أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - راتب شعبو - بيتنا والاسفلت















المزيد.....

بيتنا والاسفلت


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6217 - 2019 / 5 / 1 - 14:01
المحور: سيرة ذاتية
    


بين يوم وآخر جعلنا الإسفلت غرباء عن بيتنا. ما راكمته سنوات من الحياة العائلية المتوارثة كنسه الإسفلت في غمضة عين وألقى عليه سواده. وبفترة وجيزة شاخ بيتنا وتجرأت عليه النباتات البرية وملأت مساحاته، وصار مطابقاً في واقعه لصورة البيت المهجور. ربما كان علي أن أشكر الإسفلت بدلاً من لومه، فقد تأخر في الاستيلاء على البيت وأتاح لي أن أعود إليه بعد غيبتي القسرية الطويلة وأن أعيد تواصلي معه.
لا تعني كلمة "الإسفلت" لأهل "كفرية" ما تعنيه لغيرهم. هي لا تعني بالنسبة لهم مجرد حجارة سوداء لينة لها استخدامات معينة، ولا تحيل في أذهانهم إلى صور الشوارع أو شبكات الطرق السريعة، ولا تعني مادة العزل التي تُستخدم على أسطح البيوت وعلى جدران السفن. هذه الكلمة لا تشير بالنسبة لأهل "كفرية" إلى جماد أو إلى شيء، إنها كائن له تاريخ ميلاد ومسار حياة ونهاية، له ملامح ورائحة وفعل، لهم معه ذكريات ومسرّات ومرارات ومواجع.
بقي الإسفلت نائماً تحت بيوتنا وأراضينا لزمن طويل قبل أن يأتي الفرنسيون ويوقظوه. وما أن استيقظ حتى بدأ يرسم لنفسه مساراً صاخباً لا يأبه بمسار حياتنا السابق على استيقاظه، يرسم ملامحة بحرية تامة وبحرية تامة راح يقسرنا على تغيير ملامح حياتنا. أعمال حفر وتنقيب، ثم تفجيرات، ثم أعمال جمع الصخور وتكسيرها ونقلها ثم طبخها بالفرن وتجميع الزفت في قوالب ..الخ. مع الأيام صاغ الإسفلت حياتنا على مقاس وإيقاع حركاته هذه، ولكن لم يكن في البال أن بيتنا سيكون في عداد ضحاياه.
انبنى بيتنا قبل أن ترشح أفكار الحداثة العمرانية إلى بلادنا، وقبل أن يصبح للبيت باب رئيسي واحد لا يمكنك أن تدخل إلى أي غرفة من البيت قبل المرور منه. بدت لي الغرف في هذه التصاميم الحديثة، قبل أن أعتاد عليها كغيري من الناس، مسجونة داخل البيت طالما أن الغرفة لا تملك مدخلا مستقلاً بها. بنى جدي البيت في الزمن الذي كان يبنى البيت فيه خطوة خطوة، فقد كان زمن البناء لا ينفصل تماماً عن زمن السكن والعيش. يكون لدى الأسرة ميزانية لا تكفي لبناء أكثر من غرفة، تبني الأسرة غرفة ثم تسكن فيها وتبدأ مع الوقت ومع تزايد عدد الأولاد ومع تشكل أسر فرعية جديدة بتوسيع وتحسين البيت من موقع الساكن المقيم. يتوسع البيت ويمتد مع توسع وامتداد الأسرة.
في ذلك الزمن كان يأتي تصميم البيت بطريقة ارتجالية تستجيب للحاجات المستجدة وتحترم أيضاً القدرات المادية للعائلة، فلا يمكن أن تتوسع أكثر مما تسمح به ميزانيتك الفقيرة لشراء مواد للبناء وأجور للمعمرجي ومعاونه. لذلك يمكنك أن تجد، في تصميم أحد البيوت، غرفة صغيرة إلى جوار غرفة أكبر بكثير وقد تم بناء الغرفتين المتجاورتين في زمنين مختلفين يفصل بينهما سنوات. ضيق الغرفة يؤشر إلى ضيق الحال حين تم بناؤها، والعكس بالعكس. كان لكل بيت في قريتنا تاريخه الخاص، وهو تاريخ يحمل بصمات تاريخ العائلة نفسه في ضيقها وفرجها. حتى يمكن تشبيه تصاميم البيوت في القرية بالعزف الارتجالي أو بالتقاسيم.
القاسم المشترك بين بيوت القرية القديمة هو أن تصميم البيت لا يحرم الغرفة من استقلاليتها. أنت لا تحتاج، لكي تصل إلى غرفة، للمرور عبر باب رئيسي. لكل غرفة بابها المفتوح على الخارج. لكل غرفة استقلاليتها وشخصيتها وعلاقتها المباشرة بالعالم الخارجي. تتجاور الغرف ولكن لا تتخلى الغرفة عن حريتها لصالح البيت، لا تقبل بأن تصبح أسيرة باب رئيسي ليس بابها. على أنها لا ترفض التجاور ولا ترفض فتح علاقة مباشرة مع جاراتها. وكثيراً ما ترى باباً داخلياً يفضي من غرفة إلى غرفة ولكن كتعبير عن التكامل وحسن الجوار وليس عن الهيمنة، وحين يقتضي الأمر يمكن إغلاق هذا الباب الداخلي نهائياً دون أن تتأذى وظيفة أي من الغرفتين.
