أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - دموعي … بين يدي الأبنودي














المزيد.....

دموعي … بين يدي الأبنودي


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 6220 - 2019 / 5 / 4 - 17:36
المحور: الادب والفن
    





مرَّ الشهرُ الخطيرُ الذي شهدَ حدثين جَلًلين، يزلزلُ أحدُهما أركانَ الكون. ميلاد شاعر – رحيل شاعر. جاءنا الشاعرُ في 11 أبريل، وتركنا قبل خمس سنوات يوم 21 أبريل، وبينهما سبعة وسبعون عامًا من الشعر والتغزّل في طمي مصر الطيب. ولكن هذا الرجل ليس شاعرًا، بل مجرّةٌ من الموسيقى وروح الشعر. كانت جيوبه مملوءة بالزيتون، بتعبير لوركا في أنشودة الفارس. العظيم عبد الرحمن الأبنودي.
لي معه موقفان لا أنساهما. أحدُهما في الثمانينيات الماضية وأنا طالبةٌ بكلية الهندسة. والآخر قبل رحيله سنوات. كانت اللجنةُ الثقافية بكلية الهندسة جامعة عين شمس قد استجابت لرغبتنا، نحن الطلاب، في عقد أمسية شعرية للعظيم عبد الرحمن الأبنودي، داخل حرم الكلية. ولبّى العظيمُ النداء. وكان حدثًا جللا من أمجاد حياتنا، ظللنا نتحدث عنه سنوات وسنوات. كنتُ في أولى عمارة، ولا أنسى ابتسامتَه الرائقةَ؛ ونحن، من فرط الطرب والمتعة، نقاطعه بعد كل فقرة حتى يُعيد. وكان يبتسم بحنوّ الأب ويعيد. نُردد معه الجوابات التي نحفظها عن ظهر قلب؛ فتهتزُّ جدرانُ المدرج من صدى صوتٍ عملاق من حناجر ألف طالب يوقّعون في نَفَس واحد: "وانشالله يا حراجي ما يوريني فيك يوم/ وانشالله تكون اتعلمت تردِّ جوام/ ومادام احنا راسيين ع العنوان/ والله ما حنبطل بعتان/ مفهوم أسوان/ زوجي الغالي/ لاسطى حراجي الجُط / العامل في السد العالي."
ولأنه عظيمٌ فقد رحّب بسماع "المواهب الشابة" من الطلاب. كان ذلك في مدرج "فلسطين" المهيب الذي يحتلُّ مكانًا بارزًا في واجهة مبني الكلية العريق. بدأ الطلابُ يتوافدون على المنصّة يلقون محاولاتهم الشعرية. ولم أفكر أن أحذو حذوهم. فهل أقفُ أمام الهرم لأستعرض إمكانياتي ككوخ صغير؟! لكن زملائي دفعوني نحو المنصّة لألقي قصيدة في حضرة الأبنودي! وكان ذلك أعسرَ ما خُضتُ من امتحانات داخل جدران الجامعة. بعد قليل تلعثم، انتظم إيقاعُ صوتي، وألقيتُ قصيدتي. وحين انتهيتُ انتبهتُ إلى محنتي: "ها أنا أقفُ أمام الهرم، لا تفصلني عنه إلا أمتارٌ، فماذا عساي أن أفعل؟!” تقدمتُ لمصافحته أتعثّرُ في حيائي، ونثارُ كلمات تشبه الاعتذار تتعثّرُ على لساني. فتقدّم نحوي واحتضنني وقال بلكنته الجنوبية الحُلوة: "انتي شاعرة يا بت، اوعاكي تسيبي الشِّعر!". وكانت شهادةً كبرى من شاعر هائل لصَبيّة تُجرّبُ الشِّعر. وظلَّتِ الشهادةُ تميمتي السِّرية. أُخرجها في خُلوتي لأتقوّى بها كلما انهزمتُ، وأستحضرُها فوق طاولتي كلما راودني شيطانُ الشعرُ.
***
الموقف الثاني كان قبل خمسة عشر عامًا. كان الأبنودي ضيفًا في إحدى الأمسيات. وكنتُ أجلس على مقعد مواجه له. وبدأ في قصيدة "يامْنَة"! وما أدراك ما تلك القصيدة بما تحمل من وخزات شوك جارحة. وانسابت دموعي مع المقطع الذي يحكي فيها ردّة فعل العمّة العجوز حين جلب لها قطعة قماش لتخيطها ثوبًا جديدًا للعيد، ثم حين زارها في العيد التالي ولم يجدها:
"ولسه يامْنَة هاتعيش وهاتلبس/ لمّا جايب لي قطيفة وكستور؟/ . طب ده أنا ليّا ستّ سنين مزروعة في ظهر الباب/ لم طلّوا عليا أحبّة ولا أغراب/ خليهم/ ينفعوا/ أعملهم أكفان!/ كرمش وشّي؟/ فاكر يامنة وفاكر الوش؟/إوعى تصدقها الدنيا/ غش ف غش!/ مش كنت جميلة يا واد؟/ مش كنت وكنت/ وجَدَعَة تخاف مني الرجال؟/ لكن فين شفتوني؟!/ كنتوا عيال!/ هاتيجي العيد الجاي؟/ واذا جيت/ هاتجيني حداي؟/ وهاتشرب مع يامنة الشاي؟/ هاجي يا عمة وجيت/ لا لقيت يامنة ... ولا البيت!"
وجعتني الكلمات، ووجعني إلقاء الأبنودي الحارقُ السارقُ الذي لا يشبه إلا نفسَه. ولم أنتبه إلا ووجهي غارقٌ في الدمع؛ لم أستطع كبحه. فما كان من الأستاذ إلا أن مدّ يد إلى علبة المناديل الورقية، واستلَّ منديلا ليمسح دموعي بيديه الطيبتين قائلا جملته الخالدة: “والله يا عبدُ الرُّحمن وبكّيت فاطنة الحلوة"، وهو حريص على نطق "فاطمة"، بالنون لا بالميم، كما ينطقها أهلُ بلدة "أبنود" الجنوبية ابنة "قنا" ابنة صعيد مصر. وحين انتبهت لدموعي وهو يربت على كتفي ليهدئ دمعي؛ خجلتُ، فهمستُ له: “أعملك ايه مانت بتكتب لي كلام يكسر صندوق القلب...” والعبارة من أحد جوابات "فاطمة أحمد عبد الغفار" لزوجها الأسطى "حراجي القط"، العامل بالسد العالي بأسوان، من إبداع عظيم الأغنية المصرية عبد الرحمن الأبنودي، الذي تحلُّ في أبريل ذكرى ميلاده العزيز ورحيله الموجع عن ديارنا إلى حيث عالم الخلود الأبدي، حيث يصدح ويغنّي ولا ينسانا، نحن عشّاقَه ومحبيه. أيها الأجملُ الأبهى في حياتك، والأكثر جمالا وحياةً في رحيلك، يا مخبي في عينيك السحراوي تملي حاجات، ارقدْ في سلام؛ ولا تنسنا! "الدينُ لله، والوطنُ لَمن يحبُّ الوطن”.

