أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - صاحب الديانة الموصوف بالمارق















المزيد.....

صاحب الديانة الموصوف بالمارق


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 6221 - 2019 / 5 / 5 - 23:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


صاحب الديانة الموصوف بالمارق
طلعت رضوان
نادى أخناتون بالتوحيد..وأنشأ مدينته الجديدة (أخيتاتون) بمحافظة المنيا، على بـُـعد45مترًا من مقابربنى حسن، والمعروفة حاليـًـا باسم (تل العمارنة) ومعنى أخيتاتون (أفق آتون) ومعنى اسم أخناتون (الروح الحية لآتون)..واسمه الأصلى (آمونحتب الرابع) ابن الملك (آمونحتب الثالث) من الأسرة الثامنة عشرة..وحكم لمدة17سنة..وتاريخ ميلاده 1351وتاريخ وفاته1334ق.م..ومنذ ذلك التاريخ دأب علماء المصرياتEgyptology على استخدام الوصف الذى أطلقه عليه كهنة آمون (الملك المارق) وكانت حيثياتهم أنه نبذ كافة الآلهة المصرية..وحرّم التعبد لها..وصادرمعابدها.
وتعبير(الملك المارق) هوالذى استخدمه علماء المصريات، أمثال برستد الأمريكى..وأدولف إرمان الألمانى..وغيرهما..وعالم المصريات الكندى (دونالد ريد فورد) الذى اعتمد على المصادرالأصلية (البرديات والخراطيش إلخ) + منهجه العلمى الصارم، فى كتابه (أخناتون ذلك الفرعون المارق..وذكر(ريد فورد) أنّ المصريين القدماء مالوا فى تأملاتهم عن بداية وأصل الكون ميلا قويًا نحوالتعددية، سواء فى مدرسة (أتوم) الذى خرجتْ منه المواد الأولية. أوفى النسق (المنفى) الذى عظــّـم من شأن القلب (= العقل) الذى خلق الأشياء عن طريق الفكر، أى الاسقاط المُـتجسد للفكرالذى تحدوه الإرادة. أوالنسق الثالث فى مدرسة الأشمونين التى وصفتْ العنصرالأول (للخلق) باعتباره اللامتناهى فى الحجم، اللامتناهى فى الظلمة، الهلامى بصورة كاملة والباطن بصفة عامة، إلاّ أنّ العبادة التى فرضها أخناتون كانت تنتمى لنسق مختلف، إذْ أنّ العبادات السابقة كانت نسبية، بينما عبادة أخناتون مطلقة. الأولى قائمة على التعدد والثانية وحدانية (ص159) لذلك فإنّ ترنيمة أخناتون الشهيرة الموجّهة للإلهة حتحورتمّ تنقيحها بحيث تتخلص من كل سمة لتعددية الآلهة.. وأكثرمن ذلك فلا ذكرلآلهة عظمى مثل بتاح أوتحوت أوأوزير (ص131) وأعلن أخناتون أنّ الإله آمون ملعون..وأرسل حاملى البلط ليطوفوا بالمعابد لينتهكوا قدسيته..وتسبّبتْ خيالات أخناتون مع قرص شمسه، فى عدم الإهتمام بالشعب مثل باقى الملوك السابقين..ومن بين كل البرديات التى عثرعليها المؤلف ذكرأنه: لم يقع فى أيدينا أى نص يُخبرنا أنه (= أخناتون) يسمع صرخة الفقيرأويشفى المريض أويغفرللمذنب (ص185) ونظرًا لأنّ ما نادى به أخناتون كان مع (فكرة التوحيد) ومع (تكريس للأحادية) الفكرية والعقائدية، لذلك انتقلتْ إلى الديانة اليهودية..ومنها إلى المسيحية والإسلام.
000
وعندما قرأتُ رواية الأديب الكبيرنجيب محفوظ (العائش فى الحقيقة) الصادرة عن دارالشروق- ط1- عام2006وتناول فيها سيرة أخناتون، اكتشفتُ أنه قرأ الكثيرمن الكتب عن الحضارة المصرية..وأنّ ما جاء فى الرواية يتطابق مع ما ذكره علماء المصريات.
