أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح هرمز الشاني - مقاربة بين روايتي الكافرة و حجر الصبر















المزيد.....


مقاربة بين روايتي الكافرة و حجر الصبر


صباح هرمز الشاني

الحوار المتمدن-العدد: 6204 - 2019 / 4 / 18 - 17:30
المحور: الادب والفن
    


مقاربة بين روايتي الكافرة و حجر الصبر
صباح هرمز
ثمة تقارب وتجاذب بين رواية (الكافرة) لعلي بدر ورواية (حجرالصبر) لعاتك رحيمي، يبلغ أحيانا حد الأرتياب بأعتكاز إحداهما على الأخرى. ذلك لأشتراك أكثر من أرضية بالتخوم الروائية بينهما. وأبرز هذه التخوم وأهمها هي الثيمة المبنية في كلا الروايتين على الظلم والأضطهاد اللذين تتعرض لهما المرأة في الدول المتخلفة التي دخلها الأرهاب في السنوات القليلة الفائتة كالعراق وسوريا وأفغانستان، والتخم الثاني المشترك بينهما، أن في كلا الروايتين شخصيتان فقط، إمرأة ورجل، فالرجلان فاقدان لوعيهما، والمرأتان تخاطبانهما من بداية الرواية الى نهايتها، بأتخاذ المؤلفين من أسلوب تقنية ضمير المتكلم (أنا) وضمير الغائب (هو)، وبالتعويل على الماضي، نهجا لسرد أحداث الروايتين، بالأضافة الى تكرار بعض الجمل والعبارات أو ما يشبه معناها في كلتيهما.
وبقدر ما نحن هنا لسنا بصدد وقوع أحدهما تحت تأثير الآخر، بقدر ما يهمنا إبراز الجوانب الأبداعية فيهما، في محاولة للكشف عن أوجه التقارب والتباعد بينهما، فمن الضروري التنويه الى أن رواية حجر الصبر لمؤلفها عاتك رحيمي، والفائزة بجائزة غونكور عام 2008 قد طبعت قبل رواية الكافر لعلي بدر المطبوعة في نسختها الأولى في بيروت عام 2015، بينما طبعت حجر الصبر عام 2013.
تدور أحداث الروايتين في (حجر الصبر) بغرفة في قرية من قرى أفغانستان، و(الكافرة) في غرفة أيضا ولكن بمستشفى في إحدى المدن البلجيكية، تحديدا ببروكسل. وقد جلست كلتا المرأتين أمام المريضين الممددين على سرير، وفي باطن ذراعيهما أو معصميهما (لا فرق) أنبوبة لحقن سائل، وهما في حالة غيبوبة، بفعل إصابة الرجل في حجر الصبر بطلقة في عنقه، وأدريان صديق صوفي في الكافرة بحادث سيارة.
والأسم الحقيقي لصوفي هو (فاطمة) التي غيرته أثر فرارها من بطش الأرهاب الى أوروبا، أملا ببناء حياة جديدة، تسودها الحرية وترفل بالرفاه والسعادة، بيد أنها لم تعش كذلك إلآ بضعة شهور مع صديقها اللبناني من طرف الأب والبلجيكي من الأم. الى أن وقع الحادث، بعد مرور عام على تواجدها في بلجيكا لتعود الى سابق عهدها منهارة النفس، محطمة القوى. وإذا كان هذا هو الجانب الأول الميؤوس منه لمسيرة حياتها في أوروبا، فأن الجانب الآخر الأكثر يأسا يتمثل في إكتشافها، إخفاء صديقها أدريان للكثير من أسراره عنها، سيما فيما يتعلق بأنضمام والده الى إحدى المليشيات المسيحية في لبنان، ومن ثم جنونه و إنتحاره. أما الجانب الثالث المهم والأهم من الجانبين السابقين، فهو الحياة التي عاشتها في إحدى القرى الصحراوية، وهي أغلب الظن العراق، تحت ظلم وقمع وإضطهاد تقاليد المجتمع العشائرية البالية، وعبودية زوج الأم، وإرهاب المسلحين الأسلاميين.
