أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود شاهين - عديقي اليهودي . رواية .















المزيد.....



عديقي اليهودي . رواية .


محمود شاهين
(Mahmoud Shahin )


الحوار المتمدن-العدد: 6202 - 2019 / 4 / 16 - 08:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عديقي اليهودي
" رواية فكرية تاريخية سياسية "

إهداء:
إلى كل محبي السلام ، وكل من سعى يوماّ إلى سلام ممكن ، يحقن الدماء بين الشعبين الفلسطيني
والإسرائيلي ، وأي شعوب في العالم .
فاتحة :
ليس من غايات هذه الرواية ، الإساءة إلى الإله " يهوه " أو أي إله آخرمهما كان . إن من غاياتها ،الدفاع عن الإله يهوه ، وعن مفهوم الألوهة بشكل عام - التي يفترض أنها لا تحمل ، إلا أسمى آيات المحبة والخير والعدل والجمال ، وتنزه نفسها عن كل نزعات الشر والانتقام والعذاب والعنصرية والعدوانية مهما كانت ، وتسعى إلى إقامة حضارة إنسانية ، يتمتع فيها الإنسان بأكبر قدر من السعادة والمحبّة - أمام نصوص نسبت إلى آلهة ، أنتجتها عقول بشرية تنتمي إلى ثقافة بدائية ، لم تكن قادرة على فهم الألوهة ، والغايات التي ينشدها الخالق من الوجود والخلق .
محمود شاهين .
15 /4 / 2018













(1)
* عارف نذير الحق يلتقي خصمه !
كان في مقدوري أن أقتل عدوي، غير أنني لم أفعل. وآمل أن لا يقدم على قتلي ذات يوم . كنت أمارس رياضة المشي شبه اليومية في بطاح برّيّة القدس التي شهدت طفولتي، وراحت مستوطنات الإحتلال تقضمها شيئا فشيئا ، على مرأى من أنظارنا وأنظار العالم ، دون أن تفلح احتجاجاتنا في الحد منها أو التوقف عن بنائها .. كنت سائرا في منعطفات وادي الدكاكين الذي شهد الكثير من وقائع طفولتي الرعوية ، حين رأيت على مسافة أمتار أمامي قدمين بنعلين رياضيين تبرزان من جانب حائط صخري . توقفت "لا شك أنه الصياد الذي اعتاد أن يأتي من المستوطنة القريبة. سمعت بعض طلقاته هذا اليوم خلال تجوالي" وقد اعتاد الصيد في هذه المنطقة منذ أكثر من عام، ورغم تجوالي الكثير فيها لم أحاول أن ألتقيه ، لتخوفي من اقدامه على قتلي. لذلك كنت حريصا على الإبتعاد قدرالإمكان عن المنطقة التي يصطاد فيها ، فلا أريد أن أكون صيدا ثمينا على قائمة طرائده . هذا اليوم جرى معي ما لم أعتده ، فقد اقتربت أكثر من أي يوم آخر من منطقة صيده ، دون أن افكر في أنني سألتقيه .
بقيت مترددا للحظات بين متابعة سيري أو التراجع . ولا أعرف كيف واتتني الشجاعة لأن أتقدم ببطء، متحاشيا أن تطأ قدماي حصباء الوادي حتى لا أحدث صوتا. دنوت بضع خطوات ..انكشفت ساقا الرجل أمامي وإلى جانبهما بدت سبطانتا بندقية الصيد " يبدو أنه نائم، وقد تمدد إلى جانب الحائط بالطول لأن ظله كان طوليا أكثر مما هو عرضي. تقدمت ببطء شديد . انكشفت قامة الرجل كلها أمامي، وقد وضح لي أنه يغط في نوم عميق، بعد عناء السعي خلف الطرائد . ثمة بعض طيورالحجل إلى جانب جثة ثعلب مما اصطاده . اقتربت ببطء إلى أن أصبحت البندقية في متناول يدي. مددت يدي بهدوء وأخذتها . جلست على حجرصغير على مسافة تقل عن المترين منه . تأملت البندقية . إنها من النوع القديم ذي السبطانتين الذي يمكنني استخدامه . لم تراودني فكرة قتله، لأنني ضد القتل من حيث المبدأ، وربما لإحساسي أن قتله لن يحل المشكلة ، فهي مشكلة وطن بكامله، وليست مشكلة شخصية معي، ولو كان الأمر كذلك لربما قتلته وانتهى الأمر. عالجت سبطانتي البندقية لأتأكد من أنها محشوة .كانت كذلك .أحدثت العملية صوتا أيقظه .. فتح عينيه فزعا ونظر نحوي لينتفض جالسا بنصف قامته على مؤخرته وساقيه . هيّأت البندقية ووجهت وضع سبطانتيها نحوه وأنا أضع اصبعين على الزنادين :
- لا تخف ! لكن أية حركة غير عادية سأضطر إلى اطلاق النار عليك .
قلت ذلك بعبرية ركيكة .
راح يستعيد وعيه كما يبدو في محاولة لمعرفة ماذا يجري، وما لبث أن هتف بالعربية:
- من أنت ؟
- أنا عدوك، ومن يشاركك التجوال في هذه البطاح !
- لماذا لم تقتلني؟
- لو أعرف أن قتلك يحل المشكلة لقتلتك ! وقد أقتلك يوما ما حين أصبح على يقين مطلق من أن مشكلتي كفلسطيني لن تحل دون قتلك !
- ولم تصل بعد إلى هذا اليقين ؟
- الظروف هي من حوّلني وحوّل قومي عن هذا اليقين بعد أن كان قائما ولو بحدود لبضعة عقود .
بدا لي أنه يفهم أبعاد كلامي جيدا . هتف:
- وهل تعتقد أن هذا اليقين سيعود إليكم ؟
- أفعالكم كمحتلين لا تشير إلا إلى ذلك رغم اوسلو وكل ما وقعتم عليه من اتفاقيات . أنتم تدفعوننا إلى اتخاذ القرار الصعب ، إما وجودكم وإما وجودنا ! لا مجال لوجودين حسب ما يجري على أرض الواقع من قبلكم . لقد تنازل الفلسطينيون لكم عمّا هو أكثرمن الممكن من وطنهم ، ومع ذلك لم تقبلوا ، وجعلتم من اوسلو مجرد قاعدة وهمية لإدارة صراع لا لإنهائه .
- أعتقد أن كلامك صحيح ، فنحن ندير صراعا بالحد الأدنى من الخسائر. فمن يدير صراعا على قاعدة السلام ليس كمن يدير صراعا على قاعدة الحرب. لكن إذا ما تطلب الأمر أن نبيدكم عن آخركم يوما ما فلن نتوانى عن ذلك ، رغم أن موقفي الشخصي قد لا يتفق مع هذا الطرح الإسرائيلي المتطرّف !
- لكن إن أبدتمونا فلن تستطيعوا إبادة العرب والمسلمين وأحرار العالم ، وستبقون معزولين ومحتقرين أمام البشرية جمعاء . فهل ترضى أن يعيش أبناؤك وأحفادك تحت وطأة هذا الكره الشديد لهم . أقول هذا دون التطرق إلى ما يمكن أن نوقعه نحن بكم قبل إبادتنا. فلسنا على هذا القدر من ليونة العظام كما تعلم ، وليس من السهل كسر عظامنا، وستعانون الأمرين قبل أن تبيدونا !
راح عدوي يضحك وما لبث أن توقف فجأة عن الضحك ليهتف وكأنني لامست بعض ما هو دفين في دخيلته عن المستقبل .
- ما الحل حسب رأيك ؟
- على المدى البعيد هناك حل واحد لا غير، دولة ديمقراطية علمانية للجميع ، فشعب جنوب افريقيا ليس أكثر تحضّرا وتطورا منا ومنكم . لقد سبق لي وأن خاطبت مثقفيكم وجنرالاتكم وقياداتكم بذلك ، في رسالة نشرتها في مواقع كثيرة على الشبكة العنكبوتية . مسألة قتلكم أو رميكم في البحر لم تعد مطروقة . ولو فكرتم بجديّة وبعقليّة مسالمة لقبّلتم أيدي من سعى إلى إقامة سلام معكم ، بدءا من ياسر عرفات وأبي مازن إلى أصغر قائد فلسطيني .
هتف بعد برهة تفكير في ما قلته :
- وماذا على المدى القريب ؟
- لا بد من إقامة دولة فلسطينية على أراضي ما قبل الخامس من حزيران 1967 حسب اوسلو.
عاد عدوي إلى الضحك لكن باستهزاء وسخرية هذه المرة .
- هذه أرضنا وأرض أجدادنا منذ ثلاثة آلاف عام ونيف ، وليس فيها متسع إلا لنا ، ولنا وحدنا ، إنها الأرض التي منحها الله لنا ، وستظل لنا مدى الحياة .
أنا من ابتسم بسخرية هذه المرّة وأنا أتساءل:
- أي إله هذا الذي يمنح أرضا لشعب دون غيره من شعوب الأرض ؟
- إلهنا العظيم يهوه !
- ألا ترى أن إلهك هذا إله عنصري، حسب ما صوّره عقل بدائي، إذا ما افترضنا وجوده وحقيقة ما وهبه لكم ؟ أنتم لستم أكثر من كيان غريب قرر المستعمرون زرعه في المنطقة العربية، منذ أوائل القرن الماضي، للإبقاء على حالة توتر دائمة فيها، حتى لا تنهض وتسير بركب الحضارة الإنسانية ، فهي تسيطر أو تطل بأراضيها الشاسعة على أهم السواحل في العالم، وعلى أهم الشرايين المفصلية للكرة الأرضية، من مضيقي هرمز وباب المندب وقناة السويس، إلى مضيق جبل طارق، إضافة إلى ثراء أرضها بالمواد المختلفة ، وامتدادها على أراض لقارتين.
- ما يهمني هو منح الأرض لنا ، ولا يهمني أمر عنصرية الله إن كان عنصريا ، كما لا يهمني أمر وجود آلهة ودول أخرى ساعدت على قيام دولتنا . ما يهمني هو أمرنا وإلهنا ومنحه الأرض لنا ، وإذا لم يكن له وجود، سأظل مؤمنا بوجوده لهذا السبب دون غيره ، فأمر تفضيلي على البشرية أمر يستحق الإيمان بهذا الإله حتى لو لم يكن له أي وجود !
- إذن أنت غير متدين ؟!
- إلى حد ما غير متدين ، فأنا لا آبه بالطقوس والصلوات ..
خطر لي أن أسأله عن أصله ، فلغته العربية تبدو جيدة:
- من أي بلاد هاجرت اسرتك إلى هنا .
لم أفاجأ حين هتف قائلا :
- من العراق ، ومن بغداد تحديدا، وقد حرص أبي على أن يعلّمنا اللغة العربية بناء على رغبة أبيه، كل أفراد اسرتنا يجيدون العربية .
- إذن أنتم من أتباع الإله مردوخ قديما ، وترك أجدادك عبادته ليتبعوا فيما بعد عبادة إله متوهم أسموه يهوه، فصّلوه على مقاسهم، وعزوا قصة الخلق البابلية إليه بسرقتها كما هي إلى حد كبير ! يا رجل هل هناك انسان عاقل يتخلى عن عبادة مردوخ العظيم ليتبع عبادة يهوه ؟ يهوه الذي لم يسلم حتى اليهود من شرّه ، ولا يكاد يمر عام دون أن ينزل بهم المصائب ، رغم أنهم شعبه المختار حسبما يقول كتبة التوراة .
بدا أن الرجل تفاجأ بما لم يفهمه من كلامي .
- من هو مردوخ هذا الذي فاجأتني به . أذكر أن أبي كان يتفاخر بكونه عراقيا، ينتمي إلى حضارة ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، أكثر مما ينتمي إلى حضارة يهووية وهمية مختلقه، وإله لم يقتنع يوما بوجوده ؟!
- كان أبوك على حق ، فمردوخ هوكبير الآلهة البابليين، الذي خلق السموات والأرض بأن أقدم على شطر جسد جدته الإلهة تيامات إلى نصفين ، جعل من النصف العلوي سماء ومن النصف السفلي أرضا ، ثم أقدم على خلق الإنسان من التراب بأن عجنه بدمه . فأنا وأنت والبشرية كلها تجري فيها دماء مردوخ الذي خلقها بدمه ! فأين يهوه من هذا الخالق الذي يخلق الإنسان بدمه .
- بدا الرجل في غاية الدهشة لما سمعه مني! تساءل فيما كنت أرفع اصبعي الوسطى عن الزناد الثاني، وأبقي على السبابة على الزناد الأول. تنبه للأمر.
- هل بدأت تطمئن إلى أنني لن أقدم على شيء ، طالما أنت متمسك ببندقيتي؟
- لا لم أطمئن ، وليس ثمة فرق كبير لدي بين أن أقتلك بطلقة أو بطلقتين . ورفع اصبعي عن أحد الزنادين لا يعني أنني لن أستخدم الآخر إذا ما دعت الضرورة .
- هل تخبرني كيف سرق الأجداد اليهود قصة الخلق البابلية وعزوها إلى إلههم يهوة ؟
- هل لديك استعداد لأن تسمعني جيدا ؟
- أكيد لدي وإلا لما طلبت منك .
- في الحقيقة إنّ التوراة مأخوذة من تراث المنطقة كلّه وليس البابلي وحده. حسب ملحمة الخلق البابلية ( الإينوما إيلتش) التي تعتبر بدورها تطورا لملاحم الخلق السومرية، التي يخلق فيها الإنسان من جسد إلهي ، ثمة تطابق شبه تام في أيام التكوين البابلية ونظيرتها التوراتية ، فعملية الخلق تتم في ستة أيام في التكوينين. ففي اليوم الأول في الإينوما إيلتش، يكون العماء الأول " تعامة أو تيامات " الماء المالح، وزوجها( ابسو) الماء الحلو، يحيط بهما ظلام . وفي سفر التكوين التوراتي يغلف الظلام المياه الأولى وروح الرب يرف فوق المياه. ولا يختلف الأمر في الأيام اللاحقة لعملية الخلق حيث يتم خلق السماء والأرض والكواكب ، إلى أن يتم خلق الإنسان في اليوم السادس .في اليوم السابع ، مردوخ ينتهي من الخلق والآلهة تحتفل به في التكوين البابلي ، ويهوه يستريح من الخلق في التكوين التوراتي. فما الجديد الذي جاء به كتبة التوراة من عزرا إلى أخر كاتب توراتي ؟! وهذا النص يسبق النص التوراتي بما يقرب من ثلاثمئة وألف عام . ويسبق ولادة النبي موسى نفسه بما يقرب من خمسة قرون. وقد حدد الباحثون زمن كتابته في القرن الثامن عشر قبل الميلاد، ورأوا أن أصوله تعود إلى مصادر موغلة في القدم تشير إلى بدايات الحضارة السومرية حوالي أربعة آلاف عام قبل الميلاد ، بينما لم تكتب التوراة إلا في وقت متأخربعد عودة اليهود من السبي البابلي ( 586 قبل الميلاد) على يد الفارسي قورش الذي هزم بابل وأعاد اليهود إلى اورشليم . أي بعد حوالي 1300 سنة من كتابة الإينوما إيلتش. وقد كتبت في حقب متفاوتة تجاوزت ثلاثة قرون ، وطرأ تغييرات عليها في قرون وعهود لاحقة . والسبي البابلي حسب الأبحاث الحديثة حدث في اليمن وليس في فلسطين ، وعودة اليهود من هذا السبي كانت إلى اورشليم اليمنية ،إذ لم يكن هناك اورشليم في فلسطين، كان هناك مدينة اسمها يبوس أصبحت فيما بعد اورسالم أي مدينة السلام ، وطرأ عليها أسماء أخرى حسب العهود التي عاصرتها، وكان اسمها إيلياء عند الفتح الإسلامي. فاليهودية نشأت في اليمن وليس في فلسطين، حسب معظم الأبحاث والحفريات الآثارية الحديثة، التي لم تعثر على أي تراث لليهود في فلسطين، بما في ذلك مملكتي داود وسليمان والهيكل المزعوم . وإذا كنت لا تصدق ابحث عمّا قاله علماء الآثار لديكم، بدءاً من كبيرهم اسرائيل فلنكشتاين ، مرورا بزائيف هرتسوغ، وانتهاء بمائير بن دوف!
بدا الرجل غير مصدق لما قلته له . تساءل :
- لكن كيف عرف أجدادنا اللغة البابلية ونقلوا قصة التكوين ؟
- يرى الباحثون أن اللغة البابلية انتشرت غربا حتى الساحل السوري وشمالا حتى آسيا الوسطى ، وجرى نقل بعض مدوناتها إلى لغات لاحقة كالآرامية . وليس من الضروري أن يكون النقل وحتى التأثر قد جاء مباشرة عن نص كُتب بالبابلية .
أطرق الرجل متفكرا للحظات ، ثم طلب إلي أن أسمح له بإشعال سيجارة من علبة سجاير كانت مطروحة إلى جانبه . سمحت له ، وأنا أرقب حركاته بحذر. سألني إن كنت أرغب في سيجاره . شكرته مشيرا إلى أنني أحاول أن لا أدخن خلال تجوالي ، وأحاول أن أقلل من التدخين في شيخوختي .
أشعل سيجارة وسحب منها نفسا عميقا ، فيما كان أحدنا يتأمل وجه الآخر، بدا لي أنه في عمري ، أي في حدود الثالثة والستين أو أكثر قليلا ، غيرأنه كان محافظا على لياقته البدنية أكثر مني . تساءل وهو ينفث دخان النفس الثاني من فمه ومنخريه:
- هل تهتم بالتاريخ ؟
- أجل أنا كاتب وأهتم بالتاريخ ، وبشكل خاص تاريخ العقائد والديانات والأساطير وتطورها .
- أمر مؤسف أنني لا أهتم، وإن كنت أرغب في ذلك غير أنني لم أسعَ إليه، حتى انني لم أقرأ إلا بعض فصول التوراة دون التعمق فيها ، والأمر نفسه ينطبق على التلمود. أمضيت عمري في العمل في التمديدات الصحية والكهربائية إلى أن تقاعدت . يمكنني القول أن ثقافتي محدودة في ما هو خارج عملي . نشأت على أن هذه الأرض أرضي منذ القدم ، وهذا ما ننشئ أجيالنا عليه، بحيث يتبعوننا دون أن يفكروا في الأمر وتاريختيه ومدى صدقه وحقيقته أوخرافيته !
رحت أضحك وأنا أهتف :
- قصتكم تشبه قصة القرود الخمسة، التي لم يجد لاحقها إلا أن يقلد سابقها، دون أن يدري لماذا يفعل ذلك !
- وما هي هذه القصة ؟
- هي قصة تتعلق بتجارب علماء الإجتماع لمعرفة واقع المجتمعات البشرية . أحضر أحدهم خمسة قرود ووضعها في قفص ، وعلّق في القفص قطفا من الموز وضع تحته سلّما ، وحين يصعد أحد القرود السلم ويقترب من قطف الموز ليلامسه، ينهمر رشاش من الماء البارد على الأربعة الباقين لإرعابهم . وحين يحاول قرد آخر الصعود إلى قطف الموز تتكرر العملية برش الماء البارد على الباقين . وبعد تكرار العملية من قرد ثالث ، يلجأ القردة إلى منع أي قرد من صعود السلم إلى الموز . وحين تم إخراج أحد القرود ووضع قردا بدلا منه لم يرعملية الرش من قبل ، وحاول أن يصعد السلم، وجد القردة تهب لمنعه دون أن يعرف لماذا، وحين حاول ثانية ، انهال الآخرون عليه بالضرب ، وحين أخرج للمرة الثانية قرد ثان من القردة التي تعرف عقاب الصعود وجيء بجديد ، حاول أن يصعد السلم فانهال الأربعة الآخرون عليه، بما فيهم القرد الدخيل الأول الذي لا يعرف السر، وراء مسألة الصعود إلى قطف الموز . تتكرر المسألة مع قرد ثالث ورابع وخامس ، ليصبح هناك خمسة قرود من الجيل الثاني لا تعرف سر الخوف من وراء صعود السلم إلى قطف الموز ، وإذا ما دخل وافد جديد وحاول كالآخرين، انهال الآخرون عليه بالضرب، حتى أصبح الأمر تقليدا تتبعه القرود كلها دون أن تعرف السر !
ضحك عدوي الذي لم يصبح عديقا بعد وهو يتساءل :
- وهل نحن الآن قطف الموز الذي تهاب القرود الصعود إليه ؟!
- أجل ! قطف الموز هو كيانكم الذي يمنع مسّه بسوء أو الإقتراب منه ، وما أنتم إلا الجيل الثاني من القرود الذي يتصدى لكل من لا يعترف بهذا الكيان ،ولا يعترف بأي وجود تاريخي لبني اسرائيل في فلسطين، ولا بأية حقوق لهم فيها ! جيل يحارب ويقتل ويشرد شعبا استنادا إلى وهم لا يعرف حقيقته . وهم أقيم على اكبر كذبة في التاريخ لا تريدون أن تعرفوها . مع أن الغاية من إقامة كيانكم لا تمت بأية صلة لهذه الكذبة، ولا لأي خرافات وأساطير دينية !
- لكن حتى لوكانت كذبه فهي كذبة جميلة، أوجدت لنا وطنا جميلا بعد أن كنّا مشردين ومضطهدين ومكروهين، في معظم أنحاء العالم . وتستحق أن نحيلها إلى حقيقة قابلة للتصديق!
- لستم وحدكم من أنجح الكذبة ، الذي أنجحها هو من أراد أن يتخلص من وجودكم من ناحية، ويجعل منكم بؤرة للتوتر والهيمنة من ناحية أخرى، فوعدكم بالمساعدة لإقامة وطن قومي لكم في فلسطين ، وسهل لكم الهجرة إليها من بلدان العالم، قبل أن تتمكنوا بوسائلكم من استجلاب اليهود بعد أن أصبحتم أقوياء ومتمكنين .
- رغم اعتقادي بحقيقة ما تقوله يا ..
- عارف ! اسمي عارف نذيرالحق !
- أنا اسمي يعقوب سليمان، أقول، رغم اعتقادي إلى حد ما بحقيقة ما تقوله يا عارف، إلا أنني لست مستعدا لأن أتخلى عن كذبة أوجدت لي وطنا ، حتى لو كانت هذه الكذبة، كذبة فعلا، ولا تحمل أي قدرمهما كان من الحقيقة !
- إذن ما الفائدة من عقد المؤتمرات والإتفاقات والتشدّق بالسلام ؟
- أنت قلتها بنفسك " إدارة الصراع على قاعدة السلام " وكما ترى نحن لم نتوقف عن أهدافنا منذ أن بدأت اتفاقيات السلام حتى اليوم . أي منذ قرابة ربع قرن . وها نحن نتوج جهودنا بتوسيع نفوذنا، بضم القدس وضواحيها وكل المستوطنات المحيطة بها إلى اسرائيل ، بعد أن اعترف ترامب الغالي بالقدس عاصمة لدولتنا ، وكل مناوشاتكم وتظاهراتكم وتظاهرات العالم وعدم اعترافه بقرار ترامب، لن تجدي أمام اصرارنا ، وحتى ما فعلته وتفعله معي هذا اليوم، سترى أنّه ليس أكثر من هراء لا يسمن ولا يغني من جوع !
- لا تحاول أن تستفزني يا يعقوب وبندقيتك موجهة إلى صدرك !
- أنا أقول الحقيقة مقابل ما ترى أنت أنه حقيقة مناقضة . وإن شئت الحق في ما يتعلق بوجودي أمامك ، وتحت ما تعتقد أنه رحمتك ، فأنا أظن أنك مخطئ تماما، فأنت لست قادرا على قتلي رغم وجود سلاحي بين يديك !
ولم أجد نفسي إلا وأنا أصرخ به ( يع..قوب ) ثم أبطأت صوتي إلى الحدود الدنيا، وقلت بكل ثقة في نفسي :
- قلت لك لا تحاول أن تستفزني وإلا .. وأقسم بشرفي أنني سأخردق جسدك بكل ما تحمله معك من طلقات خرطوش! لا تحاول أن تجعل من مشكلتك معي قضية شخصية تتعلق بي وبك فقط .
- لم أقل إلا الحقيقة حول سياستنا ..
- لكن ابتعد عن وضعنا الحالي ولا تحمّله أكثرمما يحتمل، قلت لك من البداية أنني لا أنوي قتلك ، ولو أدرك أنك لن تقتلني لأعدت بندقيتك إليك . فلقائي بك هذا اليوم كان صدفة ، وكنت دائما أتجنب ملاقاتك . وما فعلته هذا اليوم ليس لاختبار مدى شجاعتي أو جبني ، وإن كنت أظن ولو قليلا، أنني أميل إلى الحد الأدنى من الشجاعة، أكثر مما أميل إلى الحد الأعلى من الجبن ! وعندنا مثل يقول من لا يخاف لا يخوّف.
- هل هذا يعني أنك ستظل محتفظاً ببندقيتي.
- أجل ! إلى أن يأتي يوم أشعر فيه أنني قادرعلى الوثوق بك .
- ومتى يمكن أن يأتي هذا اليوم ؟
- ممكن أن يأتي قريبا ونكون عديقين !!
ضحك للكلمة التي لم يسمع بها من قبل . تساءل مستوضحا :
- ماذا تقصد بالضبط؟
- أقصد أن نكون عدوين في جلد صديقين أو العكس !
راح يضحك وهو يلمس أن الكلمة مشتقة من مفردتي العدو والصديق.
- على أية حال هذا أفضل من أن نكون أعداء فقط ، وهذه حال قد تشملنا جميعا كإسرائيليين وفلسطينيين . فنحن فعلا أعدقاء أو أننا نتظاهر بذلك ! أهلا يا عديقي عارف !
ومد يدا مفتوحة ليصافحني ، غير أنني لم أمد يدي. أعاد يده إلى جسمه . وهو يتساءل :
- لماذا لم تمد يدك ؟
- لأننا لم نصبح عديقين بعد ، نحن ما نزال أعداء !
وبعد برهة صمت ،هتف :
- يا لفضيحتي إذا ما عرفت زوجتي أن عربيا استولى على بندقيتي!
- ليس من الضروري أن تخبرها .. يمكنك أن تقول لها أنك تركتها مخبأة في منطقة الصيد، حتى لا تتعب بحملها عند قدومك للصيد.
- فكرة مقبولة وإن كنت أعتقد أن أحدا لن يصدقها لو سمع بها . آمل أن تصدق زوجتي ذلك.
*****
ألقيت نظرة على طيور الحجل القتيلة والثعلب المسكين وأنا أتساءل :
- ألا تشعر بالحزن لمقتل هذه الطيور الجميلة التي تزيّن بطاحنا ؟
فوجئ بسؤالي الذي لم يخطر بباله :
- الحزن ؟ بل أشعر بالمتعة كلما اصطدت طائرا أو أرنبا أو ثعلبا .. لحم هذه الطيور لذيذ جدا ، لم أصطد غير ثلاثة منها هذا اليوم ، لكنها تكفي لوجبة دسمة مع الأسرة في البيت . لأول مرة أصطاد الثعلب وآمل أن يكون لحمه شهيّاً ! ألا تحب الصيد أنت ؟
- بل أكرهه ! فأنا لا أتصوّر نفسي قاتلا لهذه الكائنات الجميلة ! ربما كنت كذلك في طفولتي وبعض شبابي ، حين لم أكن قادرا على التمييزالسليم بين ما هو فعل خيراني وآخر شرّاني !
- وكيف نميّت شعور الخير لديك، بحيث غدوت ترى حتى في الصيد فعلا شرّانياً ؟
- فعل الخير لا ينمو إلا بثقافة إنسانية ومعرفة خيرانية، وهذا ما لم ترق إليه معظم المجتمعات البشرية حتى اليوم. اكتسبت الشعور الخيراني بعشقي للمعرفة والتأمّل في الوجود والغاية منه . وليس نتيجة لثقافة مجتمعية بدائية متخلّفة ، بحيث أصبح لدي فلسفتي الخاصة لفهم كل شيء، والتصرّف إزاء كل شيء وفهمه .
- هل أفهم من هذا أنك لو اضطررت إلى قتلي لن تكون سعيدا بذلك ؟
- بل سأكون حزينا ، وربما حزينا جدا ! فأنا لا أتصور نفسي قاتلا مهما كان نوع ضحيّتي ! وكثيرا ما أتمنى بيني وبين نفسي أن أكون قتيلا لا قاتلا ، وأدعو إلهي أن تكون نهايتي كذلك إذا كان لا بدّ من ذلك !
ظلّ متفكرا للحظات في ما أقوله ، وقد أحسّ أنني أوغلت كثيرا في كشف أغوار نفسي له ، بما يتناقض مع انفعالي حين حاول أن يستفزني.
- لكنك بدوت عكس ذلك حين شعرت أنني أستفزك !
- ثمة ما هو دفين في دخيلتي من آلام وأحقاد تسببتم وتتسببون بها ، وإن أية محاولة مباشرة لإيقاظها قد تدفعني إلى ما أكرهه.. ألا ترى كم الأطفال والشباب الذين قتلتموهم أوجرحتموهم أو اعتقلتموهم منذ أن أعلن ترامب القدس عاصمة أبدية لإسرائيل ؟! ضع نفسك مكاني أو مكان أي فلسطيني ، ألا ترى أن البركان الخامد في دخيلة أي منّا سيثور في أية لحظة استفزازية ، فما بالك إذا كانت هذه اللحظة موغلة في القتل والعدوانية الفظيعة . هل هناك محتل عاقل يعتقل طفلا في حدود السادسة من عمره ؟ هل رأيت أو سمعت عن احتلال يفعل أفعالكم ؟ وكل هذا ليس إلا غيض من فيض ، فعمر هذا الصراع طويل جدا ، فالحديث منه ينتمي إلى وعد بلفور، أي مائة عام ، أمّا القديم فيبدأ من زمن غزو أريحا بقيادة يوشع بن نون عام 1186 قبل الميلاد، حسب ما تذكره التوراة ، بغض النظر عن مدى صدق وتاريخية ما ترويه .
- يبدو لي أنك مُحق في كل ما تقوله يا عارف ، ويبدو لي أنني كنت في حاجة إلى رجل مثلك ليعرّفني بما لا أعرفه، وليرشدني إلى ما أتجاهله أو لا أدركه . هل بإمكاني أن أشعل سيجارة أخرى .
- بإمكانك أن تدخن دون اذن مني، وبإمكانك أن تصلح من وضع جلوسك إذا تريد .
شعر بقدر من الأمان معي . ثنى رجليه تحت فخذيه وأشعل سيجارة ، ثم وضع يديه على ركبتيه ، حدق بعيدا في السفح المقابل حيث كانت بعض الكهوف القديمة، التي كان يستخدمها مواطنو بلدتنا للسكن أو لتخزين غلال الأرض. وشعرت بدوري أنّه لن يقدم على ما يدفعني إلى استخدام البندقية . أزحت سبطانتيها عن مواجهة صدره، ومددتهما على عرض فخذيّ، مبعدا اصبعي عن الزناد، مبقيا يدي على مقربة منه .
شعر أنني بدأت اطمئن بعض الشي إليه . هتف وهو يحك عنقه :
- واضح أنك تحمل معرفة ثريّة أمضيت عمرك في تحصيلها ، مما أنتج لديك ثقافة انسانية واسعة الآفاق.
- آمل أن أكون كذلك . صحيح أنني أعرف عن هذه البلاد منذ أقدم عصورالتاريخ، حتى قطْن هذه الكهوف المواجهة لنا وحتى يومنا هذا ، لكن هذا لم يكن كافيا لإثراء معرفة وإنتاج ثقافة ، فكان لا بد من اللجوء إلى المعرفة والثقافة البشريتين، بالقدر الذي أتاحه الزمن لي.
- هل تعتقد بوجود إله ؟
- أعتقد بوجود قائم بالخلق يكمن في المادة والطاقة !
- هذا يعني أنك ملحد .
- أبدا ! طالما اعتقد بوجود قائم بالخلق .
- لكنك لا تعترف بوجود خالق قبل وجود المادة والطاقة !
- صحيح فأنا لا أتصور وجود خالق كان في العدم ، فالعدم لا ماهية ولا جوهر له، فهل يعقل أن يكون هناك خالق دون ماهية وجوهر ؟
- وهل يتوفر هذان العنصران في المادة ؟
- بالتأكيد ! فالمادة تحتوي على عناصر الخلق الأربعة : الماء والهواء والتراب والنار .
- وماذا عن الطاقة ؟
- الطاقة هي ما ينتج عن هذه العناصر، وهي ما عبر عنه أفلاطون بمفردة الأثير في هندسته المقدسة !
- هل المادة والطاقة مختلفان حسب رأيك ؟
- مختلفان في الشكل فقط أما في المضمون فلا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى . فإذا كانت المادة هي الماهيّة، فالطاقة هي جوهرها ، فليس هناك مادة إلا وينتج عنها طاقة، وليس هناك طاقة إلا وينتج عنها مادة، في أشكال مختلفة ومتنوعة . ولو أننا أمعنا النظر في اسطورة الخلق البابلية مثلا، لوجدنا كل عناصر الخلق الرئيسية وما ينجم عنها . ولم يكن هناك عدم يوجد فيه آلهة سابقة على وجود المادة ، كانت الآلهة ( المادية) في الماء الموجود من قبل. والماء لا يستقرإلا على مكان ، والمكان يحتاج إلى حيز يشغله .. إلى آخر ما يمكن أن يتولّد عن ذلك من حقائق الخلق .. لنصل إلى نتيجة أن القائم بالخلق كان في الخلق نفسه أي في المادة ، وأن الوجود كله جاء من مادة هذا القائم ، الذي أطلقت عليه البشرية أسماء مختلفة، بعد اختراع اللغات ، كالله أو يهوه ، أو الرب ! والغريب أن تعتمد العقائد السماوية اللاحقة قصة الخلق من الماء، دون أن تقدّم مفهوماً لماهية الخالق ، وجعلته سابقا على الخلق والوجود، وقدّمت مفهوماً مبهماً له ، على أنّه ليس كمثله شيء ، حسب الفهم الإسلامي .
- ما هي رؤيتك للأديان ؟
- اجتهادات العقل البشري لمعرفة الوجود والغاية منه . وليس هناك أمة لم تفكر في هذا الأمر.
- وهل أنت معها أم ضدها ؟
- أنا معها كاجتهادات وأحترمها لذلك، وضد مفاهيمها كحقائق مطلقة مقدسة، يجب التقيد بها وبتعاليمها وتشريعاتها حسب نظر المتدينيين .
- لكن كيف تكون مع وضد في الوقت نفسه ؟ كيف سيفهمك الناس؟ !
- لقد وضحت ذلك في إجابتي على تساؤلك !
- أريد أن أستوضح أكثر .
- احترامها يعني احترام اجتهادات عقول الأجداد، الذين فكّروا في الخلق، وبالتالي احترام تراث الأمم، ونقد هذه الإجتهادات يأتي من منطلق تطويرها لتواكب العصر الذي نعيش فيه ، وما أنتجه من مفاهيم مختلفة .
- لو أننا أخضعنا واقعنا لفهمك، سنرى أننا وأنتم نتصارع حول القدس، لأن كلاً منا يعتبرها رمزا لتراثه .
- صحيح مع أن الصراع ليس حول القدس وحدها، بل حول الوطن نفسه . فالأوطان أساس تراث الشعوب وموئل أرواحها، وتشكّل هويتها وبناء شخصيتها، حتى لو لم يكن فيها مدن مقدسة !
- ما الحل برأيك ؟
- أن تتخلوا عن عقليتكم العنصرية الفوقية، وادعاء أن الأرض لكم وحدكم ، حتى التوراة كانت تعترف بوجود شعوب أخرى في المنطقة، كالفلسطينيين والكنعانيين والأموريين والحثيين والفرزيين واليبوسيين وغيرهم .
- إن أردت الحقيقة ، أنت تشوقني لأن أستمع إليك وأعرف منك ، فأنا رغم تعصبي ليهوديتي، لا أجزم أن القوّة وحدها ستكون قادرة على حماية أحفادي إلى الأبد ، حتى وإن قدرت، لن تكون قادرة على إزالة القلق من نفوسهم . لذلك لا بد من وجود حل ما ..
- كل الأقوام التي جاءت إلى هذه البلاد انتهت إلى غير رجعة ، بدءا بالأغريق مرورا بالفرس والرومان والصليبيين وانتهاء بالإنكليز، ولا أظن أنكم في حال أفضل منهم ، وأن مستقبلكم سيكون أفضل من مستقبلهم ، خاصة وأن الزمن تغير ولم يعد زمن استعمار إلا عندكم .
- كلامك صحيح .
لم أجب . بدأت أشعر بالتعب من جلوسي المتهيئ والمتحفز لإطلاق النار . خاطبته:
- في مقدورك الآن أن تذهب إلى أن نلتقي ثانية . سأعطيك رقم هاتفي.
نهض بعد أن نقلته رقم هاتفي . كنت قد وقفت بدوري متراجعا وأنا بكامل حذري ، واضعاً سبابتي على زناد البندقية الأول ، موجها سبطانتيها نحوه . فك حزام الطلقات عن وسطه وألقى به على الأرض وهو يهتف "لن أحتاج إليه طالما البندقية معك" وشرع في وضع طيور الحجل والثعلب في جعبة ظهر، كانت ملقاة إلى جانبه.
رفع يده قائلا " سلام " قبل أن يستدير وينصرف .
تنفست بعمق ومخيلتي تستعرض الزمن الذي أمضيته معه متحفزا .. لا بد من إراحة أعصابي بكأس من البابونج أو الزعتر البرّي! انطلقت عائدا إلى البيت المتواضع الذي أقطنه وحيدا على أطراف البلدة.
*****















(2)
* يعقوب يبلغ الشاباك !
تساءلت راحيل بدهشة وهي تنتصب في مواجهتي، حين رأتني أدخل البيت دون بندقيتي :
- جاكوب! أين بندقيتك ؟
حاولت أن أبدو طبيعيا مع أنني لست كذلك !
- تعبت من حملها ، قلت أتركها مع الطلقات في مخبأ ما في المنطقة، حتى لا أضطر إلى حملها كلما خرجت للصيد .
- إهيه! تعبت من حملها؟! ولم تفكر في أي عربي قذر قد يخرج عليك من مكان ما، ويقتلك وأنت لا تحمل ما تدافع به عن نفسك ؟!
طرحت الجعبة عن ظهري وألقيت جسدي على أريكة متنفسّاً بهدوء.
- لك أن تصدقي أو لا تصدقي . حمل البندقية والطلقات مع الصيد ثقيل عليْ!
شرعت في فتح الجعبة لترى ما اصطدت ! فغرت فمها هاتفة وهي ترتعد لرؤية الثعلب:
- ثعلب؟ هل جننت لتصطاد ثعلبا ؟
- ما به الثعلب ؟ قد يكون لحمه أطيب من لحم الأرنب والحجل ؟
- لكنه محرم في ديننا كما الخنزير !
- أين قرأت أنه محرم ؟
- في التوراة والتلمود !
- ومنذ متى تهتمين بالحلال والحرام ، ألم تأكلي لحم الخنزير من قبل ؟ بل ولتعلني أن ضلعه طيب ولذيذ؟!
ويبدو أن راحيل تراجعت عن رأيها، وراحت تتمنى أن يكون لحم الثعلب طيبا، قالت أنها ستسلخ جلده وجلد الطيور وتنظفها لتعدها للغداء والعشاء.
اقترحت أن تعد الثعلب لطعام الغداء وتترك الحجلات لطعام العشاء . وافقت ونهضت إلى العمل .
*****
اتصلت بصديقي " رافي " الذي يعمل في الشاباك لأطلعه على ما جرى معي وأطلب مساعدته .
التقينا بعد قرابة نصف ساعة . لم يصدّق أن عربياً قذرا استطاع أن يخلصني بندقيتي، لم يأبه بنومي لتقديم مبرر للحالة، مؤكداً أنه كان يجب أن أظل حذرا خلال صيدي في هذه المناطق ، فلا أحد يأمن جانب الأوباش العرب . وحين أخبرته أن الرجل مسالم ويبدو أنه مثقف كبير راح يتساءل :
- كيف عرفت أنّه مسالم ومثقف ؟
- مسالم بدليل أنه لم يقتلني بعد استيلائه على بندقيتي. ومثقف لأنه تطرق في حديثه إلى قصة الخلق التوراتية، وعلاقتها بأساطير الخلق القديمة، كالبابلية . وتطرق إلى تاريخ المنطقة القديم وحروب اليهود مع أمم قديمة حسب التوراة، وحتى إلى علماء الآثار الإسرائيليين وإلى تاريخ نشأة اليهودية في اليمن والسبي البابلي وغير ذلك..
- أف هل تطرق إلى كل هذه الوقائع التاريخية خلال لقائكم ؟
- أجل !
- ولماذا استولى على بندقيتك إذا لا يريد أن يقتلك؟
- كان متخوّفا من إقدامي أنا على قتله .
- اسمع ! هذا الرجل قد يهم أجهزتنا كثيرا، لندرس من خلال عقله العقل المستقبلي الفلسطيني ، بل العقل العربي، لنرى في ماذا يفكر، وكيف يرى مستقبلنا معهم . لا تلتقيه ثانية قبل أن أزودك بكل تعليمات القيادة . اكتب تقريرا مفصلا عن كل ما جرى معك و عن كل ما تحدّث حوله.
افترقنا أنا ورافي على أمل اللقاء صباح اليوم التالي.
*****
كانت راحيل قد أعدت الثعلب لطعام الغداء ، ودعت سارة لتناول الغداء معنا . لم تصدّق سارة أيضا أنّني تركت بندقيتي مخبأة في الجبال. تساءلت باستغراب:
- هل يعقل باب أن تترك بندقيتك وتعود دونها؟
- هذا ما فعلته نظرا لحملي الثقيل مع الصيد.. صدقيني ساراي.. وأرجو عدم فتح الموضوع معي ثانية . ما أخبار شمعون ؟
- يقوم بقمع الأطفال الفلسطينيين من ضاربي الحجارة على أكمل وجه . ترباية أبيه وأمه !
- لم أره منذ قرابة شهرين .
- غارق في الحب والقمع !
- حب من ؟
- فتاة مصرية غير متدينة !
- هل هي جميلة ؟
- إلى حد ما !
- أجمل منكِ؟
- لا أظن ! قد يأتي لزيارتكم برفقتها . حائزة على الليسانس في الأدب الإنكليزي وهي الآن تخدم في العسكرية .
- وأنت ما تزالين على عملك في تدريس علم الإجتماع والفلسفة ؟
- لا أجيد عملا آخر.
- والحب؟
- تركت من أحب لأنه متعصب وأحمق !
- ماذا أبدى من تعصبه :
- استيقظت عليه ذات صباح وهو يتضرع إلى يهوه قائلا:
" أشكرك يا سيدي لأنك لم تخلقني امرأة أو حمارا أو خنزيرا أو عربياّ " نهضت غاضبة .. صفعته على وجهه وأنا أهتف "اخرج من بيتي ولا تدعني أراك ثانية أيها الأحمق ، تبا لك وليهوه ولكل الآلهة التي على شاكلته "
رحت أضحك وراحيل تقدم أطباق الطعام . قلت لسارة :
- آمل أن يكون شمعون على وفاق مع محبوبته المصرية .
- بل على خلاف فهي تحب مصر وتحن إليها، بعد أن زارتها أكثر من مرة ، ولا تطيق اليهودية والمتعصبين إليها ، ما أبقاها على علا قة مع شيمون، هو عدم تدينه وإن كانت تختلف معه حول القمع الذي يمارسه ، وتطلب إليه أن يخفف من قمعه للأطفال والفتيان الفلسطينيين .
*****
كان لحم الثعلب طيبا بعض الشيء وإن كان قاسيا قليلا . لم تصدّق سارة أنها تأكل لحم ثعلب . قالت بعد أن ابتلعت لقمة منه :
- باب ! أرغب في أن تصحبني يوما لأصطاد معك .
- سأصحبك باب لكن ليس هذه الأيام !
لم تسألني سارة لماذا ليس هذه الأيام، وهذا أمر جيد ، لم أكن أعرف ماذا سأقول لها .
*******
التقيت رافي في اليوم التالي لأسلمه التقرير الذي طلب كتابته عن لقائي بعارف نذير الحق . أمضيت قرابة ثلاث ساعات في كتابته . ابتهج رافي وهو يقلب صفحات التقرير .. غادرني على أمل أن نلتقي مساء أو في اليوم التالي .
التقينا صباحا .. اصطحبني إلى اورشليم لمقابلة مسؤول كبير . لم يقل رافي شيئا عن هذا المسؤول . في الغالب هو مسؤول في الشاباك أو الموساد ، أو في الجهازين. استغرق اللقاء قرابة نصف ساعة، عرفت خلالها أن المسؤول يهتم بالقضايا الإستراتيجية للدولة . كنت مجرد مستمع لما قاله :
" يهمنا أمر هذا العربي يا يعقوب، ونأمل منك أن تقدم لدولتنا خدمة كبيرة في معرفة خفايا شخصيته وما يدور في عقله. نحن نتابع بعض كتاباته لكن ذلك غير كاف . في ماذا يفكر وكيف ؟ حاول أن تتقرب منه أكثر، بإبداء الود تجاهه ودعوته إلى ولائم وحفلات .. حاول أن تبدو أمامه معارضا ولو لبعض سياسات دولة اسرائيل . اسأله كيف يفهم اليهود وما الذي يعرفه عن تاريخهم وتاريخ بني اسرائيل . اسأله عن التوراة والتلمود والكتب اليهودية الأخرى . أين نشأت اليهودية حسب رأيه ؟ كيف يفهم سفر التكوين ، اورشليم ، هيكل سليمان ، نشيد الأنشاد ، سفر أيوب ،مزامير داود .. ما رؤيته إلى العقائد البشرية ومستقبلها . ما علاقة الديانات الإبراهيمية ببعضها وبالعقائد البشرية .كيف يفهم الخلق والخالق والغاية من الوجود. إذا كان يؤمن بوجود خالق أو إله فما هو ، وكيف يفهمه ؟ كل هذه المسائل وغيرها تهمنا .. حتى متى ينام ومتى يستيقظ ومتى يفكر ومتى يتناول طعامه ، ما الأشياء التي يحبها وما الأشياء التي يكرهها . هواياته، قراءاته ، علاقاته، أصدقاؤه .. نقدر الجهود التي ستبذلها، لذلك خصصنا لك راتبا شهريا مقداره خمسة آلاف دولار . وأية مصاريف طارئة سنتكفل بها .. سنزودك بجهاز للتسجيل عبارة عن زر تزرر به كم قميصك، مصحوبا بزر وهمي للكم الآخر! إضافة إلى جهاز موبايل صغير ذي حساسية عالية للتصوير والتسجيل أيضا، قد تحتاج إليه . يمكن ان يكون مكشوفا له ، كهاتف جوّال ، لا مشكلة في ذلك . حين تحتاج إلى أية مساعدة خبرنا .. وفقك الله .
غادرت مكتب المسؤول الذي لم اعرف اسمه ، لأجد رافي في انتظاري .. لم يسألني شيئا عمّا قاله لي .. بدا أنّه يعرف كل شيْ.
******




