أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - إبداع أحمد رامى فى ترجمته لرباعيات الخيام















المزيد.....


إبداع أحمد رامى فى ترجمته لرباعيات الخيام


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 6215 - 2019 / 4 / 29 - 01:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يـُـعتبرالشاعرالكبيرأحمد رامى (1892- 1981) أحد رموزالثقافة المصرية. وإذا كانت شهرته الجماهيرية تأسّـستْ على أغانيه البديعة التى أطربتْ الملايين من شعبنا المصرى، بخلاف ملايين العرب..وهى الأغانى التى شادتْ بها أم كلثوم وغيرها من المطربات والمطربين..وحظيتْ بملحنين مبدعين أمثال محمد القصبى وزكريا أحمد ورياض السنباطى..إلخ فإنّ الجانب الأهم- من وجهة نظرى- أنّ رامى تميـّـزبثقافة تكاد تكون موسوعية، حيث قرأ معظم ما أبدعه الشعراء والروائيون والمفكرون، من جنسيات مختلفة، أى أنه فتح وجدانه وعقله لمجمل التراث الإنسانى..ولم ينغلق على ثقافة (واحدة) وهذا يدل على إيمانه بالفكرالحرالمؤمن بالتعددية..والرافض للفكر(الأحادى) ولعلّ (كل) ذلك كان أحد أسباب اختياره لترجمة رباعيات الخيام، بعد أنْ قرأها فى نصها الأصلى/ الفارسى.
وبالرغم من أنّ بعض المؤرخين نسّـبوه لجد تركى، فإنه وُلد فى حى السيدة زينب بالقاهرة..وعاش طوال حياته فى مصر، فشرب من الثقافة القومية المصرية، وقرأ كثيرًا عن الحضارة المصرية..وهوما انعكس فى أشعاره التى كتبها بلغة شعبنا فى حياتنا اليومية..وهى اللغة التى أطلق المتعلمون المصريون عليها (العامية المصرية) وهومصطلح غيرعلمى..وفقــًـا لتعريف مفهوم اللغة القومية..كما ورد فى كتب (علم اللغويات)
ونظرًا لما وجده رامى من تقارب وتجانس بين التراث الفارسى..والتراث المصرى، خاصة فيما يتعلق بالجانب الوجدانى والفكرى، لذلك صمّـم على تعلم اللغة الفارسية، ليقرأ الإبداع المكتوب بهذه اللغة، إلى أنْ شـدّته رباعيات الخيام.
درس رامى فى (مدرسة المعلمين) وتخرّج منها عام 1914ثم سافرإلى باريس وحصل على (شهادة فى نـُـظم المكتبات والوثائق) من (جامعة السوربون) ثـمّ التحق بمعهد اللغات الشرقية..وفى هذا المعهد أتقن اللغة الفارسية..وهوما ساعده وشجــّـعه على ترجمة الرباعيات.

صدرتْ الرباعيات في القاهرة عن دارالشروق الطبعة الخامسة والعشرون.
وبالرغم من تعدد الترجمات العربية لرباعيات الشاعرعمرالخيام الذي وُلد حواليْ منتصف القرن الحادي عشرالميلادي، فإنّ ترجمة رامي لها تــُـعد الأكثرشهرة بسبب غناء أم كلثوم لها في نهاية الأربعينيات من القرن العشرين..وكان من حـُـسن الحظ أنّ اللحن كان من إبداع الموسيقي الموهوب رياض السنباطي.

ومن بين المعلومات التى يجهلها كثيرون أنّ النص الذى كانت ستــُـغنيه أم كلثوم- كما ترجمه رامي- جاء فى أحد مقاطعه تعبير(شهد الرضاب) فرأتْ أم كلثوم أنّ التعبيرالأدق هو(برد الشراب) واقتع رامى بوجهة نظرها وهكذا غنــّـتْ:
أطفئ لظى القلب ببرد الشراب
فإنما الأيام مثل السحاب
وعيشنا طيف خيال
فنل حظك منه قبل فوت الشباب
000
وقال توحيد رامي ابن المترجم الذي وصفه النقاد بأنه "شاعر الشباب" في مقدمة الطبعة الجديدة التي تقع في 82 صفحة متوسطة القطع، إنّ والده بدأ ترجمة الرباعيات في باريس عام 1923بعد دراسة اللغة الفارسية في مدرسة اللغات الشرقية بجامعة السوربون.

