أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حكمت حمزة - التنوير...والتنوير المضاد















المزيد.....

التنوير...والتنوير المضاد


حكمت حمزة

الحوار المتمدن-العدد: 6204 - 2019 / 4 / 18 - 17:17
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا بد أن كل المهتمين بالوضع الحالي الذي يعصف بالمنطقة العربية، يلاحظون درجة التشتت والضياع التي أصابت الشارع العربي بسبب ما حدث في السنوات الماضية، وهذا غير مستغرب، إن قارنا مستوى وأسلوب الحياة التي كنا نعيشها، مع مستوى الوعي الذي كان متواجدا لدى البشر. بالرغم من أن هذه الأحداث تحمل الكثير من المساوئ والانجرافات الفكرية المتطرفة واللامنطقية، إلا أن فيها نقطة قد تحسب بأنها إيجابية إن قارناها مع باقي المساوئ، ألا وهي أنها نبهتنا إلى أي مدى وصل الشرخ الفكري لدى المواطن هنا، والذي يحتاج علاجا فعالا سريعا وعاجلا، لأن هذا البركان إن هدأ الآن بفعل مسكن دون علاج، سيعود مرة أخرى بانفجار ينسف كل شيء.
ومع تواجد وسائل التواصل الاجتماعي، ووجود جيل من الشباب المتنور المندفع، انطلقت بعض الحملات التنويرية في عالم التواصل الاجتماعي، وبدأت تزداد سوما بعد يوم، ويزداد الجمهور المتأثر والمتفاعل معها، وتدريجيا بدأت تنتشر وبشكل واسع ظاهرة الالحاد، أو التحول من دين لآخر، وبدأ يعصف هذا التيار الفكري الذي تغلب عليه العاطفة بشكل كبير، ولا تظهر فيه العقلانية إلا في نقاط قليلة، ولكن لنسأل أنفسنا سؤالا، هل نحن فعلا متهيئون لاستقبال هذا التنوير؟ وهل نملك الأرض الخصبة لتلقف أفكار كهذه، تنمو وتترعرع في عقولنا؟
كرد على التساؤل السابق، أرى من وجهة نظري أن عقولنا لا زالت غير صالحة بعد، وتحتاج إلى استصلاح، وبدء من نقطة الصفر، لأن الموجة الحالية أعلى بكثير من مستوى التفكير الذي يتوفر لدى العامة، وبناء عليه، يمكن أن تناقش أخطاء التنوير من النواحي التالية:
*** أولا: المتنورون وطروحاتهم:
نرى ونسمع الكثير من خطب التنوير، والتي يغلب عليها جيل الشباب حاليا، خصوصا على الانترنت، وسنفرض جدلا مصداقيتهم جميعا في حملاتهم التنويرية، وصدق النوايا وحسنها، ولكن هل ما يفعلونه حاليا هو صواب؟ وهل الطرح المقدم ملاءم للناس في الوضع والظرف الحاليين؟
وفق وجهة نظري القاصرة، أقول متأسفا لا، لأن ما يجري حاليا يضر بالتنوير أكثر بكثير مما يفيده، وهو غير ملاءم البتة في هذا الوقت، لأن أغلبهم يضع نفسه في موضع النقد الديني وإثارة الشبهات وتفنيد الأديان وتبيان بطلانها بالإضافة إلى إظهار الالحاد بأعمق تفاصيله العلمية والعقلية، بأسلوب يشوبه نوع من البغض ونثر بذور نوع من العداء صد فئات بشرية معينة. بدون شك فإن أصل ما سبق يندرج تحت حرية التعبير عن الرأي في الكثير من تفاصيله، ولكني أراه تصرفا مبكرا جدا، ولا يناسب المرحلة الحالية بأي شكل من الأشكال، خصوصا أن طريقة وآلية الطرح، لا تنسجم كثيرا مع التنوير ومفهوم التحرر من الضوابط غير العقلانية.
مرحلة الجهر بالإلحاد الآخذة بالاتساع، لا يجب ان تولد في رحم هذا العصر، لأن هذه الأفكار تحتاج إلى مجتمع متقدم، وأرضية خصبة كي تنمو وتترعرع دون أن تحصدها أيادي المتطرفين والحاقدين الناقمين، لأن الشريحة العامة اليوم، لا زالت غير قادرة على تقبل حرية الرأي، بل إن الكثير لا يعرف المعنى الحقيقي لحرية الرأي، ويمكن تشبيه الوضع الحالي بأننا نريد أن نجني ثمار زرع في أرض غير صالحة للزراعة أصلا، وخير دليل على ذلك، ما يتم تداوله بين الأوساط المحافظة عن الديموقراطية والعلمانية والحرية، وقد استغل رجال الدين والمبشرون والدعاة ذلك خير استغلال، فهم يقتبسون مما هو منتشر الآن، ما يمكنهم وبكل سهولة وبساطة، إظهاره للآخرين على أنه الوجه الحقيقي للعلمانية والديموقراطية، ويقدموها لهم في قالب يصورها على أنها بداية للقضاء على الأديان وتخريب المجتمعات وإفسادها شر فساد. يمكن إرجاع ما سبق إلى أن الكثيرين ممن يدعون التنوير أو العلمانية أو الالحاد، قاموا بتغيير منظوماتهم الفكرية على أساس رد فعل عاطفي أكثر من كونه نتيجة بحث وتقصٍّ عقلاني وموضوعي، لأن ما نراه مشاب كثيرا بالعواطف، والتنوير الحقيقي لا يتبنى أي عاطفة أو إيديولوجيا مسبقة الصنع، و كل ما عدا ذلك ليس تنويرا، وإنما محاولة التفاف على عقول البشر واستقطابهم إلى جهة معينة، تحت مسمى التنوير، بينما هو تنوير مضاد بكل بساطة.