أما المرأة في حجر الصبر، فلا مفر منها للفرار من الوضع المأساوي الذي تعيشه مع زوجها، بعكس صوفي التي وجدت نفسها في النهاية وحيدة. وإن كانت تسعى بين فينة وأخرى الخروج من العزلة الموحشة التي تكتنفها، إلآ أن محكوميتها بتداوي زوجها والعناية بنظافته، فضلا عن وقوع تحمل مسؤولية إعالة طفلتين على عاتقها، حالا دون تنفيذ هذا القرار الذي أتخذته في أكثر من مرة وتراجعت عنه. كما أن ضيق المكان الذي كان يعيش فيه الأفراد الأربعة، وتعاملها بحدود ضيقة أيضا مع أفراد عائلتها المحصورة بعمتها فقط والتي تعيش في بيت الدعارة، بالأضافة الى الصبي الذي كان يزورها بين فترة وأخرى لممارسة الجنس معها، لعل كل ذلك جعلها أن تلجأ الى التمائم وآيات القرآن والتعاويذ، وبالتالي الى الأستنماء. موظفا المؤلف التمائم وآيات القرآن والتعاويذ لشفاء زوجها الذي تحولت جثته الى دعاء مقدس بفعل هذه الصلوات التي تتحمل وزر الأشرار، أو كما يرتأي أن يسميه المؤلف الحجر الذي يؤتمن على الأسرار، وموظفا العملية الجنسية والأستنماء، إنتقاما منه، لأنها كانت تمارسهما في نفس الغرفة الذي يقيم فيها. وطلبا لموته.
فالمرأة من شروع الرواية، تبدأ بدعاء صلوات الشفاء لزوجها عبر ترديد مفردة القهار التي تنطقها تزامنا مع سقوط حبة من حبات المسبحة في أصابعها الى أن يكتمل عدد حبات المسبحة البالغ تسعا وتسعين حبة، وتعيد تكرار هذه العملية يوميا تسعا وتسعين مرة. وقد مضى ستة عشر يوما عليها وهي تتلو أسماء الله الحسنى من دون توقف، وتعيش فيه على إيقاع تنفسه، وبلغ بها الأمر حدا جعلها، حتى إن لم تكن الى جانبه، تتنفس على إيقاع تنفسه ذاته، وفي اللحظة التي تكلمه فيها، بوسعها أن تحصي أنفاسه، الى درجة أنها لم تعد تقسم اليوم الى ساعات، والساعات الى دقائق، والدقائق الى ثوان، فاليوم بالنسبة لها يساوي تسعا وتسعين دورة من المسبحة. وبين حين وآخر تتوسل إليه لكي يعود الى الحياة من أجل طفلتيه فقط. وعندما تيأس وتفقد الأمل بنجاته، ينقلب توسلها هذا الى تمرد على الله : أقسم لك بأنني لن أتركه يذهب بعد الى القتال مثل مغفل بائس. حتى ولو بأسمك! سيكون لي هنا، معي.
ولأنها لم تعد تتحمل مرضه، فترغب في موته. وفي الوقت نفسه تتحمله، من أجل طفلتيه، ولكنها لا تريده أن يبقى بين الحياة والموت. لأن ذلك يزيد من عذابها ومعاناتها. ومن هذا العذاب وهذه المعاناة، تنطلق صرخة المرأة إحتجاجا على الماضي والحاضر، لتبوح بكل أسرارها ليس لزوجها الجثة فقط، وإنما لكل من ساهم ولو بجزء يسير من حط قيمتها.
ومن هنا أيضا يبدأ تمردها على زوجها وأهله، من لحظة شعورها أنه لا يتألم، إن لم يكن قد تألم طوال حياته أبدا، حتى وهو جريح، يبدو أن الألم قد عافاه.