(3)
* حديث تاريخي !
خابرني يعقوب. اتفقنا على أن نلتقي في المكان نفسه في اليوم التالي. فكرت كثيرا في أمر البندقية هل أحملها أم أتركها ؟ حملها لن ينقذني إن أراد هو قتلي أو إن أرادت سلطته.. ففي مقدوره قنصي من بعيد بسلاح أكثر فتكا لن يصعب الحصول عليه . لا شك أنه أخبر سلطته بما جرى له، ولو أنهم قرروا قتلي أو اعتقالي لفعلوا. وطالما لم يحدث ذلك فإن يعقوب قد كلّف بمتابعة حواراته معي، لمعرفة كل ما يدور في دماغي. قد يسعون إلى معرفة عقل فلسطيني مختلف إن عرفوا عقلي .. وفي هذه الحال هل أكون حذراً في حواراتي معه أم أتحدث بصراحة .. لكن ماذا يفيد الحذر بعد أن أبديت ما أبديته في اللقاء الأول . أكيد سيحمل جهاز تسجيل مخفياً ، وربما يكتفي بالتسجيل على هاتفه الجوّال.
أقنعت نفسي بهذه الأفكار وانطلقت حاملا معي عصا معقوفة قد أحتاج إليها .. مررت بابن أخي (علي) يرعى قطيع أغنامه من المعز والنعاج في سفح جبل .. كان قد وعدني بخروف صغير للشواء يقدمه لي متى أردت. أراد ني أن أنتقي خروفا ليبقيه على ذمتي . رفضت قائلا:
- لا أحبذ ذلك يا عم فلا أريد أن أتذكر شكل الخروف الجميل كلما اقتطعت لقمة من الشواء!
فوجئ ابن أخي مع أنه يعرف عني بعض الأشياء .
*****
فكرت .. هل أصافح يعقوب هذه المرّة إذا ما مد يده ؟ لم أتخذ قرارا لكنّي صممت على أن لا أكون من يمد يده أولا !
سبقته إلى المكان . رأيته بعد لحظات ينحدر من السفح المواجه . كنت أقف إلى جانب الحائط . بقيت واقفا إلى أن وصل . تمهّل في سيره على بعد خطوات منّي. واضح أنّه يفكر في مدّ يده لمصافحتي.
توقف على ما يقرب من متر مني هاتفاً " سلام " متجنبا التحية ب " شلوم " وما لبث أن مدّ يده ببطء!
مددت يدي ببطء أيضاً. بدا وكأنّه ينتظر هذه اللحظة ، فسارع إلى مصافحة يدي . لم يضغط على يدي بقدر ما ضغطت أنا على يده خلال مدة قد لا تتجاوز الثانيتين .
جلسنا أحدنا في مواجهة الآخر. تساءل مبتسما :
- هل أصبحنا عديقين ؟
- ممكن ! ..عديقين سلودين !
قلت ذلك وأنا أبتسم . فاجأته المفردة الجديدة . تساءل بدهشة:
- سلودين ؟
- أجل !
- ماذا تعني ؟
- .. المسالمين اللدودين ! مفردة مشتقه من السلام واللّدد (الخصومة الشديدة )!
راح يضحك :
- لماذا لم تحمل البندقية ؟
- لن يفيدني حملها في شيء . ثم إنني لست من هوات الصيد وقتل الطيور والحيوانات .
- ألم تفكر في أننا قد نقدم على قتلك ؟
- بل فكرت كأي فلسطيني تحت احتلالكم ، في مقدوركم أن تقتلوه متى تريدون ، حتى لو كان لديه ما هو أهم من بندقية صيد !
تساءل بعد لحظات من الصمت:
- عن ماذا تحب أن نتحدث هذا اليوم ؟
- عمّا تريده أنت ؟
بدا وكأنّه حضّر للأمر من قبل ، فقد سارع إلى القول :
- ألا ترى أن أصل اليهود من هذه المنطقة المسمّاة عربية اليوم ؟
- لم أقل غير ذلك، وهذا ما لا تعترفون به أنتم، تريدون الأرض لكم وحدكم . فهذه الأرض التي تتحدث عنها والمسمّاة أيضا الشرق الأوسط ، أنتجت عشرات الديانات إن لم يكن مئات ، والديانات ليست أعراقا وقوميات ، فلا يصح أن نعتبر اليهودية أو المسيحية أو الإسلامية عرقا أو قومية ، فهؤلاء جميعا ينتمون إلى أقوام انتهوا إلى ما يعرف بالقومية العربية أو العرق العربي. أنتم عملتم من هذا الدين البائد قومية واعتبرتم أن الأرض كانت لكم وحدكم دون الآخرين.
- لماذا تقول انتهوا إلى ما يعرف ، ألم يكونوا عربا من قبل ؟
- على الأغلب لم يكن معظمهم ! فمفردة عربي تكرست بعد اختراع اللغة العربية وتطورها في زمن قد لا يتجاوز خمسمائة وألف عام ! فالفراعنة والبابليون والسومريون وحتى ما عرف بالكنعانيين والفنيقيين والهكسوس وغيرهم كثيرون لم يعرفوا كعرب في زمنهم . كان هناك مناطق تدعى أربيا في جنوب ما يعرف اليوم ببلاد الشام والعراق، ورد ذكرها في النقوش البابلية والأشورية التي تتحدث عن الغزوات إليها . ومعظم الناس في الأزمنة القديمة كانوا ينتمون إلى أقطارهم أو مناطق نفوذهم أوأسماء قبائلهم وأجدادهم ، والعرب حسب المؤرخين كانوا يقطنون بادية الشام التي كانت تشمل شبه جزيرة العرب ودعيت خلال الحقبة الإغريقية باسم العربية ، وباللاتينية أربيا . وإذا ما اعتبرنا أن اسم كل قطر، أونسب كل جد يمكن أن يشكل قومية أوعرقأ فسيكون لدينا آلاف القوميات والأعراق . والأمم في هذا الزمن تنسب إلى أقطارها، وحتى قاراتها وليس إلى أعراقها أو دياناتها .. الوحيدون بين البشر الذين حوّلوا دينهم إلى قومية، هم أتباع الديانة اليهودية . المسيحية والإسلام كديانتين انتشرتا في العالم، ومع ذلك ليس هناك بلد في العالم يطلق عليه اسم أي من الديانتين ، أوأي ديانة أخرى من ديانات البشرية ، وهي كثيرة كما تعلم وتعد بالآلاف . قد أستثني إيران الحديثة التي أدخلت الإسلام في اسمها. ولوكان منشأ الديانة يشكل قومية ووطنا، لأصبح من حق المسلم الصيني أوالهندي أو الماليزي، أن يطالب بحقه في شبه جزيرة العرب، وفي مكّة والكعبة !
- وماذا عن العرق السامي الذي يرى العرب أيضا أنهم ينتمون إليه ؟
رحت أضحك ..
- تقصد عرق سام بن نوح الذي ينسب الساميون إليه ؟
- أكيد .
- ليس هناك نص أو تدوين تاريخي مكتشف ومؤكد حتى اليوم،غير كتاب التوراة ، يذكرأنّه وجد في التاريخ انسان اسمه نوح، نجا وأبناؤه وزوجاتهم من طوفان أغرق العالم ، وأن البشرية تناسلت من أبنائه الثلاثة ، سام وحام ويافث ؟ هذه الوقائع هي أساطير متخيّل أدبي، وليس لها أية علاقة بالتاريخ والتأريخ ، إلا بقدر ما هي متخيل اسطوري حسب زمن ما . هل يمكن لعاقل أن يقتنع بأن العالم قد غرق بطوفان؟! لوأنزلت السماء كل ما تحمله غيومها من أمطار، وفاضت البحاروالمحيطات كلّها، لما أغرقت الكرة الأرضية ، لأن المياه الهاطلة من السماء تشكلت من مياه تبخرت عن الأرض ، والمياه المتبخرة عن الأرض كانت تشغل حيزا محددا من مساحة الأرض ، وعند هطولها ثانية ، لن تشغل أكثر من الحيّز الذي كانت تشغله من قبل ... وهذه التسمية ( الساميون ) ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر، استنادا إلى التوراة ، ليتم تداولها فيما بعد دون أن يأخذ بها معظم شعوب الأرض. أخذ بها بعض المستشرقين ممن يجهلون التاريخ أو ممن يهمهم تزويرالتاريخ ليعزوه إلى اليهود.
- لكن ألا يمكن لله أن ينزل مطرا يغرق الأرض حتى لو لم يكن هناك تبخروغيم؟
- ألا يفترض وجود إله أوّلا وأنه قادرعلى أن يقول للأشياء كوني فتكون لكي تصبح الإمكانية قابلة للحدوث ؟
- أنت لا تعتقد بوجود إله كهذا ؟
- طبعا لا أعتقد !
- لماذا ؟
- لأن من أمضى 14 مليار سنة في خلق وجود لم يبلغ الكمال بعد، لن يكون قادرا على خلق ماء وإنزاله وإغراق الأرض بكلمة كن أو ليكن !
- هذا إله بمفهوم مختلف لديك !
- هذا قائم بالخلق كما أسلفت في لقائنا السابق، وليس بالضرورة أن يكون إلها، أو أنّه يعتبر نفسه كذلك !
- ماذا يمكن أن يكون ؟
- الطبيعة ممثلة في المادة والطاقة !
- دون أن تحمل صفة ألوهية؟ّ!
- البشرية هي من أعطتها صفة الألوهية بعد اختراع اللغات . وقبل ذلك لم يكن لها اسم أو صفة . وزمن اللغات لا يتجاوز بضعة آلاف من الأعوام، لا تتجاوز الستة آلاف حسب أبعد تقدير .
- إذن أنت لا تؤمن بوجود إله خلق الوجود في ستة أيام ؟
- أكيد لا أؤمن، وهذا الأمر واضح من كلامي، وخاصة بإله لم يوجد إلا في زمن تدجين المواشي واكتشاف الزراعة ! أي منذ قرابة عشرة آلاف عام على أبعد تقدير. وبعض الباحثين يحددون خلق آدم بما لا يزيد على ستة آلاف عام على الأكثر. ويحددون طوفان نوح بما لا يزيد على أربعة آلاف عام ! وإذا كانت البشرية قد انقرضت حسب الطوفان فإن عمرها لا يزيد على أربعة آلاف عام ، فهل يعقل هذا ؟
- كيف عرفت أنّ الله وجد في ذاك الزمن حسب التوراة؟
- ألم يقدم ابنا آدم قربانين له من ثمار الأرض وأبكارالغنم ، فقبل تقدمة هابيل وهي من أبكارالغنم، ورفض تقدمة قابيل ( قايين ) وهي من ثمارالأرض ؟!
- أجل !
- فالزمن واضح هنا كزمن رعوي زراعي.
- ليس من الضرورة أن يكون الإله قد وجد في ذاك الزمن!
- وجود خالق مرهون بوجود خلقه ، وطالما أن خلقه لم يعرف قبل ذاك الزمن فهو لم يعرف بدوره .
- لكنّ عدم معرفته لا يعني عدم وجوده !
- هذا يعني أنه كان موجودا في العدم ، لأن عملية الخلق لم تكن قد بدأت ، فألا يحتاج الخالق إلى حيّز مكاني يشغله ؟
- قد لا يحتاج إذا كان روحاً أو عقلاً!
ضحكت :
- بغض النظر عن وجود روح أو عدم ذلك، فهي تحتاج إلى حيّز مكاني حتى لو كان فراغاً! والأمر نفسه ينطبق على العقل ، وهذا الأخير سيحتاح أيضا إلى جسم مادي ينتجه ، والجسم يحتاج إلى حيّز يوجد فيه .
- يمكن أن تكون الأيام الستة ليست كأيامنا . يمكن أن يكون اليوم مليون عام مثلا!
ضحكت ثانية :
- هذا ما اجتهد بعض الكنسيين في قوله ، لكن حتى لو كانت الأيام كذلك فهي لن تكون أكثر من ستة ملايين عاما من أعوامنا ! وهذا رقم ضئيل جدا مقارنة بأربعة عشر مليار عام على بدء عملية الخلق. ثم إن الزمن محدد هنا حسب زمن اكتشاف الزراعة وتدجين الحيوانات، ولا يمكن أن يحسب إلا بالزمن كما نعرفه وليس كما يريده هذا الإله المفترض أو كما يريده الكهنة !
أطرق قليلا ثم هتف:
- الحوار معك يقودنا إلى آفاق متعددة يحتاج كل منها إلى أيام وربما سنوات . وقد نضطر إلى الوقوف عند كل مسألة وحدها . سأعود إلى ما بدأناه .
- ليكن .
- إذن أنت ترى أننا ننتمي إلى المنطقة ، وخاصة اليهود القدامى الذين أنشأوا اليهودية ، لكن لا ترى أن لنا قوميتنا الخاصة وهي اليهودية أو الإسرائيلية أو بني اسرائيل !
قلت وأنا أضحك بسخرية :
- بنو اسرائيل حسب توراتكم، هم نسل يعقوب أوأتباعه، بعد أن تصارع يهوه معه ليلا بطوله، وأطلق عليه اسم اسرائيل، أي عبد الله ! وإيل هو كبيرآلهة شعوب هذه المنطقة في ذلك الزمن . فماذا عن البشر الذين وجدوا قبل ذلك ، من آدم حتى نوح وأولاده ، ومن نوح حتى ابراهيم وإسحق وإسماعيل، ففي هذه الحال لماذا لا تكونون بني قنيقاع، أو بني النضير، أو بني قريظة مثلا، فستحصلون على أكثر من قومية، إذا كانت القوميات تنسب إلى القبائل والأديان ؟! فهذه القبائل من القبائل التي اعتنقت اليهودية وكانت موجودة في شبه الجزيرة العربية منذ القدم ، وحتى صدرالإسلام، وفي الإمكان بناء على ذلك، أن تكون دولتكم دولة بني قنيقاع مثلا، بدلا من دولة بني اسرائيل!! ثمّ قل لي بإلهك! إذا كانت البشرية كلها من نسل آدم ، وآدم من خلْق يهوه ، فكيف يتخلى يهوه عن البشرية التي خلقها ويختار بني يعقوب ( اسرائيل ) دون غيرهم ؟
- لأن السابقين فسقوا وفسدوا وضلّوا فأنزل عليهم الطوفان !
- يا سلام ! وكأنّ بني اسرائيل لم يفسدوا ويضلّوا فيما بعد ، حتى سليمان نفسه ضلّ واتبع عبادة الآلهة الأخرى في المنطقة . وماذا عن بني نوح حتى اسحق أب يعقوب فهم لم يضلوا ، فلماذا تخلى يهوه عنهم، ولم تكن الدولة دولة بني نوح مثلا أو حتى بني ابراهيم ؟!
- أنت تحرجني وتضعني أمام أسئلة صعبة وحقائق أجهلها يا عارف! ماذا يكون أصلنا حسب رأيك ؟
- قلت لك . أنتم عرب يا عديقي، وأقصد يهود المنطقة القدامى، وليس الإشكناز أو من هم من يهود الخزر الاوروبيين وأمثالهم، ممن اعتنقوا اليهودية في أزمان لا حقة، هروبا من صراعات وحروب كانت رحاها تدور في العالم، بين امبراطورية اسلامية صاعدة وامبراطوريات أخرى تتهاوى . ومشكلتكم أنكم لا تريدون أن تروا ذلك ، ولا تريدون أن تعترفوا به !
- هل بإمكانك اثبات ذلك ؟
- طبعا بإمكاني وبأقصر الطرق !
كيف ؟
- لن أتبع منهج الباحثين الذين توصلوا إلى أن اليهود عرب، وأنّ اليهودية ديانة عربية نشأت في الجزيرة العربية . سأتبع المنطق فقط حتى لا أطيل عليك :
يتفق جميع المؤرخين على أن قبائل يهودية وجدت في اليمن وجنوب الجزيرة ووسطها ، منذ ما قبل التاريخ ، وقد تطرقت النقوش الأشورية والبابلية إلى ذلك، من ضمن تدوينها للغزوات والحروب . ومن هذه المناطق التي وجدوا فيها : بعض مناطق اليمن ويثرب وتيماء وخيبر ودوس واليمامة ونجران . ويرى المؤرخون أن هؤلاء كانوا ينحدرون من قبائل رئيسية كبني قنيقاع ، وبني اسماعيل، كيهود غطفان وكنانة، ويهود من قبائل سبأ وحمير .
ويتفق المؤرخون على أنه كان هناك الكثير من القبائل اليهودية عند فجر الإسلام في شبه الجزيرة ، ومنهم : بنوعوف وبنو النجار وبنو الحارث، وبنو ساعدة وبنو جشم وبنو الأوس، وبنو ثعلبة وبنو قنيقاع وبنوالنضير، وبنو قريظة ويهود خيبر !
ويتفقون أيضا على أن الهجرات كانت تتم من الجزيرة العربية إلى خارجها وخاصة إلى بلاد الشام ، وليس العكس ، نظرا لصحراوية الجزيرة وانهيارات سد مأرب في الجنوب .
السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه :
هل هاجرت كل هذه القبائل من بلاد الشام الخصبة، إلى الجزيرة العربية الصحراوية لتنعم بصحراويتها، أم أن العكس هو الذي حدث حسب رؤية المؤرخين ؟
أكيد وكما يقول المنطق إن العكس هو الذي حدث .. وربما كان آخرالهجرات إلى بلاد الشام بعد الإنهيار الأخير لسد مأرب في حوالي 500 م .
وبناء عليه فاليهودية دين عربي نشأ في الجزيرة العربية وانتقل إلى بلاد الشام ، وعند تدوين التوراة ( المتخيّلة ) قام المدونون بنقل الوقائع من أراضي الجزيرة العربية إلى أراضي بلاد الشام ، وأطلقوا عليها بعض أسماء مدنهم وقراهم وممالكهم ، ليجعلوا منها موطنا لهم بدلا من الجزيرة الصحراوية . واختلقوا شخصيات اسطورية وأمم وقبائل لم توجد في التاريخ . وحتى الشخصيات التي يمكن أن يكون لها وجود تاريخي حولت إلى شخصيات خارقة أسطورية، تتحكم حتى في الخلق كسليمان الذي تحكم بالجن والطيور وغيرهما !
- وماذا عن النقوش الأشورية ؟
- ألم تقتنع بما أوردته ؟
- أحتاج إلى التأكيد أكثر كي أقتنع . فربما هاجر هؤلاء مما كان يعرف بلاد الشام إلى الجزيرة واليمن نتيجة لحروب مع الأشوريين أو غيرهم واستقروا هناك .
أخرجت جوالي ورحت أبحث على جوجل وأنا أقول :
- ربما تعرف أن اسم القدس لم يرد في التوراة على الإطلاق . ما يرد هو مدينة تدعى اورشليم ، وليس هناك أي إشارة في التوراة إلى أن اورشليم هي القدس . وهذا الباحث فاضل الربيعي، وهو عربي عراقي، ألّف كتابا يحمل عنوان " القدس ليست اورشليم " يقول استنادا إلى نقوش أشورية:
" لقد سجلت هذه النقوش اسم "قدس- قدش" كاسم لجبل ضمن جغرافيا جبلية محددة، كما سجلت اسم أورشليم كمدينة دينية يهودية في جغرافيا أخرى مختلفة، وهذا يعني أننا أمام اسم جبل في مكان، وأمام اسم مدينة في مكان آخر؟ هذه النقوش تسجل أخبار الحملات الآشورية على اليمن وليس على فلسطين "
وهذا يعني أننا أمام جغرافيا يمنية ومدن يمنية . ويورد الربيعي نصاً لآسور ناصر بال (883- ق. م.859) مترجما إلى الإنكليزية، يتحدث عن جبل قدس في أرض ( بلاد ) قدش! لا يذكر أن هذا الجبل، هو مدينة اورشليم . ويورد نصأ آخر منسوبا إلى نبوخذ نصر ( 599 ق.م.) يسجل الاسم نفسه " قدس – قدش) خلال حملة له جاء فيه أن نبوخذ نصر " سار بجيشه وسيطر على حمت وربلة وقدس ، وداهم الصحراء القريبة بحملات متتالية ونهب كثيرا من القبائل العربية " ويضيف معلّقا :
"هذه النقوش تؤكد بشكل قاطع أن الآشوريين هاجموا القبائل اليمنية في مكان يدعى "جبل قدس"، وهو اليوم بالاسم نفسه "جبل قدس" في مديرية سامع بمحافظة تعز (نحو ثمانين كلم غرب عدن)، وهذه المديرية ملاصقة وقريبة جدا من محافظة لحج، حيث خاض نبوخذ نصر معاركه ضد الكهنة اليهود، ثم قام فور انتهاء القتال بتنصيب كاهن موالٍ له يدعى في التوراة "شافان". وبالطبع، فإن نبوخذ نصر في نقوشه، لا يقول إن قدس هي أورشليم. من قال ذلك هم اللاهوتيون الذين ترجموا اسم قدس، حيث ورد إلى "أورشليم" (Jerusalem)، وبذلك دمجوا المكانين في اسم واحد، ثم سردوا لنا تاريخا مزيفا"
"إن أورشليم التي سجلتها النقوش الآشورية هي مدينة دينية وليست جبلا، ويتأكد لنا ذلك حين نقوم بمقاربة جديدة بين نصوص التوراة وهذه النقوش، ولنأخذ مثلا نقوش سنحاريب (705-816 ق.م)، فبعد أن أزاح سنحاريب الكاهن اليهودي حزقيا، أعطى جزءا من أراضيه لملك موالٍ له يدعى "الملك متنيا-متنية" ثم عين ابنه يهوقيم بدلا منه. ونقوش سنحاريب هذه، تروي كيف أنه أغلق كل المنافذ على الكهنة اليهود، حين هاجم أورشليم، وتمكن من إلقاء القبض على الفارين من المدينة المقدسة"
وفي نقوش أخرى تسجل حملات نبوخذ نصر، نجد أنه أخمد تمردا قبليا يمنيا في جبل قدس ، ثم اتجه في وقت لاحق من حملته صوب مدينة أورشليم لينصب هناك الكاهن جدلية بن شافان، وكيلا عليها " وثمة بلدة حسب الربيعي ، في محافظة لحج اليمنية تدعى حتى اليوم "قرية شافان "
يختتم الربيعي كلامه بالقول :
"إن التوراة في النص العبري، لا تذكر ولا تسجل ولا تلمح ،حتى مجرد تلميح، إلى أن القدس هي أورشليم كما يزعم اللاهوتيون والتوراتيون، هذه أكذوبة اختلقها الأوروبيون لتبرير اغتصاب فلسطين" وأنا أضيف إلى هؤلاء الحركة الصهيونية !
أغلقت الجوال وشرعت في تعبئة البايب بالتبغ لأخذ قليل من الراحة ، فيما أخرج يعقوب علبة سجائرة وأشعل سيجارة . قال وهو ينفث الدخان :
- أنت تدخلنا في متاهات التاريخ !
قلت بعد أن اشعلت البايب وسحبت نفسا عميقا:
- بل ادخلك في حقائقه . آن الأوان لأن نخلص من هذه المهزلة التاريخية ، ونضع النقاط على الحروف ، الإبقاء على العداء بيننا وبينكم ليس في صالح الطرفين ، وسيظل التوتر قائما إلى ما لا نهاية له ، واعتقادكم أننا سننسى تاريخنا، ونرضخ لكم، ونعيش تحت احتلالكم إلى الأبد اعتقاد خاطئ!
- لنأخذ مثلا الهنود الحمر في أمريكا ، استكانوا وخنعوا !
- الهنود الحمر أبيدو بعشرات الملايين ولم يستكينوا ولم يخنعوا! وأنتم لن تستطيعوا إبادتنا وإبادة الملايين من العرب، ومن يتعاطف معهم من المسلمين وحتى القوى المحبة للسلام .
أدرك يعقوب أنني عدت لأنكأ القلق الدفين في دخيلته .
- ما الحل إذن ؟
- قلته لك من قبل ولن أكرر ما قلته. لا بد من الإعتراف بحقوقنا كاملة .
- وحقوقنا ؟ هل نعود من جديد لنبحث عنها في اليمن والسعودية ؟
- من قال ذلك . العالم يتجه إلى الأنسنة والتقارب بين البشر، وقد يكون لكم علاقات مفيدة ومثمرة مع الأقطار العربية والعالم ، لن تتوفر لكم إذا ما بقيتم منعزلين ومحتلين لنا .
- ماذا تقصد بالأنسنة؟
- أقصد انسانية الإنسان دون قوميته أوعرقه ، انظر إلى أوروبا كيف توحدت بعد أن أنهكتها الحروب المدمرة . وهذا ما تسعى إليه الدول المتحضرة ..العداء بين الأمم لم يولّد إلا العدوانية والكوارث المدمرة ، والأمم في حاجة إلى التعاون لمواجهة تحديات المستقبل الطبيعية والإجتماعية والإقتصادية والإنسانية . لن يفتخر انسان المستقبل لكونه عربيا أو اوروبيا أوغير ذلك ، سيفتخر بكونه انسانا حقق انسانيته بانتمائه إلى الإنسانية . هذا ما قد يتحقق إذا ما تضافرت أمم الأرض لتصنع مستقبلا مشرقا لأجيالها .
- أحلام رومانسية يا عارف ليس ثمة إمكانية لتحقيقها.
- لا أظن أنها كذلك ، فتحقيقها أسهل من تحقيق أي حرب مهما صغرت .. لن يكون هناك دولة في المستقبل قادرة على أن تعيش في عزلة ولو محدودة عن العالم . انظر ماذا يجري اليوم ، ليس هناك دولة إلا وتسعى إلى اعتراف جميع دول العالم بها ، حتى اسرائيل نفسها تسعى إلى ذلك . ماذا لو صممت دول العالم على تنفيذ قراراتها المتعلقة بفلسطين وإسرائل ، هل ستحاربون العالم ؟ وفي المستقبل قد تتمكن دول العالم من تحقيق معجزات لم ولن تحققها الحروب، إذا ما كان لديها تصميم على ذلك .
ألقى نظرة على زركم القميص في يده اليمنى . تابعت نظراته ! توقعت أن يكون الزر جهاز تسجيل لغرابة شكله وحجمه. ابتسمت دون أن أبوح بما توقعته . لاحظ ابتسامتي دون أن يعرف لماذا ! تساءل :
- هل تعتقد أن البشرية في المستقبل ستتخلى عن معتقداتها وقومياتها؟
- المعتقدات ستنقرض كما انقرضت المعتقدات القديمة، فأين عبادة مردوخ ورع وزيوس وغيرهم من مئات الآلهة ؟ المعتقدات جميعها ستصبح مجرّد تراث للبشرية ، لتعرف كيف فكرأجدادها.. واليهودية ستكون من أول العقائد المنقرضة !!
- لماذا ؟
- لأنها من العقائد الأقدم وأتباعها قليلون في العالم.
- ألن يكون هناك دين في المستقبل ؟
- سيكون دين أقرب إلى العلم منه إلى الدين ، يمكن أن يسمى دين الإنسان . دين يقوم على فهم المادة والطاقة ودورهما في عملية الخلق. يمكن أن يكون الأقرب إلى وحدة الوجود الحديثة كما أفهمها أنا، أو كما طورتها بتعبيرأدق، تقوم على مبدأ قائم بالخلق ،استنادا إلى ما ذكرت .
- هل أنت فيلسوف ؟
- إذا لم أكن فيلسوفا ، فلدي فلسفة لا تخلو من تجديد وإفادة من فلسفات سابقة عليها، وخاصة مذهب وحدة الوجود!
- أرغب في معرفتها ، لكنها مسألة قد تحتاج إلى وقت قد لا يكون مناسبا الآن . ابنتي سارة درست الفلسفة وعلم الإجتماع وهي تدرسهما في كليّات ومعاهد خاصة ، وهي علمانية ، وقد تحب الإستماع إليك ..
- لعل علمانيتها مثل علمانيتك، علمانية عنصرية تعتقد بوجود خالق تقليدي!
- لا لا ! لا تعترف بوجود خالق على الإطلاق وخاصة حسب الأفكار الدينية المختلفة . وربما يكون فهمها أقرب إلى فهمك . ثم إنها تؤيد جماعة ( السلام الآن ) في اسرائيل ولها علاقات صداقة مع بعضهم .
- لكن فهمي يجتهد لأن يبتعد عن العلمانية الإلحادية، لاعتقادي بوجود قائم بالخلق قد يكون إلها ، أو يقبل أن يطلق عليه صفة الألوهية ، مع أنّه قد لا يرى ضرورة لذلك !
- قد تتفق معك إذا ما عرفت فلسفتك .
- آمل ذلك .
- طلبت أن ترافقني في رحلة صيد ذات يوم ، وعدتها بذلك ! هل لديك مانع في أن تلتقي بك ؟
- لا ! ليس لدي مانع ، وقد يهمني أمرها بقدر ما يهمني أمرك !
- ألا ترى أننا نقوم بما يشبه مفاوضات سريّة بعد أن أوقف الفلسطينيون مفاوضاتهم العلنية معنا !
- ممكن ! وقد تكون مفاوضاتنا مجدية أكثر من مفاوضاتهم . فنحن نتفاوض دون شروط مسبقة مع أخذ مصالحنا في الإعتبار!
- صحيح !
أشعلت بايبي ثانية . شعرت بالجوع . أخبرت يعقوب :
- لم أتناول سوى كأس لبن وبضع حبات من التمرعلى فطوري . أشعر بالجوع، لا بد من إنهاء اللقاء لهذا اليوم .
فاجأني يعقوب حين هتف قائلا:
- أدعوك لتناول الغداء معي .
رددت بعفوية " شكرا " ولم يلح هو في الأمر ، ربما لإدراكه أن الزمن ما يزال مبكّرا، على مثل هكذا دعوة .
*****
















(4)
* سارة تفشل في الحب!
" سرت عائدا إلى البلدة وأنا أفكر في كلام عارف وسلوكه .. لا شك أنه يعرف أنني أسجّل كلامه ، فرجل بذكائه وثقافته شبه الموسوعية، لا يعقل أن لا يفكر في الأمر. ابتسامته وحركاته تشير إلى ذلك . يبدو منطقيا في معظم ما جاء به . نحن اليوم استثمار جيد لأمريكا أكثر منا لأوروبا ، بعد أن اختلفت الأدوار والأطماع. اليهود عرب من الجزيرة واليمن ، واليهودية نشأت هناك ، وانتقلت مع المهاجرين إلى بلاد الشام، لتشوّه فيما بعد لكثرة ما طرأ عليها من تغييرات وتدخلات خارجية وداخلية . فاليهودية وبنو اسرائيل لا علاقة لهما بالقوميّات والأعراق . وإذا لم نكن عرباّ فمن نحن يا ترى وماذا نكون؟ هل سنبقى نقنع أنفسنا بكذبة يهود بني اسرائيل إلى الأبد ، ونقيم لأنفسنا كياناً دينيا ينتمي إلى الغرب، رغم ادعائنا أن هذه أرض أجدادنا بناء على وعد إلهي ودين بائد ومشوّه، في الوقت الذي تعزل فيه الامم الدين عن الدول ، وتشرع في التقارب في ما بينها ، لغايات انسانية اجتماعية اقتصادية ؟ هل نعود إلى ما يسمى الحضارة الكنعانية، التي كنا نكره أتباعها من فلسطينيين وغير فلسطينيين ونحتقرهم ونحاربهم ونستولي على أرضهم ؟ إذا لم نكن كنعانيين فماذا نكون ؟ فراعنة ؟ فينيقيين ؟ أشوريين ؟ بابليين ؟ كلدانيين ؟ فرس؟ رومان ؟ اغريق ؟ أم ماذا ؟ عارف يقول أننا عرب ويثبت ذلك بمنطق العلم والتاريخ والجغرافيا ! فهل سنقتنع بذلك ونقول للعالم أننا اكتشفنا أننا عرب ، وأننا كنا مخطئين ، وأنه ليس أمامنا إلا التصالح مع هذا العالم والإندماج فيه، لنربط مصيرنا بمصيره ونغدو جزءاً منه ؟ أي جنون هذا بحق السماء ؟ نصبح عربا بعد كل ما جنيناه على العرب وأبديناه تجاههم من كره وحقد ! ثم هل يصدّق المهاجرون إلينا من يهود أوروبا وأمريكا ومن كافة أنحاء العالم أنهم عرب ؟ ويقبلون الإندماج في العالم العربي؟ أي حماقات هذه ؟ معظمنا يدركون أنّهم محتلّون وغزاة ولا شيء غير ذلك !"
"كان أبي على حق وهو يفتخربحضارة أجداده العريقة في سومر وآشور وبابل وأكاد، ويلعن الزمن الذي جعل جده يعتنق اليهودية ليعتنقها هووأبوه من بعده ، لتجيء الحركة الصهيونية وتحرمه حتى من قوميته العربية التي تبلورت على مر الزمن "
" آه آه .. ما الحل إذن ؟ حتى نتنياهو لا يخفي تخوفه من المستقبل ، ويسعى بمعونة ترامب إلى إنهاء دعم الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، الذين يتناسلون جيلا بعد جيل ، ناقلين ذاكرة وطنهم معهم أينما حلّوا .. يحلم نتنياهو بأن ينسى الفلسطينيون وطنهم ، رغم أن سياج الجدران الذي يحيط به دولة اسرائيل يشير إلى غير ذلك ! وقد يتطلّب الأمر المزيد من الجدران والأسوار لتمضي أجيالنا حياتها في سجن كبير تحيطه الأسوار والجدران حتى تحت الأرض حسب آخر ابتكارات نتنياهو.. ترى إذا نجح نتنياهو ومن سيأتي بعده في إدخال بعض الطمأنينة إلى نفوس أبنائنا، ببناء الجدران والأسوارفوق الأرض وتحتها، فهل يطمئنوا إلى كونهم غيرمكروهين من كثيرين في العالم ؟!"
*******
فوجئت راحيل حين رأتني أعود دون صيد ولو حجلة على غير العادة! تساءلت:
- هل انقطع الصيد هذا اليوم أم أنك لم تخرج البندقية من مخبئها ؟
- لم أعثر على صيد يستحق السعي خلفه ! وكنت أشعر بالتعب لحرارة الجو ، تمددت في ظل صخرة ، ولا أعرف كيف غفوت .
جاءت سارة من الداخل متلفعة بمنشفة حمّام :
- هاي باب !
- هاي ساراي . ما أخبارك ؟
- أنا بخير باب و إن كنت في حاجة للخلود إلى نفسي لعلني أعيد التوازن إليها بعد قصتي حب فاشلتين !
- لا أعرف كيف لفتاة مثقفة مثلك أن تفشل في اختيار من تحب !
- أحيانا نختار بعواطفنا وليس بعقولنا باب . وهذا لا يعني أن الإختيار بالعقل ينجح دائما . فالخيبات من أهم ويلات الحب ، لأن أهواء النفس أعقد مما نتصوره عنها .
- أتمنى لك التوفيق باب !
- شكرا باب ! ألم تحضر بندقيتك هذا اليوم أيضا ؟
- لا لم أحضرها ،، أريح لي !!
- متى ستصحبني في رحلة صيد ؟
- قريبا جدّا !
*****
أعدت راحيل لطعام الغداء بناء على طلب سارة، ملوخية بالدجاج على الطريقة الفلسطينية ، علمتها إياها أمها ، غيرأن راحيل لم تعد تعترف بأن الأكلة فلسطينية ، فضمتها إلى مجموعة االطبخات الملطوشة من الفلسطينيين.
قلت والبخار يتصاعد من طبقي الملوخية والأرز ناشرا رائحة زكية :
- هه! ملوخية فلسطينية ! هائل !
ردت راحيل بانفعال :
- بل اسرائيلية !
- ألا يكفي أننا لا نعترف بأننا استولينا على أرضهم حتى نحرمهم من مأكولات مطبخهم أيضا ؟
فوجئت راحيل بما لم تسمعه مني من قبل !
- ماذا؟ أرضهم ؟ ما الذي يجري معك في جولاتك النهارية يا جاكوب ؟
- يجري أنني بدأت أفكر في ما إذا كانت هذه الأرض ستدوم لنا ، إذا ما بقينا متمسكين بعقلية المهيمن ، طالما العالم في معظمه يقف ضدنا ، ويرى أننا محتلون ولو ضمن حدود 67 !
- ليذهب العالم إلى الجحيم لن نترك هذه الأرض ونحن أحياء !
- هذا الغباء الذي كنا وما نزال نردده . مشكلة طردنا وترك الأرض لم تعد مطروقة ولوبجديّه من العرب .. المشكلة مع أجيالنا القادمة وكيف ستتعايش مع هذا الوضع وتشعر بالطمأنينة ؟
- ولماذا لا تشعر ؟
- يفضل أن تأكلي يا راحيل لأنك لا تعين أبعاد المستقبل .
تعاطفت سارة معي :
- الحق معك باب . المستقبل لا ينذر بالخير طالما بقينا على هذا الوضع . قلق دائم ينوس بين الحرب والسلم . سلم هش وحرب دائمة وإن خمدت بعض الشيء أحيانا ، بحيث أصبحنا مجتمعا عسكريا أكثر من أي شيء آخر، فهل سنظل كذلك إلى الأبد ؟!
- قولي ذلك لأمك باب!
*****
حرصت على الإحتفاظ بنسخة من التسجيل قبل أن أتصل برافي لأسلمه ما سجلته .
فرح كثيرا وهو يتسلم التسجيل . سألني كيف كان يومي.
- كان جيدا أكثر مما أتوقع .
- هل أحضر عارف البندقية ؟
- لا لم يحضرها .
- هل تحتاج إلى جديدة ؟
-لا أظن أنني سأحتاج .
- قد تهديك الإدارة واحدة حديثة بست طلقات سريعة!
- اوه مدهش ! وخاصة إذا ما قررت أن أشن حربا على طيور وحيوانات المنطقة ! سأفكرفي الأمر! أفكر في أن ألتقي عارف دون سلاح لأمنحه ثقتي .
- هل تظن أنه سيعيد لك بندقيتك ؟
- أظن أنه سيعيدها قريبا .
- جيد يا عزيزي . انتبه لنفسك .
******










(5)
* طيور الحجل تعرف أهلها !
لم يتوقع يعقوب أن أعيد له بندقيته بهذه السرعة . فقد قررت إعادتها له لعدم حاجتي إليها، ولتأكدي من أن قتلي مسألة سهلة إذا ما قرر هو أو سلطته ذلك .
أغرب ما حدث معي هذا اليوم وأنا أقطع الوادي للقاء يعقوب ، حاملا البندقية ، أن طيور الحجل لم تغيّر عادتها في عدم الخوف مني، رغم أنني أحمل البندقية التي طالما رأتها كثيرا تفتك بأخواتها على يدي يعقوب . كانت تفر بضعة أمتار على سطح الأرض، ثم تتابع درجها أو تتوقف إلى أن أمر، على مقربة أقدام منها ، إلى حد أنني شعرت أن بإمكاني أن أمد يدي لأمسك إحداها . شكرت الله في سريرتي لجعل الطيور تتعرف علي رغم أنني أحمل بندقية خصمي التي تفتك بها "
التقيت يعقوب في المكان نفسه .
قلت ضاحكا وأنا أقدم البندقية له :
- إليك بندقيتك يا عديقي السلود! في مقدورك أن تقتلني إن شئت !
أركنها إلى الحائط وطرح حزام الطلقات إلى جانبها .
- لن أقتلك يا عارف وآمل أن لا أضطر إلى ذلك يوماً ما.
جلسنا في الظل إلى جوار بعض . يبدو على يعقوب أنّه لا يعرف من أين يبدأ ! أخرج علبة سجائره ودعاني إلى واحده منها بعد أن فتحها . أشرت بيدي أن لا أريد وأنا أهتف " شكرا " أشعل سيجاره بولاعة صينية عادية وأطرق للحظات :
- في الحقيقة لا أعرف من أين أبدأ معك يا عارف، لكثرة المسائل التي طرقتها أمامي، ولكثرة ما يدورفي مخيلتي . عشرات وربما مئات الأسئلة. ما رأيك أن تحدثني شيئا عن حياتك الشخصية . الأسرية مثلا ؟
- هذه مسألة تحتاج إلى وقت طويل آخر وربما ظرف مختلف.. يمكنني أن أختصر لأقول أنني الآن أعيش وحيدا ، ومتفرّغا لعملي ومطالعاتي . أعشق الوحدة لأنها تمنحني الهدوء والوقت للكتابة والقراءة والتأمل والتفكير . أرسم أحيانا حين أكون متعبا من الكتابة والقراءة . وأحيانا أجلس لأستمع إلى الموسيقى التي أعشقها لأنها تحملني إلى عوالم مختلفة وذكريات .. وأحيانا أعزف على الناي . أمارس إحدى هواياتي في لعب الشطرنج حين أحتاج إلى راحة أجد فيها خصما جيدا !
- أي نوع من الموسيقى تحب ؟
- أحب كل شيء وإن كنت متعلقا بالموسيقى الشرقية أكثر من غيرها ، يحتل الناي بصوته الشجي مكانة خاصة في نفسي وهو يتسرب متغلغلا في شرايين دمي ومسامات جسدي ولواعج نفسي. ينقلني من وجع السنين إلى آفاق المطلق وأغوار المجهول .
- ألم تتزوج في حياتك ؟
- تزوجت مرتين ، وعرفت بعض النساء الأخريات . حاجتي الماسّة إلى التأمل والقراءة والكتابة، كانت تدفعني دائما إلى تجنب بناء أسرة ، وتجنب العلاقات الإجتماعية غير الضرورية ، إلى أن وجدت نفسي أطمح إلى الوحدة .. أعيش وحيدا منذ ما يقرب من ربع قرن .
- من ماذا تعتاش ؟
- أعتاش على تقاعد بائس من السلطة الفلسطينية، كوني عملت في أحد فصائل منظمة التحرير لأكثر من ربع قرن . إضافة إلى دخل بسيط عن مقال ما أو بيع لوحة بين فترة وأخرى . وثمة مبلغ كنت قد ادخرته من معارض للرسم أقمتها سابقا في أوروبا وبلدان عربية . ألجأ إليه شهريا لاستكمال ما ينقصني من أشياء . وقد أوشك على النفاد .
توقفت عن الكلام فيما أطرق يعقوب مفكرا في أمر ما يسألني عنه ، غير أن سربا من طيور الحجل دهمنا وهو يفر مذعورا من ثعلب ما كمن له ، قطع عليه تفكيره ، وسارع إلى تناول البندقية التي لم تكن محشوة .. فقد أفرغتها من طلقتيها منذ أن فارقني يعقوب في اليوم الأول للقائنا . نبّهته إلى ذلك ورجوته ألا يحشوها وأن لا يستخدمها بوجودي. وكان سرب الحجل قد ابتعد ما عدا واحدة ، دفعها الرعب لأن تلجأ إلي، حتى أنها استقرت في حضني ، واستكانت إلى ذلك حين رحت أملس على رأسها وعنقها وظهرها .. بدا من حجمها أنها الأم، وتوقعت أن تكون إحدى الحجلات التي ربيتها في بيتي قبل أشهر، حين عثرت عليها فراخا صغيرة في عش دون أم وأب ، يبدو أن يعقوب قد اصطادهما .. أخذت االفراخ إلى البيت وأشرفت على تربيتها إلى أن كبرت ، فأطلقت سبيلها .. كثيرا ما كنت آخذ واحدا وأداعبه وأملس على رأسه وظهره فيستكين إلى حضني . وكانت أحيانا تفاجئني بعودة إلى البيت ، وكأنها تأتي لزيارتي، فأقدم لها ما تيسر من حبوب وماء .. تبقى في ضيافتي لبعض الوقت ثم تغادر حين تشاء.
أعاد يعقوب البندقية إلى مكانها وفغر فمه مندهشا وهو يرنو إلى الحجلة التي استكانت إلى حضني ، دون أن يصدق نفسه . وما لبث أن هتف :
- ما هذا بحق السماء هل تعرفك الطيور ؟
- ولماذا لا تعرفني طالما أتجول كثيرا في بطاحها دون اؤذيها، وأقدم المساعدة إلى من يحتاج منها إليها .
- وتحبك أيضا ؟
- إنّها طيور بلادي يا يعقوب ، تعرفني وأعرفها ، ولست غريبا عليها مثلك ! ولا أسعى إلى قتلها كما تفعل أنت ! فلماذا لا تحبني؟!
قبلت الحجلة على رأسها وأطلقتها لتدرج على مهل متتبعة أثر سربها.
ظهر الثعلب بعد لحظات في السفح المقابل لنا، وهويضبح مصوّتا، وكأنه يندب يومه العاثر لعدم تمكنه من افتراس حجلة من السرب. سارع يعقوب ثانية إلى مد يده إلى البندقية . زجرته :
- إياك !
تساءل بدهشة :
- حتى الثعلب لا تريد أن أصطاده ؟
- بوجودي فقط ! لك أن تفعل ذلك في غيابي.
أذعن لي ، متقبلا الأمرعلى مضض! شكرته على ذلك!
*****
ظل يعقوب صامتا لفترة بدت لي أنها طالت أكثر من اللازم . تساءلت :
- ما الذي خرجت به بعد كل هذا الصمت؟
- في الحقيقة يا عارف أفكر بأقصر الطرق التي يمكن أن تقودنا إلى نتيجة مقبولة للخروج من هذا المأزق!
- الفلسطينيون اختاروا الطريق وأنتم من أغلقه بعدم تنفيذ ما اتفق عليه، بل وتجاهله بالإستيلاء على الأرض وكل ما يتبع ذلك من أفعالكم .
- كيف يمكن اقناع دولتنا بأن كل ما تفعله ليس في صالحنا وصالح أجيالنا ؟
- لن تقتنع طالما هي بهذه العقلية العنصرية رغم أن الوعد لابراهيم شمل في أهم نصوصه نسل ابراهيم كله، والعرب يعتبرون أنفسهم من نسل اسماعيل بن ابراهيم من هاجر: " في ذلك اليوم قطع الرب ميثاقا مع ابرام قائلا : " لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهرالكبير نهر الفرات "15/18 فالوعد واضح وصريح لنسل اسحق واسماعيل وليس لنسل اسحق وحده. هذا إذا أردنا أن تعامل مع الأسطورة بمنطق الواقع ، حسب ما أراد كاتب النص،
- قادتنا يتقصدون إغفال هذه الحقيقة. وطالما هم بهذه العقلية فلن يحل المشكلة غير يهوه نفسه ! كأن يظهر لنا ليقول أنه منح الأرض للنسل كله !
- ولن يظهر بالتأكيد كما لم يظهرمن قبل إلا في مخيلة الكتبة . حتى أنت غير المتدين، أعلنت لي في بداية لقائنا ، أنك ستظل متمسكا بكذبة الوعد هذه، ومؤمنا بيهوه، حتى لو لم يكن له وجود ، طالما أنه منحكم أرضا ووطنا .
- صحيح ! لكني بدأت أفكر في الأمر بعد حواري معك، ولو حرصا على مصلحة أجيالنا في المستقبل . فالمشكلة لا تكمن في كون أصلنا من اليمن أو من مصر أو العراق أو من هنا أو من أي بلد آخر في العالم ، المشكلة في وجود هذا الإله وتصديق وعده بمنح الأرض لنا ، فإذا ما اقتنعنا أن الإله نفسه، وحسب ما قدّمه لنا كتبة التوراة، لم ولن يوجد يوما ، بات حل المسألة ممكناً!
- ألم تقتنع بعد؟
- أكيد لم أقتنع، لكني بدأت أفكر، لأن تحليلك يستند إلى المنطق والعلم . واستنتاجك أن الإله التوراتي إله أوجده الكتبة في عصر تدجين المواشي واكتشاف الزراعة استنتاج منطقي وعلمي في الوقت نفسه . وليس في الإمكان تجاهله . ورؤيتك لطوفان نوح ينطبق عليها المنطق نفسه . وحاشا أن يكون الله حسب ما قدمّه لنا هؤلاء الكتبة ، هذا إذا كان هناك إله فعلا !
- يبدو أنك في حاجة لأن أعود بك إلى قصة الخلق نفسها ، لتقتنع أنها قصة متخيلة من تأليف عقل بشري بدائي وليس ثمة علاقة لله بها .
- بل وإلى التوراة كلها كونها الأصل الذي تقوم عليه اليهودية !
- وماذا عن التلمود وما يتبعه من كتب ؟
- المهم هو التوراة وسنتطرق إلى التلمود إذا ما احتجنا إلى ذلك .
*******
"ليس هناك ما هو أسخف من أن لا يفهم المرء دينه، أو ما يعتقد أنه دينه ، ويظل مؤمنا به على علّاته، ولا يقبل بأي جدل حوله أو نقد له، انطلاقا من قدسيته . وما يدعو للعجب أن أقوم أنا غير اليهودي، بإفهام هذا اليهودي دينه ، لعله يقتنع يوما أنني شريك له في هذه الأرض ، التي غزاها قديما وحديثا بناء على وعد إلهي حسب ما يدعي"
كان يجلس صامتا منتظرا أن أبدأ حديثي .
أخرجت من حقيبة كتفي جهاز الكومبيوتر الصغير الذي قررت أن أصحبه معي ، فالبحث والقراءة على الهاتف الجوال ، أمران متعبان .
بحثت عن سفر التكوين وشرعت في الكلام :
- يخبرنا كتاب التوراة اليهودية يا يعقوب (المنسوب إلى عزرا ونحميا وغيرهما من الكتبة) من مطلع الفقرة الأولى في سفر التكوين عن خالق هو الله قام بخلق السموات والأرض ، دون أن نعرف ما هو هذا الخالق وكيف عرفه الكاتب وعرف عنه هذه المعلومات .. فهل له شكل وجسم مثلا أم لا ؟ وإذا كان له جسم فهل هوشبيه بجسم الإنسان أم ماذا ؟
"في البدء خلق الله السموات و الارض "!
لاحظ الخلق بالجملة للسموات بينما لا يوجد سوى أرض واحدة . ولا نعرف كيف عرف الكاتب أن هناك سماوات وأن هذا الخالق خلقها ومتى وكيف ؟ العلم أثبت أنه لا يوجد سماوات بل فضاء لا نهاية له . وأن هناك كواكب كثيرة غير الأرض .
ثم يخبرنا في الجملة الثانية أيضا بما لا نعرف كيف عرفه ، فهل أخبره الله بذلك ومتى وكيف وأين ؟:
"وكانت الارض خربة و خالية و على وجه الغمر ظلمة و روح الله يرف على وجه المياه "
وهكذا يخبرنا الكاتب أنه كان لله روح وأنها كانت ترف كطائر فوق المياه ، دون أن نعرف ما هي الروح ، ومتى خلق الله المياه ،التي كانت موجودة من قبل كما يبدو، ولنعرف ضمنا أن الظلمة لم تخلق أيضا بل كانت موجودة من قبل هي الأخرى . وقصة معرفة الكاتب لكل هذه المسائل ، التي لا نعرف كيف عرفها، تظل منسحبة على كتاب التوراة كله مما يشير إلى أنه تأليف أدبي، كأي تأليف أدبي في زمننا يظهر فيه المؤلف ملماً بكل شيْ مع أن البطل هنا إله :
في الجملة الثالثة يخلق الله النور:
"و قال الله ليكن نور فكان نور"
وبهذا نعرف أن الإله التوراتي ( حسب ما يرى كاتب النص) يخلق بفعل الأمر الإلهي المخفف " ليكن " دون أن نعرف كيف خلق النور" قبل أن يخلق الشمس والقمر، مع انه لم يكن لديه أي تصور للنور قبل خلقه ، فهو يقول :
" 1: 4 و راى الله النور انه حسن "
فالله لم يعرف أن النور" حسن " إلا بعد أن رآه . وهذا ما سنلمسه في معظم أشكال الخلق التالية ، حيث لا يرى الله حسن خلقه إلا بعد أن يخلقه ، مما قد يشير إلى عدم وجود صورة مكتملة في خيال الله لما سيخلقه ، إلا الكلمات المجردة التي كانت تسبق عملية الخلق ، وسنرى أن هناك بعض المفردات التي أطلقها الله على خلقه بعد عملية الخلق ، وهذا يعني أن اللغة لم تكن قد اكتملت في التصور الإلهي ، التي سبقت عملية الخلق ، كما لا نعرف أي لغة هي ؟ والإشارة إلى " ورأى الله " تفيدنا بوجود عيون لله وإلا لما رأى . ووجود عيون يستدعي وجود جسم وشكل ، ولم نعرف حتى الآن ما هو جسم الله وكيف شكله ؟ كما أن وجود عيون له يشير إلى أنه ليس روحا مجردة . ويمكن القول أنه جسد وروح . أي جسد وحياة حسب فهمنا للروح .
" و فصل الله بين النور و الظلمة:
1: 5 "ودعا الله النور نهارا والظلمة دعاها ليلا وكان مساء و كان صباح يوما واحدا "
لا نعرف كيف فصل الله بين النور والظلمة ،وكيف صارهناك يوم فيه نهاروليل ومساء وصباح ، فالله لم يخلق لا الشمس ولا القمر ولا النجوم والكواكب بعد . ومن الواضح أن الله كان يستريح في المساء ( ربما لأنه لا يجيد الخلق في الظلام ) ثم إن اليوم لا يكتمل عنده إلا في الصباح حيث يبدأ يوم جديد كما هي الحال في الحس الشعبي . هذا خيال كاتب بدائي يا يعقوب وليس خيالا إلهياً.
يعود كاتب النص في الإصحاحات اللاحقة، إلى ما يبدو أنه محاولة غامضة، بل وفاشلة، لتفصيل وتوضيح ما حدث ، فيخبرنا كيف فصل الله بين المياه وكيف أوجد السماء ( وليس السموات كما أخبرنا من قبل ) مستخدما أفعال أمر مخففة تتطلبها العملية المطلوب خلقها :
"1: 6 و قال الله ليكن جلد في وسط المياه و ليكن فاصلا بين مياه و مياه "
هذا النص يشير إلى ان الوجود كله كان عبارة عن كون من الماء! كما في التكوين البابلي.
1: 7" فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد وكان كذلك"
1: 8 "ودعا الله الجلد سماء و كان مساء و كان صباح يوما ثانيا "
إذا كان الجلد سماءً حسب ما دعاه الله، فكيف يستقر الماء فوقها وتحتها ؟ فالسماء يفترض أنها فضاء غير متناه، فلا فوق لها ولا تحت أيضا ، لأنك أينما ذهبت لن تجد حدودا لها ، حتى يكون لها فوق وتحت . وهذا التصوريشير إلى سماء أشبه بخيمة كبيرة لها سقف وأرض بحيث يمكن أن تستقر مياه فوق السقف وتحت على الأرض .
وقد استغرقت هذه العملية يوما كاملا مع الله ، بعكس عمليات الخلق الأخرى التي يحدث فيها خلق الكثير .
في اليوم الثالث نتابع ظهور اليابسة والبحار وخلق النباتات :
"1: 9" و قال الله لتجتمع المياه تحت السماء الى مكان واحد ولتظهر اليابسة وكان كذلك" .
هذا التصوًر غامض أيضا . فالمياه التي يفترض أنها تحت سقف السماء ( حسب تصور المؤلف / الكاتب ) كانت تغطي الأرض فقام الله بجمعها في مكان واحد ، فأي مكان هذا الذي يتحدث عنه المؤلف ، هل قام الله بحفراخدود كبيرأو هوة عميقة جعل المياه تذهب إلى أحدهما ؟
1: 10" ودعا الله اليابسة ارضا ومجتمع المياه دعاه بحارا و راى الله ذلك انه حسن".
واضح أن الكاتب لم يكن يعرف أي كواكب أخرى غير الأرض، وأنه لم يتم خلق كواكب غيرها، كما لم يكن يعرف من مستقرات المياه غيرالبحار، ويبدو أنه لم ير محيطا في حياته!
1: 11" و قال الله لتنبت الارض عشبا و بقلا يبزر بزرا و شجرا ذا ثمر يعمل ثمرا كجنسه بزره فيه على الارض و كان كذلك" .
1: 12 "فاخرجت الارض عشبا وبقلا يبزر بزرا كجنسه و شجرا يعمل ثمرا بزره فيه كجنسه و راى الله ذلك انه حسن "
مسكين هذا المؤلف كم ظلم الله . فهو لم يكن يعرف ضرورة الشمس والضوء لعملية الخلق. فخلق النباتات والأشجار قبل أن يخلق الشمس . بالتأكيد لم يكن يعرف بعملية التمثيل الضوئي والطاقة الكهرومغناطيسية ومختلف التفاعلات التي تجري بين الضوء وعملية نمو النباتات .
1: 13" و كان مساء و كان صباح يوما ثالثا" .
لن ندخل في تفاصيل النباتات والأشجار وأنواعها لأن المؤلف لم يكن يعرفها بالتأكيد ، ولم يأت على ذكرها إلا تعميما ..
في اليوم الرابع يخلق الله النجوم ويقسم الزمن إلى أيام وسنين دون أن نعرف كيف . وسنتجاهل ما أخبرنا به الكاتب من قبل أن الله فصل بين النور والظلمة ، وأحدث الليل والنهار . وأن عملية الخلق كانت تتم بشكل يومي :
": 14 و قال الله لتكن انوار في جلد السماء لتفصل بين النهار و الليل و تكون لايات واوقات وايام و سنين "
1: 15" و تكون انوارا في جلد السماء لتنير على الارض و كان كذلك "
1: 16" فعمل الله النورين العظيمين النور الاكبر لحكم النهار و النورالاصغر لحكم الليل والنجوم "
1: 17 "و جعلها الله في جلد السماء لتنير على الارض "
واضح أن النورين العظيمين هما الشمس والقمر ، وكان يفترض أن يخلقا قبل خلق النور، بل وقبل خلق النهار والليل ، وقبل خلق النباتات والأشجار وحتى قبل خلق الأرض نفسها.
العلم يخبرنا أن عمر الأرض قرابة أربعة مليارات ونصف المليارعام ، بينما الخلق قائم منذ قرابة أربعة عشر مليار عام ! وهذا يعني أن ظهور الأرض تأخر أكثر من تسعة مليارات عام على بدء عملية الخلق !
1: 18" و لتحكم على النهار والليل و لتفصل بين النور و الظلمة و راى الله ذلك انه حسن "
كم مرة سيعيد الكاتب لنا حكم الليل والنهار والفصل بين النور والظلمة. هل يعقل أن البشر لا يدركون أن هؤلاء الكتبة لفقوا على الله ما صورته مخيلاتهم ؟
أليس كذلك يا يعقوب ؟ هل أنت معي وتستمع إلي أم أنك نعست ولم تعد تستوعب شيئا ؟
- بل أنا معك يا عارف وأكتشف كم نحن حمقى ! لا أكاد أصدق ما أسمعه ..حين قرأت سفر التكوين هذا ، قرأته كمسلمات ولم أفكر في كل ما أبديته من نقد.
- معظم الناس يقرأون النصوص المعتبرة دينية كمسلمات وحقائق ولا يفكرون في محتواها ومنطقها إلا من باب التصديق!
حسنا يا عديقي !! لنتابع:
في اليوم الخامس يخلق الله مخلوقات البر والبحر من الطيور والأسماك . ولم يذكر الله من مخلوقات البحر إلا (التنانين ) وهي مخلوقات اسطورية لم يثبت لها وجود .
في اليوم السادس يخلق الله البهائم والوحوش وجميع دبابات الأرض والأهم أنه يخلق الإنسان أيضا وعلى صورته :
1: 26 "و قال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طيرالسماء و على البهائم و على كل الارض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الارض "
1: 27" فخلق الله الانسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرا و انثى خلقهم "
وهذا يعني أن الله يشبه الإنسان في شكله طالما أنه خلقه على صورته.
تمت عملية خلق الذكر والأنثى معأ .. ومن ثم باركهم :
1: 28 وباركهم الله و قال لهم اثمروا و اكثروا و املاوا الارض و اخضعوها و تسلطوا على سمك البحر و على طيرالسماء وعلى كل حيوان يدب على الارض "
يلاحظ أن الله خلق أكثر من ذكر وانثى ، فالكاتب يستخدم ضمير الجماعة (هم ) وليس ضمير المثنى إذا كان الخلق قد بدأ بذكر واحد وأنثى واحدة ، كما هو معروف . كما أنه يستخدم مفردات تشير كلها إلى جماعة بشرية : اثمروا واكثروا و املاوا الارض و اخضعوها و تسلطوا !! ويتعامل مع مفردة الإنسان كنوع وليس كفرد بعينه أو فردين معروفين : آدم وحواء . وسنكتشف لاحقا عملية خلق مختلفة لآدم وحواء.
ويختتم الله يومه السادس باستحسان ما صنع :
1: 31 و راى الله كل ما عمله فاذا هو حسن جدا و كان مساء و كان صباح يوما سادسا "
وهكذا أكمل الله عملية الخلق واستراح في اليوم السابع من عمله :
" 2: 2 و فرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل "
لكن النص يعود بنا في الفصل الثاني إلى عملية الخلق ثانية فيما يبدو أنه عملية خلق جديدة ، أو توضيح فاشل لما سبق وتم خلقه ، فيخبرنا أن :
" الرب الاله لم يكن قد امطر على الارض و لا كان انسان ليعمل الارض " 2/5
لقد نسى الكاتب أمرين : أن الأرض كانت مغمورة بالمياه فهي ليست في حاجة إلى مطر حينذاك ، ونسى أنه خلق النباتات والإنسان ذكرا وأنثى ، ثم إن الله الذي يخلق كل شيء بالأمر الإلهي قادرعلى خلق النبات دون مطر.
ويعود ليخبرنا عن خلق آدم دون حواء :
2: 7 و جبل الرب ألإله آدم ترابا من الارض و نفخ في انفه نسمة حياة فصارادم نفسا حية "
نجد أن عملية الخلق هنا لا تتم بأمر إلهي بل باليدين وبجبل التراب والنفخ في الأنف! ولكائن هو آدم ، لا يذكر أنه على صورة الله كما في الخلق السابق ، الذي تم فيه خلق ذكور وإناث!
ثم يخبرنا الكاتب عن غرس جنة ووضع آدم فيها:
"2: 8 و غرس الرب الاله جنة في عدن شرقا و وضع هناك ادم الذي جبله "
غرس الرب الجنة غرسا .. أي زرعها زراعة ، ولم يخلقها بأمر إلهي ! كما أن الكاتب لم يخبرنا أي شرق هذا الذي تكون عدن فيه ، هل هو شرق الأرض أم شرق السماء. لكن خلق الكائنات الحية على الارض يشير إلى أن خلق آدم قد تم على الأرض ومن ترابها ، وأن عدن هذه التي غرس الله جنة فيها ، هي على الأرض وليست في السماء ، كما هو شائع عند الناس! ويذكر الكاتب نهر الفرات من بين الأنهارالأربعة التي تفرعت عن النهر الذي يخرج من الجنة ، كما يذكر اسم آشور :
2: 14 و اسم النهر الثالث حداقل و هو الجاري شرقي اشور و النهر الرابع الفرات "
ولا نعرف إن كان هناك أشور وفرات غير المعروفين تاريخيا .
2/13 واسم النهر الثانى جيحون، وهو المحيط بجميع أرض كوش
وأرض كوش تذكر بعض المصادرأنها الحبشة ( أثيوبيا) فيما تذكرأخرى أنها كانت مملكة في منطقة النوبة شمال السودان وجنوب مصر. وفي هذه الحال قد يكون جيحون هو النيل !
2: 14" واسم النهر الثالث حداقل و هو الجاري شرقي اشور والنهر الرابع الفرات "
وإذا كانت آشور هي آشور المعروفة تاريخيا شمال ما بين النهرين فإن كاتب سفر التكوين ينقلنا بين قارتي آسيا وافريقيا، ولا نعرف كيف تفرعت أربعة أنهارمن النهر الذي ينبع من الجنة ليخترق بعضها أو أحدها على الأقل، القارتين . وإذا كان نهر الفرات هونفسه المعروف اليوم ومنبعه من جبال طوروس في تركيا ، فإن عدن وجنتها تكون في تركيا !
ويذكرالكاتب شجرتين في الجنة ، تكمن معظم مآسي البشرية فيهما : شجرة الحياة ، وشجرة معرفة الخير والشر . فالاولى للخلود والثانية للمعرفة ، وهما الأمران اللذان لم يكن الله يريدهما للإنسان ، لكي يحظى هو وحده بالخلود والمعرفة ، حسب رأي المؤلف! يمكن أن لا يريد الله خلودا للإنسان ، أمأ أن لا يريد له معرفة ، فهل يعقل هذا ؟ لماذا خلقه إذن ؟ وهل يعقل أن يضع الله سرالمعرفة في شجرة؟! وإذا كان مؤلف النص نفسه يقول إن الله خلق الإنسان ليعمل الأرض ، فكيف سيعمل الإنسان إذا لم يكن لديه معرفة ؟ هذه إحدى أهم التناقضات التي وقع المؤلف فيها .
ما رأيك بهذا المؤلف يا يعقوب ؟
- واضح أنه مؤلف جاهل لا يعرف شيئا !
- مؤلف جاهل يؤلف كتبا عن الله ، وأنتم أمضيتم أعماركم تتبعون فكرهذا المؤلف الجاهل حسب رأيك ! إنطلاقا من أن مؤلفه وحي من الله ! وقصة سرالمعرفة الموضوعة في شجرة مأخوذة من العقائد السابقة.
- للأسف هذا هو الواقع .
- لنتابع :
2: 9 وانبت الرب الاله من الارض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للاكل وشجرة الحياة في وسط الجنة و شجرة معرفة الخير و الشر "
ونهى الله آدم بعد أن وضعه في جنة عدن ألا يأكل من شجرة المعرفة لأنه سيموت إذا ما أكل :
2: 16 واوصى الرب الاله ادم قائلا من جميع شجر الجنة تاكل اكلا
2: 17 و اما شجرة معرفة الخير و الشر فلا تاكل منها لانك يوم تاكل منها موتا تموت "
هل يعقل أن يمارس الله هذا الإرهاب على مخلوقه، مهددا إياه بالموت، إذا ما أكل من ثمر الشجرة ، والموت هذا هو الوحيد الذي يبدو أن الله كان يعرفه قبل أن يوجد ، فلم يكن هناك موت لأي من المخلوقات بعد . ويفترض أن كل ما يحدث حتى حينه لم يتجاوز الأيام الستة التي تم فيها الخلق . كما أننا لا نعرف كيف عرف آدم ما هو الموت طالما أنه لا يعرف شيئا بعد ، وكيف أطلق أسماء على الحيوانات والطيور كما سنرى !
يعود الله لينسى ( أو أن الكاتب ينسى ) أنه خلق إناثا من قبل ، فقرر أن يخلق أنثى لآدم :
2: 21 فاوقع الرب الاله سباتا على ادم فنام فاخذ واحدة من اضلاعه و ملا مكانها لحما
2: 22 و بنى الرب الاله الضلع التي اخذها من ادم امراة و احضرها الى ادم
2: 23 فقال ادم هذه الان عظم من عظامي و لحم من لحمي هذه تدعى امراة لانها من امرء اخذت
نجد هنا عملية خلق للإنسان مختلفة عن الخلقين السابقين، كما نجد أن آدم يعرف لغة، ويعرف لحمه وعظمه ويعرف المرأة من الرجل، أي أنه ليس معدوم المعرفة ، مع أننا لم نرالله يهبه أية معرفة ، بل كان الكاتب حريصا على أن يقول لنا أن آدم وحواء لم يكونا يعرفان أنهما عاريان ، أي لم يكن لديهما معرفة ، ولا يعرفان ما هي المعرفة :
2: 25" و كانا كلاهما عريانين ادم و امراته و هما لا يخجلان "
وقد نسى الكاتب أنه أخبرنا في فقرة سابقة أن الله جمع الطيور والحيوانات لآدم ليطلق على كل طائر وحيوان اسمه ، ونسى الله او الكاتب أن آدم لا يعرف لغة وليس لديه معرفة ، فكيف أطلق أسماء على الحيوانات والطيور ؟!
2: 19 و جبل الرب الاله من الارض كل حيوانات البرية و كل طيور السماء فاحضرها الى ادم ليرى ماذا يدعوها و كل ما دعا به ادم ذات نفس حية فهو اسمها "
الله يجبل بيديه الآلاف من أنواع الطيور والحيوانات ، ولا نعرف أين ذهب الأمرالإلهي القادرعلى الخلق بسرعة مطلقة ، كما لا نعرف كم استغرق جبلها ومرورها أمام آدم ليطلق عليها أسماء دون أن يعرف لغة. وقبل أن يأكل من ثمر الشجرة! وعملية الجبل هذه يفترض أنها تتم خلال زمن يقل عن اليوم ، وهذا يعني أن الله كان يجبل وينفخ بسرعة فائقة ليتمكن من جبل آلاف الطيور والحيوانات ، دون الحشرات التي لم يتم التطرق إلى جبلها! وهنا يظهر الله بشكل مختلف عن السابق ، فلا يمكن جبل كائن دون أن يكون هناك تصور مسبق له في مخيلته، عكس الخلق السابق الذي لم يكن له تصور مسبق ، أو أنه كان تصورا غير واضح ، بحيث لم يعرف الله مدى حسنه إلا بعد أن خلقه .
لا أعرف ما الذي سيفعله الإله يهوه بهذا الكاتب ( أو بكتبة التوراة كلهم ) إذا ما أتيح له أن يطلع على هذا النص الذي كتبوه ..
إن أي كاتب مبتدئ يمكنه أن يكتب نصا متماسكا ومقنعا أكثر من هذا النص عن الله والخلق . فالنص يفتقر إلى الحد الأدنى من المعرفة والخيال والمنطق ومقومات الخلق ، ومعرفة الألوهة نفسها .
يكفي لهذا اليوم يا يعقوب. سنكمل في اللقاء القادم.
- اشكرك .
- العفو.
****
* النصوص التوراتية منسوخة عن النت ولم أقم بتصحيح أخطائها ، ومعظمها في الهمزة.











