باليمن
- قضية الغاز.. القاهرة توافق على تعويض إسرائيل بنصف مليار دولا ...
- تركي آل الشيخ يفجر مفاجأة بشأن تكوين فريق جديد
- وزير الخارجية الأمريكي ونظيره الكوري الجنوبي يجريان محادثات ...
- طائرات الحوثيين المسيّرة تضرب مطار أبها السعودي من جديد
- دراسة: الاحتباس الحراري يهدد مدنا أميركية
- هونغ كونغ تطلق سراح رمز -حركة المظلات-
- رئيس آبل يحذر من الفوضى
- نتنياهو مفتتحا مستوطنة -رامات ترمب-: الجولان إسرائيلي وسيظل ...
- المنتخب المصري يوضح حقيقة طلب صلاح لشارة الكابتن


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 5