أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(1)















المزيد.....



البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(1)


محمود الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6218 - 2019 / 5 / 2 - 20:31
المحور: القضية الفلسطينية
    


الحفر في سبيل الحقيقية : علم الآثار و الكتاب
ارتفعت في السنوات الأخيرة موجة عالية من النقاش انصب فيها التركيز على إشكالية المملكة المتحدة [يقصد مملكة داود و سليمان "الكتابية"]،كما تركز بعض من هذا النقاش, بطريقة ما, على مسألة "صلاحية" المرويات التاريخية الكتابية برمتها. وكانت مسألة تاريخية السرد الكتابي قد طغت لعقود عدة على فضاء البحث الأكاديمي و على مستوى النقاش العام على حد سواء, إن كان لجهة صلة هذا السرد بإسرءيل القديمة أولجهة قدرة علم الآثار على تقديم إسهاماته من أجل التوصل إلى فهم أفضل للنص [الكتابي]. ومن الجدير ذكره هنا, أن تشكيل و صياغة هذه السجالات لم يحدث من خلال البحث الأكاديمي لعلم الآثار و الدراسات الكتابية فحسب , وإنما أيضا ضمن سياق السيرورات التاريخية و الثقافية في مجتمعنا. هذا و قد درات رحى معركة البحث الأكاديمي بخصوص التاريخ المبكر لإسرءيل , بادىء ذي بدء, بين أوساط الفكر المحافظ maximalist - بما فيهم الآثاريين الكتابيين الكلاسيكيين -من جهة و بين علماء النقد الكتابي العالي من جهة أخرى [ بمعنى نقد الأصول التاريخية للنص], وبحلول تسعينيات القرن الماضي , انضم اتبارع ما يعرف بالمدرسة التصحيحة minimalist إلى جوقة جوقة السجال هذه الرافضين منح أية قيمة للتاريخ الكتابي عند دراسة تاريخ كنعان-إسرءيل خلال أزمنة العصر الحديدي.
و أود التعامل ,في البداية و بعيدا عن عناء الالتزام بسبر تفصيلي لتاريخ البحث, مع إيجابيات و سلبيات كلا المعسكرين –المحافظين و التصحيحيين- و من ثم سأنتقل للتدليل على وجهة نظري الخاصه ممثلة لما يمكن نعته بصوت الوسط. فخلال القرن التاسع عشر و وصولا إلى القرن العشرين صمدت الأطروحات الرئيسة لعلماء النقد العالي-من وجهة نظري- إزاء التحديات. كما تطلب الهجوم على الفرضية التوثيقية وعلى نموذج التاريخ التثنوي Deuteronomistic Historyفي العقود الماضية بعض التعديلات الواجب إجراؤها على هذه النظريات باعتراف الجميع , بيد أن مثل هذا الهجوم لم يقدم نموذجا تصوريا مقنعا يحل محل هذه النماذج, حيث مازالت هذه النماذج-باتقادي-نزودنا بمنهج تاريخي و أدبي متماسك إلى حدا عند التطرق لقضايا معينة متعلقة بالنص الكتابي مثل البنية والزمن و نمط الحياةSitz im leben .
صعود و سقوط المعسكر المحافظ
اقتفى الباحثون المنتمون للمعسكر المحافظ في قراءتهم للنص الكتابي عن تاريخ إسرءيل الطريقة التي أراد لنا المؤلفون القدماء قراءة النص بها, أي باعتباره نصا يعبر عن سجل موثوق لتاريخ إسرءيل و مروياً ضمن ترتيب زمني يتسلسل من الأقدم إلى الأحدث, و يقر هؤلاء أن مواد الكتاب سواء كانت أسفار موسى الخمسة ( الخماسية Pentateuch) أو التاريخ التثنوي وصلت إلى صياغتها و شكلها النهائيين في زمن متأخر نسبيا من تاريخ إسرءيل. في حين يزعم البعض الآخر بأن القرنين العاشر- التاسع ق.م هما التاريخ المحتمل لبلورة الكثير من مواد الخماسية, كما يميلون إلى نوع ن السجال ينظر بجدية إلى إسهام المحررين المتأخرين لكل من أسفار موسى و التاريخ التثنوي عن طريق دمج أدبيات مبكرة و حتى مصادر مكتوبة أقدم. في حين أنه قد يكون صحيحا استمرار عدد قليل من أتباع هذا المعسكر في محاولة تحديد "فترة الآباء" في سياق الألفية الثانية ق.م ،أو تفسير دمار معظم مدن عصر البرونز الحديث كنتيجة لغزو الإسرءيليين لبلاد كنعان ,أو قراءة رواية الخروج على خلفية الدولة الحديثة في مصر, كما قرأها ومازال يقرؤها العديد، و فوق كل هذا سوف يتشبث دعاة هذا المعسكر بصورة المملكة الكتابية المتحدة [ مملكة داود و سليمان].