اختارمحفوظ أحد الشخصيات من عـُـشاق البحث عن الحقيقة ليكون هوالراوى، الذى تقابل مع الأشخاص الذين عاصروا حكم أخناتون، وبالتالى تكون شهاداتهم لاعلاقة لها برأى المؤلف، الذى اتبع أسلوب الكتابة الإبداعية الرفيعة، التى يكون فيها الإيحاء أقوى من الإفصاح.
فى المشاهد الأولى تقابل الراوى مع كبيركهنة آمون، الذى قال إنّ ((المارق سمى نفسه أخناتون)) ويعتقد أنّ آتون هوالإله الوحيد الحقيقى. وهوإله لاشريك له..وكل معبود سواه باطل..وأضاف: لقد أذاب المجنون ذاته فى اللاشيء..وتساءل: كيف يتولى العرش ((كافرمارق))؟ (ص16)
وذكرالكاهن للراوى أنه عندما تقابل مع أخناتون..وناقشه فيما يدعوإليه قال: أنا المؤمن الوحيد فى بلد كلهم من الضالين..وأضاف: أنا طفل يحبوفى رحاب الواحد..وبرعمة تتفتح فى حديقته..وقد تعطــّـف فتجلى لروحى حتى أترعتْ بالأنواروسالتْ بالأنغام..ولن أبالى بعد ذلك بشيىء. وأنّ تتويجى سيكون تحت نورالشمس، فى رعاية الخالق الوحيد..ولأنّ كهنة آمون اعترضوا على دعوة أخناتون، لذلك قال لهم كبيرهم: الملك الجديد كافرعليكم أنْ تعلموا ذلك..وأنْ تــُـخبروا الناس به..ومنذ تلك اللحظة بدأ التمرد حتى تمّـتْ الإطاحة بأخناتون..ونهاية حكمه..والعودة إلى التعددية قبل دعوته.
ومن بين المعلومات التى جمعها الراوى، أنّ أم أخناتون شجـّـعته فى البداية بشرط أنْ يكون الدين فى خدمة مصر..ولكن ابنها آمن بالدين..ولم يهتم بسياسة مصر..وبصفة خاصة تأمين الحدود المصرية.
000
إنّ ما ذكره محفوظ على لسان شخصيات الرواية، يتفق مع ما كتبه علماء المصريات..ومن بينهم العالم الكندى (ريدفورد) الذى ذكرأنّ أخناتون لم يهتم بسياسة مصرالخارجية لدرجة التفريط فى الولايات التابعة لمصر..وأنه ((يتحمل مسئولية انهيارالوفاق المصرى– الميتانى..وأنه ((متى تشاجرطرفان ابتهج طرف ثالث)) الطرف الثالث هنا هم الحيثيون الذين انتهزوا رخاوة حكم أخناتون وتفريطه فى معاهدة الصلح مع الميتانيين، فإذا بالحيثيين يعملون على تعميق الفجوة بين مصروميتانى، الأمرالذى انتهى باستسلام سوريا (التى كانت ولاية تابعة لمصر) ووقعتْ فى قبضة الحيثيين..وبذلك انتقلتْ سوريا الشمالية بأسرها إلى السيادة الحيثية..وهكذا فقدتْ مصرمركزها العصبى على الساحل السورى (من ص 206- 214) وبالتالى ((دبّتْ عوامل عديدة فى الأراضى الواقعة على مشارف المناطق الخاضعة لنفوذ مصرمنذ حكم أخناتون الذى جلب على بلاده النوائب، ضاربًا فى أعماق الوهم..وهذه هى الحقيقة التى استيقظ عليها توت- عنخ- آمون))
غيّرتوت- عنخ- آتون اسمه إلى (توت- عنخ- آمون) واستقل برأيه بعد أنْ ابتعد عن أخيتاتون..وبالرغم من أنه كان فى مقتبل العمر، فقد وعى جذوره..وارتفع إلى المثل الأعلى الذى وضعه أسلافه الأولون..ونتج عن سياسته الخارجية الحازمة أنّ أشور- أوبالت (ملك أشور) أرسل إليه رسالة أبدى فيها رغبته فى إقامة علاقة طيبة مع مصر..وأنه رحّب بها..وتوازى مع هذا أنّ توت- عنخ- آمون حرص على استعادة مجد الامبراطورية المصرية..كما نراه فى موتيف تقليدى وقد خرج يُـطارد حشدًا من الأعداء (من ص 218- 226)
000
