أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - راتب شعبو - الموت تحت التعذيب














المزيد.....

الموت تحت التعذيب


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6206 - 2019 / 4 / 20 - 00:31
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


في أواخر 1981 هز اللاذقية خبر وفاة سجين سياسي تحت التعذيب في أقبية فرع الأمن السياسي في اللاذقية. كان اسمه "محمد عبود"، وكان يتعرض للتعذيب لاستخلاص معلومات منه عن التنظيم السياسي الذي كان ينتمي إليه وهو "حزب العمل الشيوعي في سوريا".
قيل حينها إن "محمد" بصق في وجه المحقق رداً على شتيمة طالت أمه، وقيل إنه سخر من "الذات الرئاسية" أثناء التحقيق معه، وقيل إنهم عذبوه حتى الموت لأنه تحداهم وقال إنه لن يفيدهم بحرف واحد عن تنظيمه. المهم أنهم عذبوه حتى الموت، وأن موته لم يستتبع أي تحقيق، ولم ينل أحد من جلاديه أي عقوبة، ومعروف أن المحقق الذي قتله استمر في عمله وترقى.
كان ذلك رسالة صريحة إلى جيل الثمانينيات وما بعده: لا يوجد حدود للقمع. لا يهم سلمية أو لا سلمية التنظيم. لا يهم دينية أو علمانية التنظيم. نحن فقط من يقرر مكمن الخطر، ونحن من يتخذ القرار بالتصفية حين نشاء، لمن نشاء. لا مشاعر مع السياسة، السياسة لا تعرف مشاعر التضامن أو التعاطف أو الشراكة الإنسانية، لكنها تعرف مشاعر الانتقام والحقد والكراهية. لا يجوز للمحقق أن يتعاطف مع معتقل بريء فيقرر إطلاق سراحه، لكن يجوز أن يقتله تحت ضغط الشعور بالغيظ منه.
حين تعمل مع تنظيم معارض يجب أن تستعد للموت. كان موت محمد عبود تحت التعذيب هو بداية مسار من سياسة القتل "المسموح" ضد كل من يعارض. حين تعارض ولا تموت تحت التعذيب فذاك حظ جيد أو مكرمة يمنون عليك بها. وقد لخص هذه السياسة مهندسها الأول "الرئيس الخالد" حافظ الأسد حين قال لوفد من الأمهات اللواتي قابلنه للمطالبة بأبنائهم اليساريين السلميين المعتقلين لسنوات طويلة في السجون السورية: "حين تكتشف أن هناك أفعى تسعى لكي تلدغك فمن الطبيعي أن تقتلها، أما نحن فإننا اكتفينا بحبسها".
كان موت ذلك الشاب تحت التعذيب بداية، وحازت تلك البداية على ما تحوز عليه البدايات عادة من استفظاع واستنكار. وحاز اسمه على ما يستحقه اسم الشهيد الحقيقي من انتشار. أما اليوم فقد باتت حالات الموت تحت التعذيب أمراً مكروراً وصار حمل الأسماء ثقيلاً على الذاكرة، وبتنا نتحايل على أنفسنا، كما هو الحال مع بقية الحالات التي تكثر ضحاياها، ننتشل اسماً ونرفعه عالياً كتمثيل عن مجموع الأسماء التي لا نستطيع ذكرها. لا نستطيع حماية الضحايا من التعذيب ولا من الموت تحت التعذيب ولا نستطيع حتى حفظ أسمائهم، فنغدو كلنا ضحايا. الشهداء ضحايا مباشرون للجلادين، ونحن ضحايا لضمائرنا وسرائرنا المعذبة ولشعورنا بالعجز والصغر. الإجرام يحمي ذاته بالمزيد من الإجرام. تكبر الجريمة وتضيع التفاصيل في ثناياها وتتحول الأسماء إلى أرقام، وتكبر الأرقام ويجري تقريبها إلى أرقام "جميلة" من مضاعفات الخمسين أو المئة، وتصبح أرقاماً دلالية تبتلع ملامح الضحايا وسماتهم الشخصية وحلاوة ابتساماتهم وجمال وجوههم الشابة. وهي فوق ذلك ارقام عمياء عن ضحايا مخفيين لا علم للمراصد والمنظمات الإنسانية بهم، ضحايا يسقطون من عداد الموتي إلى عداد المفقودين.
صار الموت تحت التعذيب خبراً عادياً، كثرت ضحاياه وكثر الجلادون إلى حد بات من الممكن أن تلتقي بأحدهم كل يوم وفي كل مكان. تجلس في باص أو في قاعة انتظار أو في مقهى وتنظر في الوجوه ويلدغك خيط كاو من التفكير: ربما ساهم هذا الشخص الساهم هناك في تعذيب سجين حتى الموت. أو ربما كان هذا الرجل الذي يدخن باسترخاء رجل مخابرات يقوم، بعد موت السجين تحت التعذيب، بوظيفة تحرير وثيقة تقرر أنه تم الإفراج عنه قبل يوم من موته، كي يصبح في عداد المفقودين ويخفي جريمة قتله تحت التعذيب. ويمتد خيط التفكير الممض: قد يكون ذاك الوجه هو وجه جلادك القادم. هذا الوجه الذي يثير فيك النفور قد يكون هو وجه الشخص الذي يملك صلاحية أن يعذبك أنت حتى الموت. وقد تضعف أمامه وتصغر حتى ترجوه وأنت في لجة ألمك أن يرحمك. تصبح الوجوه من حولك وجوهاً ملغومة. مدحلة من التفكير المتوالي تسحق كل تعابير الوجه: الضحك والبراءة والدهشة والشرود ..الخ. كل التعابير أقنعة لوجوه جلادين.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,006,995
- بيت في المخيم
- إرهاب ضد الإرهاب
- البلد العابر للسياسة
- النساء في الثورة السورية
- من الذي قلع عين الرئيس؟
- حزب السيارة الزرقاء
- عميد مغلق وباب مفتوح
- الطبيب المسكين وفخامة الجريح
- يا حيوان ليش ما قلت انك -منهم-؟
- تموت وتاكل غيرها
- موت الرواية
- أرض الألغام
- عزلة المنكوبين
- الاغتصاب
- العلويون والثورة السورية
- سلعة العداء للامبريالية في سوق العالم الثالث
- صادق جلال العظم، تراجيديا مفكر
- حسين العودات، النهضة العربية المفترضة والهمّ المزدوج
- الصراع القطبي
- النظام السوري: افتراق السياسة عن القيم