ومن أجل هذا, قاموا-أي المحافظون-في البداية بتحدي علم الآثار على أمل إيقاع الهزيمة بأمثال يوليوس فلهاوزن من علماء النقد العالي. وما انفك وليم أولبرايت و أتباعه من بعده ( و تلامذته في وقتنا الحالي) يروجون للفكرة القائلة بإمكانية علم الآثار أن يثبت صحة الكتاب و خطأ الباحثين النقديين بآن معاً. و للتدليل على ذلك أخضعت بعض المرويات الكتابية كعزو كنعان [من قبل الإسرءيليين] و المملكة المتحدة العظيمة لسليمان للمزي من البحث و الدراسة , غير أن علم الآثار ،في حقيقة الأمر، لم يتبوأ مركز الصدارة في هذا السجال, بل استخدم فقط لدعم نظرية مسبقة التصور, الأمر الذي أدى به إلى لعب دور داعم في تقديم أدلة منمقة عن تاريخ هو حديث في جزهره و هو على الأغلب إعادة كتابة لفظية للقصص الكتابي كلمة بكلمة, و بذلك عزز باحثو المدرسة المحافظة عمليات إعادة البناء التاريخي و الآثاري , الذي لا يمتلك أي سند حقيقي على صعيد اللقى الآثارية وهو ما أوقعهم في فخ الجدل الدائري, ولعل أحد أفضل الأمثلة على حالة إعادة البناء التاريخي و الآثاري [للنص الكتابي] هو البحث عن عصيون جابر، فقد دفع البحث عن سليمان العظيم بالآثاري نيلسون غلوك إلى التنقيب في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي في موقع تل الخليفة، و هو عبارة عن تل صغير يقع على الطرف الشمالي من خليج العقبة على الحدود الحديثة بين الأردن و إسرائيل. قام غلوك بتحديد الموقع على أنه ميناء عصيون جابر الذي أطلق منه سليمان البعثات التجارية إلى الأراضي البعيدة الغريبة كما يذكر النص الكتابي. و كشف غلوك عن الكثير في الموقع ،كما فصل اللقى الأثرية إلى خمس مراحل من النشاط تؤرخ من القرن العاشر ق.م إلى التاسع ق.م , و طابق كل منها حسب الإشارات الكتابية لعصيون جابر و إيلات. و جعل لكل سلالة حاكمة ورد ذكرها في الكتاب مكانا في السوية الأثرية فيما يتعلق بنشاط الموقع في تلك الحقبة في خليج العقبة, فقام غلوك بتفسير بقايا السوية الأولى-بما في ذلك ما نعته بفتحات المداخن و أقنية الهواء ووسائد النفخ اليدوية و البواتق الفخارية و غرف الأفران-كدليل على الصناعة الضخمة لصهر النحاس في عهد الملك سليمان. ليس هذا فحسب , بل حلق غلوك [في خياله] عاليا حين وصف عصيون جابر بأنها "بيتسبرغ فلسطين" و الملك سليمان بـ" ملك النحاس و قطب النقل البحري و أمير التجار و المعماري العظيم ".لم تكن هذه الصورة الرومنسية المتخيلة-كما اتضح لاحقا-سوى ضرب من الخيال,و وهم مرغوب فيه يتكأ على نصوص الكتاب عوض عن التركيز على الدليل الأثري الحقيقي الفعلي. و من خلال دراسة شاملة للقى الأثرية لم يتم العثور مطلقا على أي دليل لأنشطة صهر في الموقع, أما "البواتق" فقد ثبت أنها كسر لأوان فخارية مصنوعة يدويا ومن إنتاج محلي, ولم تكن ثقوب المداخن" سوى ثقوب لعوارض خشبية تعفنت منذ زمن بعيد, كما عثر على القليل من اللقى المعدنية-إلا أنه في الحقيقة لا يوجد أي دليل على صناعة صهر نشطة. و ليس بأقل أهمية من ذلك ما يشار إليه بوضوح عن زمن تأسيس الموقع في أواخر القرن الثامن أو أوائل القرن السابع ق.م . وفي حقيقة الأمر لم يكن هذا الموقع قرب خليج العقبة، يزيد عن كثبان رملية في عصر سليمان التاريخي في القرن العاشر ق.م، ويكل بساطة لاوجود للتوضع الطبقي المتعاقب للملوك و مراكزهم الصناعية. وعند تقصي السعي لإظهار المشكلة الثانية التي وقع فيها أتباع معسكر المحافظ [ أي تلك التي لها علاقة بالجدل الدائري] فهناك ثمة مثال جيد يوضح هذا الأمر يمكن العثور عليه لدة مناقشتنا للتفسير الىثاري للقى مدينة جازر , حيث يناقش وليم ديفر , التلميذ المخلص لأولبرايت أو التيار المحافظ و المنقب في موقع جازر, بأن محاولات إعادة بناء تاريخ المملكة السليمانية المتحدة العظيمة إنما جاء وفقا لأدلة أثرية صلبة تستند هذه بدورها على دراسة دقيقة لفخار العصر الحديد"
"إن فخار هذه الطبقة المدمرة ( يعني جازر ) ذو الأشكال المميزة الصقيلة و المطلية و ذات الأيدي و عديمة الأيدي أرخت لزمن القرن العاشر ق.م ... و لذلك و على أساس الخلفيات الخزفية المقبولة عموما ....و ليس على أساس القبول الساذج لقصص الكتاب .... نحن نؤرخ جدران و بوابات مدينة جازر من السوية الثالثة Gezer Field III إلى منتصف و أواخر القرن العاشر ق.م". وهنا يشير ديفر إلى واحدة من أبرز نتائج الحفريات التي تمت في جازر ألا وهي أن الأواني الفخارية المذكورة يمكن استخدامها كشماعة لتأريخ طبقات القرن العاشر ق.م، إلا أن هذه الفخاريات لا تشير إلى تاريخ محدد, فكيف نسبت، إذن، إلى القرن العاشر ق.م ؟ لقد تم تأريخها وفقا للمكان الذي اكتشفت فيه -في سوية أثرية تربط عادة بالبوابة المرتبطة بدورها بالملك سليمان وفقا لإشارة من الكتاب" 15 وَهذَا هُوَ سَبَبُ التَّسْخِيرِ الَّذِي جَعَلَهُ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ لِبِنَاءِ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِهِ وَالْقَلْعَةِ وَسُورِ أُورُشَلِيمَ وَحَاصُورَ وَمَجِدُّو وَجَازَرَ." ( الملوك الأول 9 : 15) [ تشير نسخة الكتاب المقدس في تعريفها لكلمة " القلعة" Millo- המלוא ملو بأنه (ردم من التراب يدعم تلة صخرية تحمل الهيكل و القصر) .أنظر سفر الملوك الأول على حاشية شرح الآية السابقة ص 630 .نسخة جمعية الكتاب المقدس في المشرق . طبعة دار المشرق ،الطبعة السادسة 2000].و هذه مسالة واضحة لمنطق البرهان الدائري .و الشيء ذاته ينطبق على مقولة أن بعض المؤلفات العظيمة في التاريخ الكتابي تمت في القرن العاشر ق.م. و يجادل عدد من العلماء بأن بعض مصادر الخماسية ( المصدر J) و العديد من قصص الفترة المبكرة للسلالة الداودية في أسفار صموئيل كتبت في أورشليم في فترة المملكة المتحدة أو بعدها مباشرة, وهو العصر الذي ينظر له هؤلاء البعض بأنه عصر التنوير العظيم و تدوين المصنفات الأدبية الكبرى, وتستند نظريتهم على الوصف الكتابي لمملكة سليمان الساحرة بما في ذلك الإشارة إلى وصف بلاطه –ولايخفى هنا أيضا منطق البرهان الدائري. إلا أن علم الآثار يظهر, كما ناقشت ذلك مرارا و تكرارا بأن النشاط التأليفي الذي قد يكون له أهمية ما ظهر في أورشليم فقط مع بروز يهوذا كدولة كاملة تامة في أواخر القرن الثامن ق.م , أي بعد قرنين من الزمن المفترض للملكة المتحدة.