غالباً ما كانت تتواصل الغرف عبر شبابيك أو طاقات وذلك لتمرير المواد توفيراً للجهد والوقت ولتفادي الخروج من الغرفة ولاسيما في الشتاء. وربما جرى التخاطب بين أهل الغرفتين عبر هذه الشبابيك والطاقات التي توحد فضاء البيت وتعطي للحميمية العائلية مجالاً متصلاً. وفي الحالات الطارئة كانت تستخدم هذه الفتحات لتهريب المواد الممنوعة (دخان، سلاح، ..الخ) من غرفة إلى غرفة للتمويه على الشرطة وغيرهم من "أبناء الحكومة".
وكان بيتنا، الذي حرمنا منه "الإسفلت"، يشترك مع بيوت القرية في عدم احتوائها على تواليت. يجافي الحس السليم أن يتم قضاء الحاجة في مكان داخل البيت، حتى لو كان هذا المكان مخصصاً لقضاء الحاجة. كان يفضل القروي، قبل أن تسحق الحضارة تفضيلاته، أن يتدبر أمر قضاء حاجته أينما كان بعيداً عن البيت. حتى إذا بنى القروي مكاناً مخصصاً لقضاء الحاجة (تواليت) فإنه يبنيه في مكان بعيد عن البيت. هذا ما كان يتسبب في إحراج النساء من أهل البيت، ذلك أن ذهابها على الملأ باتجاه التواليت كان بمثابة إعلان عام عن نيتها في تلبية نداء الطبيعة، وهو أمر محرج بذاته.
كانت غرف بيتنا تتراصف على نسق واحد، سوى أن الغرفتين الأخيرتين كانتا تتقدمان قليلاً عن مستوى النسق احتراماً لشجرة اللوز الكبيرة التي كانت ستُقطع فيما لو جرى الإصرار على سلامة النسق. كانت كل غرفة في بيتنا تتنفس العالم الخارجي من رئتين: باب وشباك. وكان ظهر الغرف جميعاً يستند إلى السفح الذي يحتضن البيت كله، فلا يوجد نوافذ خلفية للغرف. وأمام الغرف كانت تمتد فسحة طولانية اعتدنا أن نسميها "الدار". على يمين الدار كانت تنتصب شجرة حور كبيرة تعربش عليها دالية عنب تتغلغل فيها حتى تبدو عناقيد العنب في الصيف وكأنها من ثمار "الحورة". هكذا كنا نسمي شجرة الحور تلك. وكان في الدار أيضاً ثلاث شجرات توت كبيرة إحداها شامية كما كان يقول أبي، حيث كانت ثمارها سوداء فاحمة.
كل تفصيل في الدار يرتبط بتفصيل من حياتنا، بذكرى سعيدة أو حزينة. مع السنين لم يعد الدار مجرد مكان أصم، صار حيزاً مشحوناً ومولداً للانطباعات. هنا قريباً من التوتة الشامية وقف رئيس مفرزة الأمن مهدداً أبي كي يرغمه على تسليم "أخي" الهارب من وجه الاعتقال السياسي، وفي تلك الزاوية الحزينة جلس أبي محبطاً إلى حد الانهاك حين علم أن أختي الفتية مصابة بذاك المرض المرعب، وفي هذا الدار احتفلت العائلة بالطبول والمزامير فرحاً بعودة ابن عمي من مستشفى المواساة في دمشق معافى بعد مرض كاد يطفئ شمعته، وفي هذه الدار كانت عائلتنا مجتمعة على نشرة أخبار البي بي سي حين سمعنا خبر اغتيال أنور السادات وفرحنا .. كل ذلك لا يعني شيئاً أمام زحف "الإسفلت".
كان نصيب بيتنا أنه قريب من المكان الذي اختاره الفرنسيون لاستخراج الاسفلت، وثابر عليه "الوطنيون". بعد سنوات طويلة، صادقنا الإسفلت، اعتدنا على صوت التفجيرات، حفظنا مواعيد التفجير وصرنا نلجأ إلى البيت هرباً من الحجارة المتطايرة في الوقت المناسب ودون حاجة إلى سماع صوت التحذير الذي كان صوتاً بشرياً في البداية ثم تحول إلى صوت آلي يشبه صوت صافرات الإنذار. أحببنا رائحة الإسفلت التي كانت جزءاً أصيلاً من روائح البيئة عندنا. لكن الإسفلت مخلوق تحت أرضي ولا يقدر قيمة ما فوق التراب. وقد جاء اليوم الذي جرف فيه الإسفلت بيتنا دون اعتبار لشيء.