(6)
* شمعون ويوئيلا!
"انصرف عارف وتركني في صراع مع تحليله لنص قصة الخلق التوراتية ، التي نشأت عليها دون أن أفكر فيها . . هل يعقل أن لا يريد الخالق معرفة للإنسان الذي خلقه ؟ وهل يعقل أن يضع سر المعرفة في شجرة ؟ كيف غابت كل هذه الأسئلة التي طرحها عارف عن بالنا ؟ هل نحن حمقى أم ماذا ؟ لماذا نتقبل كل ما نقرأه في التوراة ونسلم به كحقائق منزله ، بينما شخص كعارف يفكر فيه ويخضعه للعقل والمنطق؟ هل يمكن لخالق أن يكون على هذه الصورة التي صوره عليها كتبة التوراة . وهل يمكن لخالق لم يكن يريد معرفة للإنسان أن يمنحه أرضا ، طالما أنّه ضنّ عليه بالمعرفة ؟! لا أظن أنّه سيهدأ لي بال قبل أن أعرف كيف يفهم عارف الخالق ، فلقد استطاع هذا الرجل أن يثير فضولي لمعرفة الخالق رغم عدم تديني "!
ألقيت نظرة على البندقية .أخذتها بيدي ورحت أتأملها، في محاولة للخروج مما يصطرع في مخيلتي. حشوتها بخرطوشتين ونهضت . وضعت حزام الطلقات على وسطي، وانطلقت عبر الوادي عائدا إلى البيت، مترددا في البحث عن صيد ، مكتفيا بما قد ألقاه في طريق عودتي.
كنت سائرا وأنا أفكر في كلام عارف ، وفي الغاية التي ينشدها المسؤولون من معرفة عقله، وكيف يفكر وماذا يريد ، حين برزت لي حجلتان تدرجان في حنواء الوادي على مسافة أمتار أمامي . توقفت وأنا أهيئ البندقية لإطلاق النار. الغريب أن الحجلتين لم تفرّا ، وكأنهما لم تتنبها لوجودي . توقفت إحدى الحجلتين على صخرة فيما تابعت الأخرى درجها .. سددت البندقية نحو الحجلة الواقفة، وهممت للضغط على الزناد ، وإذا بصوت عارف يصدح في مخيلتي : إيّاك ! لم أضغط على الزناد، وظلت الحجلة واقفة وكأنها تدرك أنني لن أطلق النارعليها ، وربما تدرك أن رعاية عارف تحيطها وتحفظها. رحت أخفض سبطانة البندقية شيئا فشيئا ، مترددا بين اطلاق النارأو عدم الإطلاق ، وكلمة عارف تتردد في مخيلتي ثانية : إيّاك ! ولم أجد نفسي إلا وأنا أتخلى عن إطلاق الناروأعيد وضع البندقية إلى جانبي. قفزت الحجلة عن الصخرة وتابعت درجها في أثر رفيقتها ..
*****
تأوهت راحيل متعجبة وهي تقف إلى جانب باب الشقة وتراني أعود بالبندقية وليس معي صيد :
- اوها! عدت بالبندقية دون الصيد ، لعلك خبأت الصيد في الجبال بدلا من البندقية هذه المرة ؟!
تجاهلت سخريتها وطرحت البندقية جانبا وهممت للدخول إلى الصالون . قالت :
- ساجام شيمون وصديقته في الداخل.
- اوه! هل تذكرنا الضابط أخيرا ؟
دخلت . صافحت شمعون ثم صديقته يوئيلا حسبما قدمها لي . كانا بالزي العسكري.
- تبدو متعبا آب!
هتف شمعون .
- إنها الشيخوخة آبا!
- بعدك شباب آب !
- ولّى الشباب إلى غير رجعة . ما أخبارك آبا .
- أنا بخير آب واتفقنا على الزواج أنا وصديقتي يوئيلا.. المصرية.
أضاف المصرية بعد تردد وكأنه مدرك لما يقوله عن جنسية يوئيلا. تساءلت بدهشة :
- مصرية ؟!
- آجل آب أقصد من أصل مصري ما الغريب في الأمر؟
- ليست من أصل يهودي أو اسرائيلي، بل من أصل مصري، هذا يعني أنها تنتمي إلى مصر وليس إلى اسرائيل !
- آب ألم يحضر يوسف أباه يعقوب وأخوته ليعيشوا معه في مصر، ليتكاثر بنو اسرائيل هناك طوال أربعمائة عام .. لقد أصبحنا مصريين وشاركنا في بناء أعظم أهرامات في العالم ، ثم إن اليهودية دين وليست قومية ، وكان هناك في مصر دين آخرغيرها .. ولو أتيح لنا أن نحقق اسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات ، قد نغير اسم الدولة إلى " امبراطورية مصرالإسرائيلية " أو ما شابه ، ونعيد مجدنا القديم ونبني أعظم امبراطورية وأعظم هرم في العصر الحديث !!
- تعتبر أننا مصريون لأننا أقمنا في مصرأربعمائة سنة في زمن قديم ، حسب ما تذكر التوراة ، فماذا تعتبر الفلسطينيين الذين يقيمون في فلسطين منذ أكثر من أربعة آلاف عام ، أليسوا أصحاب وطن ؟
- أصحاب وطن ؟ ويقيمون في فلسطين من أربعة آلاف عام ؟! منذ متى تطرح تساؤلات كهذه آب؟!
- منذ أن اعتبرت أننا مصريون بناء على إقامة مندثرة في جوف التاريخ ، هذا إن صحة مقولة التوراة ودخلنا مصر فعلا ؟ وإذا ما عدنا إلى مؤرخي التوراة ، سنجد أنهم يذكرون أننا غزونا أريحا عام 1186 قبل الميلاد بقيادة يوشع بن نون خليفة موسى ، ودمرنا أسوارها العالية ، وكان هذا الدخول بداية غزونا لفلسطين . السؤال آبا ! إذا كانت أريحا حسب ذلك التاريخ مدينة ذات أسوار ، فألا يعني ذلك أن الحضارة نشأت في هذه المدينة قبل ذلك الزمن بكثير ، وربما تكون من أقدم مدن العالم التي نشأت فيها الحضارة بتدجين المواشي واكتشاف الزراعة وبناء المدن .
وهنا عقبت يوئيلا مضيفة :
- بل إن أريحا دود حسب بعض المراجع الأركيولوجية هي أقدم مدينة مكتشفة في التاريخ تم فيها تدجين المواشي واكتشاف الزراعة ، منذ أكثر من سبعة آلاف عام قبل الميلاد!
- تودا يوئيلا. قولي لشيمون ذلك .
- لا أعرف ما هي مناسبة فتح صفحات التاريخ الآن ؟
عقبت راحيل لأرد عليها :
- قولي لابنك راحيل الحالم بالهيمنة على العالم!
- لم نخلص من العرب في اسرائيل حتى يتسنى لنا الهيمنة على أراض أخرى!
- سنخلص مام وأقرب مما يتصور كثيرون !
ران صمت ثقيل بعض الشيء وقد توتر الجو بين الأسرة . ولو كانت سارة موجودة لكان التوتر على أشده !
"لم يعرف شمعون على أي وتر من أوجاعي يضرب! فشمعون يبدو وكأنه غير مبال للأمر، مع أنه يبدو في لاوعيه وكأنه يفضل الإنتماء إلى مصرأو العراق أكثر مما يفضل الإنتماء لإسرائيل ! وكان أبي يعاني من الإشكالية نفسها، فحرص على تعليمنا العربية وأوصانا بتعليمها لأبنائنا .آه كم أنت محق يا عارف نذير الحق . يا عارف الحقيقة الجاثمة في لا وعينا . أي قدر لعين هذا الذي شاء أن يضعنا مع خلطة بشرية من عشرات الأقوام والأجناس ؟! كل بيت يكاد أن يتحدّث من يسكنه لغة غيراللغة التي يتكلمها جاره، رغم فرض اللغة العبرية على الجميع . وقد نحتاج إلى ما يقل عن قرن قادم من الزمن لتشعر أجيالنا بقدر من التجانس والإنتماء الواحد، هذا إذا نعمت بالإستقرار في ظل عقلية الهيمنة والتوسع "
حاولت أن أخرج من شرودي لأجيب شمعون :
- بعيدا عن التاريخ ، أحلامك آبا تبدو صعبة المنال وإسرائيل تحيط نفسها بجدران عالية فوق الأرض وعميقة تحتها!
- آب هذه الجدران لن تكون حائلا بيننا وبين غاياتنا التي لم نتوقف عن العمل لتحقيقها يوما . انظر إلى الأمبراطوريات القديمة كيف كانت تحيط قاعدتها الرئيسة بكل أسباب المناعة والقوة، في الوقت الذي تهيمن فيه على أجزاء شاسعة من العالم . وهو ما تفعله اسرائيل وتسعى لتحقيقه . انظر كيف أوجدنا المبررات لتدميرشعوب الدول التي تشكل خطرا على اسرائيل . دون أن ينال دولتنا أية خسائربشرية تذكر، ودون أن تدرك الشعوب والدول أننا نديرالصراع ونحركه من وراء الستار!! قريبا سترى هذه الدول ضعيفة جدا ومهلهلة وعاجزة حتى عن تحقيق قوت شعوبها ، وستتوسل إلينا لننقذها من أوضاعها المزرية ، مما يتيح لنا الفرصة للإنقضاض والهيمنة بكل الوسائل الممكنة .
- وهل تظن أن العالم لن يكرهنا لذلك ، طالما هو ضدنا الآن ولا شك أنه يكرهنا .
- ليذهب العالم إلى الجحيم آب !
- رددنا هذا الكلام كثيرا ، وقد آن الأوان لأن نصحو . الأجيال القادمة ، لن تكون سعيدة بهذا الكره، وقد يكون أولادك أوأحفادك من بين هؤلاء ؟
- لا أصدق هذا التغير في عقليتك آب . هل أقنعتك سارة بأفكار جماعة السلام الآن ؟ أم أن أحد أفراد جماعة ناطوري كارتا قد تسلل إليك ليعبث بدماغك ؟
أقدمت راحيل على تغيير الجو حين جاءت من المطبخ بطبق كبير من المسخن تفوح منه رائحة البصل والسمّا ك ، ووضعته على مائده في منتصف الصالون . وهي تقول: مسخن اسرائيلي أصلي ولن أسمح لأي منكم أن يقول لي أنه طبخ فلسطيني !
******















(7)
* الأفعى العارفة !
لا أعرف لماذا أصبح هذا المكان الذي التقيت فيه يعقوب للمرة الأولى المكان المفضل له لنلتقي فيه . طرحت عليه حين اتصل بي أن نلتقي في مكان آخر، فأصرعلى المكان نفسه . أمرغريب. لم أسأله لماذا يصرعلى هذا المكان . هل تذكره حالة الضعف التي بدا عليها أمامي ، وأنا أسدد سبطانتي بندقيته إلى صدره تثيرأمرا دفينا في نفسه ؟ لا أعرف! سألني وكأنه يريد أن يتأكد مما أرمي إليه من تحليلي لنصوص سفر التكوين :
- أفهم من تحليلك لبداية نص سفر التكوين أن النص متخيل لكاتب أو انسان بدائي يجتهد لمعرفة الله بناء على هذا الخيال الفقير والمعرفة البدائية .
- صحيح فالله أو القائم بالخلق أكبر وأعظم بكثير جدا من أن يكون على هذه الصورة التي قدمها لنا الكاتب. فلا يعقل أن لا يريد الله معرفة لخلقه ، وأن يضع سر المعرفة والخلود في شجرتين . وهذا يذكرنا بجلجامش في ملحمة الخلق السومرية ( القرن السادس والعشرين قبل الميلاد) حين عثرعلى نبتة الخلود بعد عناء وجهود مضنية ، فترك النبتة على شاطئ بحيرة ونزل ليستحم ، فجاءت أفعى وسرقت النبتة ! ليعود جلجامش إلى مدينته اورك خائبا حزينا ! قصة الخلق التوراتية مبنية على قصص وأساطير الخلق القديمة في المنطقة .
- أين وصلنا في لقائنا السابق؟
- وصلنا إلى الإصحاح الثالث .
- هل في الإمكان أن نبدأ .
- بالتأكيد . في الإصحاح الثالث من سفر التكوين تبدو الأفعى ملمة بالمعرفة وتعرف الخير من الشر وتتحدث لغة ، وتعرف أسرارالشجرتين ، شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر، كما تبدو المرأة التي يفترض أنها حواء تعرف لغة أيضا . ويبدو أن كاتب النص لا يعرف أن اللغة تحتاج إلى معرفة وممارسة وتجربة في الحياة وإلا لما وقع في كل هذه التناقضات ؟
و كانت الحية احيل جميع حيوانات البرية التي عملها الرب الاله فقالت للمرأة احقا قال الله لا تاكلا من كل شجر الجنة 1/3
الكنسيون يعتبرون الأفعى شيطانا متنكرا في أفعى ، ولا نحبذ هذا التفسير ، خاصة وأنه لم يمر ذكر لخلق شيطان .
3: 2 فقالت المراة للحية من ثمر شجر الجنة ناكل
3: 3 و أما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تاكلا منه و لا تمساه لئلا تموتا
( وهاهي المرأة تعرف لغة أيضا )
3: 4 فقالت الحية للمراة لن تموتا
3: 5 بل الله عالم انه يوم تاكلان منه تنفتح اعينكما و تكونان كالله عارفين الخير والشر
تبدو معرفة الحية فوق عادية، وتدرك أسرار شجرة المعرفة، دون أن يعلمها الله ذلك ، بل وتدرك أن معرفة الإنسان ستكون كمعرفة الله ، الذي لم يكن يرغب في المعرفة والخلود للإنسان الذي خلقه ، وهذا ما لا يتقبله عقل أحد .أما لماذا كانت الأفعى حريصة على أن يحصل الإنسان على المعرفة ، بحيث بدت أرأف بالإنسان من الله . فهذا ما لا يعرفه كاتب النص !!
أكلت المرأة وأعطت رجلها أيضا فأكل فانفتحت أعينهما 5/3
فرات المراة ان الشجرة جيدة للاكل وانها بهجة للعيون وان الشجرة شهية للنظر فاخذت من ثمرها وأ كلت واعطت رجلها ايضا معها فاكل 6/3
3: 7 فانفتحت اعينهما وعلما انهما عريانان فخاطا اوراق تين وصنعا لانفسهما مازر
لم يخبرنا الكاتب كيف خاطا وبماذا ، فلم يصنعا الخيوط والإبر بعد!
و سمعا صوت الرب الاله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبا ادم وامراته من وجه الرب الاله في وسط شجر الجنة8/3
الرب يمشي ويحدث صوتا لا نعرف ما هو . وبالتأكيد يمشي على قدمين طالما أن صورته على صورة الإنسان. وسنرى أن الرب لم يكن قادرا على معرفة الشجرة التي اختبأ خلفها آدم وامرأته إلا بعد أن نادى آدم :
3: 9 فنادى الرب الاله ادم و قال له اين انت ؟
كما أنه لم يكن قادرا على أن يعلم أن آدم وامرأته أكلا من ثمر الشجرة .
3: 10 فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لاني عريان فاختبات
3: 11 فقال من اعلمك انك عريان هل اكلت من الشجرة التي اوصيتك ان لا تاكل منها
3: 12 فقال ادم المراة التي جعلتها معي هي اعطتني من الشجرة فاكلت
واضح أن آدم لم يعرف الكذب بعد أوأنه لا يريد أن يكذ ب !
بعد هذا التحقيق الإلهي كان لا بد من العقاب على ما بدا أنه جريمة ومخالفة للقانون الإلهي ( العجيب ) الذي لا يمكن أن يكون من نتاج عقل إلهي !
فقال الرب الاله للحية لانك فعلت هذا ملعونة انت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية على بطنك تسعين و ترابا تاكلين كل ايام حياتك 14/3
3: 15 واضع عداوة بينك و بين المراة و بين نسلك و نسلها هو يسحق راسك و انت تسحقين عقبه
لم يتحقق القدر الإلهي هذا حتى اليوم! فهناك مئات الأنواع من الأفاعي وبالملايين ، ولم تسحق أعقاب أحد! ولم يسحق رؤوسها أحد إلا من يصلح جلدها للصناعة ، أو تصلح هي للأكل !
من الملاحظ أن الله يتحدث عن أفعى وليس عن شيطان كما يرى الآباء الكنسيون ، فكيف يمكن للشيطان أن يسعى على بطنه ويأكل ترابا ويمكن للإنسان أن يسحق رأسه ؟ وسنتجاهل اللغة التي يعرفها آدم وحواء والأفعى ولا نعرف كيف تعلموها ومتى ؟
و قال للمراة تكثيرا اكثر اتعاب حبلك بالوجع تلدين اولادا و الى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك 16/3
وهل كانت المرأة ستلد دون ألم لولا أكل هذه الثمرة المشؤومة ؟ ثم ماذنب نساء البشرية على مدى الحياة أن يتحملن خطيئة حواء ؟ وهل صحيح أن السيادة للرجل هي نتيجة لهذه الخطيئة أم أنها نتيجة الهيمنة الذكورية ! وهي ليست سائدة لدى جميع البشر.
و قال لادم لانك سمعت لقول امراتك واكلت من الشجرة التي اوصيتك قائلا لا تاكل منها ملعونة الارض بسببك بالتعب تاكل منها كل ايام حياتك 17/3
حتى الأرض البائسة لم تسلم ونالها العقاب الإلهي .. هل كان عليها أن تمنع آدم والمرأة من الأكل؟
و شوكا و حسكا تنبت لك و تاكل عشب الحقل 18/3
وهذا قدر لم يتحقق أيضا !
بعرق وجهك تاكل خبزا حتى تعود الى الارض التي اخذت منها لانك تراب و الى تراب تعود 19/3
لم نرآدم مطرودا ( حتى الآن ) من الأرض التي يفترض أنها جنة شرق عدن . مسألة الطرد تأتي لا حقا وليس من السماء إلى الأرض كما هو سائد . بل من أرض إلى أرض ، أو من مكان في الأرض إلى مكان آخر غير بعيد .
و دعا ادم اسم امراته حواء لانها ام كل حي 20/3
اخيرا سميت المرأة حواء ، مع أن آدم أطلق أسماء على الحيوانات فهل ترك المرأة دون اسم حتى حينه؟
3: 21 و صنع الرب الاله لادم و امراته اقمصة من جلد و البسهما
الرب يصنع صناعة ولم يعد يعمل بفعل الأمر . وبالتأكيد صنع إبرا وخيطان على طريقته ، ولا نعرف كيف حصل على الجلد ومتى ذبح مواش؟!
و قال الرب الاله هوذا الانسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر والان لعله يمد يده و ياخذ من شجرة الحياة ايضا و ياكل ويحيا الى الابد22/3
غريب أن تكون المعرفة التي حصل عليها المغضوب عليهما آدم وحواء تضاهي المعرفة الإلهية بحيث أصبح بإمكانهما معرفة الخيروالشر. المؤسف أن الإنسان ما زال يتخبط في معرفة الخير من الشر! والنص يشير إلى آلهة وليس إلها واحدا ( صار كواحد منا )
والأغرب أنه لم يكن يريد لهما حياة أبدية ، والحياة الأبدية متعلقة أيضا بالأكل من شجرة الحياة . لتصبح المعرفة والخلود مرتبطان بثمر شجرتين . كم هو سهل الحصول على المعرفة والخلود عند الله لولا المنع !
3: 23 فاخرجه الرب الاله من جنة عدن ليعمل الارض التي اخذ منها
هذا النص يشير إلى أن آدم خلق في أرض ثم أخذ إلى جنة ثم أعاده الله إلى الأرض التي خلق فيها بعد الخطيئة.( التي أخذ منها ) وبغض النظر عن عدم ذكرالأخذ في النص من قبل ، إلا أنه لا يشير إلى رفع آدم إلى جنة في السماء ، وحتى إخراجه لا يشير إلى انزال من السماء إلى الأرض. وهذا ما يتأكد لاحقا .
فطرد الانسان واقام شرقي جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة24/3
الغريب أن الكروبيم حسب التفسير الكنسي ملائكة يختصون بتسبيح الله وحراسة جنته . فلماذا يحتاج الله إلى سيف لاهب يحرس الطريق إلى شجرة الحياة ؟ ويبدوالأمر أكثر غرابة حين نعرف أنه ليس هناك سوى آدم وحواء، اللذين طردا إلى الأرض شرقي جنة عدن، ويتخوف الله من أن يتسللا إلى الشجرة ويأكلا من ثمرها .. وهذا يعني من ناحية ثانية أن الأرض ليست بعيدة وأن الجنة ليست في السماء كما أسلفنا ، فهل يستطيع آدم وحواء أن يصعدا إلى السماء ليأكلا من ثمرالشجرة ؟ فكيف تشكل وعي مغلوط لدى الناس أن الجنة في السماء ، مع أن النص لا يشير إلى ذلك على الإطلاق .
راح يعقوب يضحك . فيما رحت أحشو البايب وأشعله لآخذ قسطا من الراحة .
*****
- يبدو أنك ستنسف كل ما حواه عقلي عن التوراة يا عارف !
- ليست المسألة مسألة نسف بقدر ما هي معرفة حقائق وفهم للوجود وللتاريخ ونصوصه .
- وماذا بعد ؟
- سأحدثك عن يهوة اللاحم وزارع الفتن كما صوره الكاتب، في ما هو قادم ! بعد أن عرفتك على يهوه الذي لا يعرف أن المعرفة تكتسب بالجهد الإنساني، ولا يمكن أن يوضع سرها في شجره ، وأن البشرية لم تتوصل حتى اليوم إلى المعرفة المطلقة التي لا يوجد بعدها معرفة ، بما في ذلك معرفة الخالق أو الله أو القائم بالخلق نفسه . وأن آدم وحواء المزعومين لم يوجدا ولم يورثا أية معرفة للبشرية ، كما أن يهوه هذا لم يوجد يوما إلا في مخيلة بدائية لا علاقة لها بالمعرفة ، وإن سجلنا لها محاولة الإجتهاد حسب ثقافة عصرها.
في الإصحاح الرابع من سفر التكوين يعرف آدم حواء ( أي يضاجعها ) فتحبل وتلد قايين ( قابيل ) ثم تلد أخاه هابيل ( دون الإشارة إلى الحبل ) وبعد الولادة مباشرة يصبح هابيل" راعي أغنام" ويصبح قايين "عاملا في الأرض " أي في الزراعة . وهكذا يتجاوز كتبة التوراة مليارات العصورالمديدة على بدء الخلق إلى عصر تدجين المواشي واكتشاف الزراعة ، اللذين جاءا في عصور لاحقة بعيدة عن عصر الخلق البدئي بمليارات السنين. وقد سبق وأن أشرنا إلى أن عصور التوراة من خلق آدم وحتى اليوم ، لا تتجاوز بضعة آلاف من الأعوام . وأثبت العلم أن خلق الإنسان البدائي قد تم من ملايين السنين قد تصل إلى ستة ملايين .

لم تمر سوى أيام على عملهما حتى قاما بتقديم قربانين إلى الله
3 وحدث من بعد أيام أن قايين قدم من أثمار الأرض قربانا للرب
4 وقدم هابيل أيضا من أبكار غنمه ومن سمانها. فنظر الرب إلى هابيل وقربانه
5 ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر. فاغتاظ قايين جدا وسقط وجهه
لا نعرف لماذا يحتاج الله إلى قرابين ، وكيف عرف قابيل وهابيل ذلك . غير أن التفكير في النص قد يقودنا إلى أن الله أشبه بالإنسان وأنه يحتاج إلى طعام وشراب بل ومن يخدمه كما في العبادات القديمة ، فقد خلقت الآلهة الإنسان ليخدمها ويعمل بدلا عنها ، لتظل هي في راحة أبدية . وتقبل الله لقربان هابيل من أبكار غنمه ، يشير إلى أن الله يحب اللحم ويفضله على الفواكه والخضار، خاصة وأن البكر هو المولود الأول للشاة ، ويكون فتيا وصغيرا ولحمه طري كالحلقوم! وليس هناك أي غرابة في الأمر يا يعقوب ، بأن يفضله الله على الخضار والفواكه ، فلحمه أشهى وأطيب ، ولو كنت أنا أو أنت بدلا منه لفعلنا الأمر نفسه ، وجعلنا هابيل يشوي لنا هذا البكرإن كان خروفا أو جديا ، إذا كان قد اكتشف النار وعرف الطهي والشواء !
- ألست معي يا يعقوب ؟
- بل معك تماما وسأطلب من قابيل أن يأتينا بجرّة خمر من عنب كرمه! فالشواء لا يطيب إلا بالخمر!
- لكن ثمة خطأ ارتكبه الله ربما لم يدركه المؤلف، هل تعرف ما هو يا عديقي السلود !!
- للأسف لا أعرف !
- فكر يا رجل ! فكر بتقدمة قابيل من الفواكه والخضار!
- ليذهب هو وفواكهه وخضاره إلى الجحيم !
- أنت لاحم مثل يهوه يا يعقوب ولعلك تكون بدويا ولا تحب إلا الشواء ، هل هكذا تفعل بمن أكرمك من أفضل ثمارأرضه ؟
- ماذا سأفعل به إذن ؟
- تتقبل تقدمته أيضا وتشكره عليها حتى لا تزرع الفتنة والعداوة بين الأخوين ! حتى لو لم تكن تحتاج إلى تفاحة أو بضع حبات من العنب بعد أن تفرغ من الشواء. ثم ألا تحتاج شرحة بندورة وقطعة خيار وورقة خس لتطرّي الشواء الذي ستأكله ؟
- الحق معك، فيهوة ارتكب اثما فظيعا!
- هكذا يريد الكاتب البائس يا يعقوب . فالكاتب بدوي يحب الشواء والإله الذي تخيله ، كان بدويا على شاكلته ، حتى أنه جرده من إنسانيته، فما بالك بألوهيته ، ولم يسأل نفسه عمّا إذا يمكن أن يكون الإله هكذا .
إذن نحن أمام إله انسان ولسنا أمام إله منزه عن الوجود والمادة ، بدليل أنه يأكل ويشرب وينظر ويقبل ويرفض ويجبل بيديه ويخاطب مباشرة ويمشي ويبحث ويعاقب ويكره ويحب ويسأل كما مرمعنا فيما سبق . وليس هناك ما يشير إلى ذات منزهة كأن يسمع آدم صوتا أوهاتفا من السماء أو وحيا ما يوحى إليه . كما أن صراع الله مع يعقوب فيما بعد يؤكد شخصانية هذا الإله ، وهذا ما تجسد في شخص يسوع المسيح فيما بعد . غير أن المسيح شكل نقلة نوعية بان ضحى هو بنفسه من أجل البشرية ، محييا طقسا سومريا قديما كان الناس يضحون فيه بالإله صيفا ليعود إلى الحياة في الربيع .وهذا يتكرر بشكل آخر مع الربة إنانا أو عشتار بعد هبوطها إلى العالم الأسفل وموتها فيه ، وعودتها إلى الحياة مضحية بزوجها دوموزي لتضعه مكانها في العالم الأسفل . عالم الأموات .
وقصة دوموزي مع أخيه " إنكيمدو " هي القصة نفسها التي تظهر هنا في التوراة في شخصي قايين وهابيل . فدوموزي إله راع تقدم لخطبة إنانا إلهة الحب والخصب لدى السومريين ، ونافسه في ذلك الإله المزارع انكمدو، حيث تقدم كل منهما بقربان للآلهة إنانا من منتجاته ، فقبلت إنانا تقدمة دوموزي الراعي وتزوجته ولم تنظر إلى تقدمة انكمدو المزارع.
وكانت المجتمعات البشرية قد بدأت تتحول شيئا فشيئا من سيادة الأنثى إلى سيادة الذكر ، لتنشأ الآلهة الذكورية وتسيطر ، وقد تجلى ذلك في الديانة اليهودية حيث سادت الألوهة الذكورية بالمطلق ، لتشمل المعتقدات اللاحقة جميعها،ولم يعد للآلهة المؤنثة أي وجود.

وهكذا تناقلت قصص الخلق من جيل إلى جيل ومن شعب إلى شعب ومن أمة إلى أمة أخرى لتظهر فيما بعد بقليل من الإختلاف والتطوير.
يمتلىء قلب قايين بالحقد على أخيه هابيل ، فيقوم بقتله في الحقل دون علم من الله ، الذي لا يعرف أنه قتل أخاه ، فهو يسأله عن أخيه حين يواجهه ، ويحاول قايين إخفاء الأمر:

8 وكلم قايين هابيل أخاه. وحدث إذ كانا في الحقل أن قايين قام على هابيل أخيه وقتله
9 فقال الرب لقايين: أين هابيل أخوك ؟ فقال: لا أعلم أحارس أنا لأخي
10فقال: ماذا فعلت ؟ صوت دم أخيك صارخ إلي من الأرض
11 فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك
12 متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها. تائها وهاربا تكون في الأرض
لم يدرك يهوه دوره في الفتنة . فحمل الذنب كله لقابيل.
13 فقال قايين للرب: ذنبي أعظم من أن يحتمل
ولم يدرك هذا الأخير ذنبه إلا بعد أن قتل أخاه.
14 إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض، ومن وجهك أختفي وأكون تائها وهاربا في الأرض، فيكون كل من وجدني يقتلني
يبيح قايين دم نفسه ! غير أن يهوه يحميه وينتقم له بما هو غير معقول لكل من يقتله:
15 فقال له الرب: لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه. وجعل الرب لقايين علامة لكي لا يقتله كل من وجده
وهكذا يصبح دم قايين بسبعة أضعاف ويبدو أنه يقصد أن يقتل سبعة من أقرب الناس إلى قاتله!
16 فخرج قايين من لدن الرب، وسكن في أرض نود شرقي عدن
عجيب شرق عدن هذا كم هو محير، وصار فيه أرض أخرى هي أرض نود!
17 وعرف قايين امرأته فحبلت وولدت حنوك. وكان يبني مدينة، فدعا اسم المدينة كاسم ابنه حنوك
لا نعرف من أين جاء قايين بامرأة ومتى تزوج .فالأسرة ما تزال محدودة ومعروفة وليس هناك غير حواء كأنثى فيها . ثلاثة أشخاص بعد مقتل هابيل . وقايين هارب، والطريف ، أن يبني مدينة لأسرة لا يزيد أفرادها عن ثلاثة! ولا نعرف كيف سيبنيها ومن ماذا . يبدو أن الحضارة بدأت تأتي إلى أسرة آدم بسرعات هائلة!
18 وولد لحنوك عيراد. وعيراد ولد محويائيل. ومحويائيل ولد متوشائيل. ومتوشائيل ولد لامك
بدأت السرعة تجتاح التكاثر أيضا. فالمدينة الخرافية تحتاج إلى من يسكنها.
19 واتخذ لامك لنفسه امرأتين: اسم الواحدة عادة، واسم الأخرى صلة
20 فولدت عادة يابال الذي كان أبا لساكني الخيام ورعاة المواشي
أصبحنا أمام قبائل . لن تتسع المدينة .
21 واسم أخيه يوبال الذي كان أبا لكل ضارب بالعود والمزمار
وأصبح هناك فنانون وآلات موسيقية .. وتكاثر غير محدود في الأسطر اللاحقة.. حتى آدم وحواء أنجبا من جديد أيضا .. لنصبح أمام أمة خلال فترة وجيزة .. وهذه الأمة تقيم شرقي عدن الأسطورية ؟
ما رأيك يا يعقوب . هل نكتفي لهذا اليوم .
- أكيد. لقد أتعبتك ..
********









(8)
* السلام الآن !
لم تصدق سارة حين أخبرتها الحقيقة . اتصلت بي مساء تسألني عمّا إذا بإمكاني أن أصحبها في رحلة صيد لأن لديها عطلة . وافقت وقلت لها أن تحضر في الصباح . كنت في حاجة لأن أبوح لها بقصتي مع عارف نذير الحق ، وسر البندقية التي لم تعد معي لبضعة أيام . فهي الوحيدة القادرة على تفهمّي . وكنت في حاجة إلى رأيها في فهم شخصية عارف ومراقبته ومعرفة فكره . حضرت مبكّرا مرتدية بنطالا وحذاء رياضيا وقبعة . انطلقنا بعد تناول القليل من الطعام . اصطحبت معي منظارا للبحث عن الصيد، رغم أنني لا أشعر برغبة لي فيه ، لكنني اصطحبته من اجل سارة . لم أتوغل بها في أودية سحيقة ، حتى لا تتعب كثيرا. حرصت على أن نتجول في أراض غير منخفضة تتخللها أخاديد وأودية صغيرة وبطاح غير وعرة . كانت تحمل البندقية في وضع أقرب إلى التهيؤ، متوقعة أن يفر من أمامنا طائر ما أو أرنب لتطلق النار، غير أن ذلك لم يحدث إلا بعد قرابة ساعة من التجول ، حين فر طائر درّاج ، على مسافة أمتار منّا ، تأخرت في إطلاق النارفلم تصبه . هتفت وهي تضحك :
- يبدو أنني صيادة فاشلة باب !
- ليس بالضرورة آبا . كان الطائر قد ابتعد حين أطلقت النارعليه وهو طائر .
وتابعت بأن طلبت إليها أن نستريح . وافقت وأبدت رغبتها في أنها تريد ذلك أيضا . صعدنا إلى تلّة مرتفعة بعض الشيء وجلسنا على قمتها . حانت الفرصة لأن أصارحها.
كان راعيا فلسطينيا يسرح بقطيع من المعز والنعاج على سفح هضبة مواجهة لنا . وكان يعزف على ناية
ببراعة مدهشة فيما كان القطيع ينتشر من حوله . هتفت فيما كانت سارة ترقب القطيع والراعي وتصغي إلى العزف :
- في الحقيقة ساراي أنني اصطحبتك لأطلعك على أمر أحتاج إلى رأيك فيه .
فاجأتني سارة حين قالت :
- أشكرك باب لثقتك بي . كنت أدرك أن قصة تخبئة البندقية قصة مختلقة وأنك تخفي علينا أمراً مهماً !
- ماذا كنت تتوقعين ؟
هتفت ضاحكة:
- ربما عشقت عربية باب وأرادت أن تبقي البندقية معها !
ضحكت .. وأنا أهتف " يا ريت !"
- ماذا اذن ؟
- خلصني عربي إياها !
بدت سارة وكأنها لم تصدق .
- معقول باب !
- هذا ما حدث ساراي ..استمعي إلي لأقص عليك كل شيء .
أراحت سارة من وضع جلستها ، فيما شرعت أنا في الحديث عن معظم ما عرفته عن عارف نذير الحق ، وسارة تستمع بكل جوانحها !
*****
ظلت سارة صامتة للحظات وكأنها لا ترغب في التعقيب على ما تحدثت به عن عارف نذير الحق لقرابة ساعة ونصف من الزمن . قلت :
- كأنه ليس لديك ما تقولينه ساراي على ضوء حديثي المطوّل :
- بل لدي الكثيرباب .. يا ليتك لم تخبرعمّا جرى معك للشاباك ، ويا ليتك لم تقبل مراقبة عارف . إنسان على هذا القدر من الإنسانية والثقافة الرفيعة لن يسلم من أذاهم ، وآمل أن لا يطلبوا إليك أن تقتله ذات يوم !
- معقول ؟
- معقول جدا باب !
- لا أستطيع مجرد تصوّر قتل هذا الرجل بعد أن عرفت نبله وثقافته وإنسانيته !
- إن لم تقبل أنت ، سيكلفون غيرك بقتله ، أو يقدمون هم على اغتياله .
- أرجو أن لا أرى ذلك اليوم ساراي .
- شي عظيم أن أرى هذا التحوّل في رأيك باب، من التعصب لإسرائيل إلى التفكير في التعايش مع العرب
على هذه الأرض . أرغب في التعرف إلى عارف باب.
- وهو يرغب في التعرف إليك بعد أن أخبرته عنك .
انطلق عزف أرغول من السفح المقابل حيث يسرح الراعي بقطيعه ، وراح يدوي مرددا رجع صداه من البطاح ..
- ياي ما أروع هذا العزف !
- وألقت نظرة عبر المنظار نحوالعازف وما لبثت أن هتفت :
- إن العازف هو رجل جاء قبل قليل إلى الراعي .
أخذت المنظار لأرى إن كان عارف. كان هو بالفعل ،وبدا متوحدا مع الأرغول في حالة من الهيام . لا أذكر أنه أخبرني إلا عن الناي ، وهو الآن يعزف على أرغول . قلت لساره :
- إنّه عارف نذير الحق نفسه باب !
سارعت إلى أخذ المنظار مني وراحت تنظر إلى عارف متأملة . كان عارف قد توقف عن العزف وبدأ أنه ينظر نحونا .
- يبدو وسيما بذقنه قصيرة الشعر باب .
- أجل باب هو رجل وسيم رغم شيخوخته ، وملامحه توحي بالوقار أيضا .
- رجل يجمع بين الوسامة والوقار والثقافة والإنسانية والعقلانية ، يملك ما لا يملكه كثيرون غيره ، وإنّه لمن الإجرام أن يراقب عقله وسلوكه .
- للأسف هذا ما حدث باب .
- هل في الإمكان أن نلتقي به اليوم ؟
- سأسأله باب .
أخرجت هاتفي وخابرته . رحب بالأمر حين عرف أن سارة معي .
*****
التقينا في منتصف المسافة الفاصلة بين السفح والتل الذي كنا نجلس عليه . صافح سارة بحرارة ، وسارع إلى قول جملة، بدا وكأنه يريد رفع الكلفة بينه وبينها من أول لقاء :
- أوه لم يخبرني يعقوب أنك جميلة إلى هذا الحد !
- أشكرك استاذ وآمل أن أظل جميلة في نظرك !
- دون أستاذ ودون سيد ودون أية ألقاب مهما كانت أرجوك .
- سأحاول!
- تفضلا اجلسا .
جلسنا. تابع عارف اطراء جمال سارة وهو يذهب بعيدا في التاريخ .
- تبدين عراقية قح ومن نسل جلجامش أو مردوخ العظيم !
راحت سارة تضحك وهي تردد :
- يسعدني أن أكون كذلك وأن أحظى بهذا الإعجاب منك .
- يؤسفني أن لقاءنا هنا لا يتيح لي ان أضيفكما شيئا ما . لكن قد يضيفنا ابن أخي القليل من حليب المعز إن أحببتما !
- هل هذا الراعي هو ابن أخيك ؟
هتفت أنا ، فيما رد عارف بالإيجاب ، وأبلغني أن القطيع له .
قالت سارة :
- لم أذق حليب المعز في حياتي ولا أمانع في ذلك إذا ثمة امكانية للأمر .
شرع عارف ينادي ابن أخيه الذي كان يرعى قطيعه على مقربة منا ، ويسأله إذا بإمكانه أن يأتينا بشيء من حليب المعز . أجاب الآخر أن بإمكانه وسارع إلى البحث عن وعاء في خرج حمار كان يرعى مع القطيع . دنا من ماعز وأخذ قائمتها الخلفية اليمنى ووضعها بين فخذه وساقه اليمنى أيضا ، وجلس على قدميه ضاغطا عليها، حادا من حركة العنزة، ماددا يده من بين قائمتيها الخلفيتين ليمسك ضرعها ويشرع في الحلب. جاء بعد بضع دقائق حاملا وعاء الحليب وكأس من الألمنيوم . ملأ الكأس وقدمه لسارة وهو يرحب بنا :
- أهلا وسهلا بكما ، وعذرا لأنني لا أملك غيركأس واحدة! يمكنك أن تشرب من الوعاء يا عم !
تذوقت سارة الحليب لتستطيب طعمه وتشرع في شربه ، فيما رحت أنا أحتسي الحليب من الوعاء .
******
- يبدو أنكما لم تصطادا شيئا !
هتف عارف . قلت :
- لم نعثر إلا على طائر أخطأته ساره !
- الصيد يكون غالبا في الأودية والسفوح المنخفضة وليس في المرتفعات .
- صحيح لكني خفت أن أتعب سارة .
وبدا أن سارة ترغب في الحديث عن أي موضوع غير الصيد . فقد سارعت إلى ابداء رأيها في احتلانا لتقدم نفسها لعارف كما تحب :
- انا آسفة عارف لموقف حكومتنا الرافضة للتوقف عن بناء المستوطنات والدخول في مفاوضات جدية مع السلطة الفلسطينية .
- لا عليك سارة ، فهذه الحكومة لن تدوم إلى الأبد، طالما وجد أمثالك ممن يسعون إلى السلام ، المهم العمل بجد للإكثارمن هذه القوى وزيادة الضغط على الحكومات .
- المشكلة أن هذه القوى ليست فاعلة كما يجب في ظل هيمنة اليمين وقدرته على التوسع والإنتشار والتكاثر.
- أعتقد أن السبب يكمن في المنهاج الذي تتبعه هذه القوى لعدم وضوح مشروعها والسعي لتحقيقة حسب برنامج عملي . إن ما يجري هو مجرد تعاطف دون أي برنامج عملي شامل ومدروس، تسعى إلى تحقيقه، بحيث تؤثر حتى في القوى اليمينية . فاليميني لم يخلق يمينيا ولم يصبح كذلك إلا لأن ثمّة من نمّى الفكر اليميني لديه ، الأمر نفسه ينطبق على التعصب ، فلو لم يكن هناك من يدفع إلى التعصب الأعمى لما كان هناك متعصبون . حين وجد أبوك شخصا مثلي يطلعه على ما يجهله بمنطق علمي موضوعي لم يمانع في الإستماع إلي ، وبدأ يتفهم وجهة نظري ويتحوّل عن تعصبه ولو بحدود ، لأن طبيعته في الأساس ليست كذلك . المشاركة في تظاهرة من أجل السلام ، أو رفض الاستيطان عمل جيد لكنه لا يكفي ، لا بد من مخاطبة العقل وطرح المسألة بكافة أبعادها بما في ذلك البعد الديني ومستقبل الأجيال.
عقب عارف.
- الحق معك . ليس هناك رؤية واضحة، ومنهج عملي شامل لدى هذه القوى المحدودة ، وأنصارها ليسوا على عجلة من أمرهم ، لأنهم غير واقعين تحت معاناة شديدة، كتلك التي يرزح تحتها الفلسطيني بعلاقته مع الإحتلال.. الذين استنكروا قرار ترامب، بجعل القدس عاصمة لإسرائل، قد لا يتجاوزون بضعة آلاف . ترامب لا يعي أبعاد قراره ، كما لا يعيه نتنياهو واليمين الإسرائيلي كله . لم يفكروا في كم الدم الذي سيزهق من قبل الطرفين المتصارعين وربما أطراف أخرى ستدخل الصراع ، وما سيجر إليه هذا القرار الأرعن من عواقب وخيمة .
عقبت سارة وتابعت:
مسألة البعد الديني مسألة معقدة للغاية فلا يفهم الدين تاريخيا غيرنفر قليل من المثقفين ، ومعظم هؤلاء يتخوفون من طرح فهمهم على الناس ، كون الدين مسلمات لا يمكن نقدها.
- يمكن لو تشكلت جماعات علمانية وطرحت رؤيتها لكسرت حاجز الخوف . الجماعات والأحزاب اليسارية التي تدعي العلمانية تتخوف من تناول مسألة الدين ، لذلك تتجنب الخوض فيها ، كما هي الحال مع الأحزاب العربية .
- يبدو لي أنه ليس أمام المثقفين سوى اتباع هذا الأسلوب إذا ما كانوا يطمحون في تغيير شامل للعقليات السائدة . وثمة مشكلة في الأرضية المشتركة التي سينطلق منها المثقفون .. فهل المشكلة في وجود إله أم عدمه ، أم أن المشكلة في الدين ، وفي النص الديني تحديدا .
- صحيح سارة ! هذه كانت مشكلة العلمانيين وربما خلال القرن الماضي كله ، فإما الإلحاد وإما الإيمان . المؤمن يؤمن بوجود خالق ويؤمن بالنص الديني . والملحد لا يعتقد بوجود خالق ولا يعترف بالنص الديني. فالملحد العلماني يكاد أن يغلق عقله على مبدأ الإلحاد ، كما يغلق المؤمن عقله على مبدأ الإيمان ، وبهذا يمكن القول إن الطرفين منغلقان ! لا بد من التفريق بين النص الديني وبين الخالق . فالنص الديني مجرد اجتهاد لعقل بشري بدائي قابل للخطأ والصواب ، وربما للخطأ بالمطلق ، ووجود الله أو وجود خالق أو قائم بالخلق ، مسألة أخرى لم يتوصل العقل البشري حتى يومنا إلى معرفة حقيقتها المطلقة. العقل العلمي يذهب نحو المادة والطاقة ويركز على البحث فيهما لعله يصل يوما إلى حقيقة ما .. المطلوب من المثقفين أن يركزوا في تناولهم على النص الديني وفشله في تقديم فهم للخالق يستند إلى العلم والمنطق . من هنا يأتي الإلحاد ، استنادا إلى نص بدائي لا يقتنع به الإنسان فيلحد! مع أنه لا علاقة للخالق أو للقائم بالخلق إن كان الطبيعة مثلا، بوضع ذلك النص ، فما ذنب الطبيعة حتى يلحد بها هذا الإنسان استنادا إلى نص خطأ لم تضعه هي ؟
- المشكلة تكمن في النص إذن .
- أجل النص الذي قدّم لنا إلها عجيبا لا يريد معرفة وخلودا للإنسان ، ويريده في الوقت نفسه عابدا له ومطيعا . وحاشا لخالق أن يكون كذلك إذا كان هناك خالق .
- حدثني أبي عن بعض فهمك للخالق دون أن يستوعبه تماما . ويهمني أن أعرفه لأنه من صلب عملي في الفلسفة .
- ما حاجتك إلى وجع الرأس هذا ؟ يمكنك أن تعتبريه كالمحرك الأول عند ارسطو !
- لا أعتقد أنه كذلك .
- في الحقيقة أنا أميل إلى مذهب وحدة الوجود ، إنما اجتهدت لأن أتعمق فيه إلى حد كبير، بحيث نسفت معظم ما جاء فيه من أفكار وتصورات ، إنطلاقا من أن الوجود مكوّن من مادة وطاقة وأن الخالق يكمن فيهما .. وأعمق ما توصل إليه اجتهادي الفلسفي، هو أن الوجود وهم ، وأن عملية الخلق المنشودة من قبل الخالق ، لم تبدأ بعد.
- هذا كلام يصعب على الفهم هل لك أن توضح بعض الشيء ؟
- يمكن القول أن الوجود هوالتصورغيرالمجلو في العقل الكوني للخالق ، أريد لنا أن نراه حقيقة وهو ليس كذلك، لنساهم في صنع التصور وتطويره ، إلى أن يكتمل بما يرضي الخالق، ليتم اظهاره كوجود حقيقي مكتمل .
- كيف لي أن أفهم هذا الكلام بشكل دقيق !
- أعتقد أن المسألة صعبة . لكن يمكنك تصوّر روائي يكتب مسوّدة رواية ، يطلع بعض أصدقائه عليها ، فيبدون ملاحظاتهم التي يفيد منها الروائي ، وهكذا إلى أن يكتمل النص لينشرإلى الناس .
- المشكلة أن المسودة عند الخالق وجود، ليس من السهل تصوره ، وليس من السهل على البشر أن يشاركوا في صنعه !
- وهنا تكمن المشكلة يا سارة . أعتقد أن الوجود ككون وكواكب ونجوم اكتمل عند الخالق، أو أنه أقرب إلى الإكتمال، المشكلة في هذا الإنسان البائس الذي ما زال يتخبط دون أن يعرف الطريق السليم إلى الكمال ، ولا يعرف الخالق بدوره كيف يجعل منه انسانا كاملا دون أن يتعاون معه ..
- ما هو الكمال حسب رأيك وكيف يمكن أن يتحقق ؟
- الكمال هو أن يحقق الإنسان الغاية من وجوده، وهي: تحقيق قيم الخير والمحبة والعدل والجمال والرقي الإنساني، ببناء الحضارة الإنسانية . وهذا لن يتحقق دون أن يعي الإنسان ذلك ويعمل على تحقيقه .
أطرقت سارة للحظات تفكر في كلام عارف، ويبدو أنها اكتشفت أن فهمه يحتاج إلى لقاءات مطولة وليس إلى لقاء عابر ..قالت :
- أشكرك أستاذ ..كم أشعرتني أننا تافهون كبشر أمام ما تطرحه من فكر إنساني حضاري. أحتاج لأن التقي بك مطولا لأنني في حاجة إلى ما يغني ثقافتي المتواضعة .. لقد وضعتني أمام أسئلة كونية عميقة أجهل الإجابة المقنعة أوحتى المقبولة عنها . هل ستسمح لي بذلك ؟
- أهلا بك في أي وقت ، لكن دون أستاذ !
- سامحني ، فالأستاذية قليلة جدا عليك !
*******