نقل محفوظ ما جاء فى البرديات التى ورد بها أناشيد وخواطرأخناتون، الذى قال: كنتُ فى الخلوة قبل الشروق..رفيق الليل يـُـودّعنى..والصمت يـُـباركنى..وخفّ وزنى فخـُـيل إلىّ أنى سأمضى مع ذيول الليل..وتجسّـدتْ الظلمة كائنــًـا حيـًـا يومىء بالتحية..وأشرق فى داخلى نورطيب الرائحة، فرأيتُ الكائنات كلها مُـجتمعة فى مجال العين..وتتهامس متبادلة التهانى تهزها سعادة الترحيب..وتستقبل الحقيقة المُـقبلة..وقلتُ لنفسى أخيرًا انتصرتُ على الموت والألم..وانهلــّـتْ فوقى فيوضات السرور..وتسلــّـل الوجود إلى صدرى فملأه برحيقه العذب..وسمعتُ بكل وضوح صوته وهويقول لى: أنا الإله الواحد لا إله غيرى، أنا الحق. اقذف بروحك فى رحابى..واعبدنى وحدى..وهبنى ذاتك..وقد وهبتك حبى (ص31)
وفى إصرارأخناتون على الوحدانية قال: لا آتون ولا الشمس، إنه وراء ذلك..وما فوق ذلك، إنه الإله الواحد..وأعبده فى أى مكان..وفى أى زمان. وقد أمرنى إلهى بأنْ يـُـعبد وحده (ص149) وعندما قال له كبيرالكهنة: ولكنك تقتلع الامبراطورية المصرية من جذورها، تجاهل تخوف الكاهن من ضياع حدود مصروقال: سأعيش فى الحق إلى الأبد..ولعلّ هذا الرد هوما قصده محفوظ فى العنوان الدال للرواية (العائش فى الحقيقة)
وعندما تحاوركبيرالكهنة مع والدة أخناتون..وقال لها إنّ ابنها: كفربجميع الآلهة..وأنّ ديانة مصرعاشت آلاف السنين على التعددية، قالت له: لاتخش شيئا..إنه شاعر..ولاخوف على حدود مصرمن الشعراء..ولأنّ محفوظ من المُـبدعين المؤمنين بتعددية الأصوات داخل العمل الإبداعى، لذلك ذكرعلى لسان شخصيات الرواية، إنّ كهنة آمون وغالبية الشعب يرون أنّ أخناتون من حقه الإيمان بآتون..ولكن ليس من حقه التفريط فى حدود مصر..وأنهم يطلبون منه شيئين الأول: إعلان الحرية الدينية. الثانى: إرسال جيش للدفاع عن الامبراطورية المصرية..وفى مشد آخرقال أحد الكهنة: عن نفسى فقد آمنتُ بإله أخناتون..ولكن بوصفه إلهـًـا يمكن ضمه إلى بقية الآلهة..وبشرط أنْ لايتعرّض إلى ((حرية العقيدة))
وفى حوارغاية فى الأهمية بين أخناتون وحور- إم- حب (قائد القوات العسكرية فى عهد آمون- حتب الثالث (والد إخنانون) واستمرفى عهد ابنه الذى سأل حور- إم- حب: لماذا جئت؟ ليس وراءك خير. فردّ عليه: جئتُ أنا وزملائى قادة الجيش من أجل خيرمصريا مولاى. فقال أخناتون: وأنا أعمل لخيرمصر..ولخيرالعالم كله. فقال حور- إم- حب: البلاد على شفا حرب مهلكة..ولابد من قرارحازم لتجنيبها ويلات الخراب. فسأله أخناتون: هل لديكم اقتراح؟ فردّ عليه: لامفرمن إعلان الحرية الدينية..وإصدارأمر لجيش الحدود بالدفاع عن الامبراطورية المصرية. فكان رد أخناتون الصادم: هذا يعنى الارتداد إلى الكفر..وليس من حقى أنْ أصدرقرارًا إلاّ تنفيذًا لإرادة إلهى الخالق الواحد. فقال حور- إم- حب: من حقك يا مولاى أنْ تحتفظ بعقيدتك..ولكن عليك فى تلك الحال أنْ تتنازل عن العرش. فقال أخناتون: هيهات أنْ أرتكب خيانة فى حق إلهى المعبود..والتخلى عن عرشه..وقبل أنْ ينصرف حور- إم- حب قال: نترك لك يا مولاى مهلة للتأمل وإعادة النظر(من ص38- 44)
فى هذا المشهد حقــّـق محفوظ قمة بلاغية- باستخدام فن الروايةـ حيث عرض الجدل الذى داربين أخناتون..وبين قائد القوات العسكرية الذى كان كل همه حدود مصر..وهوالجدل الوارد فى البرديات المصرية..وأشارإليه علماء المصريات..ومن بينهم العالم الكندى (ريدفورد) فى كتابه عن أخناتون (مصدرسابق) وبذلك يكون محفوظ قد لخــّـص ذلك الجدل الذى شغل عشرات الصفحات فى سطورقليلة.