و إذن , و بإيجاز،أعاد الباحثون المحافظون و حتى الآثاريون من بينهم بناء إسرءيل وفقا للنص الكتابي. و لم يكن لعلم الآثار سوى الدور المساند فقط, و هذا فيما أعتقد هو السبب -خلافا لتصريحات البعض من أتباع هذه المدرسة- في أن علم الآثار الكتابي" الكلاسيكي " متعطل قياسا بعالم الآثاريات في كل حقل بحثي تقريبا, و في فهمه لأهمية علم الآثار البيئي, على سبيل المثال, وفي قبول قيمة المقارنات الأنثروبولوجية و الإثنوغرافية في الآثاريات و في عرض دراسات العلوم الدقيقة. وهو السبب أيضا في أن كبار باحثي علم آثار العالم الحديث لم ينحدروا من مدرسة علم الآثار الكتابي. و يجول في ذهني العديد من العلماء الأمريكيين و البريطانيين العظام أمثال: فلانيري , بينفورد, أدامز, رينفرو , و بريدوود.
صعود و سقوط المدرسة التصحيحية
يرى العلماء الكتابيين المحدثين الذين يوصفون بالتصحيحيين أو التفكيكيين , في مادة العصر الحديدي التاريخية في الكتاب على أنها تأليف متأخر يعود للفترة الفارسية أو حتى الهلنستية، أي ما بين القرن الخامس ق.م حتى القرن الثاني ق.م. كما يشددون على أن هذه المادة هي محض تأليف خيالي إلى حد كبير لايخلو من دوافع لاهوتية لفترة التي كتب فيها وهي الفترة التي تلت بعدة قرون زمن وقوع الأحداث المزعومة التي يتحدث عنها ,و إذن فهو-أي الكتاب- يحتوي على مجرد معلومات غامضة و غير موثوقة حول الأصول و التاريخ المبكر لإسرءيل. و قوة استمرارية السرد الكتابي،كما يراه هؤلاء، هي شهادة تدل على المهارة الأدبية لمؤلفيه الذين دمجوا الأساطير القديمة و الحكايات الشعبية و السجلات الخيالية و السرديات الخرافية و بعضا من الذكريات عن حقائق تاريخية(حوالي القرن التاسع ق.م إلى أوائل القرن السادس ق.م) في ملحمة واحدة عن الردة و الإخلاص. فيرى فيليب ديفس على سبيل المثال في تجميع الكتاب على أنه عملية طويلة امتدت خلال العصرين الفارسي و الهلنستي، و أخذت الصورة النهائية للمرويات في التشكل في يهوذا الحشمونية في القرن الثاني ق.م. ويصور ديفيس مؤلفي الكتاب كأناس إيديولوجيين يخدمون نخبةالمعبد, وقد اقتفى أثر إيديولوجيتهم بالعودة للأهداف السياسية لكهنة يهوذا العائدين من المنفى في العصر الفارسي، و بما أن هذه النخبة المعينة من قبل الفرس قامت بالإطاحة بالقيادة المحلية ليهوذا, فهي بحاجة إلى "خلق" تاريخ يضفي الشرعية على حكمها. فجمع الكتبة في أورشليم الحكايات الشعبية و الذكريات الغامضة و نسجوا منها بمهارة فائقة تاريخ وهمي بالكامل يشدد على مركزية أورشليم و معبدها و عبادتها و كهنتها, و هذا بدوره كان بدعة كاملة صممت لتأسيس أسطورة "قومية" عن الأصل, ووفقا لهذه الفرضية"فالتاريخ" الكتابي ليس فقط تاريخ لا أساس له "من الناحية التاريخية" فحسب, بل يمثل أيضا بروباغاندا قوية و مركزة قدمت لجمهور ساذج قصة موضوعة عن الآباء و الخروج و الغزو, و العصر الذهبي المجيد لداود و سليمان. و يقبل الباحث الكتابي توماس تومسون بفكرة وجود"إسرءيل التاريخية " المتأخر جدا و الخيالي كليا على وجه التقريب. و هو يعاود تفسير الأدلة الأثرية لإعادة بناء مجتمع متعدد الإثنيات في فلسطين في العصر الحديدي, دون أي هوية دينية أو عرقية مميزة على الإطلاق. ويناقش نومسون عن وجود خليط غير متجانس من السكان توزعوا بين المراكز الجهوية في أورشليم و السامرة و مجدو و لخيش و مدن أخرى. وعزز هؤلاء مكانة أبطالهم المحليين و عبدوا مجموعة كبيرة من بانثيون آلهة الشرق الأدنى القديم. و عمد مؤلفو الكتاب إلى تحريف ذلك الواقع بما يملكون من لاهوت غير قابل للمساومة شديد التماسك بمعنى و مفهوم الخطيئة و الخلاص القومي.