وفي 22 صفحة كتب رامي مقدمة أقرب إلى تحقيق تاريخي حول السياق الذي عاش فيه الخيام..وموقعه وسط حكماء عصره وتفوقه في علوم الرياضيات والطبيعة واللغة والتاريخ، مشيرًا إلى أنْ الخيام كان ينشد الرباعيات لأصحابه في المجالس فتــُـحفظ وتنتشر..ولم يفكريومًا في أنْ يضمها كتاب.

وقال في المقدمة المؤرخة بعام 1950 إنه راجع مخطوطات الرباعيات المحفوظة في كل من دارالكتب الأهلية في باريس ومكتبة جامعة برلين..والمتحف البريطاني في لندن، إضافة إلى مخطوطات جامعة كمبردج..ومعنى ذلك أنّ رامى- قبل أنْ يـُـترجم الرباعيات كان يتــّـبع المنهج العلمى، عند الترجمة من لغة إلى أخرى، أى ضرورة مراجعة المخطوطات فى أكثرمن مصدر..ومراجعة الترجمات الأخرى إنْ وُجدتْ.
000
مؤلف الرباعيات هو غياث الدين، عمرأبوالفتح بن إبراهيم الخيَّام، وُلد حواليْ سنة 433هـ/1040م، في عهد الملك أرطغول، أول موك الدولة السلجوقية في خراسان..وقيل أنه وُلد في مدينة بلخ، أوفي نيسابور، لكنه شبَّ في مدينة نيسابور، ودرس في مدرستها، ثم قرَّبه ملوك السلاجقة إليهم..خاصة السلطان ملك شاه..ولم يـُـبدع الخيام فى مجال الشعر(فقط) وإنما كان حجة في العِلم، والفلك، والحكمة، إضافة إلى الطب، حيث راجع كتب ابن سينا..وقيل أنَّهُ كان يقرأ في فصوله، فقام ليصلي..ودعا إلى الله "اللَّهم إنِّي عرفتكَ مَبلغَ إمكاني، فاغفرْلي؛ فإنَّ معرفتي إياكَ وسيلتي إليك" ثم أسلمَ الروح..ودُفن في نيسابور، حواليْ سنة 517هـ/1123م.
الخيام، العالِم والشاعِروالحَكيم:
وكان الخيَّام يـُـعلِّمُ الحكمة للناس، حيث عُرف بسداد رأيه..وقوةِ حُجته..كما كان مِن العلماءِ الَّذين جمعهم الوزيرنظام الملك، لتصحيح التقويم، فوضعوا التقويم الجلالي، أوالفارسي، الذي بدأ من يوم عيد النيروز، السادس عشرمن آذا/ مارس عام 1097م..وعن أهمية عمرالخيام جاء ذكره، في العديد من أمَّهات كتب التاريخ، من بينها كتاب (تاريخ الحكماء) للقفطي..حيث قال:
عمرالخيَّام؛ إمام خراسان..وعلَّامة الزمان، يعلِّم عِلم اليونان، ويحث على طلب الواحد الدَّيان، بتطهيرالحركات البدنية، لتنزيه النفس الإنسانية..ويأمربالتزام السياسة المدنية، حسب القواعد اليونانية.
وفى حوارمع الشاعرأحمد رامى قال له أحد الصحفيين:
يقول النقاد أنك في ترجمتك لرباعيات الخيام، حذفت الكثيرمنها..وحاولت أنْ تــُـظهرالخيام بصورة المؤمن التقي الصوفي..ويقولون أنك اختصرت الرباعيات إلى (175رباعية) مع أنّ المراجع تقول أنها تتجاوزالـ (450رباعية) وقد تصل عند البعض إلى (800 رباعية) فما تعليقك؟
قال رامي: كانت ترجمتي لرباعيات الخيام بعد دراسة لها، فقد رجعتُ إلى كل المخطوطات المنسوبة للخيام لاختيارالصادق والصالح منها..وكان اعتمادي الأساسي على مجموعة صغيرة نــُـشرتْ عن حياة الخيام..وعلى ضوئها اخترتُ 175رباعية من حوالي ألف رباعية نــُـسبتْ إلى الخيام، أودُستْ عليه..ولايمكن القطع بصحة نسبتها للخيام، لأنّ أقدم مخطوط له كان منسوخــًـا بعد 350سنة من موته..ولذلك احتارالدارسون في معرفة الرباعيات الصحيحة.
وأضاف: الأدب هواية قبل أنْ يكون وسيلة ارتزاق..وعلى الأديب أنْ يـُـبدع ويـُــلفت نظرالناس..ويــُـنبههم إليه..ويقبل الناشرون على إذاعة ما يكتب..وعندها يكسب رزقه من الأدب..ويقبل الناشرون على إذاعة ما يكتب. أما إذا كتب الأديب للرزق كغاية، فإنه يحاربعد ذلك بين الفن والمال..وهذه الحيرة تؤذيه فيما ينتج.