ويعبر المؤلف عن هذا التمرد، أولنقل إحتجاج المرأة على زوجها، بهدف الأنتقام منه وتشويهه، متجسدا إياه في أربع حالات، وهي دخول الذبابة في فمه، تمرير الدم الفاسد الى دم العذرية، ممارسة العملية الجنسية مع الصبي، وعملية الأستمناء. وذلك بتداخل وتشابك الحالات الأربع بعضها مع البعض، عبر الأنتقال من حالة الى أخرى والعودة إليها ثانية . والحالة الثانية فقط تحدث في الزمن الماضي، أما الحالات الثلاث الأخرى فتحدث في الوقت الحاضر. . الآن...
وإذا كان المؤلف قد عبر عن الحالة الأولى بشكل مقرف، سعيا لأظهار الرجل ممسوخا من خلال دخول الذبابة في فمه، وتنتزعها أبنته منه، وهي تصرخ: بابا يأكل ذبابة!، فأنه في الحالة الثانية، يهدف إبراز مديات تخلف الرجل الشرقي، بالتعويل على طهارة المرأة في عدم فض غشاء بكارتها، وبالمقابل خوف المرأة حتى وإن كانت باكرة من عدم ظهور دم العذرية، كما في حالة زوجة الرجل الجثة في ليلة عرسها، إذ بالرغم من أنها لم تكن فترة حيضها، إلآ أنها كانت كذلك (حائضة)، نتيجة خوفها من عدم ظهور الدم. وبتأثير نفسي.
هكذا بهذه الطريقة كذبت المرأة على زوجها الجثة الممدد أمامها في ليلة عرسهما. وتهلل وجهه فرحا عندما رآى الدم. ولكنه ضربها بعد فترة من زواجهما، عندما رآى نفس الدم، ذلك أنه جامعها بعد عودته الى البيت ثملا وهي نائمة، و بدون أن يستشيرها، حين لاحظ دما يلطخ طرف ثوبه. ذلك لأنها من وجهة نظره جعلت منه نجسا.
وما أن تخطر ببالها هذه الحادثة، حتى تجد يدها وبحركة مفاجئة تندس نحو الأسفل، تحت ثوبها، بين فخذيها. . . . تغرز أصابعها بين ساقيها بعنف. . . تسحب يدها بصرخة مخنوقة: أنظر هذا هو دمي، دمي نظيف. ما الفرق بين دمي النظيف ودم الحيض؟
تنخفض يدها قرب أنف الرجل: أنت ولدت من هذا الدم، أنه أكثر نظافة من دمك. تلمس لحيته بأصابعه بشراسة، تشعر بأنفاسه وهي تداعب شفتيه. . . ترتجف ذراعها. تسحب يدها. تضغط الأصابع، فتطلق صرخة، بينما فمها أزاء الوسادة، صرخة وحيدة، طويلة. تفتت القلوب. وتبقى جامدة. لمدة طويلة. طويلة جدا.
كما أن المرأة تتمرد في حجر الصبر، كذلك فأن صوفي تتمرد في الكافرة، تتمرد كفاطمة ثلاث مرات، وكصوفي مرتين، أي أنها تتمرد خمس مرات، تتمرد في الأولى، رافعة الحجاب عن وجهها متحدية كل من كان هناك في ميدان الرجم، لتحدق في وجه الفتاة التي سترجم، وفي الثانية على والدها لأنها تأبى ردا على رجم الفتاة، إرتداء الحجاب أمامه، وفي الثالثة على مجتمعها، عندما تهرب الى أوروبا. أما كصوفي، فتتمرد على صديقها حين تتخلى عنه بالمرة، والثانية تتمرد على المجتمع الأوروبي في نهاية الرواية.