هذا في المجمل ما تتمحور حوله سجالات التصحيحين عن انعدام الدليل الأثري على وجود المملكة المتحدة و أقل من ذلك بكثير على شخصية تاريخية مثل داود, فكليهما جزء من أسطورة دينية وضعها بالكامل مؤلفين يهوذيين في العصرين الفارسي و الهلنستي. و لهذه النظرة التجديدية عن انعدام قيمة تاريخية للكتاب تناقضاتها الخاصة سواء الأثرية منها أو المنطقية. فأولا كان تأثير معرفة القراءة و الكتابة و النشاط الكتابي الواسع في أورشليم خلال الفترة الفارسية و بداية الفترة الهلنستية أقل بكثير مما كانت عليه في القرن السابع ق.م، كما أشار إلى ذلك العالم الكتابي وليم شيدنفيد , و من غير الوارد افتراض قيام مجموعة صغيرة في القرن الخامس أو الرابع أو حتى الثاني ق.م . في معبد بلدة تقع خارج الطريق في جبال يهوذا بتأليف كتاب يحتوي تفاصيل طويلة و غير اعتيادية حول تاريخ و شخوص و أحداث عن "إسرءيل" المتخيلة في العصر الحديدي دون استعمالهم لمصادر قديمة, و يبدو العدد الكبير من قوائم الأسماء و تفاصيل التنظيم الإداري الملكي في مملكة يهوذا التي تم تضمينها في التاريخ التثنوي غير ضروري من أجل كتابة تاريخ محض أسطوري. و عموما إذا كان هذا العدد من الأسماء و تلك التفاصيل كلها مبتدعة أو مصطنعة فإن مصادفتها مع الوقائع المبكرة أمر يدعو للدهشة .
أكدت الحفريات و المسوح الأثرية على أن العديد من القوائم الجغرافية الكتابية -مثل حدود المناطق والقبائل في المملكة- تتقاطع بشكل كبير مع أنماط التوطن و مع الوقائع التاريخية للقرنين الثامن و السابع ق.م . ومما له أهمية في هذا الصدد ما أظهره العالم الكتابي باروخ هالبيرن، عن العدد الكبير نسبيا من السجلات التاريخية غير الكتابية- السجلات الآشورية بشكل رئيس- التي تؤكد أحداث الفترة الممتدة من القرن التاسع و حتى القرن السابع ق.م كما وردت في الكتاب: مثل الإشارات إلى عمري في نقش ميشع و آخاب و ياهو في نقوش شلمنصر الثالث وحزقيا في نقوش سنحاريب و منسى في سجلات آسرحدون و آشور بانيبال و هلم جرا. و ليس بأقل أهمية من كل هذا ,الحقيقة التي أشار إليها اللغوي آفي هوروفيتش بأن الكثير من مادة التاريخ التثنوي كتبت بعبرية الملكية المتأخرة التي تختلف عن عبرية ما بعد المنفى.
استثمر أصحاب المنهج التصحيحي جهداً كبيراً في تقصي الزعم بأن داود و سليمان-مؤسسي سلالة أورشليم - ليسوا شخوصا تاريخية, وهم يجادلون بأن شخصيات مثل إبراهيم و موسى و يوشع و داود و سليمان لم تذكر في أي نص خارج نص الكتاب. لذلك ينبغي رؤيتهم كشخصيات أسطورية، بيد أن هذه الحجة تلقت في منتصف تسعينيات القرن الماضي ضربة كبيرة عندما تم اكتشاف قطع نقش تل دان البازلتي المكتوب باللغة الآرامية, و يحتفي نقش النصر هذا على الأرجح بحزائيل ملك آرام دمشق, الذي تذكره النصوص الكتابية و النقوش الآشورية كشخصية بارزة لعبت دوراً هاماً في أواخر القرن التاسع ق.م, و سجلت معاركه ضد إسرءيل في سفري الملوك, و رغم أن النقش يتكون من شظايا بازلتية فقد أظهر منظراً فريداً للسياسة المضطربة في المنطقة أثناء القرن التاسع ق.م. فهو يصف, من وجهة نظر آرامية, الصراع الإقليمي بين دمشق و إسرءيل في القرن التاسع ق.م، و يسجل الهجوم الانتقامي للملك الآرامي حزائيل ضد أعدائه الجنوبيين (حوالي 840 ق.م ) الذي استطاع فيه -على حد زعمه-قتل ملك إسرءيل و حليفه ملك "بيت داود bytdwd ". و هي المرة الأولى التي يظهر فيها اسم "داود" في أي مصدر معاصر خارج الكتاب، بعد نحو قرن من حياته المفترضة, ومن المرجح أن النقش يحدد، علاوة على ذلك، أسماء اثنين من الملوك المتأخرين الذين ورد ذكرهما في النص الكتابي-يورام ملك إسرءيل و أحازيا ملك يهوذا-، و الأهم من ذلك استعمال حزائيل مصطلحا شائعا في وقته و هو تسمية دولة (يهوذا) باسم السلالة المؤسسة لها ( أو المهيمنة عليها) "بيت دود" مثلما وصف الآشوريين تماما ، المملكة الشمالية بعبارة "بيت عمري bit omri ".