***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,442,958
- القيامة … البابا … رمضان … النقشبندي
- مصرُ التي … على صفحة العائم
- حوار مع متطرّف: نعم … أنا متطرّفة!
- مَن يقرعُ الأجراسَ في باريس؟
- الملك لير … سرُّ عظمة مصرَ
- روچر … البودي جارد الذي خاصمني!
- مصطفى الفقي … سَلطنة التشريح الفكر
- في قانون التحضُّر: البقاءُ للأضعف!
- الإسكندراني والسيسي وزيدان …. يا حفيظ!!!
- أم كلثوم ... فيروز … شيرين
- دائرةُ الحُب الأبديةُ في بيت لليان تراشر
- العسراءُ الجميلة التي اغتالتها يدُ صهيون
- ما هديتُكَ في عيد الأم؟
- البابا شنودة و... برينتون تارانت
- الأدبُ … حين يحمينا من المزورين | عن الصفحات الكاذبة
- هنا أسيوط … والذي مصرُ تعيشُ فيه
- على هامش ((تصويب)) الخطاب الديني
- البابا فرنسيس في دار زايد … على خُطا القديس الأسيزي
- صخرةُ العالم … وسوطُ السجّان
- إكليلُ غار للجميلة: سميحة أيوب


المزيد.....




- صدر حديثا.. الذَّاكرة المنهوبة.. لـفاضل الربيعى
- المغرب والأردن يؤكدان عزمهما على تطوير شراكتهما الاستراتيجية ...
- موسيقى -سحرية- بدل العقاقير المسكنة للآلام أثناء الجراحة!
- أرسكين كالدويل في نصف قرن من الإبداع..علامة فارقة في الأدب ا ...
- قناديل: النقد الأدبي في القرن الحادي والعشرين
- موسيقى الأحد: قصة أوركسترا جيفاندهاوس
- كاريكاتير العدد 4473
- بالفيديو.. نجم سينما صيني كاد يموت طعنا أمام جمهوره
- حقيقة ماوقع في العيون بعد تتويج الجزائر
- فيلم كارتون روسي ينال جائزة في مهرجان Animator البولندي الد ...


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - دموعي … بين يدي الأبنودي