وفى حواربين الراوى و(آى) والد نفرتيتى قال الأخير: إنّ أخناتون وصفه الناس بالمارق..ويصبون عليه اللعنات..وأنا لا أستطيع التهوين من الخسائرالتى حاقتْ بالبلاد بسببه..فقد خسرتْ مصرامبراطوريتها..ومزقتها الخلافات..ولكننى أعترف بأنى لا أستطيع أنْ أنزع من قلبى حبى له وإعجابى به، فلندع الحكم النهائى عليه للميزان أمام عرش أوزيريس حاكم العالم الأبدى..وفى شهادة الراوى عن حور-إم- حب قال عنه: هوالرجل الوحيد من رجال أخناتون، الذى احتفظ بوظيفته كقائد للحرس فى العهد الجديد..ووُكــّـل إليه بمهمة القضاء على الفساد..وإعادة الأمن إلى ربوع مصر..وأحرزفى ذلك نجاحـًـا مرموقــًـا..وقد شهد له كاهن آمون الأكبر..وصـدّق على ذلك الحكيم (آى) بأنه كان بطل اللحظة الحرجة فى مأساة الانتقال بين عهدين: عهد الامبراطوية المصرية والحرية الدينية، وعهد أحادية أخناتون..والتفريط فى حدود مصر.
وفى إشارة ذات دلالة عن شخصية حور- إم- حب..كما وردتْ فى البرديات، ذكرمحفوظ أنّ الراوى سأل حور- إم- حب: هل تؤمن بآمون؟ فكان رده غيرالمتوقع: لاكما يؤمن الناس به. فردّ عليه: إيمان أولا إيمان..ولاثالث بينهما. فقال: لا أهتم بالدين إلاّباعتباره من تقاليد مصرالراسخة، فقال له: أنت تعبد ذاتك يا حور- إم- حب، فقال: أنا أعبد مصر(ص50) وهكذا التزم محفوظ بما جاء فى البرديات (عن شخصية حور- إم- حب)..وصاغه إبداعيـًـا..وعندماختارأخناتون شقيقه (سمنخ- رع) ليشاركه الحكم، فإنّ حور- إم- حب اختار(توت- عنخ آمون) وأقسم الولاء بين يديه (ص57) وذلك بمراعاة ثقته فى (توت- عنخ آمون) الذى أعاد أمجاد الامبراطورية المصرية، بعد نجاح الثورة الشعبية ضد أخناتون..كما أعلن (توت) إطلاق حرية الأديان (ص113)
000
وعن شخصية نفرتيتى ذكرأنها كانت تــُـقارب أخناتون فى سنه..وأعلنتْ ميلها لآتون..وبالرغم من التكوين الشاذ فى جسد أخناتون، فقد تـمّ الزواج بينهما..وبينما تفرّغ أخناتون لتأملاته وكتابة أناشيده التى ناجى فيها آتون، تولــّـتْ نفرتيتى مهام العرش، من أمورإدارية..وعن اللغط الكثيرحول شخصيتها..وما ثارحولها من أقاويل عن غواية الرجال، فإنّ محفوظ التزم بقاعدة (تعدد الأصوات) فذكرآراء خصومها وآراء مؤيديها..وليس ذلك (فقط) وإنما نقل رآى رئيس الشرطة الذى قال: لقد قرأتُ فى عيون بعض الرجال المُحيطين بها، نظرات جشعة مُـضمّـخة بأخبث الشهوات..ولكن- على مدى علمى- أنها لم تشجع أحدًا على تجاوزحدوده..ولما سأله الراوى: ولماذا انفصلتْ عنه فى رأيك: قال: إنه لغزلم أستطع حله (ص108)