وبين هؤلاء المعسكرين -المحافظ و التصحيح- تقف وجهة نظر المعسكر الثالث- الذي أنتمي إليه و الذي يقع في الوسط-مبتعدة عن أي من القطبين السابقين, ويحاول ممثلو المعسكر الثالث موائمة تاريخ المملكة المتأخرة ( أو السبي) مع جزء كبير من خماسية موسى و جزء أكبر من التاريخ التثنوي و بالتالي يعترف هؤلاء بقيمة هذه النصوص في لحتفاظها بأدلة على درجة معينة من الموثوقية بخصوص تاريخ إسرءيل في فترة المملكة, إلا أنهم يرون في هذه القصص-كما هي النص- كاحتياجات على درجة عالية من التأقلم و ذات طابع إيديولوجي للمجتمع خلال فترة جمع هذه القصص. و من ثم الاختلاف ذو المغزى الكبير بين معسكر الوسط و المحافظين هو ميل الوسط لقراءة النصوص في الاتجاه المعاكس لترتيبها الرسمي, بدءا من المرجع الآمن لفترة التجميع و القراءة باتجاه الخلف-التاريخ الرجوعي histoire regressive كما دعاها المؤرخ الفرنسي العظيم مارك بلوخ من أتباع المدرسة الحولية Annales. وهذا لا يعني أن هذه النصوص عديمة القيمة التاريخية, بل هي في الحقيقة تعنى بصورة رئيسية و في كثير من الحالات في الفترات التكوينية لتاريخ إسرءيل القديم, كما تزودنا بمعلومات أكثر تاريخية عن المجتمع و السياسة للمؤلفين أكثر مما تزودنا به الأزمنة التي يصفونها .
وبناء على ذلك سوف أنظر إلى أجزاء كبيرة من الخماسية و التاريخ التثنوي بآن معا،كمصدر تمويل الإطار الإيديولوجي للبرنامج السياسي ليهوذا فيما بعد, في أزمنة الملكية. و هنا أشير إلى فكرة عموم إسرءيل pan-Israelite التي ظهرت للسطح في شكلها الكامل, حسب فهمي, للمرة الأولى في ذلك الوقت. لقد قيل بأن الملوك الداوديين هم الورثة الشرعيون الوحيدون لملك أرض إسرءيل المهزومة و لقيادة بني إسرءيل الذين ما زالوا يعيشون في تلك الأراضي, و ينبغي لعبادة كل الإسرءيليين أن تتركز في معبد أورشليم. و على هذا النحو، تحمل النصوص الكثير من العمق الإيديولوجي على الصعيدين السياسي و اللاهوتي, و يمثل الملوك الداوديين وجهة نظر فصيل واحد من نخبة المجتمع "اليهوذي" (ليس لدينا أدنى فكرة فيما إذا شكل هذا الفصيل أغلبية في وقت من الأوقات في زمن الملكية اللاحقة ). و هم بكل تأكيد لا يمثلون المملكة الشمالية أو ما دعاه مورتون سميث منذ عدة سنوات "الحزب التوافقي" في يهوذا. و جل ما يمكننا تخيله أو تصوره هو كم سيكون تاريخ إسرءيل مختلفا لو كتب من قبل مؤلفين من المملكة الشمالية أو من قبل الفصائل الأخرى من المجتمع اليهوذي وكيف سيكون شكل هذا التاريخ لو قيض له الوجود .
و لا يمكننا أن نقرأ دون تمحيص معالجة الفترات القريبة في تأريخها لفترة جمع نصوص التي تحمل مثل هذا المضمون الإيديولوجي العالي. و المعالجة الكتابية " للقرن الآشوري" في تاريخ يهوذا هي خير مثال على ذلك، كما أكده المؤرخ الكتابي نداف نعمان منذ مدة طويلة. لقد حكمت يهوذا في معظم هذه الفترة من قبل ثلاثة ملوك : أب و ابن و حفيد. الأول آحاز و قد وصف بالآثم و أحد الذين تعاونوا مع الآشوريين و ساوم على استقلال يهوذا, ووصف إبنه حزقيا بأنه ثاني أكثر الملوك الصالحين في سلالة داود وبطل وقف بحزم و شجاعة ضد آشور. علما بأن المؤرخ التثنوي بذل جهداً خاصاً لإخفاء حقيقة أن يهوذا كانت لاتزال تحت السيطرة الآشورية لسنوات عدة بعد الإنقاذ "الإعجازي" لأورشليم من قبضة سنحاريب. و يرد وصف الحفيد منسّى الذي حكم يهوذا لأكثر من نصف قرن بأنه الأكثر شرا من كل المرتدين و رأس جميع الأشرار. و يضع المحرر التثنوي الذي عاش في فترة السبي مسؤولية سقوط أورشليم على عاتقه بشكل قاطع .
بيد أن علم الآثار قدم لنا قصة مختلفة تماما,أو على الأقل وجهة نظر مختلفة كليا عن وجهة النظر اليهوذية Judahite . لقد حفظ آحاز يهوذا من مصير مرير مشابه لمصير الملكة الشمالية و قام بدمجها في الاقتصاد الآشوري , و قادت سياسته إلى تمتع يهوذا بازدهار غير مسبوق و نمو ديموغرافي مثير في يهوذا وأورشليم, كما توسعت أورشليم في عصره باتجاه التل الغربي. كما شاركت يهوذا على ما يبدو في التجارة العربية بقيادة الآشوريين ،ما أدى إلى ازدهار وادي بئر السبع نتيجة لذلك .و في المقابل كان اختيار حزقيا باتخاذ قرار التمرد المتهور ضد آشور مسؤولاً عن الأحداث التي أدت إلى الخراب المطلق ليهوذا, كما يدلل علم الآثار على حجم الكارثة. و قد كشفت مواقع تنقيب في سهل شفيلة و وادي بئر السبع كلها تقريبا عن أدلة تتعلق بالتدمير و الخراب. لم يتعاف سهل شفيلة-وهو سلة خبز يهوذا-من الصدمة قط. وكشفت عمليات المسح الأثري عن الانخفاض الهائل في عدد المستوطنات هناك في القرن السابع ق.م. وفي مقابل ذلك يظهر علم الآثار أيضا أن منسّى حفظ يهوذا من الفناء .
