أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي - عبدالرزاق دحنون - رسائل بركات لطيف الحزينة إلى الأول من أيار














المزيد.....

رسائل بركات لطيف الحزينة إلى الأول من أيار


عبدالرزاق دحنون

الحوار المتمدن-العدد: 6216 - 2019 / 4 / 30 - 23:55
المحور: ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي
    



لا أحد في سورية، أو من المطّلعين عن قرب على المشهد الشعري السوري، في ثمانينات القرن العشرين، إلا ويعلم تلك المكانة التي احتلها الشاعر بركات لطيف_ مدَّ الله في عمره_ بعد صدور مجموعته الشعرية الأول في قلوب مُحبّيه. وإذا كان يحلو للبعض، وأنا منهم، أن يعتبر أن ديوان (أناشيد سائق القطار) الصادر عن وزارة الثقافة تلك الأيام كان هدية ثمينة تناولته الأيدي بشغف ودهشة ومحبة، لما تضمّنه من قصائد مذهلة في بساطتها وعمقها ورقة حواشيها ومنخول عباراتها، فكان خير جليس في ذلك الزمان.

ورحنا نسأل بشغف، ونحن فتيان لا نزال، والبسمة لا تفارق ثغورنا: هل حقاً بركات لطيف سائق قطار؟ سألتني زميلتي في الجامعة وكانت مهتمة بالشعر والشعراء_ ومتى كفَّ البشر عن الاهتمام بالشعر_ مع أنها تدرس الطب، وكنتٌ لا أزال متدرباً في المعهد الطبي قسم تخدير وإنعاش، نعمل معاً في غرفة العمليات في مشفى الكندي في حلب، نساعد على قدر خبرتنا المكتسبة في عملية جراحيَّة لاستخراج حصى من كلية مريضة في الخمسين من عمرها، وهي عملية دقيقة ومتعبة وتتطلب جهداً وصبراً وتستغرق وقتاً طويلاً. كان ديوان (أناشيد سائق القطار) من ضمن من دخل معي إلى غرفة العمليات، أقرأ قصائده للطاقم الطبي الكبير الذي يقوم بالعمل المتعب لساعات مديدة. وكان الشعر يكسر تلك الرتابة والجديَّة المفرطة في غرفة العمليات، وزيادة في الامتاع والمؤانسة يُرافقنا صوت كوكب الشرق من مسجِّل صغير في زاوية الغرفة الواسعة تصدح برباعيات الخيَّام.

بعد قراءة مجموعة من قصائد الديوان قالت: هل أنتَ على يقين أن من كتب هذه القصائد يعمل سائق قطار؟ قلتُ: على حدَّ علمي، نعم، هو سائق قطار درعا-دمشق. ولكن ما سبب دهشتك؟ قالت: سبب دهشتي أن قصائد الديوان تشبه كلام الرسائل الحزينة التي يكتبها العمال في الغربة إلى أهلهم وحبيباتهم، يبوحون فيها بمكنونات صدورهم العامرة بالشوق والحنين إلى تلك الحياة البسيطة الأليفة في ديارهم. إنه أحد هؤلاء الذين يمكنك الوثوق بما يكتبون عن مدن هذا العالم الظالم الجشع الذي يسعى لسحق البشر على سكك الحديد التي تسير عليها كل قطارات العالم في كل الاتجاهات. تُحسّ من كلماته وجمله وتعابيره وتشبيهاته بأن كاتبها سائق قطار فعلاً، ولكن في كلماته حزناً مُقيماً، وكأنه الحزن الذي قال فيه الثائر الأرجنتيني المشهور أرنستو تشي غيفارا: كنتُ أتصور أن الحزن يمكن أن يكون صديقاً، لكنني لم أكن أتصور أن يكون وطناً نسكنه، ونتكلم لغته، ونحمل جنسيته. تسمع من خلال قصائد بركات لطيف صافرة قاطرته، وتشمّ رائحة الديزل والزيت المحروق المُتسرب من أنابيب ووصلات وبراغي وعزقات المحرك الجبار الذي يجرّ القطار إلى الأمام، وتعتريك الرغبة في الصعود على متن هذا القطار الذي يشقّ فجر الصباح ويتجه إلى قرص الشمس الأحمر مباشرة. وتتمنى أن تُسافر معه على هدير أو ضجيج صوت تلك العجلات المنطلقة بحريَّة وثبات على القضيبين الحديدين المتوازيين، وأنت تُصغي إلى هسهسة الحصى التي تشد عضد بعضها تحت ثقل القطار المُسافرة.