) مجلة الأفق الجديد، القدس، فلسطين، العدد الثاني عشر، ديسمبرعام 1965)
000
وقد ركــّـزكثيرون من النقاد (فيما يتعلق بإبداع الخيام الشعرى) على ثلاثة محاور، لأنها تأملات تخطرعلى بال الإنسان حيثما حلّ أوفى أى مكان أوزمان وُجد، وهى المحاورالتى دارتْ حول: الحياة والموت والعدم، التساؤلات الوجودية المُـضنية التى تــُـعذبه وتحركه، طالما هويحمل في نفسه هاجس الشك..والتوق إلى اليقين..كما أنها فلسفة عشق في وجدانياتها الشعرية..
وأول هذه التساؤلات يدورحول علة الوجود والغاية من مجيء الإنسان إلى الدنيا..ومن أمثلة ذلك قوله الشعرى/ الفلسفى: «لبستُ ثوب العيش لم أستشر/ وحرت فيه بين شتى الفكر".
فالحياة قصيرة والإنسان يجري في عروقه ماء الفناء..وفي روحه لهيب الشقاء: «سرتْ بجسمي الغض ماء الفناء/ وسارفي روحي لهيب الشقاء»، فما الذي ينقذ الإنسان من قهرالزمن وفاجعة الموت؟
لاشيء غيرالحاضر..وكأس وأنغام ووجه صبوح»، فالماضي ميت والمستقبل في ظهرالغيب ولذلك قال: «أين النديم السمح أين الصبوح/ فقد أمضى الهم قلبي الجريح» (أمضى الهم قلبى، بمعنى– حسب قواميس اللغة العربية– أتعب أوأرهق أوعذّب قلبى) وكذلك قوله «لاتشغل البال بماضي الزمان/ ولابآت العيش قبل الآوان». إذن أين المفر..وكل تلك الملذات سبب العذاب والألم؟ لاشيء غيرالزهد والإمساك عن الشهوات المكدرة لصفاء الروح لذلك قال: «زخارف الدنيا أساس الألم/ وطالب الدنيا نديم الندم"
إنها تناقضات تــُـشكل جوهرالصراع النفسى، داخل الإنسان المولع بحب الأسئلة الفلسفية/ الوجودية، التى تتناول الثنائيات مثل: الخيروالشر، الجمال والقبح، الشجاعة والجـُـبن، التناقض بين الزهد فى متع الدنيا الفانية..وبين التهام هذه المتع حتى ولوتسبـّـبتْ فى شقاء الإنسان..كل تلك المعانى الشائكة، نجح عمرالخيام فى التعبيرعنها بالإبداع الشعرى.
وهكذا تتوالى الرباعيات كأنها حوارأوصراع بالحجة..والمنطق بين ثنائيات مُتعددة..ومُتقابلات في بحث النفس البشرية عن الكمال، بين نقيضين، البطل والخصم، المؤمن والملحد، الزاهد والوجودي، والأبيقوري والأفلاطوني. رباعية تضعنا في المسجد..ورباعية أخرى تضعنا في الحانة، تارة تدعونا إلى العبادة. وتارة إلى الطرب..واحدة تشدنا إلى الملذات الفانية..وأخرى تشدنا إلى الفضيلة الأخلاقية بمساعدة المحتاجين، مرة تغوينا بالعشق الجسدي..ومرة تسمموإلى الحب الإلهي..وبين هذا وذاك، نسمع نغمات كئيبة ومتشائمة ترثي..وتندب الذات البشرية لأنّ ظروف المجتمع أوالقدرأو:
الدهرلايعطي الإنسان كل ما يتمنى..وعندما يشتد به اليأس يلجأ إلى الحانة وكأس الخمر: «أولى بهذا القلب أنْ يخفقا/ وفي ضرام العشق أنْ يـُـحرقا»..وتستمر الرباعيات على هذا المنوال إلى أنْ يتلاشى أحدهما..ويندمج في الآخر، عندئذ يصل الخيام إلى اليقين..ويتكسّـرعقله..وشكوكه المتلاطمة على شاطىء الإيمان.
ونسمعه يقول (بصوت أم كلثوم وترجمة أحمد رامي): «يا من يحارالفهم في قدرتك/ وتطلب النفس حمى طاعتك/ أسكرني الإثم ولكننى/ صحوتُ بالآمال في رحمتك/ إنْ لم أكن أخلصتُ في طاعتك/ فإنني أطمع في رحمتك"».