وهي مثل المرأة متشبثة بحياة صديقها أدريان، لأن الذكريات التي عاشتها معه لا تفارق خيالها، وهي تستمد سعادتها من هذه الذكريات التي تخشى أن تفقدها، وبفقدانها تكون قد عادت مرة أخرى وحيدة، ذلك أن الأجساد التي عرفتها قبله كانت بلا أرواح. أما الروح فهي فيه. . .
و تحدثه عن ماضيها، لأنها وحيدة ومعزولة عن الوسط الغريب الذي تعيش فيه، وتسعى الهروب من مشهد صديقها المؤلم الراقد امامها في المستشفى. ولكنها عندما تكتشف، أنه يخفي عنها الأشياء المهمة في حياته، خاصة إنحدار إنتمائه الى عرب لبنان، وغموض شخصيته، وجنوحه عاطفيا نحو النساء المستمدة من فترة مراهقته، وقصة والده مع الميلشيات المسيحية، وجنونه، وبالتالي أنتحاره، كل هذه العوامل جعلتها مثل المرأة في الكافرة، أن تعترف له بكل أسرارها، بما في ذلك رقادها مع سبعين رجلا، إنتقاما من زوجها الذي قام بتنفيذ عملية إرهابية من أجل سبعين حورية، تنتظره في الجنة. أقول كل هذه العوامل جعلتها أن تتركه الى الأبد : (سأرحل عنك، أعرف أن زوجتك بأنتظارك. فأنت لك أشباحك كما أنا لي أشباحي، لا يمكن أن نكون معا، فأشباحنا لا تجتمع مطلقا).
يعمد علي بدر وعاتك رحيمي الى إستخدام أسلوب تقنية الأيحاء، إقترانا بداية الرواية بنهايتها، في أكثر من مكان، وأبرز المشاهد التي يوظفها رحيمي في هذا المجال هو مشهد الذبابة المقرف والموحي الى أن الإنسان يحيا لكي يعمل وينتج، أما الإنسان الذي لا يعمل ولاينتج فلا جدوى من بقائه على قيد الحياة. معبرا عن هذا الإيحاء في حالتين، الحالة الأولى، بتخلي العنكبوت عن جثة الذبابة التي عافها النمل، ووثوبها الى أعلى السقف لتنسج فيها. والحالة الثانية، بمتابعة العنكبوت للخطوط المتعرجة للشرشف التي تقودها نحو لحيته. ثم تعود أدراجها بحذر وتندس بين طيات القماش. لربما لنسج كفنه. ومعظم إيحاءات الكافرة توميء الى النهاية غير السعيدة، ما عدا إيحاء واحدا فقط يشي الى النهاية السعيدة، وهو إيحاء صوفي بقدرتها على أبعاد شبح الموت عن أدريان، في نهاية الفصل الأول.
أما الإيحاءات غير السعيدة التي تأتي لصوفي، يصورها المؤلف على شكل رموز، ثم يقوم بتوضيحها. وهذه الإيحاءات، وإن كانت تعبر عن الزمكان الذي تتواجد فيه صوفي، إلآ أنها في الحقيقة تتجاوزهما، لتمتد وتشمل كل أحداث الرواية. ولعل رؤيتها من باب الزجاج الكبير المطل على حديقة المستشفى، خطوط أفقية ضاربة الى البياض، آخذة بالتحلل ببطء فوق العمارات العالية، بينما تصطبغ السماء ببريق ضارب الى الحمرة. ومقارنة رؤيتها لهذا المشهد، بصديقها وعلى جهة خاصرته جرح هائل، لتشعر لحظتها أنها في عزلة قاتلة، ولتفكر عندئذ في أن كل ما جرى لها طوال تلك الشهور، وإن كان حقيقيا، فقد كان له مظهر وهمي أيضا- غير معقول. تشير رؤيتها هذه الى تطابق معناها الرمزي بالمعنى المباشر لحالة صديقها الآن ولاحقا، ذلك أن المؤلف يقرن رؤيتها بما تشكو منه صوفي في الغرب، وهو شعورها بالعزلة، ليس بمعناها الأحتكاك بالناس، وإنما بمديات التفاعل معهم، وفهم الشرق للغرب وبالعكس:( تركت ذلك العالم وجئت الى الغرب كي اكون لاجئة دخلت المشهد مع الذين لا يعرفون أفكاري المليئة بالدم. . قالوا لي وصلت متأخرة لا مكان لك في مسرحيتنا).