تموز 2014





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,397,135,989
- البديهيات والاستاذ
- الكوفيون الجدد
- آلة التشبيه
- حديث اللبن
- أطفال سورية
- العلويون، عزلة ثانية
- رفة عين اسمها الاستيقاظ
- خيانات مضمرة
- براميل على الذاكرة
- -المقامر- على أضواء سورية
- الموت تحت التعذيب
- بيت في المخيم
- إرهاب ضد الإرهاب
- البلد العابر للسياسة
- النساء في الثورة السورية
- من الذي قلع عين الرئيس؟
- حزب السيارة الزرقاء
- عميد مغلق وباب مفتوح
- الطبيب المسكين وفخامة الجريح
- يا حيوان ليش ما قلت انك -منهم-؟


المزيد.....




- -داعش- يقترب من الحدود الأمريكية
- مجلس الأمن الدولي يندد بالهجمات على ناقلات النفط في الشرق ال ...
- كوشنر: إن اتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني لن يكون على غرار ...
- مجلس الأمن الدولي يندد بالهجمات على ناقلات النفط في الشرق ال ...
- كوشنر: إن اتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني لن يكون على غرار ...
- الخارجية الإيرانية: العقوبات الأمريكية الجديدة تعني إغلاق قن ...
- وصول صواريخ -كاليبر- إلى بعد 180 كلم من فلوريدا
- بالفيديو... هدف مباراة الأوروغواي وتشيلي (1 – صفر) في كوبا أ ...
- العثور على الآلاف من الصور غير المنشورة للهجوم الإرهابي في 1 ...
- طهران: فرض عقوبات على المرشد يغلق طريق الدبلوماسية


المزيد.....

- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - راتب شعبو - بيتنا والاسفلت