(9)
* مؤلف جديد !
التقيت يعقوب بعد ثلاثة أيام . كان متشوقا لأن أكمل له تحليل نص سفر التكوين، ويرغب في أن أحلل له الأسفار الأخرى، وهذه مسألة تحتاج إلى زمن طويل . قلت له وهو يتهيأ للإستماع إلي :
- ليس في الإمكان التوقف عند كل سفر من أسفار التوراة وما حواه من اصحاحات لكثرتها ، وأنا حين درست التوراة كلها بأسفارها أل 46، احتجت إلى مؤلف من عشرة أجزاء .
- سنتوقف عند أهم المفاصل فيها فقط حتى لا أطيل عليك .
- في الإصحاح الخامس من سفر التكوين يا يعقوب، نجد أنفسنا أمام كاتب آخر غير السابق الذي قص علينا قصة الخلق ، فهذا الكاتب يخبرنا أن آدم أنجب ابنا اسمه شيث ، ولم يتطرق لا إلى قابيل ولا إلى هابيل ولا إلى قصتهما !
قاطعني يعقوب بانفعال:
- معقول؟
- معقول جدا عند كتبة التوراة . فهذا الكاتب يبدأ شجرة العائلة بما يلي:
1 هذا كتاب مواليد آدم ، يوم خلق الله الإنسان. على شبه الله عمله
2 ذكرا وأنثى خلقه، وباركه ودعا اسمه آدم يوم خلقه
هنا إشارة تقبل أن يحمل آدم الذكورة والأنوثة في شخصه ! فالكلام عن شخص واحد وليس عن اثنين كما يمكن أن يتبادر إلى ذهن القارئ.
3وعاش آدم مئة وثلاثين سنة، وولد ولدا على شبهه كصورته ودعا اسمه شيثا
يتضح هنا أن آدم حمل ذاتيا دون امرأة ، بإرجاع الولادة إليه . وهكذا لا نعرف أي الكتبة نصدق الأول أم الثاني ، وإذا كان هابيل قد قتل قبل أن ينجب ، فلماذا لم يذكر هذا الكاتب ذلك ، ولماذا لم يتطرق لقايين ( قابيل ) الذي أنجب قبائل وأمماً وبنى مدينة ؟ واضح أن هذا الكاتب لا يعترف بوجود حواء وقابيل وهابيل، فلديه تصور مختلف.
- هذا يشير إلى أن كتبة التوراة يؤلفون حسب اجتهادهم ولا يستندون لا إلى وحي ولا إلى تاريخ حقيقي .
- بالضبط يا يعقوب . لنتابع :
4 وكانت أيام آدم بعد ما ولد شيثا ثماني مئة سنة، وولد بنين وبنات
5 فكانت كل أيام آدم التي عاشها تسع مئة وثلاثين سنة، ومات
6 وعاش شيث مئة وخمس سنين، وولد أنوش
7 وعاش شيث بعد ما ولد أنوش ثماني مئة وسبع سنين، وولد بنين وبنات
8 فكانت كل أيام شيث تسع مئة واثنتي عشرة سنة، ومات
9 وعاش أنوش تسعين سنة ، وولد قينان
10 وعاش أنوش بعد ما ولد قينان ثماني مئة وخمس عشرة سنة، وولد بنين وبنات
11 فكانت كل أيام أنوش تسع مئة وخمس سنين، ومات
يضع الكاتب أعمارا كما يشاء، وقبل المولود وبعده ، دون أن نعرف كيف عرف ذلك ، وينشئ أجيالا بالعقلية نفسها . العلم يقول لنا أن معدل عمر الإنسان ذلك الزمن في حدود 35 عاما وليس مئات السنين .. وتنتهي هذه السلسلة من التناسل إلى نوح وأولاده ، بعد أن أصبحت أمما ، لكنها تنقرض كلها في الطوفان المهول ، ما عدا أسرة نوح !
25 وعاش متوشالح مئة وسبعا وثمانين سنة، وولد لامك
28 وعاش لامك مئة واثنتين وثمانين سنة، وولد ابنا
29 ودعا اسمه نوحا، قائلا: هذا يعزينا عن عملنا وتعب أيدينا من قبل الأرض التي لعنها الرب
32 وكان نوح ابن خمس مئة سنة. وولد نوح: ساما، وحاما،ويافث
وهؤلاء الثلاثة الذين ستتناسل منهم بشرية جديدة ، حسب المؤلف . الطريف أن الإنجاب لا يتم إلا بعد عمر يقترب من المائتي سنة أو أكثر ، دون أن نعرف لماذا يتأخر الإنجاب إلى هذا الحد ، فهل هو لقصر السنين مثلا أم ماذا ؟ ويلاحظ أن التكاثر يتم دون إناث ،فالولادة تعزى إلى الذكور، أو أن الإناث لا يستحقن أن يذكر دورهن في الحمل والإنجاب ! مع أن الكاتب يتطرق فيما بعد إلى زوجات لنوح وأولاده
- لعل السنة كانت في حدود شهر !
- ههه ! في هذه الحال يا يعقوب تكون أيام الخلق الستة أقل من يوم !
- شيء محير فعلا .. ولا أعرف كيف يصدق الناس هذا الكلام ، فإذا كان الأقدمون جهلة ، ينطوي عليهم أي كلام ، فهل البشر المعاصرون جهلة أيضا ؟
- عمر الجهل مديد يا يعقوب . هل تريد ان نتوقف بشيء من التفصيل على طوفان نوح ؟
- أكيد فهذا الطوفان يشكل مفصلا بين البشرية الأولى والبشرية الثانية !
- إذن لنبحر مع سفينة نوح بدءا من الإصحاح السادس في سفر التكوين. إليك كبداية هذا المقطع من اسطورة بابلية يا يعقوب لتدرك أننا مع اسطورة لا تحدث إلا في مخيلة مؤلف :
" قوض بيتك وابن سفينة ، اهجر ممتلكاتك وانج بنفسك ، اترك متاعك وانقذ حياتك ، واحمل فيها بذرة كل ذي حياة"
يقول الكتبة التوراتيون يا يعقوب أن الشر قد كثر في الأرض :
5 ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصورأفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم
6 فحزن الرب أنه عمل الإنسان في الأرض، وتأسف في قلبه
7 فقال الرب: أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم
الله يحزن ويتأسف لخلق الإنسان والحيوان والطيور، وسيمحو الكل عن وجه الأرض ليتخلص من حزنه ! طريقة الله في الإنتقام لحزنه فظيعة ، سيبيد كل شيء ، ولا نعرف ماذا ارتكبت البهائم والحيوانات والطيور والحشرات والنباتات والأشجار، لتباد، وهذه الأخيرة ستباد كتحصيل حاصل ، ولم يتطرق الله إلى الكائنات البحرية ، ولم نعرف كيف سيبيدها ؟
13 فقال الله لنوح: نهاية كل بشر قد أتت أمامي، لأن الأرض امتلأت ظلما منهم. فها أنا مهلكهم مع الأرض
- حتى الأرض نالها الغضب؟
- ولماذا لا فلقد سبق وأن غضب الرب عليها ولعنها بسبب خطيئة آدم !
14 اصنع لنفسك فلكا من خشب جفر. تجعل الفلك مساكن، وتطليه من داخل ومن خارج بالقار
- هذا يعني أن نوحا يعيش في عصر صناعة السفن . أي زمن غير بعيد في عمر التاريخ . ربما في العصر الفنيقي ، حيث ازدهرت صناعة السفن .
- صحيح يا يعقوب.أحسنت !
15 وهكذا تصنعه: ثلاث مئة ذراع يكون طول الفلك، وخمسين ذراعا عرضه، وثلاثين ذراعا ارتفاعه
وما يتبادر إلى الذهن هو التساؤل عمّا إذا كان نوح قادرا على صناعة فلك بهذا الحجم . ولماذا لم يصنعه الله له بكلمة وينتهي الأمر.
17 فها أنا آت بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما في الأرض يموت
18 ولكن أقيم عهدي معك ، فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك
19 ومن كل حي من كل ذي جسد، اثنين من كل تدخل إلى الفلك لاستبقائها معك. تكون ذكرا وأنثى
20 من الطيور كأجناسها ، ومن البهائم كأجناسها، ومن كل دبابات الأرض كأجناسها. اثنين من كل تدخل إليك لاستبقائها
سنجد في الإصحاح السابع أن المطلوب سبعة أزواج من البهائم الطاهرة، وليس زوجين . ولا نعرف لماذا لا يتفق الكتبة على رقم محدد :
2 من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى. ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين: ذكرا وأنثى
3 ومن طيور السماء أيضا سبعة سبعة: ذكرا وأنثى. لاستبقاء نسل على وجه كل الأرض
4 لأني بعد سبعة أيام أيضا أمطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة. وأمحو عن وجه الأرض كل قائم عملته
- ترى هل يتمكن نوح وأولاده من بناء سفينة وجمع هذه الكائنات في سبعة أيام ؟ وهل يمكن للسفينة أن تتسع للكم الهائل من الكائنات؟
وبالعودة إلى الإصحاح السادس نجد :
1 وأنت، فخذ لنفسك من كل طعام يؤكل واجمعه عندك، فيكون لك ولها طعاما
- يحتاج نوح إلى مساعدة الله نفسه في المسألة وإلا لن ينجح في شيء! المؤسف أنه ليس ثمة إشارة من قبل المؤلف إلى أن الله قام بمساعدة نوح !
22 ففعل نوح حسب كل ما أمره به الله. هكذا فعل
لا نعرف كيف فعل نوح ذلك . كيف تم بناء الفلك وكم استغرق بناؤه وكم طابقا فيه، وكيف جمع الحيوانات والطيور وأدخلها إلى الفلك ، وكيف أتى بمؤونة تكفي للأسرة وللحيوانات والطيور لأربعين يوما وليلة ثم امتدت لمائة وخمسين يوما ، وهل اتسع الفلك لهذا الحشد من الكائنات والمؤن ؟
24 وتعاظمت المياه على الأرض مئة وخمسين يوما
أعتقد أن نوحا يحتاج إلى قدرة الله نفسه ليقوم بالعمل بكلمة كما كان يفعل الله ، ليتمكن من تنفيذ هذا الطلب الإعجازي ، وقد يحتاج إلى أن يأمر الحيوانات المفترسة أن تكون وديعة ولا تفترس الأخرى ، أو تفترسه وأسرته !
كاتب روسي طريف يدعى كوندراتوف حسب مساحة السفينة ، فوجد أنها 9120 مترا مربعا. كما أورد احصاء لبعض الكائنات الحية ، حسب زوجين من كل صنف وليس حسب سبعة كما ورد في الإصحاح السابع، فيقول:
"يقدر عدد أصناف الثدييات على الكرة الأرضية بثلاثة آلاف ونصف ، وبما أن نوحا أخذ من كل صنف اثنين سنحصل على سبعة آلاف فرد . فيلة ونمور . ذئاب وأرانب . ضباع وثعالب . غوريلا وفرس النهر دبابات وجواميس .. ألخ"
و"هناك أيضا حوالي عشرين ألف صنف من الطيور ( وهذا الرقم يجب ضربه في اثنين لأنه أخذ زوجا من كل صنف ) وحوالي خمسة آلاف من الزواحف ( ضرب اثنين ) وأكثر من مليون صنف من الحشرات . وكما يبدو أن هذا الحشد من الكائنات القافزة والمنقنقة والمزمجرة والمزقزقة والمجمجمة والمولولة ، أكبر من أن يتسع له فلك نوح . وما الذي يمكن قوله عن المؤونة التي لا بد من توفيرها لكل هذه الكائنات الحية ، التي يوجد بينها آكلة لحوم من الحيوانات والطيور ، وآكلة أعشاب ، ومفترسة ، وآكلة حشرات وآكلة كل شيء من الحيوانات والطيور والحشرات والزواحف" ( انتهى الإقتباس من كوندراتوف )
بقيت المياة عاما حتى جفت عن أجزاء من اليابسة، وثمة حيوانات مفترسة تحتاج إلى فريسة ربما كل يوم لتتغذى، فهل جمع نوح غذاء لها ، وكيف سيمنعها من أن تفتك ببعضها ، وعلى ماذا ستتغذى حتى بعد أن تجف المياه، فكل شيء يكون قد اندثر وتلاشى خلال عام . هل ستنتظر خلق كائنات جديدة ؟!
ونسي كوندراتوف أن يسأل كيف سيجمع نوح وجماعته كل هذه الكائنات ، التي يعجز حتى الله عن جمعها ، وقد تفترس الأسود نوحا وأنجاله قبل أن يتمكنوا من جلب أسد ولبؤة ! كما أن كوندراتوف لم يتساءل عن مصير الكائنات البحرية كالأسماك التي لن يضيرها الطوفان . ويبدو أن الله، أو الكاتب بتعبيرأدق، قد نسيها أو تجاهلها. وإذا كان هذا الحدث قد تم حوالي أواسط الألف الثالث قبل الميلاد حسب ما يذكر معظم الباحثين، فإن البشرية القائمة الآن بكل ملياراتها لا يزيد عمرها عن حوالي 4500 سنة . وينبغي علينا أن نصدق أن هذا النص كلام إلهي أو صادر عن إله أو بوحي منه . كلام لا يتفق بل ويتناقض بشكل مطلق مع أدنى حدود المنطق والعقل والفهم .
*******
الطوفان المهول :
رأينا أن نوحا نفذ الأمر الإلهي وجمع زوجا من كل الكائنات الحية . ولا نعرف ما إذا جمع من الحشرات كالبعوض والذباب ، وعرف الذكر من الأنثى! أو أن الكاتب الملهم افترض أن الله لم يخلق هذه الحشرات بعد ، أو أن انقاذها لم يكن ضروريا ، فهلكت ، وما الأكثرمن مليون صنف من الحشرات الكائنة اليوم التي ذكرها كوندراتوف، تم خلقها لاحقا !
انفتحت طاقات السماء وانهمر المطر أربعين يوما وليلة . غمرت المياه الأرض، وراحت سفينة عمنا نوح تطفو فوق الماء . وظلت المياه ترتفع إلى أن غطت جميع الجبال الشامخة . وحدد كاتب التوراة ارتفاع المياه بخمسة عشر ذراعا . فماتت الكائنات الحية جميعها . ولا نعرف كيف ماتت الكائنات المائية.
10 وحدث بعد السبعة الأيام أن مياه الطوفان صارت على الأرض
11 في سنة ست مئة من حياة نوح، في الشهر الثانى، في اليوم السابع عشر من الشهر في ذلك اليوم، انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء
المؤلف حريص على الزمن ، فيربطه بحياة نوح وليس بخلق آدم مثلا . وبذلك لا نعرف متى حدث الطوفان زمنيا إلا إذا عرفنا تاريخ ميلاد نوح !
12 وكان المطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة
13 في ذلك اليوم عينه دخل نوح، وسام وحام ويافث بنو نوح، وامرأة نوح، وثلاث نساء بنيه معهم إلى الفلك
- لاحظ وجود نساء هنا.
14 هم وكل الوحوش كأجناسها، وكل البهائم كأجناسها، وكل الدبابات التي تدب على الأرض كأجناسها، وكل الطيور كأجناسها: كل عصفور، كل ذي جناح
15 ودخلت إلى نوح إلى الفلك، اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حياة
هنا تبدو الكائنات وكأنها تدخل وحدها أو بأمر إلهي ،وهذا ما سأعود إليه لاحقا.
16 والداخلات دخلت ذكرا وأنثى، من كل ذي جسد، كما أمره الله. وأغلق الرب عليه
17 وكان الطوفان أربعين يوما على الأرض. وتكاثرت المياه ورفعت الفلك، فارتفع عن الأرض
18 وتعاظمت المياه وتكاثرت جدا على الأرض، فكان الفلك يسير على وجه المياه
19 وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الأرض، فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء
20 خمس عشرة ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه، فتغطت الجبال
تغطت جميع الجبال الشامخة مع أن ارتفاع المياه لم يزد عن خمس عشرة ذراعا كما يحدده المؤلف . وهذا الإرتفاع بالكاد يغمر تلة لا يزيد ارتفاعها عن ذلك الرقم . فالمؤلف الجهبذ لا يعرف أن هناك أربعة عشر مرتفعا في العالم يزيد ارتفاعها على ثمانية آلاف متر عن سطح البحر. أما عن الإرتفاع الذي يزيد على الأذرع التي حددها، فهو أكثرمن أن يحصى ، وقد يزيد على الملايين .
21 فمات كل ذي جسد كان يدب على الأرض من الطيور والبهائم والوحوش، وكل الزحافات التي كانت تزحف على الأرض، وجميع الناس
22 كل ما في أنفه نسمة روح حياة من كل ما في اليابسة مات
23 فمحا الله كل قائم كان على وجه الأرض: الناس، والبهائم، والدبابات، وطيور السماء . فانمحت من الأرض. وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط
24 وتعاظمت المياه على الأرض مئة وخمسين يوما
غير الله رأيه فجعل تعاظم المياه 150 يوما بدلا من أربعين. هكذا يريد الكاتب!
وهكذا تآلف نوح وبنوه ونساء بنيه طوال 150 يوما مع الوحوش والأفاعي والزنابير وكل الكائنات الأخرى.
- لا يعقل أن يصدق البشر هذا الكلام على أنه كلام إلهي أو له علاقة بإله ما!
- أخذت المياه تنقص بعد مائة وخمسين يوما لتستقر السفينة على قمة جبل أرارات
أو أراراط ، كونه أعلى جبل ( حسب النص ) وكانت قمته هي الأولى التي نقصت عنها المياه . أو أنها لم تغمرها بشكل كبير.
يعلق كوندراتوف على الحدث قائلا:
"يبدو من الصعب أن نتصور ما ورد في التوراة من أن المياه غمرت قمم الجبال العالية عدا جبل أرارات ، لأنه يوجد في الكرة الأرضية جبال يزيد ارتفاعها عن ضعف ارتفاع جبل ارارات الجميل ، فكيف يمكن أن تغمر المياه هذه الجبال ، في حين يظل جبل أرارات بارزا فوق الماء ، ليكون ملاذا لنوح وعائلته ؟"
ويتطرق كوندراتوف إلى حجم المياه قائلا:
"لا يتوفر احتياطي من المياه يكفي لغمر كوكبنا وحتى لو بطبقة لا يزيد سمكها عن 200 سم ، حتى لو ذاب الجليد الإنتراكتيدا وجليد الجبال والمنطقة القطبية الشمالية وتحولت رطوبة الغلاف الجوي إلى أمطار غزيرة"
وفي محاولة منه لإثبات أصل أساطير التوراة يتطرق كوندراتوف إلى الطوفان السومري، الطوفان الأول الذي عرفته أساطيرالمنطقة ويورد بعض المقاطع من ملحمة جلجامش:
شاءت الآلهة وعلى رأسهم انليل الجبار أن تبعث بالطوفان على الجنس البشري ، غير أن الإله إيا الحنون على الناس ينبىء أوتنابشتيم بالأمر ، إذ بينما كان نائما هب على صوت يقول:
اهدم الكوخ وقم ببناء سفينة
اهجر الوفرة واهتم بالحياة
احتقر الثروة وانقذ روحك
واحمل في سفينتك كل حي
ويتابع كوندراتوف:
" جمع اوتنابشتيم " كل الناحية " وانصاعوا جميعا لأمره وراحوا يصنعون السفينة ، التي تضاهي بسعتها سفينة نوح . يقول اوتنا بشتيم لجلجامش:
حملتها بكل شيء أملكه
حملتها بكل ما أملكه من فضة
حملتها بكل ما أملكه من ذهب
حملتها بكل ما لدي من المخلوقات
ووضعت على السفينة كل عائلتي وسلالتي
ووضعت عليها ماشية السهوب والحيوانات من كل نوع
وعندما حل الوقت الذي حددته الآلهة هطلت الأمطار الغزيرة ليلا ، وكان النظر في " وجه الطبيعة " يثير الرعب!
كل ما كان منيرا انقلب عتمة .
انفلعت الأرض بأسرها كالفنجان
جاشت رياح جنوبية في اليوم الأول
هبت بسرعة فغمرت الجبال
كأنها الحرب داهمت البشر
ويذكر كوندراتوف أن الطوفان السومري يستمر ستة أيام وسبع ليال ، وأن
اوتنابشتيم فعل مثلما فعل نوح ( بعد الطوفان ) بعث بالطيورالرسل، الحمامة أولا وبعدها السنونو ومن ثم الغراب الذي لم يرجع.
نص نوح مختلف بعض الشيء إذ ليس فيه سنونو، ثم إن نوح يرسل الغراب أولا، ويرسل الحمامة مرتين.
هل عرفت قصة الطوفان التوراتية من أين جاءت يا يعقوب . سرق كتابكم القدامى الله وشوهوا فهمه، وسرقوا تراث الشعوب، وأنتم سرقتم الأرض ، وتسرقون حتى المطبخ والأزياء والعادات والتقاليد . أي لصوص أنتم يا يعقوب ؟ والمؤسف أننا نسعى للتعايش معكم!
- أعذرني يا عارف فليس لنا يد في كل ما جرى. حسب ما أخبرنا أبي، تم نسف كنيس في بغداد من قبل عملاء الحركة الصهيونية ، لإرهاب اليهود ودفعهم للهجرة إلى فلسطين ، وراحت القنابل تنهال على الأحياء اليهودية. قال أبي لم يكن أمامنا غير الهرب ، وقد تجمع في مطار بغداد أكثر من خمسين ألف يهودي في يوم واحد ، لتنقلهم الطائرات إلى فلسطين .
- أعرف ذلك يا يعقوب، وأعرف أن نوري السعيد قبض ثمنكم من الحركة الصهيونية خمسة ملايين دولار حسب ما تقول الوثائق التاريخية! أعرف قصص اليهود العرب وقصص يهود أوروبا . لولا اليهود العرب لما قامت لإسرائيل قائمة حينذاك .. يهود اليمن كانوا مشتتين في أودية وبقاع وجبال اليمن الشاهقة ، فكان لا بد من تجنيد جيش من راكبي الجمال لجلبهم عنوة وتسفيرهم إلى اسرائيل . فقد قبض ثمنهم أيضا .. وأعرف ما هو أخطر من ذلك يا يعقوب ، وكيف تآمرت الحركة الصهيونية حتى مع النازية لحرق المسنين من اليهود وتسفير الشباب إلى فلسطين لإقامة دولة اليهود ، حسب ما قرأت في بعض الأبحاث التاريخية.
- واضح أنك تعرف الكثير يا عارف.
- هل تريد يا يعقوب المزيد من أساطير الطوفان التي سبقت الطوفان التوراتي بآلاف السنين، لتعرف كيف يسرق مؤلفوكم تراث الأمم؟ !
- أتمنى ذلك !
يتحدث باحث سوري يدعى فراس سواح في كتابه مغامرة العقل الأولى ، وضمن جزء " سفر الطوفان " عن أساطير الطوفان في كافة أنحاء العالم ويأتي في مقدمتها السومري والبابلي وغيرهما .. ويقارن بينها وبين سفر الطوفان التوراتي ليجد الشبه في ثلاث عشرة نقطة . مما يثبت أن النص التوراتي - بل معظم نصوص التوراة -مأخوذة عن هذه الأساطير . ويعزو فراس التناقضات في النص التوراتي إلى أن كتاب التوراة قد أخذوا من أكثر من نص اسطوري دون تمحيص.. ويورد بعض المتناقضات التي أوردنا بعضها يقول فراس في تعليقه الذي استوقفني:
"أما كيف سيعمل بطل الطوفان على جمع كل هذه الحيوانات فيبدو أن الشخصية الإلهية هي التي تكلفت بدفعها إليه ليحملها إلى السفينة ، كما يبدو من ملحمة اتراحيس ومن سفر التكوين ، ففي ملحمة اتراحيس نرى إيا يقول لعبده " طرائد البرية ووحوشها وما استطعت من آكلي الأعشاب سأدفع بها إليك " كذلك في سفر التكوين نجد أن الحيوانات تأتي إلى نوح دونما إشارة إلى جهد منه لجمعها وحصرها " وتدخل الصندوق لتحيا معك " " يدخل إليك اثنين من كل لتحيا"
كيف سنعرف هنا أن ما فعله نوح هو مجرد إدخال، أي فتح باب السفينة للكائنات بما فيها الوحوش.
واستنتاج فراس سواح لا يؤكد أن الله هو من يجمع بل هو يستنتج استنادا إلى نص ورد في ملحمة اتراحيس ، وما أكده هو أن الحيوانات تأتي إلى نوح دون جهد منه .
نحن سنفترض أمرين . الأول هو إمكانية الله حسب التصور التوراتي:
إن الإله التوراتي – كما صوره الكتبة – الذي لم يكن قادرا على معرفة المكان الذي اختبأ فيه آدم وحواء بعد الأكل من ثمر شجرة المعرفة ، والذي لم يعرف أن قايين قد قتل أخاه ، والذي يحتاج إلى " لهيب سيف متقلب" ليحرس الطريق إلى شجرة الحياة ، لن يكون قادرا على معرفة الأماكن التي تختبيء فيها الأسود والنمور والثعالب وغيرها .
وإذا ما أخذنا بالأمر الثاني ، من مفهوم الإله القادر على كل شيء . فإنه لن يحتاج لا إلى سفينة ولا إلى طوفان ، ولا حتى إلى فيضان . ما عليه إلا أن ينطق بالأمر الإلهي الذي خلق به كل شيئ، ليكن كذا وسينتهي الأمر.
إنه العقل البدائي غير القادر على أن يعي الواقع والغيب والخيال إلا حسب الثقافة التي انتجته ، فما بالك إذا كانت هذه الثقافة مستلبة من ثقافات الأمم البدائية واجتهاداتها ، وليست ثقافة كاتبها ؟!
سأورد مقطعا أدبيا عن حدوث الطوفان البابلي ، لنرى الفرق بين روعة الأدب الأصل أو القريب إلى الأصل ، وبؤس النثر المنحول:
حل الموعد المضروب
في المساء أرسل سيد العاصفة مطراً مدمراً؛
قلبتُ وجهي في السماء أراقب الطقس،
كان الجو مرعباً لناظره
دخلت الفُلك وأغلقت عليَّ بابي،
أسلمت قياد السفينة للملاح بوزو- آموري،
أسلمته الهيكل العظيم بكل ما فيه
وما أن لاحت تباشير الصباح،
حتى علت الأفق غيمة كبيرة سوداء،
يجلجل في وسطها صوت أداد،
يسبقها (رسولاه) شوللات وخانيش،
نذيران عبر السهول والبطاح
اقتلع الإله أريجال خزانات المياه السفلية،
ثم تبعه الإله ننورتا وفتح السدود
رفع الأنوناكي مشاعلهم عالياً
حتى أضاء وهجها الأرض
بلغتْ ثورة أداد تخوم السماء،
أحالت كل نور إلى ظلمة،
والأرض الواسعة قد تحطمت كما الجرة
ثارت العاصفة يوماً كاملاً
وتزايدت سرعاتها حتى غمرت الجبال،
أتت على البشر، حصدتهم كما الحرب،
حتى عمي الأخ عن أخيه،
وبات أهل السماء لا يرون أهل الأرض.
حتى الآلهة ذُعرت من هول الطوفان،
هرب جميعهم صُعداً نحو سماء آنو،
ربضوا عند الجدار الخارجي ككلاب مرتعدة
صرخت عشتار كامرأة في المخاض،
ناحت سيدة الآلهة ذات الصوت العذب
لقد آلت إلى طين تلك الأيام القديمة،
لأني نطقتُ بالشر في مجمع الآلهة؛
فكيف نطقت بالشر في مجمع الآلهة؟
كيف أمرتُ بالحرب تحصد شعبي،
تدمر من أعطيتهم أنا الميلاد؟
وهاهم يملؤون البحر كصغار السمك!
بكى معها آلهة الأنوناكي،
تهالكوا وانحنوا يبكون،
وقد حجبوا أفواهم بأيديهم
ستة أيام وست ليال،
والرياح تهب، والعاصفة وسيول المطر تطغى على الأرض
ومع حلول اليوم السابع، العاصفة والطوفان،
اللذان داهما كجيش، خفت شدتهما
هدأ البحر وسكنت العاصفة وتراجع الطوفان
فتحتُ الكوة فسقط النور على وجهي؛
نظرتُ إلى البحر، كان الهدوء شاملاً،
وقد آل البشر إلى الطين
كان الـ …. بمحاذاة السقف
تهالكت، وانحنيت أبكي،
وقد أغرقتْ الدموع وجهي
ثم تطلعت في كل الاتجاهات مستطلعاً حدود البحر؛
على بُعد اثنتي عشرة ساعة مضاعفة انبثقت قطع من اليابسة
ثم استقرت السفينة على جبل نصير
جبل نصير أمسك بالسفينة، منع حركتها
أمسك الجبل بالسفينة ومنع حركتها يوماً وثانياً
أمسك الجبل بالسفينة ومنع حركتها يوماً ثالثاً ورابعاً
أمسك الجبل بالسفينة ومنع حركتها يوماً خامساً وسادساً
وعندما حلّ اليوم السابع،
أتيت بحمامة فأطلقتها
طارت الحمامة بعيداً ثم عادت إلي،
لم تجد مستقراً فعادت
ثم أتيت بسنونو وأطلقته،
فطار السنونو بعيداً ثم عاد إليَّ،
لم يجد مستقراً فعاد
ثم أتيت بغراب وأطلقته،
فطار الغراب بعيداً، ورأى أن الماء قد انحسر،
حام وحط وأكل ولم يعد
****
أرأيت كيف تجلت روعة الأدب هنا يا يعقوب . هنا يوجد حياة وأبطال من الآلهة والبشر والحيوانات. الربة عشتار سيدة الآلهة تبكي شعبها وتبكي معها الآلهة . وتلوم عشتار نفسها لأنها نطقت بالشر في مجمع الآلهة . فلا نجد هنا إلها ينتقم من خلقه ، بل إلها يندم ويحزن من فعله !
في الإصحاح الثامن تنحسر المياه يا يعقوب وتستقر السفينة على جبل أراراط الذي اتفق الباحثون على أنه جبل على الحدود بين تركيا وإيران وأرمينيا وأذربيجان ،وارتفاعه أكثر بكثير من الخمس عشرة ذراعا التي ارتفعت فيها مياه طوفان نوح عن الأرض. فالمصادر تذكر أن ارتفاع أعلى قممه في هضبة أرمينيا 5137 مترا عن سطح البحر:
1 ثم ذكر الله نوحا وكل الوحوش وكل البهائم التي معه في الفلك. وأجاز الله ريحا على الأرض فهدأت المياه
2 وانسدت ينابيع الغمر وطاقات السماء، فامتنع المطر من السماء
3 ورجعت المياه عن الأرض رجوعا متواليا. وبعد مئة وخمسين يوما نقصت المياه
4 واستقر الفلك في الشهر السابع، في اليوم السابع عشر من الشهر، على جبال أراراط
5 وكانت المياه تنقص نقصا متواليا إلى الشهر العاشر. وفي العاشر في أول الشهر، ظهرت رؤوس الجبال
6 وحدث من بعد أربعين يوما أن نوحا فتح طاقة الفلك التي كان قد عملها
7 وأرسل الغراب، فخرج مترددا حتى نشفت المياه عن الأرض
8 ثم أرسل الحمامة من عنده ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض
9 فلم تجد الحمامة مقرا لرجلها، فرجعت إليه إلى الفلك لأن مياها كانت على وجه كل الأرض. فمد يده وأخذها وأدخلها عنده إلى الفلك
10 فلبث أيضا سبعة أيام أخر وعاد فأرسل الحمامة من الفلك
11 فأتت إليه الحمامة عند المساء، وإذا ورقة زيتون خضراء في فمها. فعلم نوح أن المياه قد قلت عن الأرض
12 فلبث أيضا سبعة أيام أخر وأرسل الحمامة فلم تعد ترجع إليه أيضا
13 وكان في السنة الواحدة والست مئة، في الشهر الأول في أول الشهر، أن المياه نشفت عن الأرض. فكشف نوح الغطاء عن الفلك ونظر، فإذا وجه الأرض قد نشف
14 وفي الشهر الثاني، في اليوم السابع والعشرين من الشهر، جفت الأرض
15 وكلم الله نوحا قائلا
16 اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك
17 وكل الحيوانات التي معك من كل ذي جسد: الطيور، والبهائم، وكل الدبابات التي تدب على الأرض، أخرجها معك. ولتتوالد في الأرض وتثمر وتكثر على الأرض
18 فخرج نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه
19 وكل الحيوانات، كل الدبابات، وكل الطيور، كل ما يدب على الأرض، كأنواعها خرجت من الفلك
المؤسف أن نوحا وأسرته والكائنات الأخرى لن يجدوا ما يقتاتون عليه بعد فعلة الله . فكل شيء قد أبيد خلال ما يقرب من نصف عام من الطوفان ، وهذا ما لم يعرفه المؤلف ، الذي ربما يدرك جهل القراء ، فلا يتنبهون لكل مغالطاته وتناقضات نصه .
- عاجز عن شكرك أستاذ عارف لمحاضراتك القيمة وتحاليلك الرائعة التي لا تقبل النقض والنقد!
- وأنا أشكرك لحسن استماعك يا يعقوب . ينتهي هذا الإصحاح بأن يبني نوح مذبحا للرب ، رغم الظروف التي لا يحسد عليها بعد الطوفان المهول :
20 وبنى نوح مذبحا للرب . وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح !!
*****
















(10)
* مباركات إلهيّة !

هاتفت أبي وطلبت إليه أن أحضر محاضرة من محاضرات عارف نذير الحق. أخبرني أنّه سيطلعني على المحاضرات كلها وليس ثمة داع لحضوري. أجبته:
- أفضل الحضور باب !
- هل تريدين أن تدرسي شخصيته ساراي؟
- ممكن باب !
وافق. اتفقنا على يوم. ذهبت. فاجأني بعدم حمل البندقية معه .
تساءلت :
- لماذا لم تحمل البندقية معك باب ؟
قال :
- لسنا في رحلة صيد آبا!
- لكن هذا لا يمنع من حمل البندقية ، فقد نحتاج إليها .
صمت للحظات بدا فيها مترددا عن قول ما يريد ، وما لبث أن هتف بما فاجأني:
- عارف لا يحب الصيد ، ولا يرغب في مشاهدتي أفتك بطيور وحيوانات بلاده ، فقد طلب إلي أن لا أفعل ذلك ولو أمامه . أذعنت له .
لم أعرف أن شخصية عارف قد بدأت تؤثر في شخصية أبي إلى هذا الحد .
قال وكأنّه أدرك ما فكرت فيه :
- يكفي أننا لا نحقق للفلسطينيين ولوالحد الأدنى من رغباتهم في نيل بعض حقوقهم. لنحقق لهم نحن كأفراد ما نستطيع تحقيقه ، وهو شيء لا يذكر.
فوجئت ثانية . لقد انتقل أبي من مجرد التأثر إلى الفعل حتى لو كان بسيطا .. ولم أجد إلا أن أوافقه وأشكره على هذا الموقف ، الذي ينسجم تماما مع موقفي المؤيد لجماعة السلام الآن ، والمشاركة في بعض احتجاجاتهم وتظاهراتهم ونشاطاتهم .
انطلقنا .. لم يكن عارف قد وصل بعد. تأملت المكان الذي يلتقيان فيه بعد أن أخبرني أبي ذلك. سد صخري شاهق ينتصب متعرّجا إلى جانب الوادي ، وفي السفح المواجه له مجموعة من الكهوف البدائية القديمة .
لم أعرف السر في اختيار هذا المكان تحديدا للقاءاتهم . تساءلت. قال أبي:
- أنا الذي فضلت أن نلتقي دائما في هذا المكان.
- لماذا باب ؟
- لأنه شاهد على أنه كان في مقدورعارف نذير الحق أن يقتلني ذات يوم ولم يفعل!
ثنيّت قائلة :
- شاهد على أنه كان في مقدور فلسطيني أن يقتل اسرائيليا اغتصب وطنه ولم يفعل !
- صحيح آبا !
- وهل تحب أن تتذكر ذلك دائما ؟
- أجل ! مع أننا قد نغير المكان بناء على رغبة عارف ، فهو بالتأكيد لا يريد أن يتذكر نفسه وهو يجلس متهيئا مسددا سبطانتي البندقية إلى صدري.
أقبل عارف قادما عبر منعطفات الوادي . نهضنا لاستقباله . صافحني بحرارة مرحبا :
- أهلا سارة ! شرفت وادينا!
- هل نسميه وادي يعقوب وعارف ؟
- تسمية معقولة مع أن اسمه القديم وادي الدكاكين !
- هل كان فيه دكاكين ؟
- كان الناس يقطنون قديما هذه الكهوف وربما جعلوا من بعضها دكاكين أيضا ، إلى أن تحولت فيما بعد لتخزين الحبوب والتبن . قبل أن يهجرالناس البريّة ليسكنوا بيوتا حديثة على مقربة من القدس أو في ضواحيها.
جلسنا .. قال أبي.
- هل نبدأ ؟
وقال عارف :
- أين وصلنا ؟
- وصلنا إلى الفصل التاسع من سفر التكوين . حيث نهاية طوفان نوح المهول.
قال أبي .
- ولا شك أنك متشوق لمعرفة نوع البشرية التي ستنشأ بعد الطوفان يا يعقوب !
قال عارف .
ليرد أبي بعد تردد:
- أجل يا ...صديقي!
تنبه عارف لتردده ثم تلفظه بكلمة صديقي. تساءل :
- هل أصبحنا صديقين يا يعقوب !
- إن أحببت .. فأنا أرى أنك أصبحت صديقي بعد كل هذه اللقاءات .
هتف عارف - متجاهلا الصداقة - بما فاجأ أبي ولو بحدود:
- وهل ستتوقف عن تسجيل لقاءاتنا ؟
تردد أبي في الإجابة دون أن يبدي كثير دهشة لإدراكه أن عارف يعرف بقصة التسجيل .
- سأتوقف إن أحببت !
- وماذا ستقول للشاباك ، هل ستقول أنك أصبحت صديقا للرجل الذي لم يقتلك ؟
- في الحقيقة لا أعرف .
- بل استمر في التسجيل يا يعقوب . فأنا لا أمانع في أن يعرفوا كيف أفكر وفي ماذا !
******
يبدأ الفصل التاسع بأن يبارك الله نوحا وبنيه :
1 وبارك الله نوحا وبنيه وقال لهم: أثمروا واكثروا واملأوا الأرض
2 ولتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء، مع كل ما يدب على الأرض، وكل أسماك البحر. قد دفعت إلى أيديكم
كرم إلهي بلا حدود يا يعقوب . وأخيرا تذكر االله الأسماك التي غابت عن الطوفان، لأن الله لم يعرف كيف سيبيدها كما يبدو، فأباح أكلها مع الأعشاب والحيوانات والطيور ، دون الدم :
3 كل دابة حية تكون لكم طعاما. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع
4 غير أن لحما بحياته ، دمه، لا تأكلوه
لا نعرف ما إذا كان المؤلف حاضرا في جلسة المباركة هذه ليؤرخها ..! وبعد أن يحلل الله للإنسان سفك دم الحيوان حتى له أيضا كتقدمات وقرابين ، يعلن عن سفك دم الإنسان بالإنسان ، متجاهلا أنه قام بإبادة بشرية بكاملها، إضافة إلى الحيوانات والنباتات ، في الطوفان :
6 سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه. لأن الله على صورته عمل الإنسان
وأقام الله ميثاقا مع نوح وبنيه وحتى مع الكائنات الناجية من الطوفان . بأن جعل من قوس قزح علامة على ذلك ، معتبرا إياه قوسه ، مؤكدا أنه لن يقدم على إقامة طوفان ثانية :
11 أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضا بمياه الطوفان. ولا يكون أيضا طوفان ليخرب الأرض
12 وقال الله: هذه علامة الميثاق الذي أنا واضعه بيني وبينكم، وبين كل ذوات الأنفس الحية التي معكم إلى أجيال الدهر
13 وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض
14 فيكون متى أنشر سحابا على الأرض، وتظهر القوس في السحاب
15 أني أذكر ميثاقي الذي بيني وبينكم وبين كل نفس حية في كل جسد. فلا تكون أيضا المياه طوفانا لتهلك كل ذي جسد
هل عرفت لماذا يظهر قوس قزح في السماء خلال المطر يا يعقوب ؟
- أجل يا عارف . لم أكن أعرف هذه المعلومة العظيمة . فالله يتذكر وعده لنوح ولخلقه، بأنه لن يبيدهم ثانية .
- وهذا يعني أن الساعة لن تقوم !
عقبت أنا !
- أجل يا سارة ! فلم يعد هناك قيامة . خاصة وأن المؤلف لم يأت على ذكرها حتى الآن .
ويذكرنا المؤلف من جديد ببني نوح الذين خرجوا من الفلك مضيفا إليهم كنعان ، الذي لم يذكر من قبل :
18 وكان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساما وحاما ويافث. وحام هو أبو كنعان
لا نعرف أين كان كنعان هذا ولماذا ذكره الكاتب هنا؟
19 هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح. ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض !
20 وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرما
- ومن أين جاء بما يفلح الارض ويزرعها بعد الطوفان ؟
- اسألي المؤلف يا سارة ؟
21 وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه
- وأصبح لديه خمر أيضا ؟ عجيب هذا المؤلف ! بهذه السرعة يغرس نوح كرما ويثمر ليصنع من الثمر خمرا ويسكر ويتعرى!
- هكذا يريد المؤلف!
22 فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجا
- لاحظا التركيز على اسم كنعان الذي ظهر فجأة ولم يكن له وجود من قبل ، فالكاتب يريد أن يقول أن كنعان هذا هو جد الكنعانيين ، الذين لا بد من نسب لهم !
- ولماذا يركز المؤلف على العورة ؟ ثم هل تستدعي هذه الحادثة ذكرها في كتاب يفترض أنه إلهي؟
- يحق للمؤلف ما لا يحق لغيره ، طالما أنه يتحدث حتى باسم الله !
23 فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء، وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء. فلم يبصرا عورة أبيهما
- وماذا لو أبصراها ؟
- لا يصح كي لا يغضب الأب إذا ما عرف!
24 فلما استيقظ نوح من خمره، علم ما فعل به ابنه الصغير
- لا نعرف كيف علم نوح! وكيف أصبح حام ابنه الصغير، وهو تحديدا الذي يشار إلى كنعان ابنه !
25 فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته
- عجيب هذا الكاتب ! هل اختلق كنعان ليصب نقمته عليه مع أن أباه هو الذي رأى العورة ! إنه غير واضح هنا، بين أن يكون كنعان ابنا رابعا لنوح أو يكون ابنا لحام ، ويفترض كما أسلفت أن كنعان هو جد الكنعانيين الفلسطينيين ، ولهذا تم استحضاره وتقصد عقابه مسبقا ، ليكون أحفاده عبيدا للأمم وبشكل خاص لبني اسرائيل !
- أحسنت ساره . يمكن تقبل هذا التأويل ، خاصة وأن كنعان ظهر دون مقدمات وربما أضيف للنص التوراتي في أزمان حديثة !
26 وقال: مبارك الرب إله سام. وليكن كنعان عبدا لهم !
27 ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدا لهم
- كل المصائب نزلت على رأس كنعان البريء!
28 وعاش نوح بعد الطوفان ثلاث مئة وخمسين سنة
29 فكانت كل أيام نوح تسع مئة وخمسين سنة، ومات
*****
تابع عارف تحليله لنص السفر العاشر قائلا :
يتابع المؤلف التأريخ لتناسل البشرية بالأسماء، أو أن الله هو الذي يؤرخ . فلا نعرف كيف عرف المؤلف كل هذا السجل للبشرية حتى وصل للأمم كلها . غير أن المعروف لديه بأسماء يمكن اعتبارها موجودة بشكل أو آخر حتى اليوم، هي بلاد الشرق الأوسط الحالي ، وما تبقى هو مجرد حشو لا يشير إلى أمم معروفة .
1 وهذه مواليد بني نوح : سام وحام ويافث. وولد لهم بنون بعد الطوفان
2 بنو يافث: جومر وماجوج وماداي وياوان وتوبال وماشك وتيراس
3 وبنو جومر: أشكناز وريفاث وتوجرمة
4 وبنو ياوان: أليشة وترشيش وكتيم ودودانيم
- وماذا عن مأجوج وماداي وتوبال وماشك ؟ ألم يخلفوا ؟ أم أن الكاتب تجاهل خلفتهم ؟
5 من هؤلاء تفرقت جزائر الأمم بأراضيهم، كل إنسان كلسانه حسب قبائلهم بأممهم
وكأن اللغة كانت تسبق تشكل القبيلة ! ثم إن الكاتب سيخبرنا لاحقا أن البشرية كانت تتكلم لغة واحدة !
6 وبنو حام: كوش ومصرايم وفوط وكنعان
7 وبنو كوش: سبا وحويلة وسبتة ورعمة وسبتكا. وبنو رعمة: شبا وددان
8 وكوش ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض
9 الذي كان جبار صيد أمام الرب. لذلك يقال: كنمرود جبار صيد أمام الرب
10 وكان ابتداء مملكته بابل وأرك وأكد وكلنة، في أرض شنعار
11 من تلك الأرض خرج أشور وبنى نينوى ورحوبوت عير وكالح
وهكذا أصبح السومريون والبابليون والكلدانيون والأشوريون من نسل حام
12 ورسن، بين نينوى وكالح، هي المدينة الكبيرة
13 ومصرايم ولد: لوديم وعناميم ولهابيم ونفتوحيم
والمصريون أيضا .. ويتابع المؤلف كيل ما هب ودب من الأسماء والأجيال معتمدا على جهل البشر الذين سيصدقون بالتأكيد ، ولكن ليس إلى الأبد حسب ما أعتقد . والدليل هو وجود ملايين لا يصدقون هذا الكلام .
14 وفتروسيم وكسلوحيم. الذين خرج منهم فلشتيم وكفتوريم
فلشتيم هذا يبدو أنه نوع آخر من الفلسطينيين .
15 وكنعان ولد: صيدون بكره، وحثا
16 واليبوسي والأموري والجرجاشي
17 والحوي والعرقي والسيني
18 والأروادي والصماري والحماتي. وبعد ذلك تفرقت قبائل الكنعاني
19 وكانت تخوم الكنعاني من صيدون، حينما تجيء نحو جرار إلى غزة، وحينما تجيء نحو سدوم وعمورة وأدمة وصبوييم إلى لاشع
هؤلاء سكان شرق المتوسط وسيكونون عبيدا لنسل سام ويافث !
20 هؤلاء بنو حام حسب قبائلهم كألسنتهم بأراضيهم وأممهم
21 وسام أبو كل بني عابر، أخو يافث الكبير، ولد له أيضا بنون
22 بنو سام: عيلام وأشور وأرفكشاد ولود وأرام
23 وبنو أرام: عوص وحول وجاثر وماش
24 وأرفكشاد ولد شالح، وشالح ولد عابر
25 ولعابر ولد ابنان: اسم الواحد فالج لأن في أيامه قسمت الأرض. واسم أخيه يقطان
لم نعرف أي أرض هذه التي قسمت !
26 ويقطان ولد: ألموداد وشالف وحضرموت ويارح
27 وهدورام وأوزال ودقلة
28 وعوبال وأبيمايل وشبا
29 وأوفير وحويلة ويوباب. جميع هؤلاء بنو يقطان
30 وكان مسكنهم من ميشا حينما تجيء نحو سفار جبل المشرق
31 هؤلاء بنو سام حسب قبائلهم كألسنتهم بأراضيهم حسب أممهم
32 هؤلاء قبائل بني نوح حسب مواليدهم بأممهم. ومن هؤلاء تفرقت الأمم في الأرض بعد الطوفان
****
- في السفر الحادي عشر يخبرنا كتبة التوراة يا يعقوب أن البشرية كانت تتحدث لغة واحدة ، دون أن يخبرنا الكتبة ما هي :
1 وكانت الأرض كلها لسانا واحدا ولغة واحدة
وكنا سنصدق لو لم يخبرنا الكتبة أن الأحداث تجري في بلاد ما بين النهرين، وأن هذه القبائل اكتشفت صناعة اللبن ( الطين المشوي ) وقررت أن تبني بابل ! ففي هذا الوقت كان البابليون يتكلمون اللغة الأكادية ولا يعقل أن تكون البشرية كلها تتكلمها . ففي الوقت نفسه كانت الحضارة الفرعونية وكان الفراعنة يتكلمون الهيروغليفية وكانت الحضارة الأوغاريتية، التي اخترعت أبجديتها وكانت حضارات شعوب المايا في أمريكا الجنوبية ،عدا حضارات الهند والصين واليونان وروما القديمة لقد ألغى كتبة التوراة كل هذه الحضارات ولم يبقوا إلا على أحفاد نوح المزعومين .. يا لمأساة التاريخ حين يقوم على وقائع وأحداث مختلقة !
2 وحدث في ارتحالهم شرقا أنهم وجدوا بقعة في أرض شنعار وسكنوا هناك
3 وقال بعضهم لبعض: هلم نصنع لبنا ونشويه شيا. فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الحمر مكان الطين
4 وقالوا: هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه كل الأرض !
لقد نسي الكتبة أنهم أخبرونا من قبل أن أحفاد نوح قد تفرقوا في الأرض ! لا نعرف كيف تم بناء المدينة وكم استغرق من الزمن.. لكن الرب يهوه يقررالنزول من سمائه ليتفرج عليها :
5 فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما
هنا نعرف أن بناء المدينة لم يكتمل بعد !
6 وقال الرب: هوذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه
7 هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض
لم يعجب يهوه أن البابليين يتكلمون لغة واحدة مما يمكنهم من التفاهم فيما بينهم والتطور بسرعة ، فقرر أن يفرق ( يبلبل) لغتهم ، ويجعلهم يتحدثون أكثر من لغة حتى يسوء التفاهم بينهم .
8 فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة
مدونات التاريخ تقول أنهم أكملوا بناء المدينة.
9 لذلك دعي اسمها بابل لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض. ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض
لقد سبق للكاتب أن قال، إنّ الرب وعد بأنه سيتوقف عن إنزال النكبات بالإنسان، فلماذا عاد إليها . ولو أخذنا هذا الكلام على محمل الجد ، سنكتشف أن أصل بلاء البشرية بتعدد اللغات من الرب ! ولولا هذا البلاء الذي أنزله الرب بالبابليين لكانت البشرية تتكلم الآن لغة واحدة ، ولما أمضت عمرها في تعلم لغات بعضها ..
- هل لك أن تحدثنا عن بابل أستاذ عارف !
- تكرمي . يا سارة . سأقرأ لك ما جاء في الموسوعة الحرة عنها ، لتري مدى الزيف الوارد في النص التوراتي :
"بابل هي مدينة عراقية كانت عاصمة البابليين أيام حكم حمورابي، حيث كان البابليون يحكمون أقاليم ما بين النهرين، وحكمت سلالة البابليين الأولى تحت حكم حمورابي (1792-1750) قبل الميلاد في معظم مقاطعات ما بين النهرين، وأصبحت بابل العاصمة التي تقع على نهر الفرات. التي اشتهرت بحضارتها. وبلغ عدد ملوك سلالة بابل والتي عرفت (بالسلالة الآمورية(العمورية)) 11 ملكا، حكموا ثلاثة قرون(1894 ق.م. -1594 ق. م.) في هذه الفترة بلغت حضارة المملكة البابلية أوج عظمتها وازدهارها ، وانتشرت اللغة البابلية في لمنطقة كلها، حيث ارتقت العلوم والمعارف والفنون وتوسعت التجارة لدرجة لا مثيل لها في تاريخ المنطقة. وكانت الإدارة مركزية . والبلاد تحكم بقانون موحد، سنّه الملك حمورابي لجميع شعوبها. وقد دمرها الحثيون عام 1595 ق.م. حكمها الكاشانيون عام 1517 ق.م. وظلت منتعشة ما بين عامي 626 و539 ق.م. و خصوصا ايام حكم الملك الكلداني نبوخذ نصر، حيث قامت الإمبراطورية البابلية وكانت تضم بلادا من البحر الأبيض المتوسط وحتى الخليج العربي. استولي عليها قو رش الفارسي سنة 539 ق.م وقتل اخر ملوكها بلشاصر. وكانت مبانيها من الطوب الأحمر. واشتهرت بالبنايات البرجية (الزيجورات). وكان فيها معبد إيزاجيلا للإله الأكبر مردوخ (مردوك). والآن أصبحت أطلالا. عثر فيها على باب عشتار، وشارع مزين بنقوش الثيران والتنانين والأسود الملونة فوق القرميد الأزرق"
يلاحظ أن إله البابليين كان مردوخ وليس يهوه التوراتي . وبوابة عشتار محفوظة حتى اليوم في متحف برلين . ولا نعرف كيف يكذب الناس التاريخ ويتبعون نصا متخيلا لا علاقة له إطلاقا بالتاريخ ، بل يقوم بتزييفه وتلفيقه .
- أمر مؤسف جدا .
يعود المؤلف إلى تعداد نسل سام إلى أن ينتهي إلى تارح أب ابراهيم :
24 وعاش ناحور تسعا وعشرين سنة وولد تارح
25 وعاش ناحور بعد ما ولد تارح مئة وتسع عشرة سنة، وولد بنين وبنات
26 وعاش تارح سبعين سنة ، وولد أبرام وناحور وهاران
27 وهذه مواليد تارح: ولد تارح أبرام وناحور وهاران. وولد هاران لوطا
28 ومات هاران قبل تارح أبيه في أرض ميلاده في أور الكلدانيين
29 واتخذ أبرام وناحور لأنفسهما امرأتين: اسم امرأة أبرام ساراي، واسم امرأة ناحور ملكة بنت هاران، أبي ملكة وأبي يسكة
30 وكانت ساراي عاقرا ليس لها ولد
31 وأخذ تارح أبرام ابنه، ولوطا بن هاران، ابن ابنه، وساراي كنته امرأة أبرام ابنه ، فخرجوا معا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان. فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك
32 وكانت أيام تارح مئتين وخمس سنين. ومات تارح في حاران
في اللقاء القادم سنكون مع ابراهيم في رحلته العجيبة يا يعقوب .
- ليتني أتمكن من حضورها لأتعرف على ساراي التي يحب أبي أن يناديني باسمها .
- تشكر عارف . أتعبك دائما !
نهضنا . تصافحنا .. وانصرف كل منا في طريق على أمل اللقاء فيما بعد .
*****


