لقد عشقتْ روح الخيام الجمال، مثل عــِـشق الفراشة للنور..وانتشتْ (روحه) بكل ما هوجميل فى الكون (من بشروحيوانات وطبيعة) لتتحرروتدرك كنه وفلسفة الوجود، خاصة وأنّ روحه لم تستطع إغفال أوتجاهل..وتناسى العيوب وتناقضات العصر..وخاصة الرياء والتمسك بالقشور..وإهمال الجوهر: وقد عبــّـرعن ذلك بقوله «نلبس بين الناس ثوب الرياء/ ونحن في قبضة كف القضاء»..ودعا إلى صفاء القلوب..ومسامحة الأصحاب والأعداء فقال: «أحسن إلى الأعداء والأصدقاء/ فإنما أنس القلوب الصفاء"».


ونظرًا لأنّ الخيام كان من المؤمنين بتعدد الرؤى، فقد نتج عن ذلك انتشار الرباعيات..وأنْ تنشأ حولها ما هوأقرب إلى الأساطير..وظهرما يُسمى بـ«أدب الرباعيات» في معظم لغات العالم، كما ظهرما يُسمى بـ «جمهورالخيام» وشعار «على مبدأ الخيام»، فأبدع الفنانون في رسم تلك الرباعيات وتلحينها..وتغنّى المطربون والمطربات بها واقتبسها رجال السينما والتلفزيون..

كما أثنى المتصوفون الذين جاؤوا بعد الخيام على الرباعيات..ووجدوها تمتلىء بالمعاني والرموزالصوفية، فتناقلوها واستشهدوا بها..وإذا بالخيام (من وجهة نظرهم وتحليلهم لأشعاره) يحث ويـُـشجـّـع على النهل من مباهج الحياة وملذاتها..وفى نفس الوقت يحث على التعبد والقناعة والزهد..وليست تلك المباهج برؤيتهم غير رموز: الروض يرمزإلى الدنيا..وخد الحسناء إلى الحقيقة..والخمرإلى ماء الحياة..وأنغام العود إلى التناغم الأزلي في الوجود..والجداول والأنهارترمزإلى الجنة.