المزيد.....




- أسئلة حول تنظيم الحزب الثوري (1)
- تاريخ الثورة الروسية: الاستيلاء على العاصمة ج 3
- رأس المال:  (ب) تداول(*) النقد
- البنتاغون: الحزب الشيوعي الصيني حطم آمال الولايات المتحدة
- ترامب: حزب العمال الكردستاني أخطر إرهابا من داعش.. ولم أمنح ...
- التيار الصدري: أطراف استهدفت المتظاهرين
- سلبية القاعدة ام بؤس القيادة… محاولة تفاعل مع مقال الاستاذة ...
- شكر لكل من شارك ولبى النداء لمساعدة المواطنين بالمناطق المنك ...
- #الحرية_لجورج_عبدالله
- في اليوم العالمي للقضاء على الفقر “التقدمي” و”القومي” يدعوان ...


المزيد.....

- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان
- نظرات حول مفهوم مابعد الامبريالية - هارى ماكدوف / سعيد العليمى
- منطق الشهادة و الاستشهاد أو منطق التميز عن الإرهاب و الاستره ... / محمد الحنفي
- تشي غيفارا: الشرارة التي لا تنطفأ / ميكائيل لووي
- وداعاً...ايتها الشيوعية العزيزة ... في وداع فاطمة أحمد إبراه ... / صديق عبد الهادي
- الوفاء للشهداء مصل مضاد للانتهازية..... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - راتب شعبو - الموت تحت التعذيب