(11)
* هجرات ابراهيمية.
التقينا عارف نذير الحق بعد أيام . حرصت ساراي على أن تحضر محاضرة عارف عن ابراهيم لتستمع إلى قصته التي لم تقرأها من قبل ، كما هي الحال معي . رحب عارف بقدوم ساراي ثانية وتمنى أن يعجبها تحليل قصة ابراهيم . وبدأ حديثه بالقول :
- في الحقيقة إن شخصية ابراهيم محيرة سواء في تاريخها أو في وجودها أو في رحيلها وترحالها . فهذه الشخصية التي حظيت باهتمام تاريخي كبير، وبمكانة قدسية لدى طوائف الديانات السماوية الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام، حيث اعتبرته جدها ، وحتى مؤسس ديانتها، كما لدى بعضها . ولا نعرف لماذا لم يحظ نوح مثلا بالأهمية ذاتها مع أنّه الجد الفعلي للبشرية الثانية ؟ وكما هي الحال مع مدونات التوراة التي لم يعثرعلى أي أثر لها، لا في مدونات وحفريات النيل ومصر، ولا في بلاد الرافدين كذلك ، ولا في فلسطين وبلاد الشام كلها . فنحن أمام شخصية مجهولة تاريخيا إلا من الكتب الدينية وما ينقل عنها أو استنادا إليها . وهي على الأغلب شخصية متخيلة كمعظم شخصيات التوراة . وإذا كان ثمة وجود تاريخي لها ، فهو وجود يختلف عن الذي وصل إلينا في أكثر من صورة ، كما هي الحال مع أي شخصية يمكن أن يكون لها وجود تاريخي. فبعض وقائع حياة ابراهيم تتطرق إلى دخوله الجزيرة العربية، ومحاولة التضحية بابنه اسماعيل للإله ، وتكسير أصنام قومه ، ووضعه في النار، وبناء الكعبة، وغير ذلك، بينما لا تتطرق التوراة إطلاقا إلى ذلك ، وتقول لنا أنه حاول التضحية بابنه اسحق وليس بإسماعيل الذي لا يعود إلى الظهورمع أمه هاجرعلى مسرح التوراة إلا نادرا، بعد طردهما إلى بئرسبع بإصرار من سارة . وقد لقب ابراهيم بالخليل ( خل – إيل ) أي صديق الإله إيل أو إل ، كما هي الحال مع اسرائيل وإسماعيل وميخائيل وغيرهم , وإيل كما أسلفنا هو اسم كبير الآلهة الكنعانية ، الذي جاء منه اسم الله فيما بعد . وهذا الإسم ( إيل ) يطلق على يهوه في التوراة أحيانا .
وهنا قاطعت سارة عارف لتضيف :
- ألا يعني هذا أن يهوه هو إيل نفسه ؟
- هذا ما يوحي به كتبة التوراة وهناك أسماء أخرى تطلق على يهوة ك ألوهيم والرب والله والسيد الذي يخاطب به حتى اليوم من قبل معظم اليهود.
قال عارف وتابع:
تبدأ هجرة ابراهيم من اور الكلدانية إلى بلاد كنعان، بصحبة أبيه تارح وابن أخيه لوط وزوجته ساراي . دون أن نعرف لماذا هاجروا من أرض جلجامش ومردوخ، ولا نعرف لماذا لم يهاجر معهم هاران أب لوط ، فهل كان ميتا مثلا ، أم أنه لم يفضل الهجرة . يموت تارح في حاران عن عمر خرافي كالعادة، ليتابع أبرام الرحلة إلى أرض كنعان . ويفترض أن حاران هي حوران جنوب سوريا.
1 وقال الرب لأبرام: اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك
يلاحظ هنا أن الرب يعتبر اورالكلدانية هي أرض أبرام وعشيرته وبيت أبيه ، ولا نعرف لماذا يطلب إليه أن يهجرها إلى الأرض التي سيريه إياها.
- هذا يعني أن ابراهيم عراقي مثلنا؟
قالت سارة.
- صحيح سارة.
قال عارف وتابع قارئا من التوراة:
2 فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة
3 وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض
يفترض أن تشمل هذه المباركة البشرية كلها كتحصيل حاصل لمباركة سابقة وعهد قطعه الرب لنوح ولنسله ، فلماذا تخلى الرب عن ذلك وراح يختص بإبراهيم دون غيره . ولاحقا سيختص بيعقوب ( اسرائيل) وينسى الآخرين .
4 فذهب أبرام كما قال له الرب وذهب معه لوط. وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران
5 فأخذ أبرام ساراي امرأته، ولوطا ابن أخيه، وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران. وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان. فأتوا إلى أرض كنعان
6 واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض
7 وظهر الرب لأبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض. فبنى هناك مذبحا للرب الذي ظهر له
8 ثم نقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته. وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق. فبنى هناك مذبحا للرب ودعا باسم الرب
9 ثم ارتحل أبرام ارتحالا متواليا نحو الجنوب
10 وحدث جوع في الأرض، فانحدر أبرام إلى مصر ليتغرب هناك، لأن الجوع في الأرض كان شديدا
( انحدر ) وكأن مصر مجرد منخفض يريد أن ينزل إليه من فلسطين !
11 وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته: إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر
( قد علمت ) ألم يكن ابراهيم يعرف من قبل أن امرأته جميلة ؟
12 فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون: هذه امرأته. فيقتلونني ويستبقونك
وهكذا يصور المصريون على أنهم قتلة ومغتصبي نساء. حتى قبل أن يتعرف ابراهيم إليهم.
13 قولي إنك أختي، ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك
غريب هذا المنطق! في حال أن تكون زوجته فسيقتل ، أما إذا كانت أخته فسيحيا ويأتيه خير بسببها .
- منطق مؤلف بائس .
عقبت سارة ..تابع عارف:
14 فحدث لما دخل أبرام إلى مصر أن المصريين رأوا المرأة أنها حسنة جدا
15 ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأخذت المرأة إلى بيت فرعون
يصور المصريون وكأنهم بلا نساء جميلات وكانوا ينتظرون جميلات من عالم الغيب!
16 فصنع إلى أبرام خيرا بسببها، وصار له غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال
وأصبح ابراهيم ثريا بين عشية وضحاها ، بهذه التضحية بسارة !
17 فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة أبرام
ولماذا لم يضرب الرب ابراهيم الذي ضحى بزوجته ، فما ذنب فرعون وبيته حتى ينزل بهما المصائب ؟
18 فدعا فرعون أبرام وقال: ما هذا الذي صنعت بي ؟ لماذا لم تخبرني أنها امرأتك
هل أخبر الرب فرعون أن سارة هي امرأة ابراهيم .لا نعرف كيف عرف . لعل ضربات الرب كانت كافية له ليعرف.
19 لماذا قلت: هي أختي ، حتى أخذتها لي لتكون زوجتي ؟ والآن هوذا امرأتك خذها واذهب
وهنا يظهر نبل المصريين عكس ما توقع ابراهيم تماما. فلم يقتله الفرعون حين عرف ، بل أعاد زوجته إليه وأغدق عليه كرمه ، بل وشيعه بجند من عنده أعادوه إلى حيث جاء .
20 فأوصى عليه فرعون رجالا فشيعوه وامرأته وكل ما كان له
أخرج عارف البايب وشرع في ملئه طالبا استراحة . وأشعلت أنا وسارة سيجارتين بدورنا .
- قصة غريبة وملفقة كما هو واضح !
قالت سارة .
وافقها عارف وشرع في اشعال البايب .
*****
- في الفصل الثالث عشر يا يعقوب يغادر ابراهيم مصر ونكتشف أن لوط ما يزال معه:
1 فصعد أبرام من مصر هو وامرأته وكل ما كان له، ولوط معه إلى الجنوب
يفترض أن المقصود جنوب فلسطين.
2 وكان أبرام غنيا جدا في المواشي والفضة والذهب
والذهب أيضا ؟ وبفضل فرعون وسارة !
3 وسار في رحلاته من الجنوب إلى بيت إيل، إلى المكان الذي كانت خيمته فيه في البداءة، بين بيت إيل وعاي
4 إلى مكان المذبح الذي عمله هناك أولا. ودعا هناك أبرام باسم الرب
5 ولوط السائر مع أبرام، كان له أيضا غنم وبقر وخيام
وهذا كرم جديد لفرعون ،وإلا من أين جاء الثراء للوط ، مع أنه لم يذكر في أرض مصر .
6 ولم تحتملهما الأرض أن يسكنا معا، إذ كانت أملاكهما كثيرة، فلم يقدرا أن يسكنا معا
لم تتسع الأرض لهما لكثرة الثراء الذي أغدقه فرعون عليهما!
7 فحدثت مخاصمة بين رعاة مواشي أبرام ورعاة مواشي لوط. وكان الكنعانيون والفرزيون حينئذ ساكنين في الأرض
8 فقال أبرام للوط: لا تكن مخاصمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك، لأننا نحن أخوان
يفترض أن التعبير(أخوان) هنا مجازي، أو خطأ من المؤلف فلوط ابن أخ ابراهيم وليس أخاه.
9 أليست كل الأرض أمامك ؟ اعتزل عني. إن ذهبت شمالا فأنا يمينا، وإن يمينا فأنا شمالا
10 فرفع لوط عينيه ورأى كل دائرة الأردن أن جميعها سقي، قبلما أخرب الرب سدوم وعمورة، كجنة الرب، كأرض مصر. حينما تجيء إلى صوغر
هنا إشارة مستقبلية لدمار سدوم وعمورة إضافة إلى ذكر أرض مصر كجنة .
11 فاختار لوط لنفسه كل دائرة الأردن، وارتحل لوط شرقا. فاعتزل الواحد عن الآخر
12 أبرام سكن في أرض كنعان، ولوط سكن في مدن الدائرة، ونقل خيامه إلى سدوم
13 وكان أهل سدوم أشرارا وخطاة لدى الرب جدا
ولا نعرف كيف صبر الرب على شرانية هؤلاء.
14 وقال الرب لأبرام، بعد اعتزال لوط عنه: ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا
ترى ماذا يمكن أن يرى ابراهيم من مكانه في بيت إيل؟مساحة محدودة من الأرض ! ( شمال القدس .. وبيت إيل تعني بيت الإله إيل )
15 لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد
الوعد هنا يتعلق فقط بما يستطيع ابراهيم أن يراه بعينيه من الأرض الكنعانية ، وليس الأرض الكنعانية كلها، وهذه المساحة من الأرض لا تكاد تذكر مع البلاد الشاسعة من النيل إلى الفرات التي ستأتي فيما بعد والتي تطرقنا إليها سابقا .. وهذه الوعود تتكرر كثيرا من يهوة وبأشكال ومساحات مختلفة وأراض مختلفة ، بحيث يحتار المرء في أمرها وأمركتبة التوراة وأمر يهوه الذي يهب الأرض لمن يشاء متخليا عن معظم نسل نوح رغم وعوده لهم وإبرام عهد معهم .. ولم يعد لظهور قوس قزح للتذكير بالعهد أي معنى !
16 وأجعل نسلك كتراب الأرض، حتى إذا استطاع أحد أن يعد تراب الأرض فنسلك أيضا يعد
كتراب الأرض؟ كم مرة سيكثر يهوه الأنسال ، وما يزال هناك أنسال أخرى قادمة !
17 قم امش في الأرض طولها وعرضها، لأني لك أعطيها
وهذا وعد جديد بالطول والعرض وليس بالنظر شمالا وجنوبا!
الآن سيمشي ابراهيم في أرض حبرون ( الخليل ) طولا وعرضا لتصبح الأرض له بمنحة يهووية أيضا.
18 فنقل أبرام خيامه وأتى وأقام عند بلوطات ممرا التي في حبرون، وبنى هناك مذبحا للرب
في الفصل الرابع عشر يتحدث المؤلف عن حرب تقع بين ملوك وممالك من بينهم ملوك سدوم وعمورة وأدمة وغيرها.. تنهب سدوم وعمورة ويؤسر لوط:
11 فأخذوا جميع أملاك سدوم وعمورة وجميع أطعمتهم ومضوا
12 وأخذوا لوطا ابن أخي أبرام وأملاكه ومضوا، إذ كان ساكنا في سدوم
13 فأتى من نجا وأخبر أبرام العبراني. وكان ساكنا عند بلوطات ممرا الأموري، أخي أشكول وأخي عانر. وكانوا أصحاب عهد مع أبرام
14 فلما سمع أبرام، أن أخاه سبي جر غلمانه المتمرنين، ولدان بيته، ثلاث مئة وثمانية عشر ، وتبعهم إلى دان
15 وانقسم عليهم ليلا هو وعبيده فكسرهم وتبعهم إلى حوبة التي عن شمال دمشق
16 واسترجع كل الأملاك ، واسترجع لوطا أخاه أيضا وأملاكه، والنساء أيضا والشعب
- حيرنا هذا الكاتب المؤرخ بين أن يكون لوط أخ أو ابن أخ ابراهيم !
17 فخرج ملك سدوم لاستقباله، بعد رجوعه من كسرة كدرلعومر والملوك الذين معه إلى عمق شوى، الذي هو عمق الملك
18 وملكي صادق، ملك شاليم، أخرج خبزا وخمرا. وكان كاهنا لله العلي
19 وباركه وقال: مبارك أبرام من الله العلي مالك السماوات والأرض
20 ومبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك في يدك. فأعطاه عشرا من كل شيء
******
في الإصحاح 15 يظهر الرب لإبراهيم في المنام ليذكره بحمايته له كترس!
1 بعد هذه الأمور صار كلام الرب إلى أبرام في الرؤيا قائلا: لا تخف يا أبرام. أنا ترس لك. أجرك كثير جدا
2 فقال أبرام: أيها السيد الرب، ماذا تعطيني وأنا ماض عقيما، ومالك بيتي هو أليعازر الدمشقي
لا نعرف أين ذهبت ثروة ابراهيم الهائلة ومئات غلمانه بحيث أصبح يسكن في بيت لدمشقي ، ولا نعرف من أين جاء هذا الآخر، وكيف ظهر فجأة على المسرح .
3 وقال أبرام أيضا: إنك لم تعطني نسلا، وهوذا ابن بيتي وارث لي
ينسى ابراهيم أن الله وعده بنسل لا يحصى فلا يعرف من سيرثه . ويبدو أن المقصود بابن البيت خادم أو صاحب البيت .
4 فإذا كلام الرب إليه قائلا: لا يرثك هذا، بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك
5 ثم أخرجه إلى خارج وقال: انظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها. وقال له: هكذا يكون نسلك
نسل ابراهيم سيكون أكثر من النجوم وليس أكثر من تراب الأرض كما وعده في السابق . الرب ينسى وعوده كما ينساها ابراهيم .
6 فآمن بالرب فحسبه له برا
ألم يؤمن ابراهيم بالرب حتى حينه ؟ أية حماقات هذه التي يرتكبها الكتبة . حتى الرب يعتبر هذا الإيمان حسنة لإبراهيم ( برا )
7 وقال له: أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها
-غير معقول ! ألم يعد ابراهيم يعرف ذلك ؟ وهل نسي الرب أنه أخبره بالأمر كثيرا ؟
- اسأل الكتبة يا يعقوب!
8 فقال: أيها السيد الرب، بماذا أعلم أني أرثها
بدأ ابراهيم يشكك في الأمر كما ترى يا يعقوب !
9 فقال له: خذ لي عجلة ثلاثية، وعنزة ثلاثية، وكبشا ثلاثيا، ويمامة وحمامة
10 فأخذ هذه كلها وشقها من الوسط، وجعل شق كل واحد مقابل صاحبه. وأما الطير فلم يشقه
11 فنزلت الجوارح على الجثث، وكان أبرام يزجرها
ولا نعرف ما علاقة هذا القربان العجيب بتوريث الأرض لإبراهيم . فلا نعرف إن صدّق أنه سيرثها بناء على هذا القربان! وبدلا من ذلك نجد يهوه يتنبأ لنسله بالهجرة إلى مصر، لنصبح أمام أمر آخر لا علاقه له بالإرث.
12 ولما صارت الشمس إلى المغيب، وقع على أبرام سبات، وإذا رعبة مظلمة عظيمة واقعة عليه
13 فقال لأبرام: اعلم يقينا أن نسلك سيكون غريبا في أرض ليست لهم، ويستعبدون لهم. فيذلونهم أربع مئة سنة
14 ثم الأمة التي يستعبدون لها أنا أدينها، وبعد ذلك يخرجون بأملاك جزيلة
ويتنبأ لإبراهيم بموته :
15 وأما أنت فتمضي إلى آبائك بسلام وتدفن بشيبة صالحة
وهنا يقطع لإبراهيم وعدا جديدا بأرض من النيل إلى الفرات ،وهو ما سبق وأن تطرقنا إليه .
18 في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات !
******
في الفصل السادس عشر تدفع سارة ( العاقر ) جاريتها المصرية هاجر إلى ابراهيم ليتزوجها .
1 وأما ساراي امرأة أبرام فلم تلد له. وكانت لها جارية مصرية اسمها هاجر
2 فقالت ساراي لأبرام : هوذا الرب قد أمسكني عن الولادة. ادخل على جاريتي لعلي أرزق منها بنين. فسمع أبرام لقول ساراي
3 فأخذت ساراي امرأة أبرام هاجر المصرية جاريتها، من بعد عشر سنين لإقامة أبرام في أرض كنعان، وأعطتها لأبرام رجلها زوجة له
جيد أن ظهرت الخادمة على مسرح الأحداث بعد أن كانت نكرة . وستعود كذلك مع ابنها اسماعيل فيما بعد !
4 فدخل على هاجر فحبلت . ولما رأت أنها حبلت صغرت مولاتها في عينيها
الحق معها !
5 فقالت ساراي لأبرام : ظلمي عليك أنا دفعت جاريتي إلى حضنك، فلما رأت أنها حبلت صغرت في عينيها. يقضي الرب بيني وبينك
- أكيد كل شي ولا زعل سارة !
- ما هيك يا سارة ؟!
6 فقال أبرام لساراي: هوذا جاريتك في يدك. افعلي بها ما يحسن في عينيك. فأذلتها ساراي ، فهربت من وجهها
- أطلق يدها بأن تفعل بها ما تشاء !
- أجل يا سارة .
7 فوجدها ملاك الرب على عين الماء في البرية، على العين التي في طريق شور
8 وقال: يا هاجر جارية ساراي، من أين أتيت ؟ وإلى أين تذهبين ؟. فقالت: أنا هاربة من وجه مولاتي ساراي
9 فقال لها ملاك الرب : ارجعي إلى مولاتك واخضعي تحت يديها
10 وقال لها ملاك الرب : تكثيرا أكثر نسلك فلا يعد من الكثرة
هذا الوعد غير دقيق لأن هاجر وابنها سيختفيان إلى حد كبيرعن عن مسرح الأحداث. والتطرق إلى نسل سيأتي بشكل شبه عابر فيما بعد.
11 وقال لها ملاك الرب : ها أنت حبلى، فتلدين ابنا وتدعين اسمه إسماعيل، لأن الرب قد سمع لمذلتك
12 وإنه يكون إنسانا وحشيا، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن
- وحشيا ؟
- هكذا يرى المؤلف!
13 فدعت اسم الرب الذي تكلم معها: أنت إيل رئي. لأنها قالت: أههنا أيضا رأيت بعد رؤية
أي رؤية الله أو بصر الله ، مع أن المؤلف كان يتحدث عن ملاك.
14 لذلك دعيت البئر بئر لحي رئي. ها هي بين قادش وبارد
15 فولدت هاجر لأبرام ابنا. ودعا أبرام اسم ابنه الذي ولدته هاجر إسماعيل
16 كان أبرام ابن ست وثمانين سنة لما ولدت هاجر إسماعيل لأبرام
- السنين بالجملة ودون أي اعتبار أو حساب !
قالت ساراي !
*****
في الإصحاح السابع عشر يظهر يهوه لإبراهيم ويخبره أنه الله القدير ،ويعده بإكثار نسله كما في كل مرة ، ويغير اسمه من أبرام إلى ابراهيم :
4 أما أنا فهوذا عهدي معك، وتكون أبا لجمهور من الأمم
5 فلا يدعى اسمك بعد أبرام بل يكون اسمك إبراهيم، لأني أجعلك أبا لجمهور من الأمم
6 وأثمرك كثيرا جدا، وأجعلك أمما، وملوك منك يخرجون
7 وأقيم عهدي بيني وبينك، وبين نسلك من بعدك في أجيالهم، عهدا أبديا، لأكون إلها لك ولنسلك من بعدك
8 وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كل أرض كنعان ملكا أبديا. وأكون إلههم
يبدو أن أرض كنعان أصبحت الكرة الأرضية كلها ، ففي كل وعد تختلف الأرض . ويختار يهوه أن يكون إلها لنسل ابراهيم . المؤسف أنه ليس للنسل كله، لأنه سيتحول إلى نسل يعقوب الذي سيغير اسمه إلى اسرائيل!
ويطالب ابراهيم ونسله بالوفاء الأبدي ويفرض عليهم الختان الذي ما زال اليهود والمسلمون يقومون به بينما رفضه المسيحيون .
9 وقال الله لإبراهيم : وأما أنت فتحفظ عهدي، أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم
10 هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم، وبين نسلك من بعدك: يختن منكم كل ذكر
11 فتختنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم !
إذن الختان هو علامة الوفاء بالعهد المقطوع ليهوه ! وقوس قزح هو وفاء بعهد يهوه لشعبه كما مر معنا .12 ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم: وليد البيت، والمبتاع بفضة من كل ابن غريب ليس من نسلك
يلاحظ أن يهوة أباح ابتياع الأطفال من نسل غيرابراهيمي وكأنه لا يثق بما وعد به بأن النسل سيكون أكثر من تراب الأرض ونجوم السماء . ولذلك قامت الحركة الصهيونية خلال سني الحرب العالمية الثانية بجمع آلاف اللقطاء والمشردين وجلبتهم إلى اسرائيل ليكونوا يهودا !!
- هل حدث هذا فعلا استاذ عارف ؟
تساءلت سارة .
- هذا ما تقوله الوثائق التاريخية يا سارة . أجاب عارف .
13 يختن ختانا وليد بيتك والمبتاع بفضتك، فيكون عهدي في لحمكم عهدا أبديا
14 وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدي !
الأغلف ( غير المختون ) سيغضب عليه يهوه. ولا نعرف لماذا استثنى النساء من الختان وكأنه لا يريد عهدا منهن ! مع أن بعض اليهوديات والمسلمات وحتى المسيحيات يمارس عليهن الختان حتى اليوم .
15 وقال الله لإبراهيم : ساراي امرأتك لا تدعو اسمها ساراي، بل اسمها سارة
لا أعرف ما هي غاية يهوه من تغيير الأسماء!
16 وأباركها وأعطيك أيضا منها ابنا. أباركها فتكون أمما، وملوك شعوب منها يكونون
أمم وشعوب بعدد التراب والنجوم ومع ذلك ابتياع أطفال بفضة ؟!
17 فسقط إبراهيم على وجهه وضحك، وقال في قلبه: هل يولد لابن مئة سنة ؟ وهل تلد سارة وهي بنت تسعين سنة
- لا يعرف ابراهيم أن يهوه سيختص بتحبيل جميع العاقرات على مدار أسفار التوراة !
- معقول ؟
- ليس الأمر بكثير على إله يا يعقوب ؟ وخاصة أن لديه كاتبا مثل كتاب التوراة !
18 وقال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك
19 فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه إسحاق. وأقيم عهدي معه عهدا أبديا لنسله من بعده
20 وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا يلد، وأجعله أمة كبيرة
وهذا مالا يتم التركيز عليه !
21 ولكن عهدي أقيمه مع إسحاق الذي تلده لك سارة في هذا الوقت في السنة الآتية
العهد سيكون مع اسحق .
22 فلما فرغ من الكلام معه صعد الله عن إبراهيم
23 فأخذ إبراهيم إسماعيل ابنه، وجميع ولدان بيته، وجميع المبتاعين بفضته، كل ذكر من أهل بيت إبراهيم، وختن لحم غرلتهم في ذلك اليوم عينه كما كلمه الله
لم يمر معنا أن ابراهيم ابتاع أطفالا ..
24 وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة حين ختن في لحم غرلته
- غريب كيف يعرف الكاتب الأعمار بدقة متناهية . ولا نعرف هل الكاتب هو نفسه الذي كتب عن خلق آدم وحواء، أم الكاتب الذي تحدث عن خلق ذاتي من آدم ، أم غيرهما ..
تساءلت سارة .
- أعتقد أن كتابا كثر شاركوا في كتابة التوراة على مدى أزمان مختلفة
25 وكان إسماعيل ابنه ابن ثلاث عشرة سنة حين ختن في لحم غرلته
26 في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه
27 وكل رجال بيته ولدان البيت والمبتاعين بالفضة من ابن الغريب ختنوا معه
تثاءبت سارة . قال عارف:
- سارة تعبت وما يزال أمامنا الكثير عن أسرة ابراهيم . سنكمل المحاضرة في اللقاء القادم.
- تشكر استاذ . ويهمني أن أكون يقظة جيدا !
- حسنا سارة . إلى اللقاء .
- إلى اللقاء .
****










(12)
* هاجر وإسماعيل مشردان !
في الفصل الثامن عشر من سفر التكوين يا يعقوب يظهر يهوه لإبراهيم بشكل ملتبس ، فالظهور كان لثلاثة رجال ، ولا نعرف إن كان الثلاثة يشكلون اقنوما واحدا للرب ، أم أنه الرب مع ملاكين، كما سيتبين فيما بعد :
1 وظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار
2 فرفع عينيه ونظر وإذا ثلاثة رجال واقفون لديه. فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض
سجد ابراهيم لرجال ثلاثة دون أن نعرف كيف عرف مكانتهم الربانية !
3 وقال: يا سيد، إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك
هل الثلاثة هم السيد أم أنه يخاطب أحدهم ؟
4 ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة
يعود الخطاب إلى صيغة الجمع . ثم إن الرجال في حاجة إلى غسل أرجلهم ! ألم يغسل الرب رجليه قبل ظهوره ، وكيف عرف ابراهيم أنّه في حاجة لأن يغسل رجليه ؟
5 فآخذ كسرة خبز، فتسندون قلوبكم ثم تجتازون، لأنكم قد مررتم على عبدكم. فقالوا: هكذا تفعل كما تكلمت
6 فأسرع إبراهيم إلى الخيمة إلى سارة، وقال: أسرعي بثلاث كيلات دقيقا سميذا. اعجني واصنعي خبز ملة
7 ثم ركض إبراهيم إلى البقر وأخذ عجلا رخصا وجيدا وأعطاه للغلام فأسرع ليعمله
8 ثم أخذ زبدا ولبنا، والعجل الذي عمله، ووضعها قدامهم. وإذ كان هو واقفا لديهم تحت الشجرة أكلوا
هنا يظهر الرب أيضا ( أو الرب وملائكته ) في حاجة إلى طعام كالبشر ، أم أن مسألة التجسد في بشرهي ما يشفع لهم ؟ لو أننا عدنا إلى تحليلنا بعد تقديم قرباني قابيل وهابيل ، سنجد أننا أمام إله لا يختلف عن البشرإلا بقدراته المتخيلة أو المتوهمة . وهذا يعني أن الحاجة إلى الطعام والقرابين ممكنة بل وواجبة ، لكن إذا افترضنا العكس وكما يمكن أن يكون عليه الإله والملائكة، أي عدم حاجتهم إلى طعام ، فليس هناك أي مبرر لتقديم القرابين والطعام لهم . والمعروف عن يهوة أنه يظهر في التوراة في أشكال متعددة حتى في شعلة نار في عليقة ، وفي هذه الحال أي إذا كان يقبل خصائص ما يتجسد فيه ، أو يظهر عليه ، فإنه في الإمكان اطفاء شعلته النارية بسطل من الماء ، كما يمكن كف جوعه بتناول الطعام! فأين الربوبية أو الألوهية في هذه الحال ؟ وهل هكذا يفهم كتبة التوراة الألوهة؟
شرعت سارة في الضحك وهي تتخيل إطفاء الشعلة الإلهية ، بينما هتف يعقوب بما هو غير متوقع:
- لكن يمكن لله أن يعود ثانية إلى طبيعته اللاهوتية سواء أطفئت شعلته أو تناول طعاما في شكل انساني !
أطرقت للحظات افكر في الرد على يعقوب الذي ظهر فجأة كمحاور جيد ، وراحت سارة ترمقني منتظرة إجابتي ، ورغم أنني أعرف أكثر من إجابة إلا أنني ارتأيت أن أسأل سارة رأيها :
- سارة ماذا يمكنك أن تجيبي على تساؤل بابا ؟
أجابت سارة دون تردد:
- تساؤل بابا ممكن لو أن يهوة قدم لنا كإله كلي القدرة !
قلت :أحسنت سارة ! فيما قال يعقوب :
- لكنه قدم لنا كإله كلي القدرة قائم بالخلق !
- قدم من مخيال بشري ضعيف وغير مقنع ، ففي الوقت الذي يقدمه الكاتب لنا كخالق قادر ، نراه يتخبط في عملية الخلق ، كما لا يعرف أين اختبأ آدم وحواء ، ولا يعرف أنهما أكلا من ثمر الشجرة ، ويحتاج إلى طوفان ليغرق البشرية، إلى آخر التناقضات التي وقع فيها المؤلفون وهي كثيرة .
- أحسنت سارة ! والآن سأجيبك أنا يا يعقوب .
- الطبيعة اللاهوتية لها شروط تكون القدرة أساسها الأول . والقدرة هنا قد لا تكون مطلقة ، أي ليست قائمة على مبدأ كن فيكون ، بل على قوانين وقواعد لا بد من توفرها ، وقد تحتاج إلى سنين ، وربما إلى عصور بكاملها ، فالخالق القادرعلى القول للأشياء كوني فتكون لم يعرفه البشر، ولم يوجد بعد ! ثم إن جوهر الخالق أو القائم بالخلق ، ما يزال مجهولا لدى العقل البشري، فهل هو طاقة تتمظهر في أشكال وكائنات مادية مختلفة أم ماذا ؟ وإذا كان كذلك ، فهل هو موجود في كل شيئ وكل شيئ موجود فيه ؟
- ما رأيك أنت أستاذ ؟
تساءلت سارة :
- حسب اجتهادي الفلسفي هو كذلك سارة ، طاقة سارية في الخلق ومتمظهرة فيه ، وهكذا فهمت قول المسيح حين قدم الخبز والخمر لتلاميذه :
(وفيما هم يأكلون اخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال خذوا كلوا هذا هو جسدي. واخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا اشربوا منها كلكم. لان هذا هو دمي) متى 26/30
وهذا الفهم لقول المسيح قد يبدو للبعض أنه لا ينسجم مع فلسفتي .
على أية حال هذا الأمر يقودنا إلى موضوع ماهية وجوهر القائم بالخلق ومدى قدرته وكيف يعمل .. وهو ما يحتاج إلى زمن آخر .. وشكرا يعقوب للتعقيب الذي انطوى على سؤال كبير.
بالعودة إلى موضوعنا ، نجد :
9 وقالوا له: أين سارة امرأتك ؟ فقال: ها هي في الخيمة
10 فقال: إني أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة امرأتك ابن. وكانت سارة سامعة في باب الخيمة وهو وراءه
لا نعرف ما الذي يبغيه المؤلف من الإبقاء على هذه الصيغة في الخطاب. مرة بصيغة المفرد ومرة بصيغة الجمع
11 وكان إبراهيم وسارة شيخين متقدمين في الأيام، وقد انقطع أن يكون لسارة عادة كالنساء
وهذه إشارة إلى أن السنين هي كما نعرفها ، وإلا لما كان ابراهيم وسارة شيخين وهما في حدود التسعين . وفي هذه الحال كيف تدوم الشيخوخة لدى بعض الأبطال إلى مئات الأعوام ؟ والمؤلف يشير إلى أن سارة قد انقطعت عنها العادة الشهرية من قبل .
12 فضحكت سارة في باطنها قائلة: أبعد فنائي يكون لي تنعم، وسيدي قد شاخ
13 فقال الرب لإبراهيم : لماذا ضحكت سارة قائلة: أفبالحقيقة ألد وأنا قد شخت
14 هل يستحيل على الرب شيء ؟ في الميعاد أرجع إليك نحو زمان الحياة ويكون لسارة ابن
15 فأنكرت سارة قائلة: لم أضحك. لأنها خافت. فقال: لا بل ضحكت
هل هكذا يكون الحوار مع الآلهة ؟ وهل يتحسس الإله من ضحكة عجوز؟
16 ثم قام الرجال من هناك وتطلعوا نحو سدوم. وكان إبراهيم ماشيا معهم ليشيعهم
17 فقال الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله
18 وإبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية، ويتبارك به جميع أمم الأرض
هذا كلام مكرر. الرب لن يخفي عن ابراهيم ما سيفعله لأنه سيكون أمّة كبيرة !
19 لأني عرفته لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب، ليعملوا برا وعدلا، لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به
20 وقال الرب: إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر، وخطيتهم قد عظمت جدا
21 أنزل وأرى هل فعلوا بالتمام حسب صراخها الآتي إلي، وإلا فأعلم
سينزل الرب ليرى ويعلم ولا يستطيع دون ذلك !
22 وانصرف الرجال من هناك وذهبوا نحو سدوم، وأما إبراهيم فكان لم يزل قائما أمام الرب
هنا انفصال للرجال عن الرب!
23 فتقدم إبراهيم وقال : أفتهلك البار مع الأثيم
ابراهيم يسأل عن عدالة الله ،وهذا ما لم يفعله نوح من قبل . وما سيرد هنا هو صورة مختلفة ليهوه لم تكن موجودة عند الطوفان . فقد نسي المؤلف الصورة الاولى ويريد أن يقدم يهوه هنا كرب رحيم وعادل! أو أننا هنا أمام مؤلف أخر.
24 عسى أن يكون خمسون بارا في المدينة. أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارا الذين فيه
25 حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر، أن تميت البار مع الأثيم، فيكون البار كالأثيم. حاشا لك أديان كل الأرض لا يصنع عدلا
26 فقال الرب: إن وجدت في سدوم خمسين بارا في المدينة، فإني أصفح عن المكان كله من أجلهم
ألم يسأل المؤلف نفسه ألم يكن في البشرية كلها بضعة أشخاص من الأبرار قبل الطوفان ؟
27 فأجاب إبراهيم وقال : إني قد شرعت أكلم المولى وأنا تراب ورماد
لماذا يحقر ابراهيم نفسه إلى هذا الحد وهو المختار وحبيب الرب!
28 ربما نقص الخمسون بارا خمسة. أتهلك كل المدينة بالخمسة ؟ فقال: لا أهلك إن وجدت هناك خمسة وأربعين
29 فعاد يكلمه أيضا وقال: عسى أن يوجد هناك أربعون. فقال: لا أفعل من أجل الأربعين
30 فقال: لايسخط المولى فأتكلم. عسى أن يوجد هناك ثلاثون. فقال: لا أفعل إن وجدت هناك ثلاثين
31 فقال: إني قد شرعت أكلم المولى. عسى أن يوجد هناك عشرون. فقال: لا أهلك من أجل العشرين
32 فقال: لا يسخط المولى فأتكلم هذه المرة فقط. عسى أن يوجد هناك عشرة. فقال: لا أهلك من أجل العشرة
هذا الكلام غير صحيح ويتناقض بالمطلق مع شخصية يهوة قبل الطوفان .
33 وذهب الرب عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم، ورجع إبراهيم إلى مكانه
في الفصل التاسع عشر ندرك أن الرب كان أحد الثلاثة وأن الآخرين كانا ملاكين !
1 فجاء الملاكان إلى سدوم مساء، وكان لوط جالسا في باب سدوم. فلما رآهما لوط قام لاستقبالهما، وسجد بوجهه إلى الأرض
2 وقال: يا سيدي، ميلا إلى بيت عبدكما وبيتا واغسلا أرجلكما، ثم تبكران وتذهبان في طريقكما. فقالا: لا، بل في الساحة نبيت
3 فألح عليهما جدا، فمالا إليه ودخلا بيته، فصنع لهما ضيافة وخبز فطيرا فأكلا
4 وقبلما اضطجعا أحاط بالبيت رجال المدينة، رجال سدوم، من الحدث إلى الشيخ، كل الشعب من أقصاها
هل يعقل أن يحضر كل ذكور سدوم لاغتصاب رجلين ؟ وهل يعقل أن يكون جميع السكان لوطيين حتى غير البالغين منهم ؟ حتى لو كانوا جميعا كذلك ، فهل بالضرورة أن يكونوا جميعا أفاقين ومغتصبين وقاطعي طرق؟ أم أن الرب يريد أن يمارس ساديته فجعلهم كذلك ؟ ثم أليس هؤلاء من أحفاد نوح الذين قطع عليهم الرب عهدا بقوس قزح؟ أي رب هذا ولماذا يترك هؤلاء المؤلفين يعبثون به كما يشاؤون؟
5 فنادوا لوطا وقالوا له: أين الرجلان اللذان دخلا إليك الليلة ؟ أخرجهما إلينا لنعرفهما
( لنعرفهما ) أي لننكحهما وجيد أن يهوه لم يبق معهم وإلا لشمله الطلب !
6 فخرج إليهم لوط إلى الباب وأغلق الباب وراءه
7 وقال: لا تفعلوا شرا يا إخوتي
8 هوذا لي ابنتان لم تعرفا رجلا. أخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم. وأما هذان الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئا، لأنهما قد دخلا تحت ظل سقفي
حتى لوط يبيح لقومه أن يفعلوا بابنتيه ( كما يحسن في عيونهم ) أي أن يلوطوهن ، وقد يتساءل المرء ، إذا كان رجال سدوم وعمورة جميعا لوطيين ، فما هي الحال مع نسائهم ، هل يتعايشن مع الحالة اللواطية ، ثم هل يعقل أن يرتبط اسم نبي باللواط وينسب إليه ؟
9 فقالوا: ابعد إلى هناك. ثم قالوا: جاء هذا الإنسان ليتغرب، وهو يحكم حكما. الآن نفعل بك شرا أكثر منهما. فألحوا على الرجل لوط جدا وتقدموا ليكسروا الباب
10 فمد الرجلان أيديهما وأدخلا لوطا إليهما إلى البيت وأغلقا الباب
11 وأما الرجال الذين على باب البيت فضرباهم بالعمى، من الصغير إلى الكبير، فعجزوا عن أن يجدوا الباب
هل تدخل يهوه أم أن الملاكين لهما قدرة على فعل ذلك ؟
- يبدو أن الأمر تم من قبل الملاكين .
قال يعقوب.

12 وقال الرجلان للوط: من لك أيضا ههنا ؟ أصهارك وبنيك وبناتك وكل من لك في المدينة، أخرج من المكان
13 لأننا مهلكان هذا المكان، إذ قد عظم صراخهم أمام الرب، فأرسلنا الرب لنهلكه
14 فخرج لوط وكلم أصهاره الآخذين بناته وقال: قوموا اخرجوا من هذا المكان، لأن الرب مهلك المدينة. فكان كمازح في أعين أصهاره
15 ولما طلع الفجر كان الملاكان يعجلان لوطا قائلين: قم خذ امرأتك وابنتيك الموجودتين لئلا تهلك بإثم المدينة
16 ولما توانى، أمسك الرجلان بيده وبيد امرأته وبيد ابنتيه، لشفقة الرب عليه، وأخرجاه ووضعاه خارج المدينة
17 وكان لما أخرجاهم إلى خارج أنه قال: اهرب لحياتك. لا تنظر إلى ورائك، ولا تقف في كل الدائرة. اهرب إلى الجبل لئلا تهلك
ولماذا يجب أن لا ينظر وراءه ؟ ما هو السر في الأمر ؟ على العكس كان يجب على الله أن يبيح للوط النظر ليرى الغضب الإلهي يتحقق!
18 فقال لهما لوط: لا يا سيد
19 هوذا عبدك قد وجد نعمة في عينيك، وعظمت لطفك الذي صنعت إلي باستبقاء نفسي، وأنا لا أقدر أن أهرب إلى الجبل لعل الشر يدركني فأموت
20 هوذا المدينة هذه قريبة للهرب إليها وهي صغيرة. أهرب إلى هناك. أليست هي صغيرة ؟ فتحيا نفسي
21 فقال له: إني قد رفعت وجهك في هذا الأمر أيضا، أن لا أقلب المدينة التي تكلمت عنها
22 أسرع اهرب إلى هناك لأني لا أستطيع أن أفعل شيئا حتى تجيء إلى هناك. لذلك دعي اسم المدينة صوغر
23 وإذ أشرقت الشمس على الأرض دخل لوط إلى صوغر
24 فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من عند الرب من السماء
25 وقلب تلك المدن، وكل الدائرة، وجميع سكان المدن، ونبات الأرض
أصبحنا أمام أكثر من سدوم وعمورة ، بل أمام مدن ، وحتى النبات لم يسلم . هل تعطش الله لرؤية الدماء !؟
26 ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملح
ما هذه الجريمة ؟ هل مجرد النظر إلى الوراء جريمة تستحق هذا العقاب الفظيع ؟ عمود ملح ؟ سيذوب عند أول مطر !
27 وبكر إبراهيم في الغد إلى المكان الذي وقف فيه أمام الرب
28 وتطلع نحو سدوم وعمورة، ونحو كل أرض الدائرة، ونظر وإذا دخان الأرض يصعد كدخان الأتون
ابراهيم خالف الأمر ونظر دون أن يصير عمود ملح . ربما لم يره الله !
29 وحدث لما أخرب الله مدن الدائرة أن الله ذكر إبراهيم، وأرسل لوطا من وسط الانقلاب. حين قلب المدن التي سكن فيها لوط
30 وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل، وابنتاه معه، لأنه خاف أن يسكن في صوغر. فسكن في المغارة هو وابنتاه
نبي يخاف من سكان مدينة ، يفترض أنهم يعرفونه ، ويفترض أنه في حماية الله .
31 وقالت البكر للصغيرة : أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض
32 هلم نسقي أبانا خمرا ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلا
أي منطق هذا الذي يتبعه المؤلف يا يعقوب ؟ هو يفترض أن الفتاتين ستظلان بعيدتين عن البشر مدى الحياة ، حتى أن الفتاة لا ترى وجود ولو (رجل في الأرض )! مع أنهما على مسافة قريبة من صوغر التي غادرتاها مع أبيهما.. فيدفع الفتاتين إلى معاشرة أبيهما بحجة النسل ، ويوفر لهما الخمر في الكهف ! من أين جاء الخمر؟ واضح أن المؤلف اشتهى الجنس الآثم فأقدم على ما كتبه ! وأشك في أنه حريص على النسل من الإنقراض!
33 فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها
أي شو هالخمر يا يعقوب ، الذي يفقد الوعي بكل شيء ؟ وفي هذه الحال كيف يحدث انتصاب مع الأب وكيف يضاجِع أو حتى يضاجَع !
راحت سارة تضحك بملء فيها بينا شرع يعقوب في قهقهة !
34 وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة: إني قد اضطجعت البارحة مع أبي. نسقيه خمرا الليلة أيضا فادخلي اضطجعي معه، فنحيي من أبينا نسلا
الفتاتان خجولتان فلا تضاجع إحداهما الأب أمام الأخرى ! أخلاق !
علقت سارة!
35 فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا، وقامت الصغيرة واضطجعت معه، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها
أكيد لم يعلم ! أليس هذا ما يريده الكاتب الأحمق ، الذي ليس أحمق منه سوى من يصدق هذا الكلام !
36 فحبلت ابنتا لوط من أبيهما
أية مهزلة هذه ؟
قالت سارة .
- والعجيب أن تكون الفتاتان في فترة إخصاب قابلة للحمل !
قال يعقوب . . تابعت القراءة :
37 فولدت البكر ابنا ودعت اسمه موآب، وهو أبو الموآبيين إلى اليوم
38 والصغيرة أيضا ولدت ابنا ودعت اسمه بن عمي، وهو أبو بني عمون إلى اليوم
ينبغي ان يحتج الموآبيون والعمونيون على هذا النسب !
- أكيد !
قالت سارة .
قلت :
- ألا نحتاج إلى استراحة ؟
قال يعقوب :
أجل
*****
في الفصل العشرين من سفر التكوين التوراتي يا يعقوب نجد مأساة جديدة قام بها ابراهيم أمام أبي مالك الفلسطيني .
فقد أخبره أن سارة ( العجوز) هي أخته وليست زوجته كما فعل من قبل أمام فرعون مصر . فما كان من أبي مالك إلا أن تزوجها ، ليصب يهوه جام غضبه عليه ويحرمه من النسل :
1 وانتقل إبراهيم من هناك إلى أرض الجنوب، وسكن بين قادش وشور، وتغرب في جرار
2 وقال إبراهيم عن سارة امرأته: هي أختي. فأرسل أبيمالك ملك جرار وأخذ سارة
يبدوأن الكاتب أعاد سارة إلى الصبا بضعة عقود إلى الوراء ، ونسي أنها أصبحت عجوزا غير قابلة للزواج
3 فجاء الله إلى أبيمالك في حلم الليل وقال له: ها أنت ميت من أجل المرأة التي أخذتها، فإنها متزوجة ببعل
ابراهيم يرتكب الخطأ والله يحاسب الضحية ! منطق عجيب ! والعقاب تهديد بالموت هذه المرة.
( يلاحظ ان النص التوراتي يستخدم مفردة (أبيمالك) كما ترد هنا في كافة المواضع )
4 ولكن لم يكن أبيمالك قد اقترب إليها، فقال: يا سيد، أأمة بارة تقتل
واضح افتخار أبي مالك بنفسه بقوله (أأمة بارة تقتل ) أي أنه يعتبر قتله قتلا لأمته . ولا نعرف كيف عرف الكاتب انه لم يقترب من امرأة تزوجها!
5 ألم يقل هو لي: إنها أختي، وهي أيضا نفسها قالت: هو أخي ؟ بسلامة قلبي ونقاوة يدي فعلت هذا
يعني أبو مالك أن زواجه من سارة هو تكريم لإبراهيم ،خاصة وأن سارة أصبحت عجوزا مسنة .
6 فقال له الله في الحلم: أنا أيضا علمت أنك بسلامة قلبك فعلت هذا. وأنا أيضا أمسكتك عن أن تخطئ إلي، لذلك لم أدعك تمسها
7 فالآن رد امرأة الرجل، فإنه نبي، فيصلي لأجلك فتحيا. وإن كنت لست تردها، فاعلم أنك موتا تموت، أنت وكل من لك
الموت حاضر دائما عند يهوه منذ أن هدد آدم وحواء به إن أكلا من ثمر شجرة المعرفة .
8 فبكر أبيمالك في الغد ودعا جميع عبيده، وتكلم بكل هذا الكلام في مسامعهم، فخاف الرجال جدا
9 ثم دعا أبيمالك إبراهيم وقال له: ماذا فعلت بنا ؟ وبماذا أخطأت إليك حتى جلبت علي وعلى مملكتي خطية عظيمة ؟ أعمالا لا تعمل عملت بي
كلام أبي مالك صحيح وسليم ومحق .
10 وقال أبيمالك لإبراهيم: ماذا رأيت حتى عملت هذا الشيء
11 فقال إبراهيم: إني قلت: ليس في هذا الموضع خوف الله البتة، فيقتلونني لأجل امرأتي
العلة نفسها التي أبداها أمام فرعون معتبرا أن جميع البشر قتلة، وأن العجوز سارة ما تزال معرضة للطمع فيها !
12 وبالحقيقة أيضا هي أختي ابنة أبي، غير أنها ليست ابنة أمي، فصارت لي زوجة
إذن كان ابراهيم متزوجا من أخته من أبيه خلاف ما يرد في مصادر أخرى منها ما هو اسلامي أنها ابنة عمه وغير ذلك! ولا نعرف إن شرّع له يهوه هذا الزواج !
13 وحدث لما أتاهني الله من بيت أبي أني قلت لها: هذا معروفك الذي تصنعين إلي: في كل مكان نأتي إليه قولي عني: هو أخي
إنها مسألة اتجار بسارة البائسة !
14 فأخذ أبيمالك غنما وبقرا وعبيدا وإماء وأعطاها لإبراهيم، ورد إليه سارة امرأته
تماما كما حدث مع فرعون ، فكل ثراء ابراهيم بسبب سارة ، وهو الآن يزداد ثراء .
15 وقال أبيمالك: هوذا أرضي قدامك. اسكن في ما حسن في عينيك
كرم ضيافة غير مسبوق من أبي مالك .
16 وقال لسارة: إني قد أعطيت أخاك ألفا من الفضة. ها هو لك غطاء عين من جهة كل ما عندك وعند كل واحد، فأنصفت
وفضة أيضا ؟!
17 فصلى إبراهيم إلى الله، فشفى الله أبيمالك وامرأته وجواريه فولدن
تراجع يهوه أخيراعن قرارة بعد أن دفع أبو مالك ثمنا باهظا ، لم يخبرنا المؤلف أنه نفذ!
18 لأن الرب كان قد أغلق كل رحم لبيت أبيمالك بسبب سارة امرأة إبراهيم
هذه القصص ( قصص زواج سارة من فرعون وأبي مالك )لا ترد في النصوص القرآنية إطلاقا حسب ما أعرف. وسورة ابراهيم كنبي وأب للأنبياء والأجداد في هذه النصوص مختلفة تماما .. فهو مثال للتقوى والإيمان . ويرد ذكره في 56 آية واسمه يذكر 62 مرة .( حسب الموسوعة الحرة ) ومن الملاحظ أن النصوص القرآنية لا تأخذ بالكثيرمن القصص مما ورد في التوراة والإنجيل . وثمة قصص لدى الإسلاميين عن ابراهيم بعضها يتفق مع بعض ما جاء في التوراة وبعضها يختلف . ويعترف المسيحيون بكل هذه القصص الواردة في العهد القديم ( التوراة ) كما يرد في دائرة المعارف الكتابية المسيحية . هناك سورة في القرآن تحمل اسم ابراهيم تتحدث بشكل عام عن جدل الأمم وصراعهم مع الأنبياء .
*****
في الفصل الحادي والعشرين يا يعقوب يهوه يحبل سارة لتلد اسحق.
1 وافتقد الرب سارة كما قال، وفعل الرب لسارة كما تكلم
2 فحبلت سارة وولدت لإبراهيم ابنا في شيخوخته، في الوقت الذي تكلم الله عنه
يلاحظ أن الحبل تم دون التطرق إلى مواقعة بين ابراهيم وسارة ، للإيحاء أن الحبل تم بأمر إلهي ، وهذا ما يحدث مع جميع العاقرات اللواتي يحبلهن يهوه في التوراة ، وحتى مع العذراوات اللواتي يحبلن دون زواج كمريم العذراء في العهد الجديد. وهذا يشير إلى أن الحبل لا يتم دون الإرادة الإلهية حتى لو لم تكن الزوجة عاقرا، ولم يكن الزوج عقيما .
3 ودعا إبراهيم اسم ابنه المولود له، الذي ولدته له سارة إسحاق
لاحظ تعبير (المولود له ) أي المولود لأجله، وليس المولود منه مثلا .
4 وختن إبراهيم إسحاق ابنه وهو ابن ثمانية أيام كما أمره الله
5 وكان إبراهيم ابن مئة سنة حين ولد له إسحاق ابنه
6 وقالت سارة: قد صنع إلي الله ضحكا. كل من يسمع يضحك لي
7 وقالت: من قال لإبراهيم: سارة ترضع بنين ؟ حتى ولدت ابنا في شيخوخته
8 فكبر الولد وفطم. وصنع إبراهيم وليمة عظيمة يوم فطام إسحاق
9 ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمزح
يبدو أن المقصود بالمزح هنا هو النمو والكبر وليس الهزل والمداعبة ،وربما الأمرين معا !
10 فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها، لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق
سارة هي من أتى بالثروة وهي من سيحدد الوارث ومن يأمر لينفذ أمره !
11 فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه
12 فقال الله لإبراهيم : لا يقبح في عينيك من أجل الغلام ومن أجل جاريتك. في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها، لأنه بإسحاق يدعى لك نسل
حتى يهوه يصر على أن يقف مع سارة في عدالة عرجاء لا تليق بآلهه ، ويقررأن نسل ابراهيم سيكون من اسحق ! وهو هنا يقصد النسل المفضل الذي سيكون منه بني اسرائيل . أما النسل الثاني من اسماعيل ابن الجارية فسيكون منه أمة ثانية :
13 وابن الجارية أيضا سأجعله أمة لأنه نسلك
وبهذا يكون يهوة قد قسم العرب إلى قسمين، قسم يهودي وقسم غير يهودي ، وبمعنى آخر أبناء الست وأبناء الجارية، كما يقول الناس !
14 فبكر إبراهيم صباحا وأخذ خبزا وقربة ماء وأعطاهما لهاجر، واضعا إياهما على كتفها، والولد، وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر سبع
تشردت هاجر مع ابنها بفعل ظلم سارة وخضوع ابراهيم لها مرفقا بظلم يهوه نفسه .
15 ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار
16 ومضت وجلست مقابله بعيدا نحو رمية قوس، لأنها قالت: لا أنظر موت الولد. فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت
17 فسمع الله صوت الغلام، ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها: ما لك يا هاجر ؟ لا تخافي، لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو
18 قومي احملي الغلام وشدي يدك به، لأني سأجعله أمة عظيمة
19 وفتح الله عينيها فأبصرت بئر ماء، فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام
20 وكان الله مع الغلام فكبر، وسكن في البرية، وكان ينمو رامي قوس
21 وسكن في برية فاران ، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر
وبهذا تنتهي سيرة هاجر واسماعيل بقدركبيرمن التوراة لتبقى السيرة وحدها لإسحق ونسله.
22 وحدث في ذلك الزمان أن أبيمالك وفيكول رئيس جيشه كلما إبراهيم قائلين: الله معك في كل ما أنت صانع
23 فالآن احلف لي بالله ههنا أنك لا تغدر بي ولا بنسلي وذريتي، كالمعروف الذي صنعت إليك تصنع إلي وإلى الأرض التي تغربت فيها
24 فقال إبراهيم: أنا أحلف
25 وعاتب إبراهيم أبيمالك لسبب بئر الماء التي اغتصبها عبيد أبيمالك
26 فقال أبيمالك: لم أعلم من فعل هذا الأمر. أنت لم تخبرني، ولا أنا سمعت سوى اليوم
27 فأخذ إبراهيم غنما وبقرا وأعطى أبيمالك، فقطعا كلاهما ميثاقا
28 وأقام إبراهيم سبع نعاج من الغنم وحدها
29 فقال أبيمالك لإبراهيم: ما هي هذه السبع النعاج التي أقمتها وحدها
30 فقال: إنك سبع نعاج تأخذ من يدي، لكي تكون لي شهادة بأني حفرت هذه البئر
31 لذلك دعا ذلك الموضع بئر سبع، لأنهما هناك حلفا كلاهما
32 فقطعا ميثاقا في بئر سبع، ثم قام أبيمالك وفيكول رئيس جيشه ورجعا إلى أرض الفلسطينيين
33 وغرس إبراهيم أثلا في بئر سبع، ودعا هناك باسم الرب الإله السرمدي
( لاول مره يقال (الرب الإله السرمدي ) فيدمج اسم الرب مع الإله السرمدي ( الدائم إلى الأبد )
34 وتغرب إبراهيم في أرض الفلسطينيين أياما كثيرة
وإلى اللقاء في المحاضرة القادمة يا يعقوب !!
*****