ويرى الكثيرمن النقاد أنّ ترجمة أحمد رامي لرباعيات الخيام فاقتْ النص الأصلي جمالاً، لكن لايخلوهذا القول من إجحاف لجماليات الرباعيات..وسلاسة أفكارها..وبالتالى فإنّ القول بتفوق الترجمة على النص الأصلى، فيه مُـبالغة..

ومن المهم الإشارة إلى أنّ الشاعرالإنجليزي (ادوارد فيتزجيرالد) أحد الذين تدين له الرباعيات بالشهرة العالمية..ويدين لها بالشهرة أيضـًـا، فهوأول من ترجمها عن الفارسية إلى الإنجليزية..ومن الإنجليزية تُـرجمتْ إلى بقية لغات العالم..وقد أسّـس (فيتزجيرالد) ناديـًـا في لندن أطلق عليه اسم «نادي الخيام»، ثـمّ قام مع عدد من محبي شعره بزيارة ضريحه في نيسابور..وأحضرمعه وردة من حول الضريح وزرعها في النادي الموجود في لندن..

وقد تعرّضتْ الرباعيات إلى النقد الحاد من بعض النقاد ذوى الميول الإسلامية المُـتشـدّدة والمُـتعصبة..وخاصة من ورجال الدين (مُـنغلقى الفكر) الذين اتهموا عمرالخيام بالزندقة والمجون وقالوا: «إنّ رباعياته تحمل دعوة للكفروالفساد.. وتتبني مُـتع اللذة في أحط مظاهرها». لكن غيرهم قالوا: «لم تُسجل في الكتب التاريخية الموثوقة أي رباعية من تلك الرباعيات الخليعة المستنكرة..وإنما ورد عدد من الرباعيات كلها تدل على عبقرية الخيام..وإيمانه وتقاه وحسن سلوكه.».

ومن بين الترجمات العربية لرباعيات الخيام، ترجمة الأديب الإماراتى (محمد صالح القرق) وقد احتفى بيت الشعرفي دبي، في أمسية خيامية بامتيازبهذه الترجمة، على هامش مهرجان دبي الدولي للشعرعام 2009..وتنوّعتْ مظاهرالاحتفال بالرباعيات (فى تلك السهرة) بأكثرمن شكل، حيث قـدّمتْ المطربة السورية (سهيرشقير) بمصاحبة فرقة موسيقية من حلب «الرباعيات» التي غنتها أم كلثوم، فيما كان الحضورعلى موعد أيضـًـا مع الفن التشكيلى والمقتنيات النادرة ذات الصلة بالخيام..