وبالأضافة الى العزلة، فإنه يقرن رؤيتها بالمظهر الوهمي المزيف المبني على السعادة الوقتية التي عاشتها لبضعة أشهر مع صديقها. إنطلاقا من تصورها أن حبها لأدريان سيمنحها كل ما تتمناه، وأن الحياة في الغرب سهلة وغير معقدة ولا تعتورها الكرب. ولكن في أول تجربة لها مع صديقها، أثر إصابته، بدأت وجهة نظرها تتغير(لم يسبق لها أبدا أن وعت بعمق وحدتها قدر ما وعته تلك الليلة. فلا وجود لأي شخص غريب منها لتتمسك به أو لتحدثه عن حالتها. لقد شعرت بشكل كامل بعزلتها وفي المقابل برزت روح أنانية في داخلها، بل كراهية لكل من حولها. كانت عدائية في ذلك المساء).
والفصل الأخير من الرواية، أثناء إلقاء خطبتها في مقهى دون سون جيري، يوحي الى نفس المعنى، ولكن بلهجة أقسى وأقرب الى إدانة الغرب منه الى الشعور بالعزلة، والأنخداع بالمظاهر الوهمية.
والحلم الذي يأتي لصوفي منذ عشرة أعوام، هو الآخر يندرج تحت الإيحاءات التي يصورها علي بدر، بشكل رموز، ومن ثم يقوم بتوضيحها، وهي تخاطب أدريان، بعدم إستطاعتها تغيير هذا السواد ولكن ربما هو سواد وليس الموت، موحية هذه الجملة الى بقاء أدريان على قيد الحياة، ولكن بعد أن يحدث الفراق بينهما. معززا معنى السواد الدال على الفراق، بجملة أخرى، عواء الريح مع صوت بكاء شجي وحزين، ليؤكد من جديد على فراق الحبيبين، وليس موت أدريان أو أحدهما.
ولكن أجمل الإيحاءات المتقاربة في الروايتين، والتي يصورها مؤلف الكافرة، على شكل رموز، بعكس مؤلف حجر الصبر الذي يرتأي أن يرسمها بشكل مباشر، هي إيحاء الأول المتمثل في جملة: أشرب كم هو وحشي وفظيع ألآ تشرب. وإيحاء الثاني المتمثل في جملة: كنت نائما. أما أنا فكنت معطيتك ظهري، أداعب نفسي. وربما أيقظك لهاثي. فأنتفضت وسألتني عما كنت أفعل. كنت حارة وأرتعش. عند ذاك قلت لك بانني مصابة بالحمى صدقتني. ولكنك بعثتني بالرغم من كل ذلك الى النوم في غرفة أخرى مع الأطفال. كم كنت دنيئا!.
إن التقارب في هذين الإيحائين، يكمن في عدم إستجابة الرجل لرغبة زوجته الجنسية، وذلك من خلال طردها من الغرفة، لينال راحته في النوم. وأرديان خوفا من المجهول، هذا الخوف الذي تشبهه صوفي بخوف أمها. ويفضيان، الأول الى دعارة المرأة، والثاني الى هجرة أدريان، وإدنة أوروبا.
وكلا الروايتين، مثلما ينزعان الى الإيحاء، إقترانا البداية بالنهاية، كذلك فأنهما يوظفان الطيور والستائر لنفس الغرض. إذ تأتي مفردة الطيور لوحدها في حجر الصبر خمس عشرة مرة، ومفردة الستائر في نفس الرواية بالعدد ذاته، والذبابة أربع مرات، والدم ستا، والعنكبوت أربعا، والحجر الأسود كذلك أربعا، والقط ثلاثا، والنمل وطائر السلوى، كلا منهما مرتين.