(13)
* امتحان يهووي !
* اوسلو الأولى في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي!
رافقت أبي لحضور المحاضرة التي قد تكون الأخيرة عن ابراهيم . لم يفاجأ عارف نذير الحق بحضوري وبدا مسرورا لذلك ، بل وأعلن أن حضوري يضفي على الجلسة بهجة ، وأن الرغبة لديه في الكلام تكون أفضل ، فشكرته على ذلك . ارتأى أن يبدأ محاضرته بمقدمة تاريخية :
مرت علاقة الإنسان بالقوى الكامنة وراء الطبيعة وفيها بتحولات كثيرة جدا، لنيل رضاها واتقاء غضبها، منذ أن بدأت بطقوس السحر ورسم الحيوانات على الكهوف إلى تقديم قرابين من الحيوانات أو من البنات والأبناء عند بعض الشعوب، إلى تقديم أسرى الحروب عند بعضها ، إلى تقديم عذرية الفتيات في المعابد ، إلى تضحية الآلهة نفسها بنفسها من أجل البشر( دوموزي ، تموز ، بعل ) ثم بالعودة إلى الحيوانات ، كما في أضحية ابراهيم هنا ، ومن ثم بالعودة إلى الآلهة المضحية ( المسيح ) لتصبح الأضحية له بالرهبنة والتزام تعاليمه ، ومن ثم العودة إلى تقديم الأضاحي الحيوانية ( الإسلام ) إضافة إلى العبادات والجهاد( الحرب ) في سبيله ولو أدى ذلك إلى الموت ، فهو أفضل الجهاد !
وكانت هذه الطقوس تتطور بتطور المفاهيم للوجود والغاية منه والقوى الكامنة وراءه، إلى أن انتهت إلى مفاهيم متقاربة نسبيا للألوهة ، وطقوس وتشريعات ثابتة للعبادة . فمعظم المفاهيم انتهت إلى الإله القائم بالخلق وراء كل شيء ، واعتبرت ذلك حقيقة مطلقة لا يمكن الجدل حولها. وهنا تكمن مشكلة العقل البشري الذي لم يعرف ولم يدرك بعد أنه ما يزال يعيش في ظل اجتهادات بشرية دينية وفلسفية ، لم تبلغ حقيقة مطلقة ، فتوقف عند معظم الشعوب عن التفكير في المسألة واستسلم لمعتقده .
فإذا ما عدنا إلى قصة ابراهيم في الفصل الثاني والعشرين من سفر التكوين، نجد أن الله أراد أن يمتحن إيمانه وولاءه له، فيطلب إليه أن يقدم اسحق قربانا له على المحرقة . ولا شك أن امتحان ابراهيم هنا ، لا يكاد يذكرأمام امتحان أيوب الفظيع فيما بعد . ومن الجدير بالذكرأن الإسلام يقدم اسماعيل وليس اسحق.
1 وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم. فقال:هأنذا
2 فقال: خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه، إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك
( ابنك وحيدك ) ! يهوه ينكر هنا وجود اسماعيل تماما بعد نفيه مع أمه .
من الواضح أن البشر يتخبطون حتى الآن في تفكيرهم وبشكل خاص في المعتقدات الإبراهيمية ، فهم حين يقدمون الله على أنه قادرعلى كل شيء ، نجدهم أحيانا يقدمونه على أنه لا يقدر حتى على أشياء بسيطة كأن يعرف مدى إيمان وإخلاص مخلوق له ، دون أن يعرضه لامتحان . ومن الملاحظ هنا أن ابراهيم لا
يقدم تقدمة طواعية ليهوة كما فعل قابيل وهابيل ، بل بناء على أمر يهووي غايته الإمتحان بالدرجة الأولى .
3 فبكر إبراهيم صباحا وشد على حماره، وأخذ اثنين من غلمانه معه، وإسحاق ابنه، وشقق حطبا لمحرقة، وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله
4 وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد
ولماذا أبعد يهوه المكان إلى هذا الحد بحيث اقتضى من ابراهيم مسيرة ثلاثة أيام ! ألا يكفي اصطحاب الطفل للحرق ليقتنع يهوه أن ابراهيم جاد في التنفيذ؟!
5 فقال إبراهيم لغلاميه: اجلسا أنتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد، ثم نرجع إليكما .
6 فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحاق ابنه، وأخذ بيده النار والسكين. فذهبا كلاهما معا
7 وكلم إسحاق إبراهيم أباه وقال: يا أبي. فقال: هأنذا يا ابني. فقال: هوذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة
8 فقال إبراهيم: الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني. فذهبا كلاهما معا
9 فلما أتيا إلى الموضع الذي قال له الله، بنى هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسحاق ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب
- ألم يعرف اسحق بعد أن وضع على الحطب أنه هو المحرقة ؟
علقت أنا .
قال عارف :
- بدك ما تآخذي المؤلف يا سارة !
10 ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه
11 فناداه ملاك الرب من السماء وقال: إبراهيم إبراهيم. فقال: هأنذا
12 فقال: لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئا، لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني
- ( الآن حتى علم ) ؟ غير معقول أن يفكر مؤلف بهذه العقلية ويصور الله على هذه الدرجة من الغباء !
- هذه هي الحال مع هذا المؤلف يا سارة . ثم إن الملاك يتكلم بلسان الرب وكأنه هو الرب !
13 فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكا في الغابة بقرنيه،
يقصد أن الكبش مربوط في الغابة بقرنيه حتى لا يتعذب ابراهيم في الإمساك به .
فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضا عن ابنه
14 فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع يهوه يرأه. حتى إنه يقال اليوم: في جبل الرب يرى
15 ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء
16 وقال: بذاتي أقسمت ، يقول الرب، أني من أجل أنك فعلت هذا الأمر، ولم تمسك ابنك وحيدك
17 أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه
- لكن سبق للرب أن قطع هذه الوعود لإبراهيم ونوح حتى دون أن يقدما قرابين !
- أجل يا يعقوب . المشكلة مع الكاتب المؤلف الذي يصور الله على هذه الشاكلة .
18 ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي .
النسل سيكون مقدسا بحيث يتبارك به جميع الأمم !
- وهكذا تبارك ترامب بالنسل !
قلت ذلك وأنا أضحك . ضحك أبي بدوره . قال عارف :
- يبدو أن الوضع في زمننا هو فعلا هكذا ، فالجميع يتباركون بإسرائيل . المؤسف أن لا أحد يتبارك بالعرب والمسلمين مع أنهم من نسل ابراهيم أيضا وإن كانوا أبناء جارية !
19 ثم رجع إبراهيم إلى غلاميه، فقاموا وذهبوا معا إلى بئر سبع. وسكن إبراهيم في بئر سبع
- ألم يطمئن على سارة وإسماعيل فهما طردا إلى بئر سبع ؟
- لم يعد أمرسارة وإسماعيل مهما .
20 وحدث بعد هذه الأمور أن إبراهيم أخبر وقيل له: هوذا ملكة قد ولدت هي أيضا بنين لناحور أخيك
- من أين ظهر ناحور هذا ؟ هل سبق له الظهور على مسرح الأحداث ؟
- للأسف لم يظهر إلا هنا وفجأة . هكذا يريد المؤلف !
21 عوصا بكره، وبوزا أخاه، وقموئيل أبا أرام
و سيصبح معه قبيلة !
22 وكاسد وحزوا وفلداش ويدلاف وبتوئيل
23 وولد بتوئيل رفقة. هؤلاء الثمانية ولدتهم ملكة لناحور أخي إبراهيم
24 وأما سريته، واسمها رؤومة، فولدت هي أيضا: طابح وجاحم وتاحش ومعكة
- مؤلف أحمق كان يمكن أن يتابع مع أحد أبناء لوط موآب أو بن عمي! كونه أوجدهما على المسرح !
عقبت أنا.
- ربما لا يريد أبناء حرام !
عقب أبي، فضحكنا ..
******
- في الفصل الثالث والعشرين تموت سارة عن عمر127عاما وهو عمر مبالغ فيه كما الأعمار كلها في التوراة ، فمعدل عمر الإنسان كما أسلفنا كان أقل من ذلك بكثير ولا يتجاوز الخمسين عاما في أحسن أحواله غير أن خيال كتبة التوراة يصر على المبالغة والإغراق في الخيال غير الواقعي وغير التاريخي في كل شيء ، ليميز بني اسرائيل عن سائر البشر .تدفن سارة في مغارة المكفيلة في الحقل الذي ابتاعه ابراهيم من عفرون الحثي في حبرون ( الخليل ) ب أربعمئة شاقل فضة .
1 وكانت حياة سارة مئة وسبعا وعشرين سنة، سني حياة سارة
2 وماتت سارة في قرية أربع، التي هي حبرون، في أرض كنعان. فأتى إبراهيم ليندب سارة ويبكي عليها
3 وقام إبراهيم من أمام ميته وكلم بني حث قائلا
4 أنا غريب ونزيل عندكم. أعطوني ملك قبر معكم لأدفن ميتي من أمامي
5 فأجاب بنو حث إبراهيم قائلين له
6 اسمعنا يا سيدي. أنت رئيس من الله بيننا. في أفضل قبورنا ادفن ميتك، لا يمنع أحد منا قبره عنك حتى لا تدفن ميتك
وهذا كرم من بني حث دفع ابراهيم لأن يسجد لهم . تكريما منه بدوره :
7 فقام إبراهيم وسجد لشعب الأرض، لبني حث
8 وكلمهم قائلا: إن كان في نفوسكم أن أدفن ميتي من أمامي، فاسمعوني والتمسوا لي من عفرون بن صوحر
9 أن يعطيني مغارة المكفيلة التي له، التي في طرف حقله. بثمن كامل يعطيني إياها في وسطكم ملك قبر
10 وكان عفرون جالسا بين بني حث، فأجاب عفرون الحثي إبراهيم في مسامع بني حث، لدى جميع الداخلين باب مدينته قائلا
11 لا يا سيدي، اسمعني . الحقل وهبتك إياه، والمغارة التي فيه لك وهبتها. لدى عيون بني شعبي وهبتك إياها. ادفن ميتك
12 فسجد إبراهيم أمام شعب الأرض
13 وكلم عفرون في مسامع شعب الأرض قائلا: بل إن كنت أنت إياه فليتك تسمعني. أعطيك ثمن الحقل. خذ مني فأدفن ميتي هناك
14 فأجاب عفرون إبراهيم قائلا له
15 يا سيدي، اسمعني. أرض بأربع مئة شاقل فضة، ما هي بيني وبينك ؟ فادفن ميتك
16 فسمع إبراهيم لعفرون ، ووزن إبراهيم لعفرون الفضة التي ذكرها في مسامع بني حث. أربع مئة شاقل فضة جائزة عند التجار
17 فوجب حقل عفرون الذي في المكفيلة التي أمام ممرا، الحقل والمغارة التي فيه، وجميع الشجر الذي في الحقل الذي في جميع حدوده حواليه
18 لإبراهيم ملكا لدى عيون بني حث، بين جميع الداخلين باب مدينته
19 وبعد ذلك دفن إبراهيم سارة امرأته في مغارة حقل المكفيلة أمام ممرا، التي هي حبرون، في أرض كنعان
20 فوجب الحقل والمغارة التي فيه لإبراهيم ملك قبر من عند بني حث
- ليت هذه المحبة تدوم !
علق أبي .
تابع عارف:
في الفصل الرابع والعشرين يرسل ابراهيم عبده ليأتي بزوجة لإسحق من بلاد آرام لرفضه أن يتزوج اسحق من بنات الكنعانيين .. يذهب العبد مع قافلة من الجمال والعبيد والجواهر ويأتي برفقة حفيدة أخ ابراهيم ناحور الذي ظهر حديثا على مسرح الأحداث .. ويبدو أن المؤلف أظهره لهذا السبب وحده .. ويتزوج اسحق منها..
1 وشاخ إبراهيم وتقدم في الأيام. وبارك الرب إبراهيم في كل شيء
2 وقال إبراهيم لعبده كبير بيته المستولي على كل ما كان له: ضع يدك تحت فخذي
3 فأستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض أن لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم
غريب أن يتم الحلف بوضع اليد تحت الفخذ! والأغرب أن لا يرغب ابراهيم في تزويج اسحق من بنات الكنعانيين الذين استضافوه وأكرموه !
4 بل إلى أرضي وإلى عشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لابني إسحاق
المفروض أن أرض ابراهيم وعشيرته في اورالكلدانية وليس في حاران آرام كما سنرى:
5 فقال له العبد: ربما لا تشاء المرأة أن تتبعني إلى هذه الأرض. هل أرجع بابنك إلى الأرض التي خرجت منها
العبد يفكر بأرض اور!
6 فقال له إبراهيم: احترز من أن ترجع بابني إلى هناك
لا نعرف لماذا لا يريد ابراهيم أن يزوج ابنه من أور الكلدانية .
7 الرب إله السماء الذي أخذني من بيت أبي ومن أرض ميلادي، والذي كلمني والذي أقسم لي قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض، هو يرسل ملاكه أمامك، فتأخذ زوجة لابني من هناك
حتى الله سيكون له دور مهم في زواج اسحق. لكن من آرام وليس من اور . وثمة التباس بين حاران وآرام أيضا.
8 وإن لم تشإ المرأة أن تتبعك، تبرأت من حلفي هذا. أما ابني فلا ترجع به إلى هناك
9 فوضع العبد يده تحت فخذ إبراهيم مولاه، وحلف له على هذا الأمر
10 ثم أخذ العبد عشرة جمال من جمال مولاه، ومضى وجميع خيرات مولاه في يده. فقام وذهب إلى أرام النهرين إلى مدينة ناحور .
وأصبح لناحور مدينة خاصة به وأصبحت تنتمي إلى أرام النهرين وليس حاران أرام ! أي الآرامية كما هو معروف.
11 وأناخ الجمال خارج المدينة عند بئر الماء وقت المساء، وقت خروج المستقيات
12 وقال: أيها الرب إله سيدي إبراهيم، يسر لي اليوم واصنع لطفا إلى سيدي إبراهيم
13 ها أنا واقف على عين الماء، وبنات أهل المدينة خارجات ليستقين ماء
14 فليكن أن الفتاة التي أقول لها: أميلي جرتك لأشرب، فتقول: اشرب وأنا أسقي جمالك أيضا، هي التي عينتها لعبدك إسحاق. وبها أعلم أنك صنعت لطفا إلى سيدي
طريقة عجيبة لاختيار العروس تتطلب مساعدة يهوه. لماذا لا يذهب إلى أبيها ويطلبها ؟
15 وإذ كان لم يفرغ بعد من الكلام، إذا رفقة التي ولدت لبتوئيل ابن ملكة امرأة ناحور أخي إبراهيم، خارجة وجرتها على كتفها
طبعا هذه الأسر كلها أسر جديدة ظهرت على مسرح الأحداث بعد ظهور ناحور أو إيجاده .
16 وكانت الفتاة حسنة المنظر جدا، وعذراء لم يعرفها رجل. فنزلت إلى العين وملأت جرتها وطلعت
يفترض أن الفتاة عذراء دون حاجة إلى أن يخبرنا المؤلف بذلك وهو لم يخبرنا كيف عرف!
17 فركض العبد للقائها وقال: اسقيني قليل ماء من جرتك
18 فقالت: اشرب يا سيدي. وأسرعت وأنزلت جرتها على يدها وسقته
19 ولما فرغت من سقيه قالت: أستقي لجمالك أيضا حتى تفرغ من الشرب
20 فأسرعت وأفرغت جرتها في المسقاة، وركضت أيضا إلى البئر لتستقي، فاستقت لكل جماله
21 والرجل يتفرس فيها صامتا ليعلم: أأنجح الرب طريقه أم لا
22 وحدث عندما فرغت الجمال من الشرب أن الرجل أخذ خزامة ذهب وزنها نصف شاقل وسوارين على يديها وزنهما عشرة شواقل ذهب !
بدأ اغداق الذهب قبل ألتأكد من أن الفتاة هي الفتاة المطلوبة ؟
23 وقال: بنت من أنت ؟ أخبريني: هل في بيت أبيك مكان لنا لنبيت
24 فقالت له: أنا بنت بتوئيل ابن ملكة الذي ولدته لناحور
والإجابة لا بد أن تكون كاملة وكما يريد المؤلف!
25 وقالت له: عندنا تبن وعلف كثير، ومكان لتبيتوا أيضا
26 فخر الرجل وسجد للرب
تجري الأمور حسب إرادة يهوة والمؤلف !
27 وقال: مبارك الرب إله سيدي إبراهيم الذي لم يمنع لطفه وحقه عن سيدي. إذ كنت أنا في الطريق، هداني الرب إلى بيت إخوة سيدي
28 فركضت الفتاة وأخبرت بيت أمها بحسب هذه الأمور
لا نعرف لماذا بيت الأم وليس بيت الأب!
29 وكان لرفقة أخ اسمه لابان، فركض لابان إلى الرجل خارجا إلى العين
30 وحدث أنه إذ رأى الخزامة والسوارين على يدي أخته، وإذ سمع كلام رفقة أخته قائلة: هكذا كلمني الرجل، جاء إلى الرجل، وإذا هو واقف عند الجمال على العين
31 فقال: ادخل يا مبارك الرب، لماذا تقف خارجا وأنا قد هيأت البيت ومكانا للجمال
الذهب قاد للترحيب ،ولا نعرف ماذا ستكون عليه الحال لو لم يكن هناك خزامة وأساور ذهبية !
32 فدخل الرجل إلى البيت وحل عن الجمال، فأعطى تبنا وعلفا للجمال، وماء لغسل رجليه وأرجل الرجال الذين معه
33 ووضع قدامه ليأكل. فقال: لا آكل حتى أتكلم كلامي. فقال:تكلم
34 فقال: أنا عبد إبراهيم
35 والرب قد بارك مولاي جدا فصار عظيما، وأعطاه غنما وبقرا وفضة وذهبا وعبيدا وإماء وجمالا وحميرا
36 وولدت سارة امرأة سيدي ابنا لسيدي بعد ما شاخت، فقد أعطاه كل ما له
37 واستحلفني سيدي قائلا: لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن في أرضهم
يسكن في ارضهم ويكرههم ، ولا يرغب في التقرب إليهم !
-إنها حالنا اليوم !
قال أبي ! فعقبت :
- التاريخ يعيد نفسه بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام !
يعيد العبد الحديث الذي جرى بينه وبين سيده ابراهيم للابان أخ رفقة .
38 بل إلى بيت أبي تذهب وإلى عشيرتي، وتأخذ زوجة لابني
49 والآن إن كنتم تصنعون معروفا وأمانة إلى سيدي فأخبروني، وإلا فأخبروني لأنصرف يمينا أو شمالا
50 فأجاب لابان وبتوئيل وقالا: من عند الرب خرج الأمر. لا نقدر أن نكلمك بشر أو خير
51 هوذا رفقة قدامك. خذها واذهب. فلتكن زوجة لابن سيدك، كما تكلم الرب
52 وكان عندما سمع عبد إبراهيم كلامهم أنه سجد للرب إلى الأرض
53 وأخرج العبد آنية فضة وآنية ذهب وثيابا وأعطاها لرفقة، وأعطى تحفا لأخيها ولأمها
54 فأكل وشرب هو والرجال الذين معه وباتوا. ثم قاموا صباحا فقال: اصرفوني إلى سيدي
55 فقال أخوها وأمها: لتمكث الفتاة عندنا أياما أو عشرة، بعد ذلك تمضي
56 فقال لهم: لا تعوقوني والرب قد أنجح طريقي. اصرفوني لأذهب إلى سيدي
57 فقالوا: ندعو الفتاة ونسألها شفاها
58 فدعوا رفقة وقالوا لها: هل تذهبين مع هذا الرجل ؟ فقالت: أذهب
59 فصرفوا رفقة أختهم ومرضعتها وعبد إبراهيم ورجاله
60 وباركوا رفقة وقالوا لها: أنت أختنا. صيري ألوف ربوات، وليرث نسلك باب مبغضيه
61 فقامت رفقة وفتياتها وركبن على الجمال وتبعن الرجل. فأخذ العبد رفقة ومضى
62 وكان إسحاق قد أتى من ورود بئر لحي رئي، إذ كان ساكنا في أرض الجنوب
63 وخرج إسحاق ليتأمل في الحقل عند إقبال المساء، فرفع عينيه ونظر وإذا جمال مقبلة
64 ورفعت رفقة عينيها فرأت إسحاق فنزلت عن الجمل
65 وقالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا ؟ فقال العبد: هو سيدي. فأخذت البرقع وتغطت
66 ثم حدث العبد إسحاق بكل الأمور التي صنع
67 فأدخلها إسحاق إلى خباء سارة أمه، وأخذ رفقة فصارت له زوجة وأحبها. فتعزى إسحاق بعد موت أمه
- مبروك !
عقبت أنا !
- ألله يبارك فيك سارة !
قال عارف ، وتساءل عمّا إذا كنت أطمح في عريس من بلاد أرام يأتيني راكبا على جمل برفقة عبيد وغلمان ! فضحكت من أعماقي ، فيما ابتسم أبي وقال :
- فكرة حلوة ساراي !!
*****
- في الفصل الخامس والعشرين يجدد ابراهيم شبابه ويتزوج من قطورة بعد أن تجاوز المئة وأربعين سنة حسب التوراة . ثم يقوم بطرد السراري إلى الشرق :
1 وعاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قطورة
5 وأعطى إبراهيم إسحاق كل ما كان له
6 وأما بنو السراري اللواتي كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا، وصرفهم عن إسحاق ابنه شرقا إلى أرض المشرق، وهو بعد حي
وهذا قد يعني أن ابراهيم كان يعاشر سراريه الأخريات وأن لديه أبناء منهن ، وهذا ما لم يخبرنا به المؤلف . فطرد الجميع إلى الشرق ، كما سبق وأن طرد هاجر وإسماعيل إنما ليس إلى الشرق!
يموت ابراهيم بعد ذلك ويدفن إلى جانب سارة في مغارة المكفيلة :
7 وهذه أيام سني حياة إبراهيم التي عاشها: مئة وخمس وسبعون سنة
8 وأسلم إبراهيم روحه ومات بشيبة صالحة، شيخا وشبعان أياما، وانضم إلى قومه
9 ودفنه إسحاق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفيلة في حقل عفرون بن صوحر الحثي الذي أمام ممرا
10 الحقل الذي اشتراه إبراهيم من بني حث. هناك دفن إبراهيم وسارة امرأته


*اسماعيل ينجب اثني عشر ابنا .. يصبحون زعماء قبائل ! ويموت عن 137 عاما !
11 وكان بعد موت إبراهيم أن الله بارك إسحاق ابنه. وسكن إسحاق عند بئر لحي رئي
12 وهذه مواليد إسماعيل بن إبراهيم، الذي ولدته هاجر المصرية جارية سارة لإبراهيم
13 وهذه أسماء بني إسماعيل بأسمائهم حسب مواليدهم: نبايوت بكر إسماعيل، وقيدار، وأدبئيل ومبسام
14 ومشماع ودومة ومسا
15 وحدار وتيما ويطور ونافيش وقدمة
16 هؤلاء هم بنو إسماعيل، وهذه أسماؤهم بديارهم وحصونهم. اثنا عشر رئيسا حسب قبائلهم
17 وهذه سنو حياة إسماعيل: مئة وسبع وثلاثون سنة، وأسلم روحه ومات وانضم إلى قومه
18 وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر حينما تجيء نحو أشور. أمام جميع إخوته نزل
أكيد هاجر قد لا تستحق أن يذكرمصيرها وكم سنة عاشت . فهي جارية . رفقة تكون عاقرا كمعظم نساء الأنبياء اللواتي يحبلن ويلدن أنبياء بأمر من يهوه! فتحبل وتلد توأما هما عيسو ويعقوب :
21 وصلى إسحاق إلى الرب لأجل امرأته لأنها كانت عاقرا، فاستجاب له الرب، فحبلت رفقة امرأته
22 وتزاحم الولدان في بطنها، فقالت: إن كان هكذا فلماذا أنا ؟ فمضت لتسأل الرب
23 فقال لها الرب: في بطنك أمتان، ومن أحشائك يفترق شعبان: شعب يقوى على شعب، وكبير يستعبد لصغير
ترى أي شعبين يقصد المؤلف بنبوءة يهوه ؟ هل يقصد اليهود والعرب؟ أم أنه يقصد أحفاد يعقوب ( اسرائيل ) وأحفاد عيسو، وخاصة أن هذا الأخير سيختلط مع الفلسطينيين ويتزوج من بناتهم ويبقى في الأرض ، أما يعقوب فسيلتحق بابنه يوسف في مصر مع كامل أبنائه .. وحين يخرج اليهود من مصربقيادة موسى، بعد أكثر من 400 عام يكون نسل عيسو قد اكتسبوا نسب القوم الذين عاشوا بينهم وأصبحوا منهم . وبذلك سيصبحون عبيدا لنسل الصغير يعقوب ، أي لبني اسرائيل ! هذا ما يتنبأ به يهوة أو المؤلف الذي ينطق باسمه .
24 فلما كملت أيامها لتلد إذا في بطنها توأمان
25 فخرج ألأول أحمر، كله كفروة شعر، فدعوا اسمه عيسو
26 وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو، فدعي اسمه يعقوب. وكان إسحاق ابن ستين سنة لما ولدتهما
27 فكبر الغلامان، وكان عيسو إنسانا يعرف الصيد، إنسان البرية، ويعقوب إنسانا كاملا يسكن الخيام
يعقوب (انسان كامل ) يسكن الخيام ؟ ألم يعد أحفاد آدم ونوح يبنون مدنا! لقد سبق لقابيل أن بنى مدينة ، وأحفاد نوح بنوا بابل ! هل عاد المؤلف إلى سكن الخيام ؟ ثم كيف يكون انسان الخيام كاملا ، أما إنسان الصيد فإنسان بريّة ، وكأنه يريد أن يقول لنا أنه أقرب إلى التوحش !
28 فأحب إسحاق عيسو لأن في فمه صيدا، وأما رفقة فكانت تحب يعقوب
عدنا إلى البدوي المحب للحوم!
29 وطبخ يعقوب طبيخا، فأتى عيسو من الحقل وهو قد أعيا
30 فقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الأحمر لأني قد أعييت. لذلك دعي اسمه أدوم
31 فقال يعقوب: بعني اليوم بكوريتك
32 فقال عيسو: ها أنا ماض إلى الموت، فلماذا لي بكورية
33 فقال يعقوب: احلف لي اليوم. فحلف له، فباع بكوريته ليعقوب
34 فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس، فأكل وشرب وقام ومضى. فاحتقر عيسو البكورية
هذه البيعة لم تكن كافية لينال يعقوب البكورية ، كما سنرى لاحقا، فكان لا بد من مسرحية تحيك رفقة خيوطها !
1 وكان في الأرض جوع غير الجوع الأول الذي كان في أيام إبراهيم، فذهب إسحاق إلى أبيمالك ملك الفلسطينيين، إلى جرار
2 وظهر له الرب وقال: لا تنزل إلى مصر. اسكن في الأرض التي أقول لك
يا ليت أبا مالك عرف بوعود يهوه لإبراهيم وإسحق فيما بعد لربما تغيرت مسيرة التاريخ :
3 تغرب في هذه الأرض فأكون معك وأباركك، لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد، وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك
4 وأكثر نسلك كنجوم السماء، وأعطي نسلك جميع هذه البلاد، وتتبارك في نسلك جميع أمم الأرض
5 من أجل أن إبراهيم سمع لقولي وحفظ ما يحفظ لي: أوامري وفرائضي وشرائعي
6 فأقام إسحاق في جرار
7 وسأله أهل المكان عن امرأته، فقال: هي أختي. لأنه خاف أن يقول: امرأتي لعل أهل المكان: يقتلونني من أجل رفقة لأنها كانت حسنة المنظر
8 وحدث إذ طالت له الأيام هناك أن أبيمالك ملك الفلسطينيين أشرف من الكوة ونظر، وإذا إسحاق يلاعب رفقة امرأته
9 فدعا أبيمالك إسحاق وقال: إنما هي امرأتك فكيف قلت: هي أختي ؟ فقال له إسحاق: لأني قلت: لعلي أموت بسببها
يتصورون الناس قتلة ويكرهونهم، ولا يتزوجون من بناتهم، رغم كل ما يقدم لهم من إكرام ! هذا ما يريده المؤلف الذي يزرع بذور الشر أكثر مما يزرع بذور الخير .
10 فقال أبيمالك: ما هذا الذي صنعت بنا ؟ لولا قليل لاضطجع أحد الشعب مع امرأتك فجلبت علينا ذنبا
11 فأوصى أبيمالك جميع الشعب قائلا: الذي يمس هذا الرجل أو امرأته موتا يموت
كم هو شهم هذا الملك ؟ّ
وكما أصبح ابراهيم ثريا بفعل الكرم الفلسطيني أصبح اسحق كذلك، ويا ليته حفظ قدر المحسنين إليه .
12 وزرع إسحاق في تلك الأرض فأصاب في تلك السنة مئة ضعف، وباركه الرب
13 فتعاظم الرجل وكان يتزايد في التعاظم حتى صار عظيما جدا
14 فكان له مواش من الغنم ومواش من البقر وعبيد كثيرون. فحسده الفلسطينيون
يبدو أنه استغل الكرم والطيبة الفلسطينيين ولم يترك شبرا من الأرض دون أن يستغله . وكان من الطبيعي أن ينزعج الفلسطينيون ، فالضيف أصبح محتلا . وكان لا بد من مقاومته . وهكذا قاموا بطمر الآبارالإسرائيلية . وهكذا بدأت الحرب الإسرائيلية الفلسطينية التي ما تزال قائمة حتى اليوم !
15 وجميع الآبار، التي حفرها عبيد أبيه في أيام إبراهيم أبيه، طمها الفلسطينيون وملأوها ترابا
16 وقال أبيمالك لإسحاق : اذهب من عندنا لأنك صرت أقوى منا جدا
المؤلف هو من يريد هذا القول . يمكن أن أبا مالك قال : لقد استوليت على كل شيء يا اسحق ! كما يحدث اليوم ، التاريخ يعيد نفسه !

17 فمضى إسحاق من هناك ، ونزل في وادي جرار وأقام هناك
18 فعاد إسحاق ونبش آبار الماء التي حفروها في أيام إبراهيم أبيه، وطمها الفلسطينيون بعد موت أبيه، ودعاها بأسماء كالأسماء التي دعاها بها أبوه
19 وحفر عبيد إسحاق في الوادي فوجدوا هناك بئر ماء حي
20 فخاصم رعاة جرار رعاة إسحاق قائلين: لنا الماء. فدعا اسم البئر عسق لأنهم نازعوه
21 ثم حفروا بئرا أخرى وتخاصموا عليها أيضا، فدعا اسمها سطنة
22 ثم نقل من هناك وحفر بئرا أخرى ولم يتخاصموا عليها، فدعا اسمها رحوبوت، وقال: إنه الآن قد أرحب لنا الرب وأثمرنا في الأرض
23 ثم صعد من هناك إلى بئر سبع
24 فظهر له الرب في تلك الليلة وقال: أنا إله إبراهيم أبيك. لا تخف لأني معك، وأباركك وأكثر نسلك من أجل إبراهيم عبدي
25 فبنى هناك مذبحا ودعا باسم الرب. ونصب هناك خيمته، وحفر هناك عبيد إسحاق بئرا
26 وذهب إليه من جرار أبيمالك وأحزات من أصحابه وفيكول رئيس جيشه
27 فقال لهم إسحاق: ما بالكم أتيتم إلي وأنتم قد أبغضتموني وصرفتموني من عندكم
28 فقالوا: إننا قد رأينا أن الرب كان معك، فقلنا: ليكن بيننا حلف، بيننا وبينك، ونقطع معك عهدا
29 أن لا تصنع بنا شرا ، كما لم نمسك وكما لم نصنع بك إلا خيرا وصرفناك بسلام. أنت الآن مبارك الرب
(هذه اوسلو الأولى في التاريخ الفلسطيني الإسرائيلي )
30 فصنع لهم ضيافة، فأكلوا وشربوا
31 ثم بكروا في الغد وحلفوا بعضهم لبعض، وصرفهم إسحاق. فمضوا من عنده بسلام
وكما لم تنجح اوسلو التاريخية لم تنجح اوسلو المعاصرة ! فقد عادوا ليحتلوا كل أرض كنعان فيما بعد
32 وحدث في ذلك اليوم أن عبيد إسحاق جاءوا وأخبروه عن البئر التي حفروا، وقالوا له: قد وجدنا ماء
33 فدعاها شبعة، لذلك اسم المدينة بئر سبع إلى هذا اليوم
34 ولما كان عيسو ابن أربعين سنة اتخذ زوجة: يهوديت ابنة بيري الحثي، وبسمة ابنة إيلون الحثي
عيسو يخالف القانون ويتزوج من بنات الفلسطينيين !
35 فكانتا مرارة نفس لإسحاق ورفقة
كانتا مرارة نفس ! لأنهما فلسطينيتان ؟
وإلى اللقاء مع الفصل السابع والعشرين يا يعقوب !
*****






















(14)
* خديعة النبوّة بين عيسو ويعقوب!
تمتعت سارة بقصص التوراة كما يحللها عارف ويسردها . رافقتني أيضا إلى هذا اللقاء . شرع عارف في محاضرته دون ابطاء وكأنه على عجلة من أمره :
في الفصل السابع والعشرين يشيخ اسحق ويصاب بالعمى . يطلب من ابنه عيسو، الذي اعتبر الإبن الأكبرعند أبويه ، وهو ليس كذلك ، أن يأتيه بشواء من الصيد يأكله ليباركه ويرضى عنه .. تسمع رفقه الحوار وتخبر يعقوب بأن يذهب ويأتي بجديين من قطيع المعز، لتطهوهما وليقدمهما إلى أبيه على أنه عيسو لينال بركته . وهذا ما حصل بعد أن اضطرت رفقة إلى وضع جلد الجديين على عنق يعقوب ويديه حتى إذا تلمسه اسحاق يتأكد من أنه عيسو .. فالآخر كان مشعرا !! ورغم أن اسحق يشك في صوت يعقوب إلا أن الخديعة تنطلي عليه ويعلن مباركته ليعقوب على أنه عيسو . فالمباركة حسب التوراة لا تقدم إلا لواحد ، ولا نعرف لماذا، والمبارك سيكون نبيا ، ويبدو أنه لا يجوز أن يرث النبوة في العائلة نبيان .. ولا يكتشف اسحاق الخديعة إلا بعد أن جاء عيسو بالصيد وقدمه إلى أبيه ليكون الأمر قد فات وذهبت المباركة ليعقوب !
1 وحدث لما شاخ إسحاق وكلت عيناه عن النظر، أنه دعا عيسو ابنه الأكبر وقال له: يا ابني . فقال له:هأنذا
2 فقال: إنني قد شخت ولست أعرف يوم وفاتي
3 فالآن خذ عدتك: جعبتك وقوسك، واخرج إلى البرية وتصيد لي صيدا
4 واصنع لي أطعمة كما أحب، وأتني بها لآكل حتى تباركك نفسي قبل أن أموت
5 وكانت رفقة سامعة إذ تكلم إسحاق مع عيسو ابنه. فذهب عيسو إلى البرية كي يصطاد صيدا ليأتي به
6 وأما رفقة فكلمت يعقوب ابنها قائلة: إني قد سمعت أباك يكلم عيسو أخاك قائلا
7 ائتني بصيد واصنع لي أطعمة لآكل وأباركك أمام الرب قبل وفاتي
8 فالآن يا ابني اسمع لقولي في ما أنا آمرك به
9 اذهب إلى الغنم وخذ لي من هناك جديين جيدين من المعزى، فأصنعهما أطعمة لأبيك كما يحب
- وهل سيأكل اسحق جديين ؟
تساءلت سارة!
- ممكن ! أجاب عارف وتابع القراءة :
10 فتحضرها إلى أبيك ليأكل حتى يباركك قبل وفاته
11 فقال يعقوب لرفقة أمه: هوذا عيسو أخي رجل أشعر وأنا رجل أملس
12 ربما يجسني أبي فأكون في عينيه كمتهاون، وأجلب على نفسي لعنة لا بركة
13 فقالت له أمه: لعنتك علي يا ابني. اسمع لقولي فقط واذهب خذ لي
14 فذهب وأخذ وأحضر لأمه، فصنعت أمه أطعمة كما كان أبوه يحب
15 وأخذت رفقة ثياب عيسو ابنها الأكبر الفاخرة التي كانت عندها في البيت وألبست يعقوب ابنها الأصغر
16 وألبست يديه وملاسة عنقه جلود جديي المعزى
هل يعقل أن تكون كثافة شعر عيسو بكثافة شعر الجديين ؟ لا نعرف على من يضحك هذا المؤلف ، على قرائه أم على الله كما يتصوره! ثم هل يحتاج يهوه إلى كل هذه المسرحية ليجعل من يعقوب نبيا ؟ هل هكذا يختار يهوه انبياءه ؟
17 وأعطت الأطعمة والخبز التي صنعت في يد يعقوب ابنها
18 فدخل إلى أبيه وقال : يا أبي. فقال: هأنذا. من أنت يا ابني
وهل يعقل أن لا يعرف اسحق صوت ابنيه بعد كل هذا العمر معهما ؟
19 فقال يعقوب لأبيه: أنا عيسو بكرك. قد فعلت كما كلمتني. قم اجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك
20 فقال إسحاق لابنه: ما هذا الذي أسرعت لتجد يا ابني ؟ فقال: إن الرب إلهك قد يسر لي
21 فقال إسحاق ليعقوب: تقدم لأجسك يا ابني. أأنت هو ابني عيسو أم لا
يفترض أن لا يشك اسحق في أمر ابنه ، وطالما راوده الشك فكان ينبغي أن يكتشف الخديعة من جس الشعر.
22 فتقدم يعقوب إلى إسحاق أبيه، فجسه وقال: الصوت صوت يعقوب، ولكن اليدين يدا عيسو
كملت المسرحية! أخيرا عرف اسحق أن الصوت صوت يعقوب ، أما اليدان فيدا عيسو ! ومع ذلك صدق أن يعقوب هو عيسو ! هل نحن أمام مسرحية هزلية ؟
23 ولم يعرفه لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه، فباركه
لم يعرفه ! هذا ما يريده المؤلف ! وليس يهوه أيضا !
24 وقال: هل أنت هو ابني عيسو ؟ فقال: أنا هو
25 فقال: قدم لي لآكل من صيد ابني حتى تباركك نفسي. فقدم له فأكل، وأحضر له خمرا فشرب
26 فقال له إسحاق أبوه : تقدم وقبلني يا ابني
27 فتقدم وقبله، فشم رائحة ثيابه وباركه، وقال: انظر رائحة ابني كرائحة حقل قد باركه الرب
فليعطك الله من ندى السماء ومن دسم الأرض. وكثرة حنطة وخمر
29 ليستعبد لك شعوب، وتسجد لك قبائل. كن سيدا لإخوتك، وليسجد لك بنوأمك. ليكن لاعنوك ملعونين، ومباركوك مباركين
يفهم المؤلف نعمة الله والعدالة في استعباد الشعوب وسجود القبائل والسيادة على الأخوة . أسوأ ( عدل ) يمكن أن يتبعه إله !
لا نعرف ما هي الغاية من هذه المسرحية ، فالمباركة تقدم ليعقوب على أنه عيسو ويفترض أن تذهب لعيسو حتى لو كان الممثل يعقوب ، ولا نعرف لماذا يميز اسحق ورفقة بين ابنيهما التوأم ، فبينما تحب هي يعقوب ، يحب هو عيسو ، وإذا ما دققنا في النص أعلاه سنجد أن يعقوب كان مزارعا بدليل أن اسحق يدعو له ( بدسم الأرض وكثرة حنطة وخمر ) بينما كان عيسو كصياد راعيا . وإذا ما عدنا إلى الصراع بين قابيل وهابيل، الذي أدى إلى أن يقتل قابيل ( المزارع ) هابيل ( الراعي ) لغيرته منه، بعد أن تقبل يهوه شواءه اللاحم، ورفض تقدمة قابيل من ثمار الأرض .. نجد أن كتبة التوراة يريدون أن يقيموا هنا تصالحا بين الراعي والفلاح، أو توافقا بين مهنتي الرعي والفلاحة، فيصبح الفلاح نبيا مع احتفاظه بعمله في الزراعة والرعي معا ، فقد أحضريعقوب جديين من قطيع المعز .
إذا صح هذا التحليل ، فيمكن معرفة السبب الذي جعل الأبوين يفرقان بين ابنيهما ، فالمبارك من قبل الأب سيرث النبوة والثروة بشقيها الزراعي والحيواني، إضافة إلى السلطة والجاه والقوة والجيوش والنساء والعبيد . ومن الواضح أن اسحق يقوم بدور يهوه هنا فكل ما يباركه يتحقق وكأنه الرب !
30 وحدث عندما فرغ إسحاق من بركة يعقوب، ويعقوب قد خرج من لدن إسحاق أبيه، أن عيسو أخاه أتى من صيده
31 فصنع هو أيضا أطعمة ودخل بها إلى أبيه وقال لأبيه: ليقم أبي ويأكل من صيد ابنه حتى تباركني نفسك
صنع هو بنفسه ولم تصنع له أمه كما صنعت ليعقوب . ثم هل يصنع الطعام أم يطهى ؟
32 فقال له إسحاق أبوه : من أنت ؟ فقال: أنا ابنك بكرك عيسو
33 فارتعد إسحاق ارتعادا عظيما جدا وقال: فمن هو الذي اصطاد صيدا وأتى به إلي فأكلت من الكل قبل أن تجيء، وباركته ؟ نعم، ويكون مباركا
34 فعندما سمع عيسو كلام أبيه صرخ صرخة عظيمة ومرة جدا، وقال لأبيه: باركني أنا أيضا يا أبي
35 فقال: قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك
كيف يوافق اسحق بعد أن عرف ، ولم يعاقب يعقوب ، أو يحاول أن يرفع عنه هذه البركة ! وماذا يحدث لو انه بارك عيسو أيضا ؟ هل ستنقلب الدنيا ؟
36 فقال: ألا إن اسمه دعي يعقوب، فقد تعقبني الآن مرتين أخذ بكوريتي، وهوذا الآن قد أخذ بركتي. ثم قال: أما أبقيت لي بركة
يفترض أن البكورية للإثنين كونهما ولدا معا حتى أن يعقوب كان ممسكا بعقب عيسو.. فهل كون عيسو نزل من الرحم أولا، يكون بكرا، ولا يكون يعقوب كذلك .. هل هذا منطق المؤلف أم منطق الأبوين أم منطق يهوه ؟ ثم لماذا كل هذه المسرحية ؟ ألم يكن في مقدور المؤلف أن يجعل يعقوب في المقدمة عند الولادة ؟ أم أنه في حاجة إلى قصة درامية ؟
37 فأجاب إسحاق وقال لعيسو: إني قد جعلته سيدا لك، ودفعت إليه جميع إخوته عبيدا، وعضدته بحنطة وخمر. فماذا أصنع إليك يا ابني
قدر اسحق قدر منزل !
38 فقال عيسو لأبيه: ألك بركة واحدة فقط يا أبي ؟ باركني أنا أيضا يا أبي. ورفع عيسو صوته وبكى
يبدو عيسو محقا في تساؤله .
39 فأجاب إسحاق أبوه وقال له: هوذا بلا دسم الأرض يكون مسكنك، وبلا ندى السماء من فوق
يقصد أن يبقى عيسو راعيا ، ويفترض أن الرعي لا يحتاج إلى ندى السماء !
40 وبسيفك تعيش، ولأخيك تستعبد، ولكن يكون حينما تجمح أنك تكسر نيره عن عنقك
يقصد اسحق أن عيسو سيتمرد على يعقوب ( تكسر نيره عن عنقك )
41 فحقد عيسو على يعقوب من أجل البركة التي باركه بها أبوه. وقال عيسو في قلبه: قربت أيام مناحة أبي، فأقتل يعقوب أخي !
في قصة قابيل وهابيل ، يقتل الفلاح الراعي ، وهنا سيحدث العكس ، الراعي ينوي قتل الفلاح !
42 فأخبرت رفقة بكلام عيسو ابنها الأكبر، فأرسلت ودعت يعقوب ابنها الأصغر وقالت له: هوذا عيسو أخوك متسل من جهتك بأنه يقتلك
43 فالآن يا ابني اسمع لقولي، وقم اهرب إلى أخي لابان إلى حاران
إلى حاران وليس إلى ( أرام النهرين إلى مدينة ناحور) كما ذكر حين ذهب العبد لطلب يدها إلى اسحق .
44 وأقم عنده أياما قليلة حتى يرتد سخط أخيك
45 حتى يرتد غضب أخيك عنك، وينسى ما صنعت به. ثم أرسل فآخذك من هناك. لماذا أعدم اثنيكما في يوم واحد
محاولة رفقه لمنع جريمة قتل الراعي للفلاح هذه المرة . حتى أنها تعتبر مقتل يعقوب مقتلا للإثنين ، كونها لا تحب عيسو !
46 وقالت رفقة لإسحاق: مللت حياتي من أجل بنات حث. إن كان يعقوب يأخذ زوجة من بنات حث مثل هؤلاء من بنات الأرض، فلماذا لي حياة
ستكره رفقة الحياة إن تزوج يعقوب من بنات الحثيين ( الفلسطينيين ) كما سبق ل سارة أن كرهتهن! فلماذا كل هذا الكره دون أي مبرر.
*****
* يعقوب يتغرب في بلاد خاله لابان أكثر من عشرين عاما !
في الفصل الثامن والعشرين يا يعقوب يوصي اسحق يعقوب بعدم الزواج من بنات كنعان كما أرادت رفقة، ويذهب إلى فدان أرام ويتزوج من ابنتي خاله لابان .
1فدعا إسحاق يعقوب وباركه، وأوصاه وقال له: لا تأخذ زوجة من بنات كنعان
2 قم اذهب إلى فدان أرام، إلى بيت بتوئيل أبي أمك، وخذ لنفسك زوجة من هناك، من بنات لابان أخي أمك
3 والله القدير يباركك ، ويجعلك مثمرا، ويكثرك فتكون جمهورا من الشعوب
4 ويعطيك بركة إبراهيم لك ولنسلك معك، لترث أرض غربتك التي أعطاها الله لإبراهيم
5 فصرف إسحاق يعقوب فذهب إلى فدان أرام، إلى لابان بن بتوئيل الأرامي، أخي رفقة أم يعقوب وعيسو
6 فلما رأى عيسو أن إسحاق بارك يعقوب وأرسله إلى فدان أرام ليأخذ لنفسه من هناك زوجة، إذ باركه وأوصاه قائلا: لا تأخذ زوجة من بنات كنعان
7 وأن يعقوب سمع لأبيه وأمه وذهب إلى فدان أرام
8 رأى عيسو أن بنات كنعان شريرات في عيني إسحاق أبيه
9 فذهب عيسو إلى إسماعيل وأخذ محلة بنت إسماعيل بن إبراهيم، أخت نبايوت، زوجة له على نسائه
وهذه الزيجة لعيسو من ابنة عمه لم تجد قبولا أيضا ، لأن عيسو بات في حكم المنبوذين ، كما أنه سبق له أن تزوج اثنتين من بنات الحثيين الفلسطينيين .
10 فخرج يعقوب من بئر سبع وذهب نحو حاران
11 وصادف مكانا وبات هناك لأن الشمس كانت قد غابت، وأخذ من حجارة المكان ووضعه تحت رأسه، فاضطجع في ذلك المكان
في الطريق إلى حاران تنزل النبوة على يعقوب بظهور يهوة واقفا على رأس سلم ينتصب من الأرض إلى السماء والملائكة يصعدون وينزلون عليه :
12 ورأى حلما، وإذا سلم منصوبة على الأرض ورأسها يمس السماء، وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة
يفترض أن الملائكة لا يحتاجون إلى سلم للصعود إلى السماء والنزول منها !
عقبت سائرة قائلة وهي تضحك :
- وكيف عرف يعقوب أن رأس السلم في السماء البعيدة ؟ هل رأى ذلك !
- الأنبياء يرون ما لا يراه الآخرون يا سارة ! ثم إن الرب كان واقفا على رأس السلم !
رد عارف ! فيما سارة شرعت في الضحك بملء فيها.
13 وهوذا الرب واقف عليها، فقال: أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحاق. الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك
- الأرض التي هو مضجع عليها فقط ؟ هذه لا شيء!
- المعنى رمزي . المقصود الأرض الكنعانية كلها .
14 ويكون نسلك كتراب الأرض، وتمتد غربا وشرقا وشمالا وجنوبا، ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض
- كم مرة سيهب يهوة الأرض ويكثر النسل ، لم يترك أحدا من العائلة إلى ووهبه الأرض ووعده بنسل كتراب الأرض أو كنجوم السماء!
- كإله يحق له ما لا يحق لغيره . أليس هذا ما يريده المؤلف؟
15 وها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض، لأني لا أتركك حتى أفعل ما كلمتك به
16 فاستيقظ يعقوب من نومه وقال: حقا إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم
17 وخاف وقال: ما أرهب هذا المكان ما هذا إلا بيت الله، وهذا باب السماء
18 وبكر يعقوب في الصباح وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه وأقامه عمودا، وصب زيتا على رأسه
19 ودعا اسم ذلك المكان بيت إيل، ولكن اسم المدينة أولا كان لوز
يعقوب يدعو المكان بيت إيل . وإيل إله كنعاني كما أسلفنا، والواقف أعلى السلم هو الرب فلماذا لم يدع المكان بيت الرب ، أو بيت الرب يهوه ، لماذا بيت إيل ؟ لقد سبق وأن أشرنا إلى أن أسماء مختلفة أطلقها كتبة التوراة - وربما المستشرقون أيضا - على يهوة ، ليقولوا لنا أن يهوة يحمل هذه الأسماء كلها .
20 ونذر يعقوب نذرا قائلا: إن كان الله معي، وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه ، وأعطاني خبزا لآكل وثيابا لألبس
21 ورجعت بسلام إلى بيت أبي، يكون الرب لي إلها
يشترط يعقوب اتباع عبودية يهوه بمطالب لا تكاد تذكر أمام وعود يهوه ، فالأمر بالنسبة له في الوضع الذي هو فيه ، لا يتعدى الخبز والملابس !
22 وهذا الحجر الذي أقمته عمودا يكون بيت الله، وكل ما تعطيني فإني أعشره لك
*****
* خال يعقوب يخدعه ويزوجه ليئة بدلا من راحيل !
في الفصل التاسع والعشرين يتابع يعقوب مسيره إلى أن يبلغ أرض حاران . يجيء إلى بئر عليها ثلاثة رعاة بقطعانهم ، وعلى بابها حجر كبير لا يستطيعون رفعه إلا إذا تجمعوا .. عرف منهم أنهم من قوم خاله لابان . ويلاحظ هنا أن المجتمع رعوي بالدرجة الأولى .
وحين أشاروا إلى ابنة خاله راحيل قادمة بقطيعها إلى البئر سارع إلى دحرجة الحجر وحده عن باب البئر ليسقي غنم خاله وليحقق أول معجزة:
1 ثم رفع يعقوب رجليه وذهب إلى أرض بني المشرق
2 ونظر وإذا في الحقل بئر وهناك ثلاثة قطعان غنم رابضة عندها، لأنهم كانوا من تلك البئر يسقون القطعان، والحجر على فم البئر كان كبيرا
3 فكان يجتمع إلى هناك جميع القطعان فيدحرجون الحجر عن فم البئر ويسقون الغنم، ثم يردون الحجر على فم البئر إلى مكانه
4 فقال لهم يعقوب: يا إخوتي، من أين أنتم ؟ فقالوا: نحن من حاران
5 فقال لهم: هل تعرفون لابان ابن ناحور ؟ فقالوا: نعرفه
6 فقال لهم: هل له سلامة ؟ فقالوا: له سلامة. وهوذا راحيل ابنته آتية مع الغنم
7 فقال: هوذا النهار بعد طويل. ليس وقت اجتماع المواشي. اسقوا الغنم واذهبوا ارعوا
8 فقالوا: لا نقدر حتى تجتمع جميع القطعان ويدحرجوا الحجر عن فم البئر، ثم نسقي الغنم
9 وإذ هو بعد يتكلم معهم أتت راحيل مع غنم أبيها، لأنها كانت ترعى
10 فكان لما أبصر يعقوب راحيل بنت لابان خاله، وغنم لابان خاله، أن يعقوب تقدم ودحرج الحجر عن فم البئر وسقى غنم لابان خاله
11 وقبل يعقوب راحيل ورفع صوته وبكى
12 وأخبر يعقوب راحيل أنه أخو أبيها، وأنه ابن رفقة، فركضت وأخبرت أباها
لا أعرف ما هو المقصود ب (أخو أبيها) هل هو خطأ، أم تعبير مجازي عن القرابة .
13 فكان حين سمع لابان خبر يعقوب ابن أخته أنه ركض للقائه وعانقه وقبله وأتى به إلى بيته . فحدث لابان بجميع هذه الأمور
14 فقال له لابان: إنما أنت عظمي ولحمي. فأقام عنده شهرا من الزمان
15 ثم قال لابان ليعقوب : ألأنك أخي تخدمني مجانا ؟ أخبرني ما أجرتك
16 وكان للابان ابنتان ، اسم الكبرى ليئة واسم الصغرى راحيل
17 وكانت عينا ليئة ضعيفتين، وأما راحيل فكانت حسنة الصورة وحسنة المنظر
18 وأحب يعقوب راحيل، فقال: أخدمك سبع سنين براحيل ابنتك الصغرى
19 فقال لابان: أن أعطيك إياها أحسن من أن أعطيها لرجل آخر. أقم عندي
20 فخدم يعقوب براحيل سبع سنين، وكانت في عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها
21 ثم قال يعقوب للابان : أعطني امرأتي لأن أيامي قد كملت، فأدخل عليها
22 فجمع لابان جميع أهل المكان وصنع وليمة
23 وكان في المساء أنه أخذ ليئة ابنته وأتى بها إليه، فدخل عليها
أي خال هذا الذي يغش ابن اخته في عروسه بعد خدمة سبع سنين ؟!
24 وأعطى لابان زلفة جاريته لليئة ابنته جارية
25 وفي الصباح إذا هي ليئة، فقال للابان: ما هذا الذي صنعت بي ؟ أليس براحيل خدمت عندك ؟ فلماذا خدعتني
هل يعقل أيضا أن يعقوب دخل على ليئة وضاجعها ولم يعرف أنها ليئة وليست راحيل ؟ وكيف قبلت ليئة بالأمر الذي فرض عليها ، ولم تخبر أختها أو يعقوب ليلة الدخلة ، ثم ألم تر راحيل أن يعقوب يدخل على اختها وليس عليها ؟ أإلى هذا الحد تبلغ السذاجة في التأليف ، وكي يصدق الناس هذا التلفيق ؟ أم أنهم يقرأون دون أن يفكروا ؟
- يبدو الأمر كذلك !
أجابت سارة .
26 فقال لابان: لا يفعل هكذا في مكاننا أن تعطى الصغيرة قبل البكر
هل تذكر لابان هذا الكلام الآن بعد أن سكت عليه سبع سنين ؟ أي محتال هذا الخال ؟ ولماذا لم يجعل المؤلف يهوه يتدخل في المسألة ، وأتاح للابان أن يتصرف بمنتهى اللؤم والمكر!
27 أكمل أسبوع هذه، فنعطيك تلك أيضا، بالخدمة التي تخدمني أيضا سبع سنين أخر
28 ففعل يعقوب هكذا. فأكمل أسبوع هذه، فأعطاه راحيل ابنته زوجة له
29 وأعطى لابان راحيل ابنته بلهة جاريته جارية لها
30 فدخل على راحيل أيضا ، وأحب أيضا راحيل أكثر من ليئة. وعاد فخدم عنده سبع سنين أخر
أربع عشرة سنة خدمة ! وهكذا أصبح يعقوب متزوجا من أختين !
31 ورأى الرب أن ليئة مكروهة ففتح رحمها، وأما راحيل فكانت عاقرا
عجيبة رؤية الرب هذه . يفتح رحم المكروهة ! ويترك رحم العاقر مغلقا !
32 فحبلت ليئة وولدت ابنا ودعت اسمه رأوبين، لأنها قالت: إن الرب قد نظر إلى مذلتي. إنه الآن يحبني رجلي
33 وحبلت أيضا وولدت ابنا، وقالت: إن الرب قد سمع أني مكروهة فأعطاني هذا أيضا. فدعت اسمه شمعون
34 وحبلت أيضا وولدت ابنا، وقالت: الآن هذه المرة يقترن بي رجلي، لأني ولدت له ثلاثة بنين. لذلك دعي اسمه لاوي
35 وحبلت أيضا وولدت ابنا وقالت: هذه المرة أحمد الرب. لذلك دعت اسمه يهوذا. ثم توقفت عن الولادة
******
*صراع راحيل وليئة على الإنجاب .
في الفصل (30 تكوين) تغار راحيل من أختها وتطلب إلى يعقوب أن يهبها أبناء وإلا فستموت ! يغضب ويعلن أنه ليس الله الذي منع عنها الحمل .
1 فلما رأت راحيل أنها لم تلد ليعقوب، غارت راحيل من أختها، وقالت ليعقوب: هب لي بنين ، وإلا فأنا أموت
2 فحمي غضب يعقوب على راحيل وقال: ألعلي مكان الله الذي منع عنك ثمرة البطن
يتأكد هنا مفهوم الإنجاب الذي يتم بفعل الإرادة الإلهية وليس بفعل مواقعة الرجل للأنثى . رغم أن نساء الأنبياء العاقرات يلجأن إلى جواريهن ويدفعنهن نحو الأزواج كما مر معنا .. ثم لماذا لا تكتفي راحيل بأبناء أختها وتريد أبناء لها من الجواري ؟!
3 فقالت: هوذا جاريتي بلهة، ادخل عليها فتلد على ركبتي، وأرزق أنا أيضا منها بنين
تبدو راحيل هنا متأكدة من أن جاريتها ستنجب متجاهلة رأي يعقوب في مسؤولية الله عن الحمل .
4 فأعطته بلهة جاريتها زوجة، فدخل عليها يعقوب
5 فحبلت بلهة وولدت ليعقوب ابنا
6 فقالت راحيل: قد قضى لي الله وسمع أيضا لصوتي وأعطاني ابنا. لذلك دعت اسمه دانا
عادت راحيل إلى دور الإرادة الإلهية التي تجاهلتها .
7 وحبلت أيضا بلهة جارية راحيل وولدت ابنا ثانيا ليعقوب
والجواري في العادة يكن ولودات بعكس السيدات ، ربما لأن يهوه لا يسعى كثيرا لإثراء أبنائهن.
8 فقالت راحيل: مصارعات الله قد صارعت أختي وغلبت. فدعت اسمه نفتالي
تقصد أنها انتصرت على أختها بإرادة إلهية صارعت أختها ! غير أن الصراع بين الأختين تأجج :
9 ولما رأت ليئة أنها توقفت عن الولادة، أخذت زلفة جاريتها وأعطتها ليعقوب زوجة
10 فولدت زلفة جارية ليئة ليعقوب ابنا
11 فقالت ليئة: بسعد. فدعت اسمه جادا
12 وولدت زلفة جارية ليئة ابنا ثانيا ليعقوب
13 فقالت ليئة: بغبطتي ، لأنه تغبطني بنات. فدعت اسمه أشير
14 ومضى رأوبين في أيام حصاد الحنطة فوجد لفاحا في الحقل وجاء به إلى ليئة أمه. فقالت راحيل لليئة: أعطيني من لفاح ابنك
وهذا اللفاح يسمى تفاح الجنة حسب تفسير الكنيسة وهو نبات يحبب الزوج لزوجته حسب المعتقد !
15 فقالت لها: أقليل أنك أخذت رجلي فتأخذين لفاح ابني أيضا ؟ فقالت راحيل: إذا يضطجع معك الليلة عوضا عن لفاح ابنك
وتنجح الصفقة !
16 فلما أتى يعقوب من الحقل في المساء، خرجت ليئة لملاقاته وقالت: إلي تجيء لأني قد استأجرتك بلفاح ابني. فاضطجع معها تلك الليلة
17 وسمع الله لليئة فحبلت وولدت ليعقوب ابنا خامسا
18 فقالت ليئة: قد أعطاني الله أجرتي، لأني أعطيت جاريتي لرجلي. فدعت اسمه يساكر
19 وحبلت أيضا ليئة وولدت ابنا سادسا ليعقوب
20 فقالت ليئة: قد وهبني الله هبة حسنة. الآن يساكنني رجلي، لأني ولدت له ستة بنين . فدعت اسمه زبولون
21 ثم ولدت ابنة ودعت اسمها دينة
هذا الحشد من الأبناء لم يكتمل بعد فما تزال راحيل تنتظر أن يتذكرها يهوه ، الذي اقتصرت مخاطبته على الله هنا وليس الرب أو يهوه :
22 وذكر الله راحيل، وسمع لها الله وفتح رحمها
ما هي الحكمة في عدم فتح رحم راحيل إلا بعد هذا الكم من الأبناء والزوجات .. هل لو جعلها يهوة تنجب من البداية لحال ذلك دون زواج يعقوب من الجواري ؟ وهل الزواج من الجواري والإنجاب منهن غايته زرع النزاع بين الأختين ؟
23 فحبلت وولدت ابنا فقالت: قد نزع الله عاري
24 ودعت اسمه يوسف قائلة: يزيدني الرب ابنا آخر
ومع يوسف سيـتغير تاريخ بني اسرائيل كله !
25 وحدث لما ولدت راحيل يوسف أن يعقوب قال للابان: اصرفني لأذهب إلى مكاني وإلى أرضي
26 أعطني نسائي وأولادي الذين خدمتك بهم فأذهب، لأنك أنت تعلم خدمتي التي خدمت
وطالب لابان باجرته عن عشرين عاما . وكانت قطعان أغنام لابان ومواشيه قد أصبحت هائلة بفضل بركته . فطلب إليه لابان أن يختار . فطرح يعقوب عليه طريقة بفرز القطعان إلى قسمين :
" 32 اجتاز بين غنمك كلها اليوم واعزل أنت منها كل شاة رقطاء وبلقاء وكل شاة سوداء بين الخرفان وبلقاء ورقطاء بين المعزى فيكون مثل ذلك اجرتي ".
المقصود هنا كما فهمت هو كم مقابل كم .
وهذا يعني باختصار( رغم غموض النص ) عزل كل ما هو مرقط ومنقط عما هو غيرمرقط ومنقط . أي المعز السود والنعاج والخراف البيض . والأخيران سيكونان حصة يعقوب.
33 ويشهد في بري يوم غد إذا جئت من أجل أجرتي قدامك. كل ما ليس أرقط أو أبلق بين المعزى وأسود بين الخرفان فهو مسروق عندي
34 فقال لابان: هوذا ليكن بحسب كلامك
. يفرز لابان المنقط والمرقط فيبلغ حجمه مسير ثلاثة أيام !! ويلجأ يعقوب إلى الخديعة فيورد القطعان وهي في حالة وحم إلى الماء ويقوم بتقشير أجزاء في قضبان لتبدو مرقطة فتتوحم الأغنام عليها فتلد خرافا وسخالا مرقطة !
35 فعزل في ذلك اليوم التيوس المخططة والبلقاء، وكل العناز الرقطاء والبلقاء، كل ما فيه بياض وكل أسود بين الخرفان، ودفعها إلى أيدي بنيه
36 وجعل مسيرة ثلاثة أيام بينه وبين يعقوب، وكان يعقوب يرعى غنم لابان الباقية
وهل يعقل هذا ؟! ما هذه القطعان التي يغطي حجمها مسيرة ثلاثة أيام أي بطول 65 كم كما حددته الكنيسة ، دون أن تحدد عرض الأرض التي انتشرت عليها القطعان . وكيف استطاع لابان اجتيازها ليقوم بالفرز ،وكيف تمكن من فرزها
هل عمل ليلا نهارا ، أم أنه قام بعمل ثلاثة أيام في ساعات ؟
37 فأخذ يعقوب لنفسه قضبانا خضرا من لبنى ولوز ودلب، وقشر فيها خطوطا بيضا، كاشطا عن البياض الذي على القضبان
وهل قشر يعقوب آلاف القضبان واستطاع أن يعرضها أمام عشرات آلاف الأغنام وحده ،وخلال يوم أم أسابيع ؟
38 وأوقف القضبان التي قشرها في الأجران في مساقي الماء حيث كانت الغنم تجيء لتشرب، تجاه الغنم، لتتوحم عند مجيئها لتشرب
39 فتوحمت الغنم عند القضبان، وولدت الغنم مخططات ورقطا وبلقا
توحمت وولدت على الفور خرافا وسخالا بألوان مخططة ومرقطة ، والله راحت على شارلز داروين الذي لم يعرف أن الإنتخاب الطبيعي يمكن أن يتم بسرعات هائلة يهووية ! وسيقطع يعقوب بهذه الخراف والسخال التي ولدت للتو مئات الكيلو مترات ليعود إلى بلاد كنعان !!
40 وأفرز يعقوب الخرفان وجعل وجوه الغنم إلى المخطط وكل أسود بين غنم لابان. وجعل له قطعانا وحده ولم يجعلها مع غنم لابان
41 وحدث كلما توحمت الغنم القوية أن يعقوب وضع القضبان أمام عيون الغنم في الأجران لتتوحم بين القضبان
42 وحين استضعفت الغنم لم يضعها، فصارت الضعيفة للابان والقوية ليعقوب
43 فاتسع الرجل كثيرا جدا، وكان له غنم كثير وجوار وعبيد وجمال وحمير .
رأي الكنيسة المبجلة المختلف في الأمر للقس أنطونيوس فكري. موقع الأنبا تكلا:
(أجتاز بين غنمك.. وأعزل أنت: أي الاثنين يمران سويًا لكن لابان هو الذي يعزل ويختار ويشرف علي عملية الفصل ليضمن حقه. فيكون مثل ذلك أجرتي: أي بعد عزل كل ما هو بلقاء ورقطاء يبقي ما هو أبيض وما هو أسود. وناتج هذا القطيع الأبيض والأسود كل ما يوجد فيه من بلق ورقط مثل الذي عزله لابان يكون من نصيب يعقوب.)
(قبل لابان عرض يعقوب لأنه افترض أن القطيع الأبيض والأسود سيكون نتاجه غالبًا أبيض وأسود وأن البلقاء والرقطاء فيه أي نصيب يعقوب المتفق عليه سيكون هو القليل. ولابان قبل العرض نتيجة جشعه وطمعه ظانا بهذا أنه سيخرج بنصيب الأسد)
القس يرى أن حصة يعقوب ستكون مما ستلده القطعان مما هو مرقط ، وفي هذه الحال ستكون الأمهات من معز ونعاج من نصيب من ؟
ويرى القس أن يعقوب لجأ إلى الخديعة :
(ولكن نجد يعقوب مرة أخرى يسقط في الحلول البشرية والخداع والمكر. فنجده يقشر أعواد بعض النباتات حتى تبدو منقطة ويضعها أمام الغنم التي ستلد حينما يجد الغنم قوية. وهو اعتمد علي فكرة الوحم عند الإناث اللواتي يلدن. فحينما تتوحم الشاة التي ستلد وأمامها ألوان منقطة تكون الشاة المولودة منقطة.)
أنا أرى أن يعقوب بفعلته أخذ القطعان السود والبيض وكل ما أنجبته .. يقول لزوجتيه في الفصل 31 :
6 وأنتما تعلمان أني بكل قوتي خدمت أباكما
7 وأما أبوكما فغدر بي وغير أجرتي عشر مرات. لكن الله لم يسمح له أن يصنع بي شرا
8 إن قال هكذا: الرقط تكون أجرتك، ولدت كل الغنم رقطا. وإن قال هكذا: المخططة تكون أجرتك، ولدت كل الغنم مخططة
9 فقد سلب الله مواشي أبيكما وأعطاني
14 فأجابت راحيل وليئة وقالتا له: ألنا أيضا نصيب وميراث في بيت أبينا
15 ألم نحسب منه أجنبيتين، لأنه باعنا وقد أكل أيضا ثمننا
16 إن كل الغنى الذي سلبه الله من أبينا هو لنا ولأولادنا، فالآن كل ما قال لك الله افعل
17 فقام يعقوب وحمل أولاده ونساءه على الجمال
18 وساق كل مواشيه وجميع مقتناه الذي كان قد اقتنى: مواشي اقتنائه التي اقتنى في فدان أرام، ليجيء إلى إسحاق أبيه إلى أرض كنعان
*******