انبثقت المملكة الجنوبية[يهوذا] من الرماد في إطار "السياسة الواقعية Realpolitik " لمنسّى بالتعاون مع آشور ,و أعيد دمج المملكة في الاقتصاد الآشوري و بلغت حالة غير مسبوقة من الإزدهار. و زادت من دورها في التجارة الجنوبية بقيادة الآشوريين و شهد وادي بئر السبع مستوى قياسي في الكثافة التوطنية, و لابد أن تكون يهوذا-حينها- المورد الرئيسي للزيتون لصناعة الزيت الآشورية الواسعة في عقرون( تل مقني) و تعافى-نتيجة لذلك- شفيلة نسبيا وإن بدرجة قليلة جزئيا. كما تمتعت يهوذا في عهد منسّى بمستوى يثير الإعجاب من ممارسة القراءة و الكتابة, بدليل الأنصاب و الأختام و الأوزان و غيرها من اللقى التي عثر عليها و تعود للفترة عينها.
الدرس هنا إذن في منتهى الوضوح و البساطة, بمعنى إذا كانت فترة قريبة جدا من زمن جمع النص تظهر مثل هذا القدر من الفجوة الكبيرة بين البناء الإيديولوجي الثقيل للنص الكتابي وبشكل أكثر دقة للبناء الإقتصادي و الإجتماعي للقى الآثارية, فهذا يعني الحذر عند التعامل مع الفترات المبكرة. و قد يكون المؤرخ التثنوي أكثر حرية لدفع إيديولوجيته نحو الأمام في تلك الحالات حيث تكون ذاكرة الأحداث الحقيقية أكثر غموضا على نحو متزايد. و بمجرد أن نصبح مدركين لحقيقة أن النصوص متأخرة في التاريخ و أن هذه النصوص تحفظ قصصا من وجهة النظر الذاتية لاحتياجات الكاتب, عندها إذن يمكن أن نعترف بالقوة الهائلة لعلم الآثار كشاهد على الزمن الحقيقي للحدث. و من الأمثلة الجيدة على ذلك هو فترة التكوين حيث يكون علم الآثار المصدر الوحيد للمعلومات, فالغزو و قصص عصر القضاة حتى لو كانت تحتوي على ذكريات غامضة لأحداث بطولية- أسطورية أم حقيقية- هي على الأغلب تعابير كاملة عن الإيديولوجية السياسية و اللاهوتية لزمن يوشيا.
يزودنا الكتاب-إذن- بمجرد انطباعات عن ظهور اسرءيل المبكر كما يريد مؤلفي الحقبة الملكية المتأخرة- أو كما يمكن- أن يقدموه لنا. لكن علم الآثار هو وحده القادر على إعلامنا عن أحوال الثقافة المادية لمواقع العصر الحديدي الأول في منطقة " الهضاب" وعن مواقع و انتار التوطن والأحوال الإقتصادية و العلاقة بالجيران .و يقدم علم الآثار أيضا وجهة نظر متينة حول تاريخ النمو السكاني في الهضاب, الأمر الذي يكشف عن أصل مستوطني مواقع العصر الحديدي الأول، و كما سأوضح أدناه، سيكون علم الآثار الشاهد الوحيد على القرن العاشر ق.م , و بإيجاز، فعندما يدور الحديث عن إسرءيل المبكرة، لا سيما فترات التكوين فإن علم الآثار هو "ملكة الشطرنج في المعركة".
تذهب اللقى الأثرية في الحقيقة إلى ما هو أبعد من هذا، فيمكنها أن تخبرنا عن النصوص ذاتها بدرجة كبيرة، من خلال تزويدنا، على سبيل المثال، بمعلومات عن وقت جمعها المحتمل، و كما أشرت سابقاً, يؤرخ العديد من العلماء الكتابيين لاثنين من ثلاثة مصادر رئيسة للخماسيةJ و E إلى أزمنة الملكية المبكرة في القرن العاشر ق.م أو بعد ذلك مباشرة، ويجادل العديد بما هو أكثر من ذلك، بأنه حتى لو تم جمع التاريخ التثنوي في القرن السابع أو السادس ق.م فهو يدرج في متنه مادة "مكتوبة "من القرن العاشر ق.م. غير أن علم الآثار يشي بأن كلا النظريتين الأدبيتين غير مرجحتين. و من الواضح تماما أن كلا العملين الأدبيين [ الخماسية و التاريخ التثنوي] قد عنيا بحمل رسائل لاهوتية و ثقافية و سياسية. و على هذا النحو فقد كانت هذه الرسائل موجهه على الأرجح إلى جمهور أوسع بكثير من دوائر المؤلفين. كما قصد منهما أيضا أن يقرأا من قبل ( أو على) كل من سكان العاصمة و المناطق الريفية في يهودا. و أود القول هنا بناء على ذلك بأن الأعمال الأدبية "القياسية" "الموحدة" التي تتناول بالسرد تاريخ اسرءيل ( على النقيض من التقاليد الشفوية الجزئية المتناثرة و المتضاربة) ينبغي أن تكون قد كتبت في مجتمع حضري يمتلك مستوى عال من المعرفة و التطور، و معرفة القراءة و الكتابة بين أفراد النخبة و الدوائر المحيطة بها. و ينبغي أيضا أن تكون كتبت في وقت كان المجتمع بالفعل في حالة تقدم من الوجهة السياسية-الإجتماعية و لابد لهذه الأعمال أن تكون كتبت في فترة انتشار معرفة القراءة و الكتابة ليس فقط في العاصمة، بل أيضا في المناطق الريفية للمملكة. و كما سوف أشير أدناه، فإن مثل هذه الظروف لم تتهيأ في يهوذا وأورشليم قبل القرن الثامن ق.م.