ومن المعلومات المُـتعلقة برباعيات الخيام، أنها مُـنعتْ من التداول في عصرها..ولكن تلاميذ الخيام حافطوا عليها..ونسخوها ووزعوها سرًا، ثم أضافوا إليها ما أضافوا..ومثلهم فعل الشعراء والمفكرون المؤيدون للفلسة الوجودية والأبيقورية..
ويضاف إلى ذلك أنّ المترجمين لها شعرًا أونثرًا، تفاعلوا معها وأضافوا إليها..وقد أدى هذا إلى تدوال أكثرمن ألف رباعية باسمه، علمًا أنّ أقدم مجموعة تحتوي على 206رباعية وهناك 158رباعية في النسخة المحفوظة في مكتبة بودلين في أوكسفورد..وفي هذا الخصوص، أثبت الباحث الروسي شكوفسكي أنّ اثنيْن وثمانين منها واردة في دواوين غيره من الشعراء وهم: فريد الدين العطاروحافظ وجلال الدين الرومي وابن سينا والفردوسي والأنوري وعبدالله الأنصاري.
000
ومن بين أشعارعمرالخيام بمدلولها الفلسفى قوله ::
أفنيتُ عمري في اكتناه القضـاء
وكشف ما يحجبـه في الخـفاء
فلم أجـد أسـراره وانقضـى
عمري وأحسستُ دبيب الفـناء
فى هذه الرباعية لخـّـص الخيام محاولات الإنسان الدؤوبة (خاصة من المفكرين والفلاسفة) لاكتشاف أسرارالكون و(حكمة القضاء والقدر) وكانت النتيجة العجزعن الوصول إلى هذا الأسرار..وفى النهاية أدرك الشاعرحتمية (دبيب الفناء)
وفى الرباعية الشهيرة التى تغنــّـتْ بها أم كلثوم، من ترجمة رامى، قال الخيام:
لبستُ ثوب العمرلـم أُسْتَشَـرْ
وحرتُ فيه بيـن شتّـى الفكـر
وسوف أنضوالثوب عني ولـم
أدركْ لمـاذا جئـتُ أيـن المفــــر
فى هذه الرباعية فإنّ الخيام عبـّـرعن حيرة الإنسان فى مغزى وجوده..ودائم التساؤل عن أنه جاء إلى الحياة دون إرادته (وذلك فى قوله: لبستُ ثوب العمرولم أستشر) ويـُـفكــّـرفى التخلص من هذا المصير..ولكنه يكتشف أنّ تفكيره بلا جدوى، حيث اختتم الرباعية بحقيقة أنّ الإنسان لم يعرف لماذا جاء إلى الدنيا..ولكن لامفر.
000
وفى رباعية أخرى قال:
لـم يبرح الداء فؤادي العليـل
ولـم أنل قصدي وحان الرحيـل
وفـات عمـري وأنا جاهـل
كتاب هذا العمرحسم الـفصول
فى هذه الرباعية يشتكى الشاعرمن قلبه المريض (بحب التساؤل) فى قوله: فؤادى العليل..وسبب هذا الإحساس بالمرض الفكرى أنه لم يـُـحقق ما كان يتمناه فى قوله: لم أنل قصدى، بينما هو يشعرباقتراب رحيله عن الدنيا فى قوله: وحان الرحيل..وكل ذلك وهو(جاهل بفحوى: كتاب السنين) وذلك فى قوله أنّ كتاب العمر(حسم الفصول) أى حسم بداية ونهاية كل فصل من فصول عمرالإنسان..ويهمنى أنْ أشيرإلى أنّ عمرالخيام عندما اختارلفظ (فؤادى) ليـُـعبــّـر به عن حيرته الفكرية، يكون قد اتفق مع ما ورد فى رؤية جدودنا المصريين القدماء، حيث كان القلب هومركزالفكروالمشاعر..وأنه لايمكن الفصل بينهما حيث أنّ المشاعريتم ترجمتها إلى أفكار.
000
والشاعرالخيام يتعجب من الفناء السريع للشباب..ورحيلهم عن الدنيا..وهم فى (ربيع عمرهم) فقال:
تناثرتْ أيّـام هـذا العـمر
تناثـرالأوراق حول الشـجر
فانعم من الدنيـا بلذّاتـهـا
من قبل أنْ تسقيك كفّ القدر
فى هذه الرباعية يقول: إذا كان عمرالإنسان قصيرًا..وشبـّـه أيامه بما يحدث لأوراق الشجر.. وتناثرها فى الهواء (خاصة مع زوابع فصل الخريف) فعليك أيها الإنسان أنْ تستمتع بلذات الدنيا قبل رحيلك.
وفى بيتيْن قال:
أطْفِئْ لظى القلب ببرد الشراب
فإنمـا الأيام مثــل السحاب
وهوفى هذيْن البيتيْن شبـّـه أيام الإنسان القصيرة المعدودة بالسحاب الذى يمرق فى فضاءات الكون..ولا أحد يعرف إلى أين يذهب؟ ولماذا يذهب ويتحرّك نحوالمجهول.