(15)
*راحيل تسرق آلهة أبيها!!
وافق يعقوب على تغيير مكان اللقاء إلى ما هو أقرب منه . اخترت الهضبة التي شهدت الكثير من أيام طفولتي ونسميها " بطين البيدر" كان الطقس مقبولا ولا ينذر بأمطار ، بعد أن هطلت أمطار غزيرة لما يقرب من ثلاثة أيام . وكانت أعشاب كثيرة قد بدأت تنمو على السفوح لتكسوها باللون الأخضر . لم تحضر سارة هذا اللقاء مما جعله دون حيوية كان يبعثها وجودها !
شرعت في إكمال قراءة وتحليل الفصل الحادي والثلاثين من سفر التكوين ليعقوب.
19 وأما لابان فكان قد مضى ليجز غنمه، فسرقت راحيل أصنام أبيها !
واضح أن راحيل ما تزال متعلقة بعبادة الأصنام ولم تتبع عبادة يهوه ، وإلا ما حاجتها إلى الأصنام .. وواضح أيضا أن لابان لم يكن يتبع عبادة يهوه .
20 وخدع يعقوب قلب لابان الأرامي إذ لم يخبره بأنه هارب
21 فهرب هو وكل ما كان له، وقام وعبر النهر وجعل وجهه نحو جبل جلعاد
22 فأخبر لابان في اليوم الثالث بأن يعقوب قد هرب
23 فأخذ إخوته معه وسعى وراءه مسيرة سبعة أيام، فأدركه في جبل جلعاد
يظهر يهوه للابان في الليل ويحذره من الإساءة ليعقوب . وحين يجتمعان لا يتطرق لابان إلا إلى عدم تمكنه من توديع ابنتيه وأحفاده وسرقة آلهته . يتعذر يعقوب بتخوفه من أن يقوم لابان بالإبقاء على ابنتيه ويعلن له أنه لن يدع من يجد الأصنام لديه يعيش، فهو لم يكن يعرف أن راحيل قامت بسرقة الآلهة ! وحين أدركت راحيل أن أباها سيقوم بالبحث عن الأصنام وضعتها في خرج جمل وجلست عليها متذرعة بالدورة الشهرية وعدم قدرتها على النهوض. فتش أبوها الخباء ولم يعثر على الآلهة :
24 وأتى الله إلى لابان الأرامي في حلم الليل وقال له: احترز من أن تكلم يعقوب بخير أو شر
لم تعد مخاطبة لابان كخال ليعقوب بعد كل ما فعله معه ، بل كآرامي غريب بعد أن كان من العائلة المقدسة !
25 فلحق لابان يعقوب، ويعقوب قد ضرب خيمته في الجبل. فضرب لابان مع إخوته في جبل جلعاد
26 وقال لابان ليعقوب: ماذا فعلت، وقد خدعت قلبي، وسقت بناتي كسبايا السيف
27 لماذا هربت خفية وخدعتني ولم تخبرني حتى أشيعك بالفرح والأغاني، بالدف والعود
28 ولم تدعني أقبل بني وبناتي ؟ الآن بغباوة فعلت
29 في قدرة يدي أن أصنع بكم شرا، ولكن إله أبيكم كلمني البارحة قائلا: احترز من أن تكلم يعقوب بخير أو شر
غريب أن يظهر يهوه أيضا لرجل لا يعبده بل يعبد آلهة أخرى ، ويبدو أن يهوه عرّف نفسه ، وإلا كيف عرف لابان أنه إله اسحق !
30 والآن أنت ذهبت لأنك قد اشتقت إلى بيت أبيك، ولكن لماذا سرقت آلهتي
31 فأجاب يعقوب وقال للابان: إني خفت لأني قلت لعلك تغتصب ابنتيك مني
32 الذي تجد آلهتك معه لا يعيش. قدام إخوتنا انظر ماذا معي وخذه لنفسك. ولم يكن يعقوب يعلم أن راحيل سرقتها
33 فدخل لابان خباء يعقوب وخباء ليئة وخباء الجاريتين ولم يجد. وخرج من خباء ليئة ودخل خباء راحيل
34 وكانت راحيل قد أخذت الأصنام ووضعتها في حداجة الجمل وجلست عليها. فجس لابان كل الخباء ولم يجد
35 وقالت لأبيها: لا يغتظ سيدي أني لا أستطيع أن أقوم أمامك لأن علي عادة النساء. ففتش ولم يجد الأصنام
36 فاغتاظ يعقوب وخاصم لابان. وأجاب يعقوب وقال للابان: ما جرمي ؟ ما خطيتي حتى حميت ورائي
37 إنك جسست جميع أثاثي . ماذا وجدت من جميع أثاث بيتك ؟ ضعه ههنا قدام إخوتي وإخوتك، فلينصفوا بيننا الاثنين
38 الآن عشرين سنة أنا معك. نعاجك وعنازك لم تسقط، وكباش غنمك لم آكل
39 فريسة لم أحضر إليك . أنا كنت أخسرها. من يدي كنت تطلبها. مسروقة النهار أو مسروقة الليل
يقصد أن لابان كان يطالبه بتعويض أية أغنام تسرق!
40 كنت في النهار يأكلني الحر وفي الليل الجليد، وطار نومي من عيني
41 الآن لي عشرون سنة في بيتك. خدمتك أربع عشرة سنة بابنتيك، وست سنين بغنمك. وقد غيرت أجرتي عشر مرات
كم هو ظالم هذا الخال !
42 لولا أن إله أبي إله إبراهيم وهيبة إسحاق كان معي، لكنت الآن قد صرفتني فارغا. مشقتي وتعب يدي قد نظر الله، فوبخك البارحة
43 فأجاب لابان وقال ليعقوب: البنات بناتي، والبنون بني، والغنم غنمي، وكل ما أنت ترى فهو لي. فبناتي ماذا أصنع بهن اليوم أو بأولادهن الذين ولدن
يطمح لابان في الإستيلاء على كل شيء !
44 فالآن هلم نقطع عهدا أنا وأنت، فيكون شاهدا بيني وبينك
45 فأخذ يعقوب حجرا وأوقفه عمودا
46 وقال يعقوب لإخوته: التقطوا حجارة. فأخذوا حجارة وعملوا رجمة وأكلوا هناك على الرجمة
أي أخوة ومن أين جاءوا؟
وأشهدا الآلهة على عهدهما :
53 إله إبراهيم وآلهة ناحور، آلهة أبيهما، يقضون بيننا. وحلف يعقوب بهيبة أبيه إسحاق
الإشارة لاختلاف الآلهة لم ترد من قبل . وهذا يعني أن ناحور وهاران لم يهاجرا مع ابراهيم لأنهما لم يتركا عبادة آلهتهما ..
54 وذبح يعقوب ذبيحة في الجبل ودعا إخوته ليأكلوا طعاما، فأكلوا طعاما وباتوا في الجبل
55 ثم بكر لابان صباحا وقبل بنيه وبناته وباركهم ومضى. ورجع لابان إلى مكانه
*******
يبدو من النص أن ثمة أخذ بمواقف الآلهة . فلابان يأخذ بتحذير يهوه له من التعرض ليعقوب بسوء ، فلو لم يكن له مكانة لديه لما أخذ بتحذيره ،وربما استنجد بآلهته ،ولربما نشب صراع بين آلهة ناحور ويهوه وليس بين الأخوين فحسب .
أما الطريف في الأمر أن الآلهة لا تستطيع أن تخبر عن مكان وجودها، وراحيل تجلس عليها في خرج الجمل . وهكذا يعود لابان دون آلهة ودون أصنام . ولا نعرف ما إذا كان عبدة الأصنام في حينه ينظرون إلى الأصنام كرموز للآلهة ، أم أنها الآلهة نفسها ! أوأنه لا يوجد تفريق بين الإله ورمزه !
******
في الفصل الثاني والثلاثين يا يعقوب ، يتابع يعقوب رحلته ، لتظهر له الملائكة في الطريق دون أن نعرف لماذا ظهرت ، ونكتشف أنه عبر نهر الأردن بعصا ! وأرسل رسلا لاستطلاع الطريق أمامه وإخبار أخيه عيسو عن قدومه. عاد الرسل ليخبروه أن أخاه عيسو قادم للقائه مع أربعمائة رجل . تخوف يعقوب من الأمر وقام بقسم كل ما معه إلى قسمين، حتى إذا أراد عيسو أن يسطو يستولي على أحدهما فقط ، وراح يتضرع إلى يهوه ليقف معه ويحميه من أخيه :
1 وأما يعقوب فمضى في طريقه ولاقاه ملائكة الله
2 وقال يعقوب إذ رآهم : هذا جيش الله. فدعا اسم ذلك المكان محنايم
3 وأرسل يعقوب رسلا قدامه إلى عيسو أخيه إلى أرض سعير بلاد أدوم
4 وأمرهم قائلا: هكذا تقولون لسيدي عيسو: هكذا قال عبدك يعقوب: تغربت عند لابان ولبثت إلى الآن
لماذا كل هذا الخوف من عيسو إلى حد التعامل كإله !
5 وقد صار لي بقر وحمير وغنم وعبيد وإماء. وأرسلت لأخبر سيدي لكي أجد نعمة في عينيك
6 فرجع الرسل إلى يعقوب قائلين: أتينا إلى أخيك، إلى عيسو، وهو أيضا قادم للقائك ، وأربع مئة رجل معه
7 فخاف يعقوب جدا وضاق به الأمر، فقسم القوم الذين معه والغنم والبقر والجمال إلى جيشين
8 وقال: إن جاء عيسو إلى الجيش الواحد وضربه، يكون الجيش الباقي ناجيا
9 وقال يعقوب: يا إله أبي إبراهيم وإله أبي إسحاق، الرب الذي قال لي: ارجع إلى أرضك وإلى عشيرتك فأحسن إليك
10 صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك. فإني بعصاي عبرت هذا الأردن، والآن قد صرت جيشين
11 نجني من يد أخي، من يد عيسو، لأني خائف منه أن يأتي ويضربني الأم مع البنين
وقام يعقوب بانتقاء كم هائل من المواشي والأغنام وأرسله مع العبيد إلى أخيه عيسو:
13 وبات هناك تلك الليلة وأخذ مما أتى بيده هدية لعيسو أخيه
14 مئتي عنز وعشرين تيسا، مئتي نعجة وعشرين كبشا
15 ثلاثين ناقة مرضعة وأولادها، أربعين بقرة وعشرة ثيران، عشرين أتانا وعشرة حمير
16 ودفعها إلى يد عبيده قطيعا قطيعا على حدة. وقال لعبيده: اجتازوا قدامي واجعلوا فسحة بين قطيع وقطيع
17 وأمر الأول قائلا: إذا صادفك عيسو أخي وسألك قائلا: لمن أنت ؟ وإلى أين تذهب ؟ ولمن هذا الذي قدامك
18 تقول: لعبدك يعقوب . هو هدية مرسلة لسيدي عيسو، وها هو أيضا وراءنا
19 وأمر أيضا الثانى والثالث وجميع السائرين وراء القطعان قائلا: بمثل هذا الكلام تكلمون عيسو حينما تجدونه
20 وتقولون: هوذا عبدك يعقوب أيضا وراءنا. لأنه قال: أستعطف وجهه بالهدية السائرة أمامي ، وبعد ذلك أنظر وجهه، عسى أن يرفع وجهي
جيد ان يعقوب كان يملك كل هذا الثمن لإرضاء أخيه !
21 فاجتازت الهدية قدامه، وأما هو فبات تلك الليلة في المحلة
هذا المبيت ليعقوب بعد أن أرسل اسرته إلى مكان آمن :
22 ثم قام في تلك الليلة وأخذ امرأتيه وجاريتيه وأولاده الأحد عشر وعبر مخاضة يبوق
23 أخذهم وأجازهم الوادي، وأجاز ما كان له
* يهوة يصارع يعقوب!
يبدو أن يعقوب عاد ليبيت في المحلة ، حيث حدث ما لا يتوقعه أحد . فقد شاء يهوه أن ينزل من علياء سمائه ليصارع يعقوب تلك الليلة . فيهوه كما يبدو يهوى المصارعة ، فكيف ليعقوب الإنسان أن يصارع إلها ؟ ثم هل الوقت وقت مصارعة ؟ هذا المؤلف يوظف يهوه كما يشاء!
24 فبقي يعقوب وحده، وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر
واضح أن يهوه نزل مجسدا في جسد انساني إن لم يكن هو انسان كما مرمعنا في مشاهد أخرى ، لكن يبدو انه كإنسان إله قادر على التجسد في أشياء أخرى غير انسانية :
25 ولما رأى أنه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه، فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه
لا نعرف ما هي الغاية من هذه المصارعة التي أرادها المؤلف، ولا نعرف كيف لا يستطيع يهوه الإنتصار على يعقوب ، وأنه في حاجة إلى كسر حق فخذه لينتصر عليه ؟ّ! هل يعقل هذا ؟ إله الكون القادرعلى كل شيء يعجز أمام يعقوب ! سبق وأن قلنا في نص سابق أن للأسطورة منطقها أيضا ، أما اسطورة مصارعة يهوه ليعقوب فلا تخضع لأي منطق ، ولذلك يتجاهل النص القرآني معظم هذه التفاصيل في النصوص التوراتية . لأنه ليس في مقدور العقل أن يتقبلها . عدا أن النصوص القرآنية لم تظهر الله في أي منها على الإطلاق ، وأبقت عليه في مكانة سامية عن البشر والوجود، ونزهته إلى أبعد حدود المطلق . وجعلت من ملاك ( جبريل ) وسيطا .. وهذا الأمر يشير إلى تطورالعقل العربي وتطور مفهوم الألوهة ليبلغ أقصى مدى له . وليس من اليسير على أي عقل بعد ذلك أن يأتي بمفهوم أرقى للوجود الإلهي . لذلك توقف ظهور الآلهة والأديان ولو في منطقتنا. ولم يجد ابن عربي كأكبر مفكر اسلامي إلا أن يعتبرالله حقيقة سارية في الكون من أعلاه إلى أدناه حين أراد تعريفه . ولم نجد نحن بدورنا، إلا أن نعرف الحقيقة التي أشار إليها ابن عربي، بأنها الطاقة . الطاقة ولا شيء غير ذلك .
26 وقال: أطلقني، لأنه قد طلع الفجر. فقال: لا أطلقك إن لم تباركني .
وماذا يعني طلوع الفجر ؟ هل يخاف يهوة طلوع الفجر أم أن لديه موعدا ما ؟! ثم إنه كإله ، كان في مقدوره أن يؤخر طلوع الفجر . هذه المعجزات لا يقدرعليها إلا الإله الإسلامي . فالعقل الإسلامي عرف كيف يوظف الأسطورة في معظم الأحيان أو بعضها على الأقل .
وكيف يطلب يعقوب من انسان أن يباركه ،طالما لا يوجد ما يشير إلى أنه عرف أن من يصارعه هو يهوه شخصيا ؟!
27 فقال له: ما اسمك ؟ فقال: يعقوب
عجيب ! ويهوه لا يعرف أن من يصارعه هو يعقوب فيسأله عن اسمه !
28 فقال: لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل، لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت
( اسر- إيل ) أي أسير إيل . أو عبد الإله ايل . أو عبد الله . وثمة من يفسرونها جندي الله أو الذي أسر الله . لكن الأصح هو عبد الله حسب رأينا .
29 وسأل يعقوب وقال: أخبرني باسمك. فقال: لماذا تسأل عن اسمي ؟ وباركه هناك
لا يريد يهوه أن يعرفه عبده يعقوب مع أنه طلب مباركته فباركه !
30 فدعا يعقوب اسم المكان فنيئيل ( وجه الله ) قائلا: لأني نظرت الله وجها لوجه، ونجيت نفسي
من أين جاءت هذه المعرفة أنه كان يصارع الله ؟!
31 وأشرقت له الشمس إذ عبر فنوئيل وهو يخمع على فخذه
32 لذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النسا الذي على حق الفخذ إلى هذا اليوم، لأنه ضرب حق فخذ يعقوب على عرق النسا
وهل هذا الكلام صحيح . أنا شخصيا لا أعرف ، وإن كان يفترض أن العرق في اللحم لا يؤكل أينما كان !
***
* بنو اسرائيل يقتلون رجال شكيم ويسبون نساءها وينهبون مواشيها!
* رأوبين يضاجع بلهة أم أخويه دان ونفتالي !
في الفصل ( 33) يا يعقوب، يلتقي الأخوان عيسو ويعقوب ويتصالحان ، لكن بعد أن سجد يعقوب لعيسو سبع مرات ، وسجد له جميع أبنائه ونسائه وجواريه وبالتأكيد عبيده . وهذا أمر مخالف لنبوءة اسحق ،ولو إلى حين !
لم يقم يعقوب في الأرض التي يقيم فيها عيسو .. فقد ذهب ليقيم في أرض اشتراها في شكيم . يفترض أنها نابلس .
* يعقوب وكل من معه يسجدون لعيسو وكأنه إله !
1 ورفع يعقوب عينيه ونظر وإذا عيسو مقبل ومعه أربع مئة رجل، فقسم الأولاد على ليئة وعلى راحيل وعلى الجاريتين
2 ووضع الجاريتين وأولادهما أولا، وليئة وأولادها وراءهم، وراحيل ويوسف أخيرا
3 وأما هو فاجتاز قدامهم وسجد إلى الأرض سبع مرات حتى اقترب إلى أخي
6 فاقتربت الجاريتان هما وأولادهما وسجدتا له
7 ثم اقتربت ليئة أيضا وأولادها وسجدوا. وبعد ذلك اقترب يوسف وراحيل وسجدا
4 فركض عيسو للقائه وعانقه ووقع على عنقه وقبله، وبكيا
5 ثم رفع عينيه وأبصر النساء والأولاد وقال: ما هؤلاء منك ؟ فقال: الأولاد الذين أنعم الله بهم على عبدك
6 فاقتربت الجاريتان هما وأولادهما وسجدتا
7 ثم اقتربت ليئة أيضا وأولادها وسجدوا. وبعد ذلك اقترب يوسف وراحيل وسجدا
وكأنه مثول أمام الله نفسه ! ولا نعرف لماذا لم يغضب يهوة على هذا السلوك المهين له ، إذ يبدو أن عيسو سينافسه على الألوهة .
8 فقال: ماذا منك كل هذا الجيش الذي صادفته ؟ فقال: لأجد نعمة في عيني سيدي
9 فقال عيسو: لي كثير ، يا أخي. ليكن لك الذي لك
10 فقال يعقوب: لا. إن وجدت نعمة في عينيك تأخذ هديتي من يدي، لأني رأيت وجهك كما يرى وجه الله، فرضيت علي
صار وجه عيسو يماثل وجه الله !
11 خذ بركتي التي أتي بها إليك، لأن الله قد أنعم علي ولي كل شيء. وألح عليه فأخذ
12 ثم قال: لنرحل ونذهب، وأذهب أنا قدامك
13 فقال له: سيدي عالم أن الأولاد رخصة، والغنم والبقر التي عندي مرضعة، فإن استكدوها يوما واحدا ماتت كل الغنم
14 ليجتز سيدي قدام عبده، وأنا أستاق على مهلي في إثر الأملاك التي قدامي، وفي إثر الأولاد، حتى أجيء إلى سيدي إلى سعير
15 فقال عيسو: أترك عندك من القوم الذين معي. فقال: لماذا ؟ دعني أجد نعمة في عيني سيدي
16 فرجع عيسو ذلك اليوم في طريقه إلى سعير
17 وأما يعقوب فارتحل إلى سكوت، وبنى لنفسه بيتا، وصنع لمواشيه مظلات. لذلك دعا اسم المكان سكوت
18 ثم أتى يعقوب سالما إلى مدينة شكيم التي في أرض كنعان، حين جاء من فدان أرام. ونزل أمام المدينة
19 وابتاع قطعة الحقل التي نصب فيها خيمته من يد بني حمور أبي شكيم بمئة قسيطة
20 وأقام هناك مذبحا ودعاه إيل إله إسرائيل
******
*بنو اسرائيل يفتكون برجال شكيم ( نابلس) ويسبون نساءهم ومواشيهم !
* المكر في الزمن القديم لا يختلف عن المكر في زمن اوسلو الحديث!
في الفصل الرابع والثلاثين يا يعقوب يرتكب بنو اسرائيل أول مجزرة كبيرة بحق الفلسطينيين . إذ لم تجر الأمور على ما يرام حين تعرض شكيم لدينة ابنة يعقوب وضاجعها :
1 وخرجت دينة ابنة ليئة التي ولدتها ليعقوب لتنظر بنات الأرض
2 فرآها شكيم ابن حمورالحوي رئيس الأرض، وأخذها واضطجع معها وأذلها
غير أن كتبة التوراة يقولون عكس ذلك في السطر اللاحق مما يشيرإلى أنه ضاجع الفتاة برضاها ولم يذلها أو يغتصبها كما أنه كلم أباه ليتخذها زوجة له :
3 وتعلقت نفسه بدينة ابنة يعقوب، وأحب الفتاة ولاطف الفتاة
4 فكلم شكيم حمور أباه قائلا: خذ لي هذه الصبية زوجة
6 فخرج حمور أبو شكيم إلى يعقوب ليتكلم معه
7 وأتى بنو يعقوب من الحقل حين سمعوا. وغضب الرجال واغتاظوا جدا لأنه صنع قباحة في إسرائيل بمضاجعة ابنة يعقوب، وهكذا لا يصنع
8 وتكلم حمور معهم قائلا: شكيم ابني قد تعلقت نفسه بابنتكم. أعطوه إياها زوجة
9 وصاهرونا. تعطوننا بناتكم، وتأخذون لكم بناتنا
يلاحظ أن الكنعانيين وشعوب المنطقة كلها . لم تكن تمانع من زواج بناتها من العبرانيين أو من بني اسرائيل تحديدا . ونادرا ما يذكر أن كنعانيا تزوج من عبرانية . فنحن هنا أمام حالة شبه استثنائية .
10 وتسكنون معنا، وتكون الأرض قدامكم. اسكنوا واتجروا فيها وتملكوا بها
11 ثم قال شكيم لأبيها ولإخوتها: دعوني أجد نعمة في أعينكم. فالذي تقولون لي أعطي
12 كثروا علي جدا مهرا وعطية، فأعطي كما تقولون لي. وأعطوني الفتاة زوجة
لم يذكر أي مهر لكنعانية تزوجت من عبراني . هنا نجد العكس أن الكنعاني سيدفع أي مهر يطلبون . ويا ليت الأمر نفع . لقد كان الثمن فظيعا !
لم يختلف نبل وكرم حمور عن نبل وكرم أبيمالك من قبل . فلم يترك شيئا إلا وقدمه .السكن والإقامة والمتاجرة والتملك والمصاهرة . أي أن يتحولوا إلى أسرة واحدة .
13 فأجاب بنو يعقوب شكيم وحمور أباه بمكر وتكلموا. لأنه كان قد نجس دينة أختهم
المكر ضرورة عند هؤلاء القوم ! كما هو المكر الحديث في اتفاقية أو سلو !!
14 فقالوا لهما: لا نستطيع أن نفعل هذا الأمر أن نعطي أختنا لرجل أغلف، لأنه عار لنا
يا لطيف شو هالعار الفظيع. أغلف ! ( غير مختون )؟!
15 غير أننا بهذا نواتيكم: إن صرتم مثلنا بختنكم كل ذكر
جيد أن اوسلوا لم تشترط شرطا من هذا النوع كأن يختتن الفلسطينيون غير المختونين ، كالمسيحيين مثلا !
16 نعطيكم بناتنا ونأخذ لنا بناتكم، ونسكن معكم ونصير شعبا واحدا
17 وإن لم تسمعوا لنا، أن تختتنوا، نأخذ ابنتنا ونمضي
18 فحسن كلامهم في عيني حمور وفي عيني شكيم بن حمور
أيها الحمقى !
19 ولم يتأخر الغلام أن يفعل الأمر، لأنه كان مسرورا بابنة يعقوب. وكان أكرم جميع بيت أبيه
20 فأتى حمور وشكيم ابنه إلى باب مدينتهما، وكلما أهل مدينتهما قائلين
21 هؤلاء القوم مسالمون لنا. فليسكنوا في الأرض ويتجروا فيها. وهوذا الأرض واسعة الطرفين أمامهم. نأخذ لنا بناتهم زوجات ونعطيهم بناتنا
مسالمون ؟ طيبة فوق العادة ، وكان الثمن غاليا وفظيعا !
22 غير أنه بهذا فقط يواتينا القوم على السكن معنا لنصير شعبا واحدا: بختننا كل ذكر كما هم مختونون
24 فسمع لحمور وشكيم ابنه جميع الخارجين من باب المدينة، واختتن كل ذكر. كل الخارجين من باب المدينة
وهكذا اختتن جميع ذكور شكيم من الطفل إلى الشيخ اذعانا للمشيئة الإسرائلية فماذا جرى بعد ذلك ؟
25 فحدث في اليوم الثالث إذ كانوا متوجعين أن ابني يعقوب، شمعون ولاوي أخوي دينة، أخذا كل واحد سيفه وأتيا على المدينة بأمن وقتلا كل ذكر
26 وقتلا حمور وشكيم ابنه بحد السيف، وأخذا دينة من بيت شكيم وخرجا
27 ثم أتى بنو يعقوب على القتلى ونهبوا المدينة، لأنهم نجسوا أختهم
( أتى بنو يعقوب على القتلى ) أي أجهزوا عليهم وهم قتلى ، فقد يكون رمق حياة في أحدهم . ونهبوا المدينة وسبوا النساء والأطفال .أي ثمن باهظ دفعه أهل شكيم مقابل حسن نواياهم ، أو حماقتهم ! ونأمل أن لا ننتهي في عصر اوسلو إلى هذا الوضع الفظيع !
28 غنمهم وبقرهم وحميرهم وكل ما في المدينة وما في الحقل أخذوه
29 وسبوا ونهبوا كل ثروتهم وكل أطفالهم، ونساءهم وكل ما في البيوت
30 فقال يعقوب لشمعون ولاوي: كدرتماني بتكريهكما إياي عند سكان الأرض الكنعانيين والفرزيين، وأنا نفر قليل. فيجتمعون علي ويضربونني، فأبيد أنا وبيتي
تخوف يعقوب في محله مع أنه لم يمنع أبناءه عن فظاعة انتقامهم .
31 فقالا: أنظير زانية يفعل بأختنا
يقصدان ابن عاهرة !
يقول القمص تادرس يعقوب في تفسيره لما جرى :
"إنها بلا شك جريمة وحشية أزعجت نفس يعقوب وكدرته، إذ خاف لئلا تجتمع الأمم المجاورة معًا وتنتقم لأهل شكيم، خاصة وأنه غريب ويمثل نفرًا قليلًا.
إن كان يعقوب قد ألقى اللوم على ابنيه لمكرهما، ففي الواقع إنما يشرب من ذات الكأس التي مزجها، لقد سبق فاستخدم مكره في اغتصاب البركة من أبيه، فصارت حياته سلسلة لا تنقطع من المرارة بسبب مكر الآخرين وغدرهم به، حتى وإن كان هؤلاء الآخرون هم أبناءه. تصرف يعقوب بمكر فغدر به لابان عشر مرات، والآن يتكدر بسبب مكر ابنيه، ويبقى يعقوب حتى الشيخوخة يحصد ما زرعه.
القمص يضع اللوم على يعقوب ويبدو شامتا فيه أيضا !
******

