*** ثانيا، الوسط الاجتماعي المتلقف للتنوير:
هنا الحديث عن الناس المتابعين لمن هم مخصوصون بالذكر في الفقرة أعلاه، الذين أغرموا لسبب أو آخر بمن يظهرون ويترأسون منابر التنوير الحالية، وللأسف فإنهم يكملون رسم اللوحة الخاطئة التي خطها المتحدثون قبلهم، و قد لوحظ انتشار المنظومات الفكرية الجاهزة بين هؤلاء أيضا، ويكفي أن تسأل أحدهم مثلا عن سبب إلحاده أو تركه لدينه، لترى أن الإجابات كلها تدور في فلك واحد، ومنها مثلا: محمد تزوج عائشة عندما كانت بعمر تسع سنوات، رضاع الكبير، بول البعير، سبايا أوطاس، زواج محمد من زينب بنت جحش، حد الردة، آية السيف، المسيح كيف يكون الله الظاهر بالجسد؟، كيف للإله أن يكون ثلاثة، كيف للمسيح وهو إله أن يرضع من ثدي أمه، دموية إله التوراة...الخ، والاجابات العقلية الحقيقية خارج هذا النطاق قليلة جدا، وهذا أيضا يحول التنوير المطروح إلى تنوير مضاد من حيث لا يشعرون، فالإجابات سالفة الذكر، لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تؤدي إلى الإلحاد، يمكن أن تؤدي إلى ترك الدين نعم، ولكن فكرة الإيمان والإلحاد لا تتعلق بهذه التفاصيل إلا بخيوط رفيعة جدا وبعيدة جدا، فهناك الكثير من الأديان حول العالم، وعدم اقتناع الشخص بأفكار دين ما، لا يعني أن الإله أو الخالق أو الصانع غير موجود، هما موضوعان منفصلان، فربما من يبحث ويتعب نفس في القراءة، يجد ضالته في دين آخر غير ابراهيمي. هذه الأفكار دليل على أننا لم نخرج من فلك التقليد بعد، ولا زلنا نستورد الأفكار مسبقة الصنع استيرادا، ومعظمنا لم يفكر في التمحيص فيها أو تعديلها أو حتى صناعة فكره بنفسه بعيدا عن النماذج الجاهزة، وهذا واقعا ضد التنوير الحقيقي الذي يدعو إلى تحرير العقل من كافة القيود المفوضة على التفكير، لا أن نقوم بتقليد الآخرين تقليدا أعمى وتبني أفكارهم التي لم نبذل أي جهد في صناعتها، مما يجعل من المجتمع يراوح في مكانه، ويضفي عليه سمة (سليلي الأصنام) (جمع سليل الأصنام)، فلا زلنا حتى الآن نحتج إلى صنم وأيقونة نضع أنفسنا وعقولنا تحت تصرفها طالما أنها تؤدي عملها بشكل يتوافق مع هوانا وما نشتهي، وأي تغيير يشوبها يؤدي إلى خلعها عن عروشها الافتراضية التي رسمناها لها، وهذا دليل آخر على ان التنوير المفترض ليس إلا تنويرا مضادا، لأنه لم يطور الفكر والعقل قيد أنملة، ومنذ أيام قليلة، أعلن أحد اللادينيين المعروفين على موقع يوتيوب، أنه بعد تفكير طويل عاد للإسلام، وبغض النظر عن أسباب عودته ان كانت عاطفية أم ناتجة عن تفكير موضوعي، إلا أن ردود الفعل لدى الجمهور أظهرت مدى الخلل الذي ضرب أطنابه في عقولنا، فالبعض اتهمه بقبض أموال، وآخرون اتهموه بأنه كان يمثل ويخدعهم، والآخرون بدأوا بالسخرية منه لأنه سيؤمن ببول البعير والاسراء والمعراج...الخ
*** ثالثا: متنورو الأديان والمذاهب الأخرى:
لا يقتصر الأمر على التبشير بالإلحاد أو العلمانية تبشيرا أعمى دون بصيرة، وإنما هناك موجة من مبشري الأديان الأخرى، الذين يقومون بالدعوة لأديانهم وإظهار بطلان ديانات الآخرين، ويستخدمون لذلك جميع الأساليب بما فيها العاطفية والفكرية والمالية أيضا، في سبيل زيادة عددية دون عقلية أو فكرية، فالمسيحيون يبشرون بالمسيح وينتقدون الإسلام لإظهار بطلانه، والمسلمون يفعلون نفس الشيء ضدهم، والسنة يبشرون ضد الشيعة، والشيعة ضد السنة، وكل من سبق يردون على شبهات بعضهم البعض لإبراز المعتقد الذي يتبناه المبشر على أنه الحق ودونه الباطل، وهذا ليس تنويرا مضادا، بل هوا باطل ما بعده باطل، فعلى المستوى العقلي الكبير، لا يدعوك هذا التبشير إلى التحرر من سيطرة الخرافة في سلوكك ضمن المجتمع والدولة والتعامل مع الآخرين بل يرسخ الخرافة في العقول ويثبتها، ويريد منك فقط تغيير صوت الخرافة الذي تسمعه، وتعديل ملامح صورته في ذهنك. أما على المستوى العقلي الصغير، فهو لا يدعوك للتحرر من سياسة القطيع، بل يدعوك للانتماء إلى قطيع آخر، ووضع نفسك بموضع تمييز عن الآخرين بانتمائك لفكره أو دينه ومذهبه، مجملين أفكارهم بشذرات من الإنسانية وبعض العواطف، وكوننا جميعا نعرف أنه لا يوجد دين يدعم الحرية والديموقراطية والمساواة مع الآخرين، يمكننا القول على سوية خاصة، أن أي تنوير يتبنى عقيدة دينية لا يسمى تنويرا، أما على سوية عامة، فإن أي تنوير يتبنى أي أيديولوجيا مسبقة الصنع، قطعا لا يسمى تنويرا.
وأخيرا، علينا أن نركز في البداية على دفع الناس نحو الحرية بطريقة صحيحة، و محاولة جعلهم قادرين على تقبل التيارات المخالفة والآراء الأخرى، وهذا يتم بنشر التعليم الصحيح والحض على القراءة والاطلاع، و تنمية العقل النقدي الموضوعي لدى الشعوب، وترسيخ النظام الديموقراطي العلماني لذي يتسع صدره لكافة فئات البشر، وليس بسب المقدسات أو الاستهزاء بها، وإظهار المتدينين التقليديين المحافظين على أنهم أغبياء لا يفقهون، وإلا فألف سنة أخرى غير قادرة على تغيير الوضع السيء الذي تعيشه المنطقة