وعن انفصال نفرتيتى عن أخناتون، بعد عزله عن منصبه، فإنّ محفوظ خصّـص فصلا كاملا عنها..واعترفتْ فيه للرواى بحقيقة علاقتها بأخناتون فقالت: لقد شببتُ وترعرعتُ مليئة بحب الحقيقة، مُـنتفعة بحكمة أبى (آى) وكنتُ أعشق آتون..وأعجب بمجاله الشامل للسماء والأرض..ولما عرض أخناتون على أبى الزواج منى، قالت أختى (موت- نجمت) إنه مجنون وسيفقد العرش..وذات مساء سمعتُ أبى يتلونشيدًا من أناشيد أخناتون جاء به: ((إنك جميل..إنك عظيم.. بك يفرح قلب الإنسان..وتخضرالأشجار. وترفرف الطيور..وتقفزالحملان)) ثم أضافتْ: وبعد أنْ سمعته حفظته وأنا فى نشوة مُسكرة..وعندما رأيتُ أخناتون، أعترف لك بأنّ منظره صدمنى صدمة غيرمتوقعة..فقد تصورته تمثالامن نور..ولكنى وجدته نحيلا متهافتــًـا مخيبـًـا للأحلام..وأفقتُ من هزيمتى بسرعة..وأعلنتُ- بينى وبين نفسى- الولاء له إلى الأبد..خاصة بعد أنْ حكى لى أنّ أمه تظاهرتْ برفض زواجى من ابنها، لأننى لستُ من أصول ملكية..وبعد الزواج قال لى: إنك أول من آمن بى يا نفرتيتى..وكان مولاى يعيش فى الحقيقة..ويـُـكرّس ذاته للحقيقة..وقد اكتشفتُ أنّ المحيطين بالملك لم يكونوا صادقين فى إيمانهم بإله أخناتون. أما الذين اعترضوا على الدين الجديد- منذ البداية- وكان من بينهم (حور-إم- حب) وأبى فكانوا من الوضوح..وصبروا عليه حتى خلعوه من العرش..وقد ارتحتُ عندما اختارالكهنة (توت- عنخ- آمون)
وقد زارنى كبيرالكهنة وقال لى: ليعبد الملك ما يشاء من الآلهة..ولكن لجميع الآلهة وعلى رأسها آمون الحق فى الرعاية..فقلتُ له: إننا لانتعرّض بسوء لأى إله..ولكن أخناتون قال لى: أمرنى إلهى بأنْ يـُـعبد وحده..ولما ظهرالعنف فى البلاد قلت له: ألايسوءك العنف وأنت رجل الحب والسلام؟ فقال: ولكنى لن أرد على العنف بعنف مماثل..ولما اشتد عنف الثورة قال أخناتون للثوار: لم تجيئوا بالخير. فقال له أبى: جئنا يا مولاى مدفوعين بولائنا للعرش والوطن..فسأل إخناتون:وماذا عن إيمانكم بخالق كل شيىء؟ فقال أبى (الحكيم آى) مازلنا نؤمن به..ولكننا مسئولون عن دنيانا يا مولاى..وقال القائد (ناخت) العدويتوغل داخل الامبراطورية..والولايات التابعة لمصرأعلنتْ تمردها..ونحن محصورون فى آخت آتون..فقال: لن يتخلى عنى إلهى..وتدخل حور- إم- حب فى الحديث وقال: سوف تفرض الحرب الأهلية نفسها علينا..وقال أخنانون: سألقى الجيش المُـهاجم وحدى وبلا سلاح..فقال حور-إم- حب: سيقتلونك ثم يقتلوننا..وطالما أنك متمسك بديانتك فتنازل عن العرش وتفرّغ لدعوتك..فقال لن أتنحى عن عرش الإله. إنها خيانة..عند هذه النقطة الفاصلة اعترفتْ نفرتيى بشجاعة أنّ الشك تسلــّـل إلى عقيدتها وإيمانها بآتون..وتساءلت فى حيرة: كيف أنقذ حبيى من الموت؟ وخطرلى: أننى لوهجرته فلعلّ ثقته بنفسه تتزعزع، ولذلك لذتُ بقصرى الخاص فى شمالىْ آخت آتون..خاصة بعد أنْ زارتنى أختى..وقالت لى: بأنّ أخناتون أصرّعلى عناده..وأنّ الثوارأمروا بإخلاء المدينة..وإعلان ولائهم للملك الجديد..فهتفتُ: أين أنت يا إلهى؟ ولم تخليتَ عن المُخلصين..وعندما فكرتُ فى مقابلة زوجى وحبيبى منعنى الحراس. وهكذا أمضيتُ بقية حياتى فى (ظلمة الوحشة والوحدة) بعد نهاية (مدينة النور) وهتف قلبى: أه يا مدينة الوحدة القاتلة (من ص125- 157)