فتوظف الستارة المطرزة القديمة والملآى بالثقوب، مرة لدخول أشعة الشمس الى المنزل، لتنقيته من الهواء الفاسد، ومرة ثانية للمزاح فتختبيء فاطمة وراء الستارة كي تفاجيء أمها بعد عودتها من السوق. أما الطيور فتوظف للهجرة والخوف، في الأول متمنية الطيران معها والخلاص من قريتها القريبة من الصحراء الرملية والجافة، ليس بأرضها فقط وإنما بالذين يقطنونها أيضا، وفي الثاني لأستقبال صديقها، روحها، خائفا من شرب الكأس التي في يده، لئلا يكون دمها، والثالثة للهجرة، والطيور محلقة في سماء ملونة بالأصفر والأزرق، في إشارة واضحة الى عالم جديد يسوده البهجة والسعادة.
أما بالنسبة لحجر الصبر، يبدأ هذا النمط من الإيحاء، إعتبارا من الستائر المثقوبة ذات الزخارف التي ترمز الى الطيور المهاجرة، ليكون المؤلف بهذا التزاوج بين الستائر والطيور، قد كشف تلقائيا القصد من هذا الإيحاء. وتشترك ستائر كلا الروايتين بوجود ثقوب فيها لتسمح لأشعة الشمس بالنفاذ الى الغرفة. موظفا إياها في الثانية لتعلق العنكبوت بالستارة والتسكع حول الطيور المهاجرة المرسومة، في سماء صفراء زرقاء، في إيماءة الى بناء حلم المرأة على الهجرة التي تتأمل منها السعادة. وفي الثالثة، تشي إبعاد سبطانة البندقية عن الستائر المرسومة بطيور مهاجرة، الى سعي الميلشيات منع تحقيق حلم المرأة، ومقاومتها لهم. وهكذا الى العديد من الإيحاءات التي يكسبها هذا التزاوج بين الستائر والطيور المرسومة عليها.
يتخذ رحيمي وبدر من سرد بطلتيهما لماضيهما، ذريعة لفضح الأعمال الأجرامية التي يقوم بها المسلحون الأرهابيون من جهة، وتعامل الرجل الشرقي مع المرأة من جهة أخرى. ولأن الرقعة التي تشغلها فاطمة في القرية، قياسا بالرقعة الضيقة وهي الغرفة التي تشغلها المرأة، فمن الطبيعي أن تكون فسحة الحركة الممنوحة للأولى وتعاملها مع الناس المحيطين بها أوسع، وأكثر شمولية من الأولى، بدليل أن المرأة عندما تتحدث عن ماضيها، فلا تأتي سوى على سيرة مجموعة صغيرة من الناس، وهذه المجموعة محصورة بعمتها وأهل زوجها، بينما عندما تتحدث فاطمة عن ماضيها فلا تتحدث فقط عن والدها ووالدتها وزوجها وصديقاتها والأرهابيين، وإنما عن كل الساكنين في القرية، وبالمقابل فأن المرأة أسيرة الغرفة، لذا فهي لا تذهب الى أحد، بل الناس هم الذين يأتون إليها، بعكس فاطمة التي تتحرك بحرية، مثلما في البيت كذلك في خارجه.
وإن دل هذا الفارق على شيء، فإنما يدل على وفرة الأحداث في الأولى، وقلتها في الثانية. كما أن هذا الفارق يدل في الوقت نفسه، بقدرة تحويل الروايتين الى مسرحية مونودراما، ولكن الفرص المتاحة والمتوفرة للثانية أكثر من الأولى. ربما لأعتمادها على ما يدور من أحداث في الوقت الحاضر، أكثر من الكافرة أيضا، وهذه المسألة كما هو معروف في المسرح لها أهميتها القصوى.