وفى رباعية حازتْ شهرة كبيرة، بعد أنْ تغنــّـتْ بها أم كلثوم، من ترجمة أحمد
رامى وتلحين رياض السنباطى، قال الخيام:

يا عالم الأسرارعلـم اليقين
يا كاشف الضرّعن البائـسين
يا قابـل الأعذارفئنــا إلى
ظلّك فاقبـل توبـة التائبيـن
وأعتقد أنّ هذه الرباعية فيها الرد الحاسم، الذى ينفى كلام أعداء الإبداع، وأعداء الفكر، وأعداء التحضر، وأعداء التنوع والتعددية، الذين اتهموا الخيام بالكفروالإلحاد، بمراعاة أنّ الخطاب فى تلك الرباعية موجـّـه إلى خالق الكون فى قوله: يا عالم الإسرار.. ليس ذلك (فقط) وإنما– لأنه هوالخالق فإنّ علمه (علم اليقين) وهوالذى يمحو ويـُـزيل البؤس وكل أشكال الضررعن البائسين.. وأنه يقبل (توبة التائبين)
ويرى بعض النقاد أنّ رباعيات الخيام تتراوح بين الدعوة للمجون والإلحاد.وبين الإيمان وطلب
العفومن الله وإعلان التوبة، لذا اختلف العلماء في تصنيف عمرالخيام..والأرجح أنه لم يخرج عن المألوف إنما هي صرخة في وجه الظلم والأمورالدخيلة على الدين الإسلامي في عصره.
ومن رباعياته أيضـًـا دعوته إلى الإصلاح الاجتماعي..وتقويم النفس البشرية فقال:
صاحب من الناس كبارالعقول
واترك الجهال أهل الفضول..
واشرب نقيع السمِّ من عاقل..
واسكب على الأرض دواء الجَهول..
أى أنه فى هذه الرباعية كان ينشد ويتمنى أنْ يسود وينتشربين المجتمعات الإنسانية (الفكرالعقلانى)
ومن الرباعيات ذات الدلالة إلى اتجاهه الديني أيضًـا الرباعية الشهيرة التى قال فيها:
إنْ لم أكن أخلصتُ في طاعتك..
فإني أطمع في رحمتك..
وإنما يشفع لي أننى..
قد عشتُ لا أشرك في وحدتك..
000
ومن أشعارالخيام البديعة التى اختارتها أم كلثوم:
سمــعتُ صـوتــًـا هاتــفــًـا فى السحـــر..
نادى من الغـيب غفاة البشر..
هبوا املأوا كــأس المـنى قبل أنْ..
تملأ كأس العـــمركف القدر..
لاتشـــغل الـبال بماضى الزمان..
ولابـــــآت العيش قبل الأوان..
واغنم من الحــاضـرلـذاته..
فلـــيس فى طبع الليالى الأمان..