أعجبني كلام الطبيبة في تقويم قصائد بركات لطيف، فسألتها: هل أنت شيوعيَّة؟ فقالت: ما يهمّك من امري أكنتُ شيوعيَّة أو كونفشيوسيَّة؟ حفظت ما قالته عن ظهر قلب_ أين أنت الآن يا صديقتي الكونفشيوسيَّة الجميلة في زمننا الأغبر هذا؟ وبعد حين صدر الديوان الثاني (أوراق الليمون)، فرحنا بقصائده فرح العيد. في الصفحة الأولى يكتب:

الشعر ثقيل الظلِّ

وفي البيت تُحطِّم أوزانه

طلبات الأطفال

والكلمات ترفض احتواء الاحزان

فهل يكفي يوم من عام

لنفرغ فيه قرناً من البكاء؟!

حملت معي ديوان (أوراق الليمون) إلى فرقة الدبابات التي أخدم فيها فترة التجنيد في مدينة الصنمين، تلقّفه ساعة وصولي صديقي الجميل من قرية بشرائيل في صافيتا: رجب حسن عيسى_ أسعد الله اوقاته_ فأُعجب بالقصائد جداً. قصائد الديوان كأنها أوراق ليمون طازجة رماها بركات لطيف في وجه هذا العالم القاسي والفاجر والمثقل بالحزن، عسى ولعل تُنعشه برائحتها المميّزة.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,359,520,038
- الفأرة الحكيمة
- قصة انقلاب عسكري
- غسان كنفاني في تراجيديا أرض البرتقال الحزين
- وَحْيُ الشيوعيَّة
- بيان الشيوعيَّة
- حبوبتي كنداكة
- مُذنَّب كرولز يومض في سماء السودان من جديد
- كيف تعلَّم أبي القراءة والكتابة؟
- الهوية والعنف ... ماذا حدث, وما أسباب حدوثه, و إلى أين نحن م ...
- الحُكَّام في أغاني الشيخ إمام
- ماركس بالصيني
- الدولة أفهم من بني آدم
- نساء حسيب كيالي الجميلات
- ابنة البقَّال
- غرفة سبينوزا على السطح
- يوميات آدم وحواء
- الشيوعية أنجيلا ديفيس...الطريق طويل من أجل الحرية
- خطبة امرأة فدائية
- المُسْتَطْرَفُ في حِكْاياتِ النّساءِ
- العدلُ أساسُ المُلكْ2/2


المزيد.....




- رغد صدام حسين تكشف حقيقة وفاة والدتها
- بلوتو.. اكتشاف جديد يدعم وجود حياه
- كوبا أميركا.. ميسي ضمن تشكيلة الأرجنتين
- يشمل 23 مليون طالب.. قانون جديد للتأمين الإجبارى على كل المه ...
- دعاء نبوى فى الحر الشديد ينجى المسلم من عذاب جهنم
- واشنطن تشير إلى دلائل عن قصف كيميائي للنظام باللاذقية وتتوعد ...
- بعد إفادته للكونغرس.. وزير الدفاع الأميركي يستبعد الحرب مع إ ...
- زهدي الشامي يعلق علي تحمل الموازنة لديون قناة السويس
- ذكري رحيل الدكتور شريف حتاته
- سوريا: سقوط قذيفتين صاروخيتين وسط مدينة حلب


المزيد.....

- الاتحاد العام التونسي للشغل والشراكة في بناء الدولة الوطنية: ... / عائشة عباش
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من مطالب الحركة العمالية / سعيد العليمى
- الحركة العمالية والنقابية في اليمن خلال 80 عاماً.. التحولات ... / عيبان محمد السامعي
- الحركه النقابيه العربيه :افاق وتحديات / باسم عثمان
- سلطة العمال في ظل الأزمة الرأسمالية / داريو أزيليني
- إيديولوجية الحركة العمالية في مواجهة التحريفية / محسين الشهباني
- الحركة النقابية في افريقيا وميثاقها / كريبسو ديالو
- قراءة في واقع الحركة النقابية البحرينية / إبراهيم القصاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف 1 أيار - ماي يوم العمال العالمي 2019 - سبل تقوية وتعزيز دور الحركة النقابية والعمالية في العالم العربي - عبدالرزاق دحنون - رسائل بركات لطيف الحزينة إلى الأول من أيار