لتحلي شخصية الكافرة بالرومانسية، أضطر المؤلف أن يرسم الأحداث الجارية في الرواية ومونولوجات صوفي، بلغة شاعرية، تفضي الى تكوينات لأشكال جمالية في غاية الأتقان، ولعل إنبهار المؤلف بهذه التكوينات التي ضخت الرواية بجمل مكثفة وقصيرة، واللهاث وراءها، جعله أن لا يعطي كل المعلومة لمتلقيه، بدفعة واحدة وإنما بشكل جرعات، بعكس مؤلف حجر الصبر، إذ بالرغم من أن روايته لاتقل شأنا عن الكافرة في إنشاء الجمل القصيرة، غير أنه كما يبدو لا يستغل هذا الجانب، لذلك فيمنح المعلومة، بعكس مؤلف الكافرة، بدفعة واحدة وليس على شكل جرعات.
وثمة نماذج كثيرة من هذا النوع، إلآ أنني سأستعين بنموذج واحد من كلا الروايتين. وهو مكان رقاد صديق صوفي وسبب حدوث الإصابة، ونفس الشيء بالنسبة لزوج المرأة.
ولو عدنا الى قراءة حجر الصبر من جديد، شروعا من بدايتها لوجدنا أن المؤلف من مطلع السطر الأول، بل من الكلمتين الأولين، يعلن عن مكان رقاد المريض، وهو غرفة ضيقة، هكذا: ( الغرفة ضيقة مستطيلة). وبعد عدة أسطر، تحديدا في السطر التاسع من الرواية، سبب وقوع الحادث، وإن لا يعلنه بشكل مباشر، إلآ أن وجود الخنجر معلقا فوق رأسه، دليل واضح على إصابته بالشجار. بينما في الكافرة لا يعلن المؤلف عن مكان رقاد المريض إلآ في المرة السادسة من وجود صوفي بقربه، وفي السابعة سبب وقوع الحادث، هكذا:
1- أنا هنا قربك.
2- كانت قد جلست الى جانبه.
3- أمتزج رنينه بصوت تنفس صديقها.
4- وهي تنظر الى وجه أدريان المسجى أمامها.
5- تتأمل وجه أدريان الغافي.
6- تتكلم صوفي مع صديقها بينما هو ممدد على سرير في مستشفى.
7- كان الشاب قد هزل بسبب حادث السيارة.
وبقدر إبتعاد الروايتين في هذا الجانب عن بعضهما البعض، بالقدر نفسه يتقاربان في جوانب أخرى كثيرة، ما عدا الجوانب التي تطرقنا إليها سابقا. ثمة تقارب الى حد كبير، في صياغة الجمل والعبارات الموظفة في ضماد المريضين، وحتى وضعية جلوس صوفي والمرأة أمامهما.
وللأستدلال على ذلك، سأدون الجمل والعبارات الواردة في الروايتين، ليقارن المتلقي بنفسه مديات هذا التقارب.
حجر الصخر:
1- في باطن ذراعه الأيمن أنبوبة لحقن سائل لا لون له يأتي من كيس بلاستيكين معلق على الحائط ، تماما فوق رأسه. أما ما تبقى من جسده فمغطى بقميص أزرق مطرز من الرقبة والأكمام. ساقاه المتصلبتان مثل وتدين يتوازيان تحت شرشف أبيض، متسخ.
الكافرة:
1- في معصمه الأيسر أنبوبة لحقن سائل يأتي من كيس بلاستيكي معلق أعلى السرير. جسده عار مغطى بشراشف بيض نقية. ساقاه جميلتان تنكشفان من أسفل الركبة.
حجر الصبر:
2- ويد هي يد إمرأة، تهتز على إيقاع تنفسه فوق صدره، على قلبه. كانت المرأة جالسة وساقاها مطويتان ومدمجتان الى صدرها. و
يختبيء رأسها بين كتفيها، أما شعرها فهو شديد السواد، طويل، ينسدل على كتفيها المتدليتين، بحسب الحركة المنتظمة لذراعها.