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,358,508,149
- عبث وبعثرة وركام
- صناعة الوهم والقدسية والشيطان...4
- صناعة الوهم والقدسية والشيطان...3
- صناعة الوهم والقدسية والشيطان...2
- صناعة الوهم والقدسية والشيطان...1
- هذا ما يجب أن نفعله يا مايكل
- قتلوكِ يا نبض العروبة
- يا قلبها.....
- قرآنيون...ولكن...
- السعودية، بشار الجعفري، وهيئة علماء المسلمين....عندما تتحدث ...
- كيف نجعل من النقد الديني أكثر فعالية وفائدة
- الرايات
- السياسة والدين...من منهما يستغل الآخر
- نحارب الخرافة للقضاء على الاستبداد لا الدين
- في سوريا
- تساؤلات وتناقضات بسيطة في قصص القرآن...هود و صالح
- إليكِ يا آلهة الهيام
- الخريف الخامس
- جمال خاشقجي الذي يساوي ملايين البشر!!
- تساؤلات وتناقضات بسيطة في قصص القرآن...نوح


المزيد.....




- إندونيسيا: الرئيس المنتهية ولايته جوكو ويدودو يفوز بولاية رئ ...
- شاهد: الرشق باللبن المخفوق جزاء "عراب البريكست"
- التحالف: الحوثيون استهدفوا منشأة مدنية في نجران
- السعودية: الحوثيون حاولوا مهاجمة مرفق حيوي في نجران بطائرة ب ...
- مراسلون بلا حدود: السعودية تحتجز صحفيين عربيين منذ شهور
- شاهد: الرشق باللبن المخفوق جزاء "عراب البريكست"
- التحالف: الحوثيون استهدفوا منشأة مدنية في نجران
- روحاني يكشف عدد المرات التي دعت فيها الولايات المتحدة إيران ...
- بعد ميركل.. ماكرون يحذر من -مؤامرة- لتفكيك أوروبا
- غوّاص يسبح مع حوت أزرق ضخم في لقطات مثيرة!


المزيد.....

- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حكمت حمزة - التنوير...والتنوير المضاد