وكما أشرت للتو. رغم أن الخماسية و التاريخ التثنوي كتبا في وقت متأخر نسبيا من التاريخ الإسرءيلي, فإن معظم الباحثين الكتابيين سيقبلون احتوائهما موادا نشأت أصلا في فترات سابقة لجمعهما كنصوص مكتوبة. و المشكلة هي أن الذكريات تكون غامضة جدا في معظم الحالات، أو يتم التلاعب بها من قبل مؤلفين أحدث (متأخرين) بحيث تصبح الوقائع المبكرة في هذه الذكريات غير قابلة للاستعادة. و علم الآثار وحده كفيل بأن يساعد العلماء في التعرف على تلك التقاليد المبكرة. و لكن حتى عند هذا الحد، لا يمكن لعلم الآثار القيام بذلك سوى في جزء محدود و في حالات منعزلة. و أود استعراض ذلك بإيجاز في ثلاث أمثلة تعود جميعها للتاريخ التثنوي .
أظهرت الحفريات في شيلو في ثمانينيات القرن الماضي وصول هذا الموقع إلى ذروة نشاطه بما لا يدع مجالاً للشك في الفترة ما بين في منتصف العصر الحديدي الأول و أواخر القرن الثامن ق.م. و يبدو أن شيلو قد هجرت ولم يشهد هذا الموقع سوى نشاط ضئيل في معظم زمن العصر الحديدي الثاني. و لذلك، من الواضح أن القصص المسجلة في سفر صموئيل الأول حول أهمية شيلو في مرحلة ما قبل الحقبة الملكية لا يمكن أن تعكس حقائق الحقبة الملكية المتأخرة. و ينبغي، عوض عن ذلك، أن تمثل تلك القصص بعضا من الذكريات عن أهمية الموقع في فترات سابقة. و الشيء ذاته يصدق حول مجموع القصص المتعلقة بتجوال داود و رجاله على طول التخوم الجنوبية ليهوذا, حيث تتناسب هذه المرويات بصورة واضحة مع وصف جماعات العابيرو Apiru -الناس المهمشين الذين يعيشون على هامش المجتمع-متنقلين في مناطق ذات كثافة توطنية قليلة و بعيداً عن سيطرة أي سلطة مركزية. ومثل هذه الخلفية لا تتوافق مع عصر الملكية المتأخرة عندما كانت المنطقة تعج بكثافة توطنية عالية و تفتقر إلى أي أثر لواقع العابيرو الحقيقي. و لذلك لا أرى بديلا عن القول أن تلك القصص تعكس ما يمكن تسميته بحالة متواصلة لما يشبة مجتمع عصر العمارنة في تلال يهوذا , أي فترة سابقة للنمو الديموغرافي الكبير في يهوذا في أواخر القرن الثامن .
و يتعلق المثال الثالث بمدينة "غات" الفلستية. حيث أثبتت التنقيبات الحديثة في تل الصافي عن موقع المدينة الكتابي وصولها إلى ذروة نشاطها في القرن التاسع ق.م، و ربما كانت غات في ذلك الوقت أكبر مدينة فلستية وأكثرها أهمية في البلاد قاطبة. حوصرت غات في أواخر القرن الثامن ق.م و أحرقت على ما يبدو على يد حزائيل ملك دمشق، ولم تعد لسابق عهدها. كما يذكرها سرجون الثاني في أواخر القرن الثامن ق.م كمدينة تابعة لأشدود. و تشير السجلات الآشورية و الكتابية إلى أربع مدن فلستية فقط-بدون أي ذكر لمدينة غات- و من الواضح ،بالتالي، أن قصص الكتاب عن عصر داود و وصف غات كمدينة فلستية مميزة لابد أنها تحتفظ بواقع يعود لبداية أو منتصف القرن التاسع ق.م.
لكن ما يميز التاريخ التثنوي أكثر بكثير من مجرد ذكريات قديمة في تآليف الملكية المتأخرة. فمن غير المعقول أن يكون مؤلفوا الكتاب اخترعوا تلك القصص خدمة لأهدافهم فقط. و لو فعلوا ذلك لفقدوا إذن مصداقيتهم في أوساط شعب يهوذا، أي الشعب المستهدف من تأليف تلك القصص، و من الواقعية بمكان الإفتراض بأنهم جمعوا الأساطير و الحكايات الشعبية و حكايات البطولة, و شذرات من الذكريات المعروفة لسكان يهوذا ووظفوها في قضيتهم. و غني عن البيان القول، بأنه لم يتم إدراج كل شيء من تلك القصص و الحكايات في النص. فقد تضمن الكتاب القصص التي تناسب أجنداتهم اللاهوتية و الإيديولوجية. بيد أن جمع القصص شيء و الحفاظ على المعاني و السياقات الأخرى شيء آخر. و الفكرة الساذجة وغير الواقعية إلى حد ما لدراسات العديد من الباحثين المحافظين تلك التي ترى بعدم تغير الذكريات القديمة التي انتقلت شفويا عبر القرون. لا بد أن تكون القصص القديمة قد امتصت الطبقات المختلفة من الوقائع عبر العصور حتى تم تدوينها كنص مكتوب، لذلك وكما أشرت أنا و نيل آشر سلبرمان في موضع آخر حول ارتقاء داود وخليفته سليمان للعرش كما وردت في أسفار صموئيل يمكننا التعرف على آفاق عدة تمثل حقائق مختلفة عن الفترة الممتدة من القرن العاشر إلى القرن السابع ق.م : تلك القصص البطولية التي تحفظ ربما ذكريات أصلية من القرن العاشر ق.م, فالقصص عن بروز غات و فتوحات داود تناسب القرن التاسع ق.م، وفكرة وجود معبد في أورشليم التي تمثل الفترة التالية مباشرة لسقوط المملكة الشمالية في أواخر القرن الثامن ق.م، و قصص أخرى تكشف عن التأثير الإغريقي التي تناسب بصورة أفضل القرن السابع ق.م ( مثل وصف جوليات يرتدي دروعا)