وعندما أعلن أخناتون فى بداية ولايته أنه لاعقوبة على المذنب..وأنه سيجعل الحب محل العقاب، فإنّ كاهن آمون قال له: عندما يأمن الموظف من العقاب، سوف يستمرىء الفساد..وينزل بالفقراء العذاب..وفى مشهد آخرقال: إنى مؤمن بأنّ الجريمة التى تفلتْ من العقاب..تــُـكرس الإثم بين الناس..وتزعزع العدالة..وتمهد لارتكاب المزيد من الجرائم (ص38، 74)
وهكذا تناول محفوظ الجدل المثارحول شخصية أخناتون..سواء لدى معاصريه أولدى المؤرخين، بالتجرد التام..ولم يطرح رؤاه الخاصة..واكتفى بذكرما ورد فى البرديات..وما كتبه علماء المصريات.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,744,613
- تحديث مصر: والبداية مع عهد محمد على
- ما بناه أتاتورك الحداثى يهدمه الخليفة أردوغان
- إبداع أحمد رامى فى ترجمته لرباعيات الخيام
- هل سلطة الرئيس الأبدية أفضل من تداول السلطة ؟
- الإخوان المسلمون ومخطط (فتح مصر)
- المتعلمون المصريون وجهلهم بعلم اللغويات
- لماذا يرتعب بعض المصريين من تهمة العداء للسامية؟
- اكتشاف حديث يؤكد صدق هيرودوت
- جرائم حماس ضد الفلسطينيين وغياب الإعلام العربى (والمصرى)
- لماذا يكون الانتماء الدينى على حساب الوطن؟ حلايب وشلاتين نمو ...
- محمد على ووأد مشروعه: إنهاء تبعية مصرلتركيا
- إبراهيم باشا ودوره فى الحياة السياسية المصرية
- ثورة برمهات1919 بين الشعب والزعماء
- هل يتحقق الانجازالعلمى فى مجتمع تحكمه الخرافة؟
- العداء العربى/ العربى ومرض (وهم العروبة)
- الفلسفة والعداء للمعرفة
- رامى مالك والأوسكار وتزويرالانتماء الوطنى
- الوباء المُهدد لتقدم الشعوب
- الشعب الجزائرى ينتفض ضد تأبيد الحكم
- الصراع بين اللغات القومية واللغة العربية


المزيد.....




- لافتات إعلانية تحتوي على رسالة معادية لليهود والمسيحيين في ...
- لافتات إعلانية تحتوي على رسالة معادية لليهود والمسيحيين في ...
- عندما ارتدى المسيحيون واليهود والمسلمون الطربوش الأحمر.. زمن ...
- فيديو.. قوات الاحتلال الإسرائيلي تمنع المصلين من دخول المسجد ...
- تطبيق "تيك توك" للتواصل يزيل فيديوهات دعائية لتنظي ...
- شاهد: الشرطة الإسرائيلية تمنع الفلسطينيين من الدخول إلى المس ...
- تطبيق "تيك توك" للتواصل يزيل فيديوهات دعائية لتنظي ...
- العلمانية... هل تكون حلا لمشكلات العالم العربي؟
- شاهد: الشرطة الإسرائيلية تمنع الفلسطينيين من الدخول إلى المس ...
- مظاهرات لبنان: هل بدأ نظام المحاصصة الطائفية يتصدع؟


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - صاحب الديانة الموصوف بالمارق