الكافرة:
2- تضع أحيانا يدها في يده اليمنى. تجلس الى جانبه على السرير تطوي ساقيها وتضع رأسها على الحافة. شعرها الطويل الشديد السواد، ينسدل على كتفيها الثابتين.
ويمتد هذا التقارب الى عنوان رواية الكافرة الذي يأتي على لسان المسلح في رواية حجر الصبر، ردا على المرأة التي تبلغه بأنها تبيع جسدها، وإذا كانت مفردة الكافر، قد جاءت مرة واحدة في حجر الصبر، فإنها قد جاءت في الكافرة ثلاث مرات، مرة في أنها، أي صوفي إمرأة كافرة، ومرة أخرى في كنت أريد أن أكون كافرة، والمرة الثالثة في ها أنا كافرة.
ومن الجمل المتقاربة أيضا. جملة: علي أن أكون قوية ثابتة. في الكافرة. حيال جملة: كي تمنحني القوة والأيمان. في حجر الصبر. وجملة: لم اعد اتحمل ذلك. في الثانية. و: لا طاقة لي على هذا الصمود. في الأولى. وجملة: السعادة لا تستمر طويلا. في الأولى. أزاء: لا توجد نهاية سعيدة. في الثانية. . . .


صباح هرمز
5/5/201





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,210,370
- الرجع البعيد بين تقنية الأيحاء وعملية التطهير
- وحدها شجرة الرمان . . بين تقنية المكان. . وعملية التناص
- الآنسة جوليا.. وحلم التحرر من السلطة
- السمات المشتركة في مسرحيات ابسن
- مناطق التغريب في مسرحيات بريخت
- تينيسي ويليامز.. والكوميديا السوداء
- هل مسرحية ايفانوف فاشلة...؟..!
- مسرحيات محي الدين زنكنة في توظيف الرمز للبناء الدرامي
- مسرحيات جليل القيسي : الانتظار + الحلم + اليأس = الموت او ال ...
- الغواية بين روايتي عزازيل و الوسوسة الاخيرة للمسيح
- قراءة في صنعة مسرحيات تشيكوف الاربع الطويلة
- قراءة في صنعة مسرحيات تشيكوف
- (الخال فانيا...بين برودة الحدث...وغلبة النماذج) الرديئة على ...
- في بغديدا الخطيئة الاولى ...بين الامكانيات المحدودة ..وعدم ت ...
- النص المسرحي.. (الشبيه).. وتوظيف الرموز والدلالات
- الملجأ ......... بين التمرد والغموض
- شلومو الكردي... بين توظيف الاسطورة.. وعنصري...التوقع والربط
- ديوان.. كتاب الماء.. بالعربية
- (عمارة يعقوبيان ..بين الرواية ..والسينما)
- روايات عبدالستار ناصر بين توظيف السيرة الذاتية وتحفيز المفار ...


المزيد.....




- دوري رمضاني يشعل فتيل الحرب بين البام والكتاب بمرتيل
- المغرب يستجيب لدعوة القمة العربية غير العادية في السعودية
- في ضرورة الثورة الفكريـة ( الجزء الثاني ) بقلم: حمه الهمامي ...
- خطأ جسيم يكاد يقتل ضيفة -رامز في الشلال-! (فيديو)
- كيف تعرفت نانسي عجرم على زوجها طبيب الأسنان؟ (صور)
- الصاوي: مبارك يستحق كل وسام حصل عليه!
- عظمة اللغة العربية وخلودها ومكانتها ترجع إلى ارتباطها بالقرآ ...
- مجلس الحكومة يوافق على اتفاق بين المغرب وصربيا
- مشروع مرسوم بتغيير وتتميم تطبيق مدونة السير
- بضغط من اخنوش.. فريق التجمع الدستوري يعيد النقاش حول الأمازي ...


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح هرمز الشاني - مقاربة بين روايتي الكافرة و حجر الصبر