ليس هناك أدنى شك، من وجهة نظر إيديولوجية، من أن السياق الإجتماعي الأكثر تأثيرا في تشكيل التاريخ الكتابي هو سياق العصر الذي جمع فيه في أواخر القرن السابع ق.م، إلا أن إدراك القيمة التاريخية الممكنة للعناصر المنعزلة أمر مختلف جدا عن القبول بموثوقية القصة بأكملها و المتعلقة ببروز المملكة المتحدة في أزمنة مبكرة، فهل يتوجب علينا النظر إلى مواد الكتاب كأطوار تكوينية في تاريخ إسرءيل بوصفها مواد تاريخية, و بالتالي عديمة الجدوى لدراسة ظهور إسرءيل القديمة؟ الجواب هو سلباً و إيجاباً على حد سواء, إيجاباً لأن مواد الكتاب لاتساعدنا على إعادة بناء تلك الأزمنة المبكرة بصورة تامة, و سلباً لأنها تحفظ الشيء الكثير المتعلق بالمجتمع و الوقائع لزمن كتابة تلك المواد. هذه هي النقطة التي حاولت أن أظهرها-ذلك أن المساهمة الرئيسة لـ"وجهة نظر الوسط" هي القول بوجوب قراءة تلك النصوص كتاريخ متسلسل من الأزمنة الأقدم فالأحدث-من زمن كتابتها رجوعا إلى فترات أكثر بعدا في التاريخ. و أود تلخيص ذلك بإدراج الخطوط التوجيهية التالية من أجل إعادة بناء تاريخ قابل للصمود لإسرءيل المبكرة :
1) الآثاريات هي الشاهد الوحيد على العديد من الأحداث المذكورة في الكتاب، لاسيماالفترات التكوينية قبل القرن التاسع ق.م
2) لا يمكن قراءة التاريخ الكتابي بوصفه تسجيلا حديثا للأحداث, فهو كتاب تهيمن عليه المواضيع اللاهوتية و الإيديولوجية لمؤلفيه
3) لا يمكن قراءة التاريخ الكتابي بطريقة بسيطة و ساذجة من الأقدم فالأحدث, بل ينبغي أن تكون قراءتنا بدلا من ذلك نقطة الإنطلاق من خلال المعرفة الدقيقة للوقائع الجيوسياسية و الإقتصادية و الإجتماعية لفترة التأليف في أوقات المملكة المتأخرة ( أو بعد ذلك في بعض الحالات ).
4) هنالك العديد من القصص في النص الكتابي التي يمكن تصنيفها بطريقة ما كوصف لفكر و إيديولوجية الكاتب أو المؤلف.
5) تتألف العديد من النصوص من عدة طبقات، و علم الآثار وحده بالإضافة إلى المصادر غير الكتابية من يمتلك القدرة على المساعدة في تحديد هذه الطبقات وفصلها عن بعضها البعض.
6) نقطة الانطلاق لجمع النص الكتابي هي النمو المفاجىء ليهوذا نحو إقامة دولة تامة باعتبارها نتيجة مباشرة لسقوط المملكة الشمالية و اندماج يهوذا في الاقتصاد العالمي للإمبراطورية الآشورية.
و في حال تطبيق مثل هذه الخطوط العامة منذ البداية لمشاريع الدراسات الحديثة للتاريخ الكتابي فإننا بذلك لم نكن قد أضعنا جهد قرن كامل من البحث غير المجدي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,388,031,424
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(5)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(4)
- Il Postino ساعي بريد نيرودا: مجاز الوعد بوصفه خذلان
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(3)
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(2)
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(7)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(6)- ال ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(5)- ال ...
- علم الآثار السياسي و النزعة القومية المقدسة(1)
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(4) -ال ...
- المملكة المنسية:تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(3)-الفص ...
- المملكة المنسية:تاريخ مملكة إسرءيل في ضوء علم الآثار(2)-الفص ...
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1)
- الطلقة41: الحب أم الثورة؟ قلب من لاقلب له
- الصهيونية الدينية وسياسات الاستيطان الإسرائيلية
- الحاجز:هندسة خوف و متلازمة رعب و ردع .
- الفاتيكان و الحركة الصهيونية: الصراع على فلسطين
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ...
- الاستراتيجية الروسية في سوريا: أهداف متعددة
- خلي البسط أحمدي


المزيد.....




- السودان: تحالف -الحرية والتغيير- يدعو لمظاهرات ليلية تنديدا ...
- محمد مرسي: وفاة أول رئيس مصري منتخب في قفص الاتهام
- بعد زيادة طهران مخزون اليورانيوم.. أي سيناريوهات تنتظر الاتف ...
- فيديو ساخر... بقرة تقتحم فندق
- استهداف معسكر للجيش العراقي بالصواريخ
- الحوثيون: هجوم واسع على مطار أبها السعودي وإصابة الأهداف بدق ...
- إطلاق نار على تجمع احتفالي في كندا (فيديو وصور)
- إيران ترد على محمد بن سلمان وتكشف عن -أملها-
- تحرير فتاتين عراقيتين من قبضة عائلات -داعش- داخل سوريا
- هل ينهي دواء مضاد لارتفاع ضغط الدم المعاناة من مرض عضال؟


المزيد.....

- على هامش -ورشة المنامة- -السلام الاقتصادي-: خلفياته، مضامينه ... / ماهر الشريف
- تونى كليف ضد القضية الفلسطينية ؟ / سعيد العليمى
- كتاب - أزمة المشروع الوطني الفلسطيني / نايف حواتمة
- كتاب -اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام- / غازي الصوراني
- حركة حماس والكيانية الفلسطينية المستقلة / فهد سليمان
- في راهنية الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية.. / فهد سليمان
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمودفنون
- مخيم شاتيلا - الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمود فنون
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1) / محمود الصباغ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - البحث عن إسرءيل: مناظرات حول الآثار و تاريخ إسرئيل القديم(1)