غدٌ بظـــهرالغـــيب واليوم لــى..
وكم يخيب الظـن فى المقــــبل..
ولســت بالغافـل حــتى أرى..
جمال دنياى ولا أجتـلى..
القـــلب قـــد أضناه عشق الجــمال..
والصدرقد ضاق بما لايـُـقــال..
يارب هل يرضـــيك هذا الظمأ..
والماء يـنساب أمامى زلال..
أولى بهذا القـــلب أنْ يخفــق..
وفى ضـــرام الحب أنْ يـُـحرق..
ما أضيع الـيوم الذى مـرّ بـى..
من غيرأنْ أهوى وأنْ أعـشق..
أفـــق خفـــيف الــظل هذا السـحر..
نادى دع الـــــــنوم وناغ الوتر..
فــــما أطـــال الـنوم عـــــمرًا ولا
قصـّـرفى الأعمارطول السهر..
كم تــوالى اللـيل بعد النهـار..
وطال بالأنـجم هذا المدار..
لاتوحش النــــفس بخوف الظنون..
واغنم من الحاضرأمن اليقين..
فقد تســـاوى فى الثرى راحل غدًا
وماض من ألوف الســنين..
أطفىء لظى القلب بشهد الرضاب..
فإنما الأيام مثل السحاب..
وعــــيشنا طيف خيال فنل حظك..
مـنه قبل فوات الشــباب..
لبستُ ثوب العيش لم أستشــر..
وحــرتُ فيه بين شتى الفكر..
وسوف أنــــضو الثوب عنى ولم..
أدرك لمـاذا جئتُ.. اين المفر؟
يا من يحـار الفهم فى قدرتك..
وتطلب النفس حمى طاعـــتك..
أسـكرنى الإثـم ولكننى..
صـــحوتُ بالآمال فى رحمتك..
إنْ لم أكن أخلصـــتُ فى طاعتك..
فإننى أطمع فى رحمتك..
وإنمـا يشـــــفع لى أننى قد..
عـــــشتُ لا أشرك فى وحدتك..
تخفى عن الـناس سنى طلعتك..
وكل ما فى الـكون من صنعتك..
فأنت محـــلاه وأنت الـذى..
تـــرى بديــع الصنع فى آيــتك..
إنْ تفصل القطــــــرة من بحرها..
ففى مـداه منتهى أمرها..
تقاربتْ يارب ما بيننــا..
مسافة البـُـعد على قــدرها..
ياعالم الأسـرارعلم الـــيقين..
ياكاشف الضر عن البائسيــــن..
ياقابل الأعــذارعـُـدنا إلى ظلك..
فاقــبل توبـة التائبيــن..
أعتقد أنّ تلك القصيدة- وغيرها كثير- فيها الدليل القاطع على إيمان الشاعربوجود خالق للكون، ويتمنى أنْ يقبل توبته..وهوما يدل- من جهة ثانية- على أنّ المتطرفين دينيـًـا والمتعصبين الرافضين للإبداع الإنسانى، قد أساؤوا فهم إبداع هذا الشاعرالفارسى الكبير.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,553,755,324
- هل سلطة الرئيس الأبدية أفضل من تداول السلطة ؟
- الإخوان المسلمون ومخطط (فتح مصر)
- المتعلمون المصريون وجهلهم بعلم اللغويات
- لماذا يرتعب بعض المصريين من تهمة العداء للسامية؟
- اكتشاف حديث يؤكد صدق هيرودوت
- جرائم حماس ضد الفلسطينيين وغياب الإعلام العربى (والمصرى)
- لماذا يكون الانتماء الدينى على حساب الوطن؟ حلايب وشلاتين نمو ...
- محمد على ووأد مشروعه: إنهاء تبعية مصرلتركيا
- إبراهيم باشا ودوره فى الحياة السياسية المصرية
- ثورة برمهات1919 بين الشعب والزعماء
- هل يتحقق الانجازالعلمى فى مجتمع تحكمه الخرافة؟
- العداء العربى/ العربى ومرض (وهم العروبة)
- الفلسفة والعداء للمعرفة
- رامى مالك والأوسكار وتزويرالانتماء الوطنى
- الوباء المُهدد لتقدم الشعوب
- الشعب الجزائرى ينتفض ضد تأبيد الحكم
- الصراع بين اللغات القومية واللغة العربية
- الحضارة المصرية مازالت تبهرالمتحضرين
- الصحافة الإسرائيلية : هل تتمتع بالحرية
- أيهما يحقق العدالة الاجتماعية: النظام البرلمانى أم الرئاسى؟


المزيد.....




- مرصد الإفتاء: العدوان التركي على الأراضي السورية تسبب في هرو ...
- السلطان والشريعة.. هل انقطعت الصلة بينهما في العالم العربي؟ ...
- هل انتقل مسلحو القاعدة والدولة الإسلامية إلى بوركينا فاسو؟
- قراءة معمارية للأفكار الصوفية.. ما علاقة الإسلام بفكر التنوي ...
- يستهدف أكثر من 6000 مشاركة..”الشؤون الإسلامية” بالسعودية تنظ ...
- انتخابات تشريعية في بولندا حيث تمتزج الدولة بالكنيسة في بلد ...
- انتخابات تشريعية في بولندا حيث تمتزج الدولة بالكنيسة في بلد ...
- من هو حسن البنا -الساعاتي- مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؟
- فوز إمام المسجد الناجي من -مذبحة كرايستشيرش- بمنصب رسمي بنيو ...
- بعد فصل معلمي الإخوان.. هل يمهد النظام المصري لتصفية موظفي ا ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - إبداع أحمد رامى فى ترجمته لرباعيات الخيام