(16)
* زوجة الخصي المصري تراود يوسف عن نفسه !!
عدت إلى مرافقة أبي للإستماع إلى محاضرات عارف نذير الحق . تساءل أبي عما إذا كنت سأعشق الرجل أم أن الأمر مجرد رغبة في الإستماع إليه وهو يقرأ لنا فصول توراتنا ويعلق عليها ؟ لم يفاجأ أبي لتأثره بشخصية عارف ، حين قلت له :
- في الحقيقة باب أن الرجل من النوع الذي يعشق رغم شيخوخته !
- ما الذي أعجبك أكثر في شخصيته ساراي؟
- ثقافته باب . أنا لم اواجه رجلا في حياتي يحمل هذه الثقافة المختلفة إلى حد كبير عن مختلف ثقافات الآخرين. شعرت وأنا أقرأ تسجيلات محاضراته ومن ثم أستمع إليه أنني أمام فيلسوف من نوع أفلاطوني مختلف ينقلني إلى عصور مابعد التاريخ المعاصر، عصور أقرب إلى الحلم الإنساني !
- يبدو أنه كذلك آبا ! انسان لديه رؤية شمولية للوجود والغاية منه . يحمل فكرا انسانيا ينتمي إلى حضارة مستقبلية ينبغي على البشرية أن تسعى إليها، ليكون لوجودها معنى .. ولا ينظر إلينا كمحتلين لوطنه خارج هذه الرؤية ، بل إنه يفترض لنا مستقبلا مشتركا مع العرب غير معزول عن العالم ، يساهم في صنع الحضارة بدلا من أن يكون عبئا عليها ..
وجدنا عارف قد سبقنا وأحضر معه دلّة فيها قهوة . رحب بنا وشرع في سكب القهوة لنا في فناجين صغيرة . قال أبي أنه لن يشرب القهوة ما لم يعده عارف بتلبية دعوته على غداء أوعشاء . وعده بأنه سيحاول تلبية الدعوة بعد أن نختتم قراءة وتحليل سفرالتكوين . وشرع في الحديث :
- في الفصل الخامس والثلاثين نجد مؤلفا يؤكد على قدسية الإله الكنعاني إيل وعلاقة يهوه به :
1 ثم قال الله ليعقوب : قم اصعد إلى بيت إيل وأقم هناك، واصنع هناك مذبحا لله الذي ظهر لك حين هربت من وجه عيسو أخيك
2 فقال يعقوب لبيته ولكل من كان معه: اعزلوا الآلهة الغريبة التي بينكم وتطهروا وأبدلوا ثيابكم
يبدو أن راحيل ما تزال محتفظة بآلهة أبيها ! والغريب أن يعقوب عرف ذلك وإلا كيف طلب عزل الآلهة !
3 ولنقم ونصعد إلى بيت إيل، فأصنع هناك مذبحا لله الذي استجاب لي في يوم ضيقتي، وكان معي في الطريق الذي ذهبت فيه
4 فأعطوا يعقوب كل الآلهة الغريبة التي في أيديهم والأقراط التي في آذانهم، فطمرها يعقوب تحت البطمة التي عند شكيم
5 ثم رحلوا، وكان خوف الله على المدن التي حولهم، فلم يسعوا وراء بني يعقوب
يقصد أن سكان المدن الكنعانية كان لديهم مخافة الله، أي مخافة الإله إيل فلم يلحقوا بهم ، فهل سامحوهم بمقتل رجال شكيم ونهبها وسبي نساءها ؟
6 فأتى يعقوب إلى لوز التي في أرض كنعان، وهي بيت إيل. هو وجميع القوم الذين معه
7 وبنى هناك مذبحا، ودعا المكان إيل بيت إيل لأنه هناك ظهر له الله حين هرب من وجه أخيه
8 وماتت دبورة مرضعة رفقة ودفنت تحت بيت إيل تحت البلوطة، فدعا اسمها ألون باكوت
لم يكن دور مهم لدبورة من قبل في حياة العائلة فلماذا ظهرت عند موتها ؟
كما يفترض أنها مع اسحق في حبرون ( الخليل)
9 وظهر الله ليعقوب أيضا حين جاء من فدان أرام وباركه
10 وقال له الله: اسمك يعقوب. لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب، بل يكون اسمك إسرائيل. فدعا اسمه إسرائيل
عرفنا ذلك من فصل المصارعة فلماذ تكراره الآن ؟
11 وقال له الله: أنا الله القدير. أثمر واكثر. أمة وجماعة أمم تكون منك، وملوك سيخرجون من صلبك
هلكنا يهوه بهذه الوعود من ابراهيم إلى اسحق فيعقوب !
12 والأرض التي أعطيت إبراهيم وإسحاق، لك أعطيها، ولنسلك من بعدك أعطي الأرض
يكثر خيرك فهمنا والله كم مرة ستمنحهم الأرض ؟
13 ثم صعد الله عنه في المكان الذي فيه تكلم معه
- ما له حق كان لازم يتغدى معه!
شرعت في الضحك ، فيما عارف يتابع وهو يبتسم :
14 فنصب يعقوب عمودا في المكان الذي فيه تكلم معه، عمودا من حجر، وسكب عليه سكيبا، وصب عليه زيتا
كمان الحجر بده سكيب وزيت ؟!
15 ودعا يعقوب اسم المكان الذي فيه تكلم الله معه بيت إيل
قبل أن يصعد هو وأسرته إلى البلده قال أنه سيصعد إلى بيت إيل ، أي أن اسمها كان بيت إيل قبل أن يصعد إليها ،أما الآن فلم تتحول إلى بيت إيل إلا بعد أن ظهر يهوه فيها وأقام له يعقوب عمودا !!
16 ثم رحلوا من بيت إيل . ولما كان مسافة من الأرض بعد حتى يأتوا إلى أفراتة، ولدت راحيل وتعسرت ولادتها
17 وحدث حين تعسرت ولادتها أن القابلة قالت لها: لا تخافي، لأن هذا أيضا ابن لك
18 وكان عند خروج نفسها ، لأنها ماتت، أنها دعت اسمه بن أوني. وأما أبوه فدعاه بنيامين
19 فماتت راحيل ودفنت في طريق أفراتة، التي هي بيت لحم
الحق على يهوه كان يجب أن يقف مع راحيل في ولادتها . فهل تركها تموت هكذا؟
20 فنصب يعقوب عمودا على قبرها، وهو عمود قبر راحيل إلى اليوم
21 ثم رحل إسرائيل ونصب خيمته وراء مجدل عدر
بدأ المؤلف يوظف اسم اسرائيل بدلا من يعقوب حسب ما أوصى يهوه !
22 وحدث إذ كان إسرائيل ساكنا في تلك الأرض، أن رأوبين ذهب واضطجع مع بلهة سرية أبيه، وسمع إسرائيل وكان بنو يعقوب اثني عشر
سمع يعقوب أن ابنه رأوبين ضاجع بلهة أم ابنيه دان ونفتالي ولم يفعل شيئا . هذا الأمر سيكون له شأن في الفصل السابع والثلاثين مع يوسف، فهو من أعلم أباه (بالنميمة) وهي مضاجعة رأوبين لبلهة، التي لم يخبرنا المؤلف كيف سمع يعقوب بها !
27 وجاء يعقوب إلى إسحاق أبيه إلى ممرا، قرية أربع، التي هي حبرون، حيث تغرب إبراهيم وإسحاق
28 وكانت أيام إسحاق مئة وثمانين سنة
29 فأسلم إسحاق روحه ومات وانضم إلى قومه، شيخا وشبعان أياما. ودفنه عيسو ويعقوب ابناه .
إذا كانت أعمار بني اسرائيل في ذلك الزمن هكذا ، فيفترض أنها الآن تتجاوز الألفي عام مع تقدم الطب !
****
في الفصل السادس والثلاثين يبدأ المؤلف بتعداد أبناء عيسو وأنسالهم كما يتطرق ثانية إلى نسائه :
1 وهذه مواليد عيسو، الذي هو أدوم
2 أخذ عيسو نساءه من بنات كنعان: عدا بنت إيلون الحثي، وأهوليبامة بنت عنى بنت صبعون الحوي
3 وبسمة بنت إسماعيل أخت نبايوت
4 فولدت عدا لعيسو أليفاز، وولدت بسمة رعوئيل
5 وولدت أهوليبامة: يعوش ويعلام وقورح. هؤلاء بنو عيسو الذين ولدوا له في أرض كنعان
6 ثم أخذ عيسو نساءه وبنيه وبناته وجميع نفوس بيته ومواشيه وكل بهائمه وكل مقتناه الذي اقتنى في أرض كنعان، ومضى إلى أرض أخرى من وجه يعقوب أخيه
7 لأن أملاكهما كانت كثيرة على السكنى معا، ولم تستطع أرض غربتهما أن تحملهما من أجل مواشيهما
الطريف أن يستخدم المؤلف تعبير ( أرض غربتهما ) وكأنه لا يقتنع بمنح الرب الأرض لبني ابراهيم واسحق واسرائيل !
8 فسكن عيسو في جبل سعير. وعيسو هو أدوم
9 وهذه مواليد عيسو أبي أدوم في جبل سعير
10 هذه أسماء بني عيسو : أليفاز ابن عدا امرأة عيسو، ورعوئيل ابن بسمة امرأة عيسو
11 وكان بنو أليفاز: تيمان وأومار وصفوا وجعثام وقناز
12 وكانت تمناع سرية لأليفاز بن عيسو، فولدت لأليفاز عماليق. هؤلاء بنو عدا امرأة عيسو
13 وهؤلاء بنو رعوئيل: نحث وزارح وشمة ومزة. هؤلاء كانوا بني بسمة امرأة عيسو
14 وهؤلاء كانوا بني أهوليبامة بنت عنى بنت صبعون امرأة عيسو، ولدت لعيسو: يعوش ويعلام وقورح
15 هؤلاء أمراء بني عيسو: بنو أليفاز بكر عيسو: أمير تيمان وأمير أومار وأمير صفو وأمير قناز
يتابع المؤلف إيراد ما هب ودب من الأسماء وما تبع أصحابها من قبائل وأمم !!
16 وأمير قورح وأمير جعثام وأمير عماليق. هؤلاء أمراء أليفاز في أرض أدوم. هؤلاء بنو عدا
17 وهؤلاء بنو رعوئيل بن عيسو: أمير نحث وأمير زارح وأمير شمة وأمير مزة. هؤلاء أمراء رعوئيل في أرض أدوم. هؤلاء بنو بسمة امرأة عيسو
*****
يطالعنا السفر السابع والثلاثين بالحديث عن نميمة أخبرها يوسف لأبيه يعقوب، لا نعرف ما هي، ولا شك أنها هي من جعلت أخوته يكرهونه .. وحسب ما ذكر في النصوص ليس هناك حدث سري يدعو للنميمة سوى مضاجعة رأوبين لبلهة زوجة أبيه وأم أخوية دان ونفتالي . وربما زاد ذلك من محبة أبيه له كونه آخر العنقود وابن راحيل المحبوبة الأولى :
2 هذه مواليد يعقوب: يوسف إذ كان ابن سبع عشرة سنة، كان يرعى مع إخوته الغنم وهو غلام عند بني بلهة وبني زلفة امرأتي أبيه، وأتى يوسف بنميمتهم الرديئة إلى أبيهم
أي أن يوسف كان راعيا لقطعان دان ونفتالي ابني بلهة من ضمن ما يرعى من قطعان . ولذلك سمع بمضاجعة راوبين لبلهة أمهما واعتبرها نميمة.
3 وأما إسرائيل فأحب يوسف أكثر من سائر بنيه لأنه ابن شيخوخته، فصنع له قميصا ملونا
4 فلما رأى إخوته أن أباهم أحبه أكثر من جميع إخوته أبغضوه، ولم يستطيعوا أن يكلموه بسلام
ومما زاد الأمر سوءا هو أحلام يوسف التي تنم عن طموح فوقي بالتسيد على الآخرين حتى اخوته وأسرته:
5 وحلم يوسف حلما وأخبر إخوته، فازدادوا أيضا بغضا له
6 فقال لهم: اسمعوا هذا الحلم الذي حلمت
7 فها نحن حازمون حزما في الحقل، وإذا حزمتي قامت وانتصبت، فاحتاطت حزمكم وسجدت لحزمتي
8 فقال له إخوته: ألعلك تملك علينا ملكا أم تتسلط علينا تسلطا ؟ وازدادوا أيضا بغضا له من أجل أحلامه ومن أجل كلامه
9 ثم حلم أيضا حلما آخر وقصه على إخوته، فقال: إني قد حلمت حلما أيضا، وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدة لي
هذا الحلم يرقى به إلى مرتبة ألوهية !
10 وقصه على أبيه وعلى إخوته، فانتهره أبوه وقال له: ما هذا الحلم الذي حلمت ؟ هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض
نسي يعقوب أن راحيل ماتت! إلا إذا كانت ستخرج من القبر لتسجد لابنها!
11 فحسده إخوته، وأما أبوه فحفظ الأمر
12 ومضى إخوته ليرعوا غنم أبيهم عند شكيم
13 فقال إسرائيل ليوسف : أليس إخوتك يرعون عند شكيم ؟ تعال فأرسلك إليهم. فقال له:هأنذا
غير معقول أن تكون الإقامة في الخليل وأن يتم الرعي في نابلس . هذا يعني أن القطعان ستقطع عشرات الكيلو مترات يوميا لترعى ! وهذا يشير إلى أن المكانين قريبان جدا من بعضهما بحيث يمكن للقطيع أن يصل المراعي خلال نصف ساعة على الأكثر .
14 فقال له: اذهب انظر سلامة إخوتك وسلامة الغنم ورد لي خبرا. فأرسله من وطاء حبرون فأتى إلى شكيم
19 فقال بعضهم لبعض: هوذا هذا صاحب الأحلام قادم
20 فالآن هلم نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول: وحش رديء أكله. فنرى ماذا تكون أحلامه
هل يمكن لأخوة أن يفكروا بقتل أخيهم بهذه البساطة !؟
21 فسمع رأوبين وأنقذه من أيديهم، وقال: لا نقتله
رأوبين تحديدا هو من كان ضد الأمر، ربما لأن يوسف كان حريصا على أن لا يعرف أبوه بقصته مع زوجته بلهه وأخبره عنها كنميمة!
22 وقال لهم رأوبين: لا تسفكوا دما. اطرحوه في هذه البئر التي في البرية ولا تمدوا إليه يدا. لكي ينقذه من أيديهم ليرده إلى أبيه
23 فكان لما جاء يوسف إلى إخوته أنهم خلعوا عن يوسف قميصه، القميص الملون الذي عليه
24 وأخذوه وطرحوه في البئر. وأما البئر فكانت فارغة ليس فيها ماء
25 ثم جلسوا ليأكلوا طعاما. فرفعوا عيونهم ونظروا وإذا قافلة إسماعيليين مقبلة من جلعاد، وجمالهم حاملة حاملة كثيراء وبلسانا ولاذنا، ذاهبين لينزلوا بها إلى مصر
26 فقال يهوذا لإخوته: ما الفائدة أن نقتل أخانا ونخفي دمه
27 تعالوا فنبيعه للإسماعيليين، ولا تكن أيدينا عليه لأنه أخونا ولحمنا. فسمع له إخوته
28 واجتاز رجال مديانيون تجار، فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر، وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة. فأتوا بيوسف إلى مصر
كان يجب أن يتم الحديث عن المديانين وقدومهم قبل الإسماعيليين .!
ثمة سرد ضعيف جدا .. في النص القرآني ترد قصة يوسف بلغة غاية في البلاغة والجمال .
29 ورجع رأوبين إلى البئر، وإذا يوسف ليس في البئر، فمزق ثيابه
يفترض ان البئر كانت على مرأى من أعينهم وإلا كيف رأوا الإسماعيليين ؟
30 ثم رجع إلى إخوته وقال: الولد ليس موجودا، وأنا إلى أين أذهب
31 فأخذوا قميص يوسف وذبحوا تيسا من المعزى وغمسوا القميص في الدم
32 وأرسلوا القميص الملون وأحضروه إلى أبيهم وقالوا: وجدنا هذا. حقق أقميص ابنك هو أم لا
33 فتحققه وقال: قميص ابني وحش رديء أكله، افترس يوسف افتراسا
34 فمزق يعقوب ثيابه، ووضع مسحا على حقويه، وناح على ابنه أياما كثيرة
35 فقام جميع بنيه وجميع بناته ليعزوه، فأبى أن يتعزى وقال: إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الهاوية. وبكى عليه أبوه
36 وأما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون، رئيس الشرط
****
وهكذا انتهى يوسف إلى مصر ليبدأ نجمه بالصعود . غير أن قصة بطلها يهوذا ترد في الفصل الثامن والثلاثين تدخل على قصة يوسف دون أي مبرر .وكان يجب أن تحتل فصلا في مكان غير هذا . .
1 وحدث في ذلك الزمان أن يهوذا نزل من عند إخوته، ومال إلى رجل عدلامي اسمه حيرة
2 ونظر يهوذا هناك ابنة رجل كنعاني اسمه شوع، فأخذها ودخل عليها
3 فحبلت وولدت ابنا ودعا اسمه عير
4 ثم حبلت أيضا وولدت ابنا ودعت اسمه أونان
5 ثم عادت فولدت أيضا ابنا ودعت اسمه شيلة. وكان في كزيب حين ولدته
6 وأخذ يهوذا زوجة لعير بكره اسمها ثامار
7 وكان عير بكر يهوذا شريرا في عيني الرب، فأماته الرب
لم نعرف شيئا من شرانية عير وكيف أماته الرب !
8 فقال يهوذا لأونان: ادخل على امرأة أخيك وتزوج بها، وأقم نسلا لأخيك
كيف يكون النسل لأخيه ؟
9 فعلم أونان أن النسل لا يكون له، فكان إذ دخل على امرأة أخيه أنه أفسد على الأرض، لكي لا يعطي نسلا لأخيه
وهذا صدّق أن النسل سيكون لأخيه فقذف على الأرض وليس في فرج ثامار !
10 فقبح في عيني الرب ما فعله، فأماته أيضا
أصبح يهوه يعرف وينتقم بالموت !
11 فقال يهوذا لثامار كنته: اقعدي أرملة في بيت أبيك حتى يكبر شيلة ابني. لأنه قال: لعله يموت هو أيضا كأخويه. فمضت ثامار وقعدت في بيت أبيها
12 ولما طال الزمان ماتت ابنة شوع امرأة يهوذا. ثم تعزى يهوذا فصعد إلى جزاز غنمه إلى تمنة، هو وحيرة صاحبه العدلامي
13 فأخبرت ثامار وقيل لها: هوذا حموك صاعد إلى تمنة ليجز غنمه
14 فخلعت عنها ثياب ترملها، وتغطت ببرقع وتلففت، وجلست في مدخل عينايم التي على طريق تمنة، لأنها رأت أن شيلة قد كبر وهي لم تعط له زوجة
15 فنظرها يهوذا وحسبها زانية، لأنها كانت قد غطت وجهها
16 فمال إليها على الطريق وقال: هاتي أدخل عليك. لأنه لم يعلم أنها كنته. فقالت: ماذا تعطيني لكي تدخل علي
17 فقال: إني أرسل جدي معزى من الغنم. فقالت: هل تعطيني رهنا حتى ترسله
لا أظن أن مضاجعة زانية كانت تساوي جديا ذلك الزمن !
18 فقال: ما الرهن الذي أعطيك ؟ فقالت: خاتمك وعصابتك وعصاك التي في يدك. فأعطاها ودخل عليها، فحبلت منه
النساء دائما في حالة اخصاب وجاهزات للحبل !
19 ثم قامت ومضت وخلعت عنها برقعها ولبست ثياب ترملها
20 فأرسل يهوذا جدي المعزى بيد صاحبه العدلامي ليأخذ الرهن من يد المرأة، فلم يجدها
21 فسأل أهل مكانها قائلا: أين الزانية التي كانت في عينايم على الطريق ؟ فقالوا: لم تكن ههنا زانية
22 فرجع إلى يهوذا وقال : لم أجدها. وأهل المكان أيضا قالوا: لم تكن ههنا زانية
23 فقال يهوذا: لتأخذ لنفسها، لئلا نصير إهانة. إني قد أرسلت هذا الجدي وأنت لم تجدها
24 ولما كان نحو ثلاثة أشهر، أخبر يهوذا وقيل له: قد زنت ثامار كنتك، وها هي حبلى أيضا من الزنا. فقال يهوذا: أخرجوها فتحرق
25 أما هي فلما أخرجت أرسلت إلى حميها قائلة: من الرجل الذي هذه له أنا حبلى وقالت: حقق لمن الخاتم والعصابة والعصا هذه
26 فتحققها يهوذا وقال : هي أبر مني، لأني لم أعطها لشيلة ابني. فلم يعد يعرفها أيضا
27 وفي وقت ولادتها إذا في بطنها توأمان
28 وكان في ولادتها أن أحدهما أخرج يدا فأخذت القابلة وربطت على يده قرمزا، قائلة: هذا خرج أولا
29 ولكن حين رد يده، إذا أخوه قد خرج. فقالت: لماذا اقتحمت ؟ عليك اقتحام. فدعي اسمه فارص
30 وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يده القرمز. فدعي اسمه زارح
المؤلف حريص على ذكرتفاصيل عجيبة . هل يعقل أن يعيد مولود يده بعد أن تخرج خلال الولادة ؟ ولا نعرف ما هي غايته من هذه القصة .
******
في الفصل التاسع والثلاثين نكون مع يوسف في مصر ويهوه يسهل له سبل النجاح:
1 وأما يوسف فأنزل إلى مصر، واشتراه فوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط، رجل مصري، من يد الإسماعيليين الذين أنزلوه إلى هناك
يفترض أن رئيس شرط فرعون رجل مصري دون الحاجة إلى ذكر ذلك ! ولاحظوا أنه خصي ،ومع ذلك سيكون له زوجة تراود يوسف عن نفسه ! لا نعرف هل هذا خطأ من المؤلف أم أن الخصيان كانوا يتزوجون أيضا ، كما أننا لا نعرف ما إذا كان المصريون يخصون العبيد !
- صحيح كيف يحدث هذا ؟
- والله لا أعرف يا سارة .. نحن أمام مؤلف يلفق قصصا كما يشاء!
2 وكان الرب مع يوسف فكان رجلا ناجحا، وكان في بيت سيده المصري
3 ورأى سيده أن الرب معه، وأن كل ما يصنع كان الرب ينجحه بيده
4 فوجد يوسف نعمة في عينيه، وخدمه، فوكله على بيته ودفع إلى يده كل ما كان له
5 وكان من حين وكله على بيته، وعلى كل ما كان له، أن الرب بارك بيت المصري بسبب يوسف . وكانت بركة الرب على كل ما كان له في البيت وفي الحقل
6 فترك كل ما كان له في يد يوسف. ولم يكن معه يعرف شيئا إلا الخبز الذي يأكل. وكان يوسف حسن الصورة وحسن المنظر
7 وحدث بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت عينيها إلى يوسف وقالت: اضطجع معي
المؤلف لا يمهد لمراودة يوسف ويقذفنا بكلمتين تعبران عن وقاحة السيدة !
8 فأبى وقال لامرأة سيده: هوذا سيدي لا يعرف معي ما في البيت، وكل ما له قد دفعه إلى يدي
9 ليس هو في هذا البيت أعظم مني. ولم يمسك عني شيئا غيرك، لأنك امرأته. فكيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله
10 وكان إذ كلمت يوسف يوما فيوما أنه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها
11 ثم حدث نحو هذا الوقت أنه دخل البيت ليعمل عمله، ولم يكن إنسان من أهل البيت هناك في البيت
12 فأمسكته بثوبه قائلة : اضطجع معي. فترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى خارج
13 وكان لما رأت أنه ترك ثوبه في يدها وهرب إلى خارج
ما هذا الثوب الذي ترك ببساطة ليبقى في يد السيدة؟ المؤلف لا يجيد وصف الواقعة . ا
14 أنها نادت أهل بيتها ، وكلمتهم قائلة: انظروا قد جاء إلينا برجل عبراني ليداعبنا دخل إلي ليضطجع معي، فصرخت بصوت عظيم
15 وكان لما سمع أني رفعت صوتي وصرخت، أنه ترك ثوبه بجانبي وهرب وخرج إلى خارج
16 فوضعت ثوبه بجانبها حتى جاء سيده إلى بيته
17 فكلمته بمثل هذا الكلام قائلة: دخل إلي العبد العبراني الذي جئت به إلينا ليداعبني
18 وكان لما رفعت صوتي وصرخت، أنه ترك ثوبه بجانبي وهرب إلى خارج
19 فكان لما سمع سيده كلام امرأته الذي كلمته به قائلة: بحسب هذا الكلام صنع بي عبدك، أن غضبه حمي
20 فأخذ يوسف سيده ووضعه في بيت السجن، المكان الذي كان أسرى الملك محبوسين فيه. وكان هناك في بيت السجن
القصة لم تسرد بشكل جيد . في النص القراني كما سبق وتطرقنا . كان السرد شاعريا جميلاوأكثر بلاغة . فالحديث هنا عن ثوب بكاملة والحديث هناك عن قد قميص .
21 ولكن الرب كان مع يوسف، وبسط إليه لطفا، وجعل نعمة له في عيني رئيس بيت السجن
22 فدفع رئيس بيت السجن إلى يد يوسف جميع الأسرى الذين في بيت السجن. وكل ما كانوا يعملون هناك كان هو العامل
23 ولم يكن رئيس بيت السجن ينظر شيئا البتة مما في يده، لأن الرب كان معه، ومهما صنع كان الرب ينجحه
حتى في السجن يسر الرب له الأمور لأن يكون مسؤولا !
*****
في الفصل الأربعين يصبح يوسف منجما ومفسرا للأحلام :
1 وحدث بعد هذه الأمور أن ساقي ملك مصر والخباز أذنبا إلى سيدهما ملك مصر
2 فسخط فرعون على خصييه: رئيس السقاة ورئيس الخبازين
هل كانوا في مصر يخصون دون تمييز ؟
3 فوضعهما في حبس بيت رئيس الشرط، في بيت السجن، المكان الذي كان يوسف محبوسا فيه
4 فأقام رئيس الشرط يوسف عندهما فخدمهما. وكانا أياما في الحبس
5 وحلما كلاهما حلما في ليلة واحدة، كل واحد حلمه، كل واحد بحسب تعبير حلمه، ساقي ملك مصر وخبازه، المحبوسان في بيت السجن
6 فدخل يوسف إليهما في الصباح ونظرهما، وإذا هما مغتمان
7 فسأل خصيي فرعون اللذين معه في حبس بيت سيده قائلا: لماذا وجهاكما مكمدان اليوم
8 فقالا له: حلمنا حلما وليس من يعبره. فقال لهما يوسف: أليست لله التعابير ؟ قصا علي
9 فقص رئيس السقاة حلمه على يوسف وقال له: كنت في حلمي وإذا كرمة أمامي
10 وفي الكرمة ثلاثة قضبان، وهي إذ أفرخت طلع زهرها، وأنضجت عناقيدها عنبا
11 وكانت كأس فرعون في يدي، فأخذت العنب وعصرته في كأس فرعون، وأعطيت الكأس في يد فرعون
12 فقال له يوسف: هذا تعبيره: الثلاثة القضبان هي ثلاثة أيام
13 في ثلاثة أيام أيضا يرفع فرعون رأسك ويردك إلى مقامك، فتعطي كأس فرعون في يده كالعادة الأولى حين كنت ساقيه
14 وإنما إذا ذكرتني عندك حينما يصير لك خير، تصنع إلي إحسانا وتذكرني لفرعون، وتخرجني من هذا البيت
15 لأني قد سرقت من أرض العبرانيين، وهنا أيضا لم أفعل شيئا حتى وضعوني في السجن
16 فلما رأى رئيس الخبازين أنه عبر جيدا، قال ليوسف: كنت أنا أيضا في حلمي وإذا ثلاثة سلال حوارى على رأسي
17 وفي السل الأعلى من جميع طعام فرعون من صنعة الخباز. والطيور تأكله من السل عن رأسي
18 فأجاب يوسف وقال: هذا تعبيره: الثلاثة السلال هي ثلاثة أيام
19 في ثلاثة أيام أيضا يرفع فرعون رأسك عنك، ويعلقك على خشبة، وتأكل الطيور لحمك عنك
20 فحدث في اليوم الثالث، يوم ميلاد فرعون، أنه صنع وليمة لجميع عبيده، ورفع رأس رئيس السقاة ورأس رئيس الخبازين بين عبيده
21 ورد رئيس السقاة إلى سقيه، فأعطى الكأس في يد فرعون
22 وأما رئيس الخبازين فعلقه، كما عبر لهما يوسف
23 ولكن لم يذكر رئيس السقاة يوسف بل نسيه
سنكتفي بهذا القدر لهذا اليوم يا يعقوب . لقد أو شكنا على الخلاص من سفر التكوين . إلى اللقاء .
****









(17)
* يوسف ثريا في مصر!
رافقتني ساراي أيضا لمحاضرة عارف نذير الحق قبل الأخيرة عن سفر التكوين كله . وأصرت على أن نأخذ نحن القهوة هذه المرة ، وأخذت مني رقم هاتف عارف واتصلت به طالبة إليه أن لا يحضر قهوة معه لأننا سنحضر نحن . وسألته عما إذا يحب النسكافيه ، وعما إذا كان يرغب في مشروب آخر . أخبرها أنه يحب النسكافيه السويسرية ، وإذا أمكن مع الهيل، لأن مذاقها يصبح كمذاق القهوة المرة! وهذا ماتم . ملأنا تيرموس بالنسكافيه وانطلقنا بسيارة ساراي إلى أقرب نقطة لمكان لقائنا ، في البطين الذي شهد الكثير من طفولة عارف ، حسب ما أعلمنا ، والذي تملك أسرته جزءا من أرضه إضافة إلى كهف وحظيرة أغنام في السفح المواجه له .
شرع عارف في القراءة ما أن أخذ رشفة من فنجان القهوة مبديا جودة مذاقها :
في الفصل الحادي والأربعين يا يعقوب ، يرى فرعون أحلاما عجيبة يعجز حكماء وكهنة مصر عن تفسيرها . يفسرها يوسف له، ليكون ذلك طريقه إلى الثراء ، بل وطريق أسرة يعقوب إلى مصر ، لتبقى هناك طوال أربعمائة عام ، وليأت منها قبيلة بني اسرائيل التي ستصبح محور وقائع التوراة بعد ذلك. ليس هناك داع لأن أعيد التذكير إلى أنني لا أعتبر هذه النصوص نصوصا تاريخية ، تتطرق إلى وقائع حقيقية حدثت بالفعل ، فأنا كنت وما أزال أعتبرها نسيج خيال مؤلفين بدائيين . وهذا ما أثبته علماء الآثار والتاريخ بما فيهم أهم علماء اسرائيل :
1 وحدث من بعد سنتين من الزمان أن فرعون رأى حلما: وإذا هو واقف عند النهر
2 وهوذا سبع بقرات طالعة من النهر حسنة المنظر وسمينة اللحم، فارتعت في روضة
3 ثم هوذا سبع بقرات أخرى طالعة وراءها من النهر قبيحة المنظر ورقيقة اللحم، فوقفت بجانب البقرات الأولى على شاطئ النهر
4 فأكلت البقرات القبيحة المنظر والرقيقة اللحم البقرات السبع الحسنة المنظر والسمينة. واستيقظ فرعون
5 ثم نام فحلم ثانية: وهوذا سبع سنابل طالعة في ساق واحد سمينة وحسنة
6 ثم هوذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها
7 فابتلعت السنابل الرقيقة السنابل السبع السمينة الممتلئة. واستيقظ فرعون، وإذا هو حلم
يصر المؤلف على ايراد حلمين مع أن حلما واحدا كان كافيا ليفي بغرض الخصب والمحل.
8 وكان في الصباح أن نفسه انزعجت، فأرسل ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها. وقص عليهم فرعون حلمه، فلم يكن من يعبره لفرعون
طبعا الحلم وضع خصيصا من أجل يوسف، ولا بد من التركيز على فشل حكماء وسحرة مصر، لإبراز الدور العظيم الذي سيقوم به يوسف . وسنجد لاحقا في سفر الخروج أن سحرة مصر يظهرون مهارات اعجازية أمام سحر هارون ، حيث يلقون عصيهم فتتحول إلى ثعابين ، صحيح أن عصا هارون تتحول بدورها إلى أفعى تبتلع أفاعي المصريين ، لكن هذا لا ينفي قيامهم بمعجزات !
- يا ألله شوقتني لسفر الخروج هذا يبدو أنه ممتع أيضا !
- صحيح يا سارة وآمل أن نتمكن من التطرق إليه ولو باختصار.
9 ثم كلم رئيس السقاة فرعون قائلا: أنا أتذكر اليوم خطاياي
10 فرعون سخط على عبديه ، فجعلني في حبس بيت رئيس الشرط أنا ورئيس الخبازين
11 فحلمنا حلما في ليلة واحدة أنا وهو. حلمنا كل واحد بحسب تعبير حلمه
12 وكان هناك معنا غلام عبراني عبد لرئيس الشرط، فقصصنا عليه، فعبر لنا حلمينا. عبر لكل واحد بحسب حلمه
تعبير عبراني هو تعبير جديد بدأ الكاتب اطلاقه . وهو تعبيرمحوّر ومقتبس من مفردة خبيرو في اللغة الأكادية يعود إلى سلالة اور الثالثة في الألف الثالثة قبل الميلاد ورأى الباحثون أنه يشير إلى معان كثيرة منها : الهارب ، الغازي ، العابر ، وبتحويرات ولغات قديمة مختلفة ، لتصبح : رجال الغزو، أوالغزاة ، أوالبدو ، وما شابه . وهو في الأساس لا يشير إلى تميز ديني أو عرقي أو قبلي أو حتى لغوي ، بقدر ما يشير إلى التنقل والترحال والغزو .
13 وكما عبر لنا هكذا حدث. ردني أنا إلى مقامي، وأما هو فعلقه
14 فأرسل فرعون ودعا يوسف، فأسرعوا به من السجن. فحلق وأبدل ثيابه ودخل على فرعون
15 فقال فرعون ليوسف: حلمت حلما وليس من يعبره. وأنا سمعت عنك قولا، إنك تسمع أحلاما لتعبرها
16 فأجاب يوسف فرعون قائلا: ليس لي. الله يجيب بسلامة فرعون
أصبح يوسف نبيا وعلى علاقة مباشرة بالله بحيث يجيب عنه . المؤلف لا يعرف الإلهام ، وإلا لقال أن الله يلهمه أو يوحي له !
ويعيد فرعون قص الحلم على يوسف .
25 فقال يوسف لفرعون: حلم فرعون واحد. قد أخبر الله فرعون بما هو صانع
أدرك المؤلف أنه لم يكن هناك داع لحلمين !
26 البقرات السبع الحسنة هي سبع سنين، والسنابل السبع الحسنة هي سبع سنين. هو حلم واحد
27 والبقرات السبع الرقيقة القبيحة التي طلعت وراءها هي سبع سنين، والسنابل السبع الفارغة الملفوحة بالريح الشرقية تكون سبع سنين جوعا
28 هو الأمر الذي كلمت به فرعون. قد أظهر الله لفرعون ما هو صانع
29 هوذا سبع سنين قادمة شبعا عظيما في كل أرض مصر
30 ثم تقوم بعدها سبع سنين جوعا، فينسى كل الشبع في أرض مصر ويتلف الجوع الأرض
31 ولا يعرف الشبع في الأرض من أجل ذلك الجوع بعده، لأنه يكون شديدا جدا
32 وأما عن تكرار الحلم على فرعون مرتين، فلأن الأمر مقرر من قبل الله، والله مسرع ليصنعه
لكن من يريد الإسراع لا يأتي بدورة خصب لسبعة أعوام ودورة قحط لسبعة أعوام أخرى ؟ يمكنه كإله أن ينزل الخصب والفقر في زمن قياسي !
33 فالآن لينظر فرعون رجلا بصيرا وحكيما ويجعله على أرض مصر
أصبح يوسف مستشارا لفرعون أيضا دون أن يطلب إليه !
34 يفعل فرعون فيوكل نظارا على الأرض، ويأخذ خمس غلة أرض مصر في سبع سني الشبع
هو يأمر أيضا ، ويقرر ان يستولي فرعون على خمس غلة الأرض ! دون أن يشير المؤلف إلى رد فعل فرعون !
35 فيجمعون جميع طعام هذه السنين الجيدة القادمة، ويخزنون قمحا تحت يد فرعون طعاما في المدن ويحفظونه
36 فيكون الطعام ذخيرة للأرض لسبع سني الجوع التي تكون في أرض مصر، فلا تنقرض الأرض بالجوع
37 فحسن الكلام في عيني فرعون وفي عيون جميع عبيده
38 فقال فرعون لعبيده: هل نجد مثل هذا رجلا فيه روح الله
من كلام فرعون نعرف أن الإله الذي يؤمن به هو الذي يمنح البشر الحياة والمعرفة مهما كان دينهم :
" هل نجد مثل هذا رجلا فيه روح الله "
39 ثم قال فرعون ليوسف : بعد ما أعلمك الله كل هذا، ليس بصير وحكيم مثلك
40 أنت تكون على بيتي، وعلى فمك يقبل جميع شعبي إلا إن الكرسي أكون فيه أعظم منك
جيد أن فرعون ابقى على الزعامة له فلم يسلم يوسف عرش مصر !
41 ثم قال فرعون ليوسف : انظر، قد جعلتك على كل أرض مصر
42 وخلع فرعون خاتمه من يده وجعله في يد يوسف، وألبسه ثياب بوص، ووضع طوق ذهب في عنقه
43 وأركبه في مركبته الثانية، ونادوا أمامه اركعوا. وجعله على كل أرض مصر
أصبح السيد المطلق بعد فرعون والجميع يركعون له !
44 وقال فرعون ليوسف: أنا فرعون. فبدونك لا يرفع إنسان يده ولا رجله في كل أرض مصر
تعبير مجازي طريف للمؤلف ونأمل ألا يكون غير ذلك !
- ههههه ! أي أن يصبح إلها ويتحكم حتى بحركة البشر ؟
- طبعا سارة ! فالفرعون بمثابة إله وفي مقدوره أن يعين آلهة مساعدين !!
45 ودعا فرعون اسم يوسف صفنات فعنيح، وأعطاه أسنات بنت فوطي فارع كاهن أون زوجة. فخرج يوسف على أرض مصر
كان على المؤلف أن يقول لنا ما معنى صفنات فعنيح بالهيروغليفية المصرية . وأن يعرفنا بالعروس وأون ، فهل أون هي مدينة أم معبد للآلهة ؟
46 وكان يوسف ابن ثلاثين سنة لما وقف قدام فرعون ملك مصر. فخرج يوسف من لدن فرعون واجتاز في كل أرض مصر
- شو يعني عمل سياحة !
- ممكن سارة !
47 وأثمرت الأرض في سبع سني الشبع بحزم
48 فجمع كل طعام السبع سنين التي كانت في أرض مصر، وجعل طعاما في المدن. طعام حقل المدينة الذي حواليها جعله فيها
هذا يعني أنه بدأ يستولي على ثروات الشعب المصري كلها ؟
49 وخزن يوسف قمحا كرمل البحر، كثيرا جدا حتى ترك العدد، إذ لم يكن له عدد
كرمل البحر ببركة يوسف طبعا !
50 وولد ليوسف ابنان قبل أن تأتي سنة الجوع، ولدتهما له أسنات بنت فوطي فارع كاهن أون
51 ودعا يوسف اسم البكر منسى قائلا: لأن الله أنساني كل تعبي وكل بيت أبي
52 ودعا اسم الثانى أفرايم قائلا: لأن الله جعلني مثمرا في أرض مذلتي
53 ثم كملت سبع سني الشبع الذي كان في أرض مصر
54 وابتدأت سبع سني الجوع تأتي كما قال يوسف، فكان جوع في جميع البلدان. وأما جميع أرض مصر فكان فيها خبز
55 ولما جاعت جميع أرض مصر وصرخ الشعب إلى فرعون لأجل الخبز، قال فرعون لكل المصريين: اذهبوا إلى يوسف، والذي يقول لكم افعلوا
56 وكان الجوع على كل وجه الأرض، وفتح يوسف جميع ما فيه طعام وباع للمصريين. واشتد الجوع في أرض مصر
" باع للمصريين " ما توقعناه صحيح . وكان لا بد من قحط شامل ليأتي أبناء يعقوب تحديدا من كنعان إلى مصر ليبتاعوا قمحا ، غيرأننا سنكتشف لاحقا ما ينقض كلام المؤلف بكلام مغاير يشير إلى وجود العسل واللوز وغيرهما رغم سني القحط !
57 وجاءت كل الأرض إلى مصر إلى يوسف لتشتري قمحا، لأن الجوع كان شديدا في كل الأرض
" كل الأرض" طبعا كل الأرض التي يعرفها المؤلف فقط ، وحتى هذا غير معقول! ومن أين جاءوا بالنقود ليشتروا ؟
*****
في الفصل الثاني والأربعين يا يعقوب ، يدفع اسرائيل أبناءه للذهاب إلى مصر ليبتاعوا قمحا، و لتبدأ مسرحية ميلودرامية مغرقة في الإفتعال!
1 فلما رأى يعقوب أنه يوجد قمح في مصر، قال يعقوب لبنيه: لماذا تنظرون بعضكم إلى بعض
2 وقال إني قد سمعت أنه يوجد قمح في مصر. انزلوا إلى هناك واشتروا لنا من هناك لنحيا ولا نموت
لاحظوا تعبير " انزلوا" كإشارة إلى مكان قريب وليس سفرا من بلد إلى آخر.
3 فنزل عشرة من إخوة يوسف ليشتروا قمحا من مصر
" فنزل " !
4 وأما بنيامين أخو يوسف فلم يرسله يعقوب مع إخوته، لأنه قال: لعله تصيبه أذية
بنيامين الأخ الشقيق وهو أكثر المحبوبين بعد يوسف كونه ابن راحيل الذي ماتت عند ولادته!
5 فأتى بنو إسرائيل ليشتروا بين الذين أتوا، لأن الجوع كان في أرض كنعان
أود التذكير أن تسمية "أرض كنعان " نسبة إلى كنعان بن حام بن نوح ، قد ينطبق عليها إلى حد كبير ما ينطبق على قصة نوح كلها كأسطورة يستحيل حدوثها ، فعلى الأغلب أن بلاد الشام كانت تنسب إلى الأشوريين ، ثم تحولت فيما بعدإلى السوريين ، لأن وجود كنعان هذا والكنعانيين المنسوبين إليه لا وجود لهم خارج النص التوراتي ، وهو على الأغلب تلفيق تم لاحقا من قبل المستشرقين ليتلاءم مع التوراة ، وليقع فيه بعض المؤرخين ، الذين راحوا ينسبون التاريخ إلى نوح وأسرته : من الشعوب والأمم إلى اللغات والأعراق ! فوجود كنعان آخر غير كنعان التوراتي لم يثبت بعد . وأصل جذر المفردة ( كنع ) حسب بعض اللغات القديمة يعود إلى الخنوع ( خنع) والقناعة ( قنع ) والتواضع والإنخفاض، ولا يشير إلى قومية أوعرق بشري أو حتى شعب ! وحتى اليوم لم يعرف المؤرخون ما هو مؤكد ولا لبس فيه لنسب الكنعانيين ،أو بلاد كنعان ، وإن اتفق على أن بلاد الشام الحالية هي ما أطلق عليه بلاد أو أرض كنعان ،وليس فلسطين وحدها.
- هل هذا يعني أنه لا وجود لشعوب سامية ولغات سامية وما إلى ذلك ؟ !
- بالتأكيد سارة ! والحركة الصهيونية احتكرت هذا الوهم لها وحدها ، فأصبح كل من ينتقد اسرائيل معاديا للسامية، التي لا وجود لها إلا عبر الأسطورة التوراتية التي تنسبها إلى سام بن نوح !
- أنا خائفة عليك أستاذ عارف أن تطالك التهمة وأن يحاولوا التخلص منك !
- التهمة طالتني من زمان ، وطالما أنهم لم يتخلصوا مني حتى اليوم ، فهذا يعني أن القرار لم يتخذ بعد !
- آمل أن لا يتخذ !
- وأنا آمل أيضا !
- شكرا لكما .. لنعود إلى قصة يوسف .
- أود أن أسألك لو سمحت!
- تفضلي !
- ألست خائفا على نفسك ؟
- ليس هناك فلسطيني تحت الإحتلال غير خائف على نفسه يا سارة ، ما أدركه وما يدركه اليوم كل فلسطيني ، أن زمن النزوح انتهى ، إما أن نحيا على هذه الأرض وإما أن نموت عليها . تشردنا كثيرا يا سارة ، وما يزال الملايين منّا مشردين . أدرك أن في مقدور الشاباك أن تغتالني بكل بساطة حين تريد ، وما أدركه جيدا أيضا أنني لن أهرب من قدري حتى لو كان فيه مقتلي !
صمت عارف للحظات ، وصمتت سارة .. استأنف عارف قراءة وتحليل قصة يوسف :
6 وكان يوسف هو المسلط على الأرض، وهو البائع لكل شعب الأرض. فأتى إخوة يوسف وسجدوا له بوجوههم إلى الأرض
- وهل كان السجود مطلبا أيضا لمن يريد الشراء ؟
تساءلت سارة ,
- اسألي المؤلف سارة !
أجاب عارف.
7 ولما نظر يوسف إخوته عرفهم، فتنكر لهم وتكلم معهم بجفاء، وقال لهم: من أين جئتم ؟ فقالوا: من أرض كنعان لنشتري طعاما
لاحظا أنهم قالوا "من أرض كنعان" وليس أرض اسرائيل ، وهذا يعني أن لا أحد يقتنع بالوعد حتى حينه، رغم أنه قائم على اسطورة كنعان !
8 وعرف يوسف إخوته، وأما هم فلم يعرفوه
9 فتذكر يوسف الأحلام التي حلم عنهم، وقال لهم: جواسيس أنتم لتروا عورة الأرض جئتم
حلو تعبير عورة الأرض ! يقصد عيوبها كما يبدو، أي المناطق الممكن غزوها على الأغلب!
10 فقالوا له: لا يا سيدي، بل عبيدك جاءوا ليشتروا طعاما
11 نحن جميعنا بنو رجل واحد. نحن أمناء، ليس عبيدك جواسيس
12 فقال لهم: كلا بل لتروا عورة الأرض جئتم
13 فقالوا: عبيدك اثنا عشر أخا. نحن بنو رجل واحد في أرض كنعان. وهوذا الصغير عند أبينا اليوم، والواحد مفقود
وما حاجة يوسف إلى هذا التقرير طالما أنهم لم يعرفوه ، ليتم استكمال المسرحية الساذجة!
14 فقال لهم يوسف: ذلك ما كلمتكم به قائلا: جواسيس أنتم
15 بهذا تمتحنون. وحياة فرعون لا تخرجون من هنا إلا بمجيء أخيكم الصغير إلى هنا
حوارمفتعل فاشل من مؤلف فاشل ! كان يجب التمهيد للأمر بشكل مختلف ، وكان من الأفضل أن يعرف اخوته بنفسه بدلا من هذه المسرحية المفتعلة .
16 أرسلوا منكم واحدا ليجيء بأخيكم، وأنتم تحبسون، فيمتحن كلامكم هل عندكم صدق. وإلا فوحياة فرعون إنكم لجواسيس !
وكأن الذهاب إلى بلاد كنعان مسألة لا تتطلب مشقة أسابيع . ثم إن يوسف بدأ يقسم بحياة فرعون كإله ، أي أنه آمن به دون أن يغضب يهوه !
17 فجمعهم إلى حبس ثلاثة أيام
18 ثم قال لهم يوسف في اليوم الثالث: افعلوا هذا واحيوا. أنا خائف الله
لعله خاف الإله الفرعوني !
19 إن كنتم أمناء فليحبس أخ واحد منكم في بيت حبسكم، وانطلقوا أنتم وخذوا قمحا لمجاعة بيوتكم
20 وأحضروا أخاكم الصغير إلي، فيتحقق كلامكم ولا تموتوا. ففعلوا هكذا
21 وقالوا بعضهم لبعض: حقا إننا مذنبون إلى أخينا الذي رأينا ضيقة نفسه لما استرحمنا ولم نسمع. لذلك جاءت علينا هذه الضيقة
لم يرد طلب الرحمة هذا من قبل يوسف حين ألقوه في البئر. وكان تصويره لغويا فاشلا !
22 فأجابهم رأوبين قائلا: ألم أكلمكم قائلا: لاتأثموا بالولد، وأنتم لم تسمعوا ؟ فهوذا دمه يطلب
23 وهم لم يعلموا أن يوسف فاهم لأن الترجمان كان بينهم
يشير المؤلف بشكل سيء إلى أن ترجمة كانت تجري بين يوسف وأخوته لأنه ظهر أمامهم كمصري لا يعرف لغتهم . وكان يجب أن يذكر هذا منذ أن قابلوه .
24 فتحول عنهم وبكى، ثم رجع إليهم وكلمهم، وأخذ منهم شمعون وقيده أمام عيونهم
ما الداعي إلى البكاء هنا ؟ مجرد افتعال.
25 ثم أمر يوسف أن تملأ أوعيتهم قمحا، وترد فضة كل واحد إلى عدله، وأن يعطوا زادا للطريق . ففعل لهم هكذا
كم هو فاشل هذا المؤلف يا يعقوب؟ هل أغمض اخوة يوسف عيونهم عند تعبئة القمح وإعادة الفضة إلى العدول؟
26 فحملوا قمحهم على حميرهم ومضوا من هناك
27 فلما فتح أحدهم عدله ليعطي عليقا لحماره في المنزل، رأى فضته وإذا هي في فم عدله
هنا مغالطة أكثر سذاجة من سابقاتها . فالمؤلف يفترض أن المسافة بين مصر وبلاد كنعان يمكن أن تقطع خلال زمن قصير بحيث لا يحتاج الحمار إلى علف إلا بعد الوصول إلى المنزل . وهذا دليل آخر يشير إلى أن الوقائع تجري في مكانين قريبين جدا من بعضهما وليس في مصر وكنعان ، وحورت الوقائع فيما بعد لتصبح بين فلسطين ومصر دون أن يراعى تعديل النص ليلائم التزوير. وبالتأكيد لم يكن الأمر خصب وقحط لأربعة عشر عاما كما صور المؤلف ! إنه التزوير نفسه الذي حول أحداث التوراة كلها من اليمن إلى فلسطين.
28 فقال لإخوته: ردت فضتي وها هي في عدلي. فطارت قلوبهم وارتعدوا بعضهم في بعض قائلين : ما هذا الذي صنعه الله بنا ؟
- تسعة أخوة لم يروا أن فضتهم قد أعيدت لهم ، وبالتأكيد لم يروا عدولهم وهي تملأ قمحا ؟ هل يعقل أن يتم البيع والشراء بهذه الطريقة ؟ هل المؤلف ساذج إلى هذا الحد ، أم أنّه أحمق !
عقبت سارة !
- أنت محقة سارة !
29 فجاءوا إلى يعقوب أبيهم إلى أرض كنعان، وأخبروه بكل ما أصابهم قائلين
30 تكلم معنا الرجل سيد الأرض بجفاء، وحسبنا جواسيس الأرض
وأخبروا أباهم بما جرى .
35 وإذ كانوا يفرغون عدالهم إذا صرة فضة كل واحد في عدله. فلما رأوا صرر فضتهم هم وأبوهم خافوا
لم يأخذ يوسف من أخوته ثمنا للقمح عكس ما فعله مع المصريين . يا حرام ! المصريون يبتاعون قمحهم المستولى عليه من قبل يوسف ، أما أبناء اسرائيل فيحصلون عليه دون مقابل! عدالة اسرائيلية كما هي عدالة اسرائيل اليوم ، ومع ذلك يتخوّف أخوة يوسف من العاقبة ولا يرون أنهم مكرّمون ! ويصدقون أن يوسف يريد احضار بنيامين ليتأكد أنهم ليسوا جواسيس!
36 فقال لهم يعقوب: أعدمتموني الأولاد. يوسف مفقود، وشمعون مفقود، وبنيامين تأخذونه . صار كل هذا علي
37 وكلم رأوبين أباه قائلا: اقتل ابني إن لم أجئ به إليك. سلمه بيدي وأنا أرده إليك
38 فقال: لا ينزل ابني معكم، لأن أخاه قد مات، وهو وحده باق. فإن أصابته أذية في الطريق التي تذهبون فيها تنزلون شيبتي بحزن إلى الهاوية
لاحظوا " لا ينزل ابني " والإشارة إلى مكان قريب. حتى ان التعبير يطلق على الشيب أيضا !
****
يعود أخوة يوسف مع بنيامين للحصول على المزيد من المؤن مصطحبين هدايا ليوسف بناء على نصيحة يعقوب:
11 فقال لهم إسرائيل أبوهم: إن كان هكذا فافعلوا هذا: خذوا من أفخر جنى الأرض في أوعيتكم، وأنزلوا للرجل هدية. قليلا من البلسان، وقليلا من العسل، وكثيراء ولاذنا وفستقا ولوزا
أية مهزلة هذه ؟ أفبعد القحط الذي أصاب كل الأرض لسبع سنين، بقي في بلاد كنعان عسل وبلسان ولوز ولاذن وكثيراء ، ولم يبق فيها قمح ؟
- هههه وما هي الكثيراء واللاذن والبلسان؟
- البلسان هو البيلسان يا سارة وهو من فصيلة الأشجارالعطرية التي يستخرج منها بخور وعطور. واللاذن من فصيلة النباتات اللاذنية يستخرج منه علكة وأدوية وعطور . أما الكثيراء فهو من الفصيلة القرنية مثل الفول والفاصوليا..
12 وخذوا فضة أخرى في أياديكم. والفضة المردودة في أفواه عدالكم ردوها في أياديكم، لعله كان سهوا
لم يعرف المؤلف كيف يصور رؤية يعقوب لعودة الفضة إلا بالسهو ! ومن الواضح أن وجود كل هذه المواد لا يشير إلى قحط شامل دام لسبع سنين !
13 وخذوا أخاكم وقوموا ارجعوا إلى الرجل
14 والله القدير يعطيكم رحمة أمام الرجل حتى يطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين. وأنا إذا عدمت الأولاد عدمتهم
يفترض أن يقول عدمتكم!
15 فأخذ الرجال هذه الهدية، وأخذوا ضعف الفضة في أياديهم، وبنيامين، وقاموا ونزلوا إلى مصر ووقفوا أمام يوسف
لنتوقف مع التعبير المكرر قليلا :
" نزلوا إلى مصر " هذا التعبير لا يطلق على من يذهب من فلسطين إلى مصر، فثمة منطقة صحراوية شاسعة بينهما ( صحراء سيناء) وسبق لتعبير مشابه " انحدار" أطلق على ذهاب ابراهيم إلى مصربعد قحط أيضا . تكوين 12/10 هذا التعبير لا يستخدم إلا مع مكانين قريبين يعلو أحدهما نسبيا الآخر. ويلاحظ في اسلوب الخطاب السردي، أنه لا يتم التطرق إلى زمن المسير، ولا إلى محطات استراحة أو التطرق إلى أيام إلى أن يصلوا..
16 فلما رأى يوسف بنيامين معهم، قال للذي على بيته: أدخل الرجال إلى البيت واذبح ذبيحة وهيئ، لأن الرجال يأكلون معي عند الظهر
17 ففعل الرجل كما قال يوسف. وأدخل الرجل الرجال إلى بيت يوسف
18 فخاف الرجال إذ أدخلوا إلى بيت يوسف، وقالوا: لسبب الفضة التي رجعت أولا في عدالنا نحن قد أدخلنا ليهجم علينا ويقع بنا ويأخذنا عبيدا وحميرنا
حوار غير معقول بناء على افتراض ساذج غير معقول أيضا .
19 فتقدموا إلى الرجل الذي على بيت يوسف، وكلموه في باب البيت
20 وقالوا: استمع يا سيدي، إننا قد نزلنا أولا لنشتري طعاما
21 وكان لما أتينا إلى المنزل أننا فتحنا عدالنا، وإذا فضة كل واحد في فم عدله. فضتنا بوزنها. فقد رددناها في أيادينا
22 وأنزلنا فضة أخرى في أيادينا لنشتري طعاما. لا نعلم من وضع فضتنا في عدالنا
23 فقال: سلام لكم، لا تخافوا. إلهكم وإله أبيكم أعطاكم كنزا في عدالكم. فضتكم وصلت إلي. ثم أخرج إليهم شمعون
هل أصبح الرجل المصري يهوويا ويعرف إله بني اسرائيل؟!
24 وأدخل الرجل الرجال إلى بيت يوسف وأعطاهم ماء ليغسلوا أرجلهم، وأعطى عليقا لحميرهم
25 وهيأوا الهدية إلى أن يجيء يوسف عند الظهر، لأنهم سمعوا أنهم هناك يأكلون طعاما
- هههههه " يجيء يوسف عند الظهر" هذا يعني أنهم انطلقوا من كنعان في الصباح ووصلوا إلى مصر قبل الظهر، والرحلة على الحمير وليست في قطار !
- أحسنت سارة . احضري دائما لتساعديني في تحليل نصوص توراتكم !
26 فلما جاء يوسف إلى البيت أحضروا إليه الهدية التي في أياديهم إلى البيت، وسجدوا له إلى الأرض
27 فسأل عن سلامتهم، وقال: أسالم أبوكم الشيخ الذي قلتم عنه ؟ أحي هو بعد
28 فقالوا: عبدك أبونا سالم. هو حي بعد. وخروا وسجدوا
هل أصبح السجود قياما وقعودا؟
29 فرفع عينيه ونظر بنيامين أخاه ابن أمه، وقال: أهذا أخوكم الصغير الذي قلتم لي عنه ؟ ثم قال: الله ينعم عليك يا ابني
30 واستعجل يوسف لأن أحشاءه حنت إلى أخيه وطلب مكانا ليبكي، فدخل المخدع وبكى هناك
عدنا إلى الميلودراما المفتعلة !
31 ثم غسل وجهه وخرج وتجلد، وقال: قدموا طعاما
32 فقدموا له وحده، ولهم وحدهم، وللمصريين الآكلين عنده وحدهم، لأن المصريين لا يقدرون أن يأكلوا طعاما مع العبرانيين، لأنه رجس عند المصريين
هذه معلومة جديدة ملفقة بالتأكيد!
33 فجلسوا قدامه: البكر بحسب بكوريته، والصغير بحسب صغره، فبهت الرجال بعضهم إلى بعض
34 ورفع حصصا من قدامه إليهم، فكانت حصة بنيامين أكثر من حصص جميعهم خمسة أضعاف. وشربوا ورووا معه
وهل سيأكل بنيامين هذا القدر من الطعام ؟
*****
تتكررمهزلة الطاسات ومهزلة السرد المفتعلة في الفصل الرابع والاربعين يا يعقوب :
1 ثم أمر الذي على بيته قائلا: املأ عدال الرجال طعاما حسب ما يطيقون حمله، وضع فضة كل واحد في فم عدله
2 وطاسي، طاس الفضة، تضع في فم عدل الصغير، وثمن قمحه. ففعل بحسب كلام يوسف الذي تكلم به
طالما على حساب المصريين لماذا لا ؟ ثم إنه أمر بوضع كأسه الخاص في عدل بنيامين !
3 فلما أضاء الصبح انصرف الرجال هم وحميرهم
4 ولما كانوا قد خرجوا من المدينة ولم يبتعدوا، قال يوسف للذي على بيته: قم اسع وراء الرجال، ومتى أدركتهم فقل لهم: لماذا جازيتم شرا عوضا عن خير
صار السرد مفتعل إلى حد غير معقول !
5 أليس هذا هو الذي يشرب سيدي فيه ؟ وهو يتفاءل به. أسأتم في ما صنعتم
6 فأدركهم وقال لهم هذا الكلام
7 فقالوا له: لماذا يتكلم سيدي مثل هذا الكلام ؟ حاشا لعبيدك أن يفعلوا مثل هذا الأمر
8 هوذا الفضة التي وجدنا في أفواه عدالنا رددناها إليك من أرض كنعان. فكيف نسرق من بيت سيدك فضة أو ذهبا
9 الذي يوجد معه من عبيدك يموت، ونحن أيضا نكون عبيدا لسيدي
10 فقال: نعم، الآن بحسب كلامكم هكذا يكون. الذي يوجد معه يكون لي عبدا، وأما أنتم فتكونون أبرياء
11 فاستعجلوا وأنزلوا كل واحد عدله إلى الأرض، وفتحوا كل واحد عدله
12 ففتش مبتدئا من الكبير حتى انتهى إلى الصغير، فوجد الطاس في عدل بنيامين
13 فمزقوا ثيابهم وحمل كل واحد على حماره ورجعوا إلى المدينة
لماذا لم يذكر المؤلف اسم المدينة المصرية كما بدا حريصا على ذكر اسم المدن الكنعانية ؟ ثم هل تستدعي هذه المسرحية تمزيق الثياب ؟
14 فدخل يهوذا وإخوته إلى بيت يوسف وهو بعد هناك، ووقعوا أمامه على الأرض
15 فقال لهم يوسف: ما هذا الفعل الذي فعلتم ؟ ألم تعلموا أن رجلا مثلي يتفاءل
16 فقال يهوذا: ماذا نقول لسيدي ؟ ماذا نتكلم ؟ وبماذا نتبرر ؟ الله قد وجد إثم عبيدك. ها نحن عبيد لسيدي، نحن والذي وجد الطاس في يده جميعا
17 فقال: حاشا لي أن أفعل هذا الرجل الذي وجد الطاس في يده هو يكون لي عبدا، وأما أنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم
إغراق في الافتعال.
18 ثم تقدم إليه يهوذا وقال: استمع يا سيدي. ليتكلم عبدك كلمة في أذني سيدي ولا يحم غضبك على عبدك، لأنك مثل فرعون
19 سيدي سأل عبيده قائلا: هل لكم أب أوأخ
20 فقلنا لسيدي: لنا أب شيخ، وابن شيخوخة صغير، مات أخوه وبقي هو وحده لأمه، وأبوه يحبه
21 فقلت لعبيدك: انزلوا به إلي فأجعل نظري عليه
22 فقلنا لسيدي: لايقدر الغلام أن يترك أباه، وإن ترك أباه يموت
23 فقلت لعبيدك: إن لم ينزل أخوكم الصغير معكم لا تعودوا تنظرون وجهي
24 فكان لما صعدنا إلى عبدك أبي أننا أخبرناه بكلام سيدي
25 ثم قال أبونا: ارجعوا اشتروا لنا قليلا من الطعام
26 فقلنا: لا نقدر أن ننزل، وإنما إذا كان أخونا الصغير معنا ننزل، لأننا لا نقدر أن ننظر وجه الرجل وأخونا الصغير ليس معنا
30 فالآن متى جئت إلى عبدك أبي، والغلام ليس معنا، ونفسه مرتبطة بنفسه
31 يكون متى رأى أن الغلام مفقود، أنه يموت، فينزل عبيدك شيبة عبدك أبينا بحزن إلى الهاوية
32 لأن عبدك ضمن الغلام لأبي قائلا: إن لم أجئ به إليك أصر مذنبا إلى أبي كل الأيام
33 فالآن ليمكث عبدك عوضا عن الغلام، عبدا لسيدي، ويصعد الغلام مع إخوته
34 لأني كيف أصعد إلى أبي والغلام ليس معي ؟ لئلا أنظر الشر الذي يصيب أبي يفترض أن يتكلم رأوبين بهذا الكلام وليس يهوذا . وإلى اللقاء في الحلقة الأخيرة من قصة يوسف ومن سفر التكوين كله .
*****














(18)
* يوسف يحول المصريين إلى عبيد !
" في الفصل الخامس والأربعين من سفر التكوين يا يعقوب، يعرف يوسف أخوته بنفسه ويشرع في البكاء على عنق بنيامين ، ويعلن لهم أن بيعه لمصر كان قدرا إلهيا لاستبقاء الحياة ! وطلب إليهم أن ( يصعدوا ) إلى أبيه ويخبروه أنه أصبح سيدا على الأرض المصرية كلها ، ويطلب إليه أن ( ينزل ) إلى مصر ليسكن قريبا منه ، وحين سمع فرعون مصر بما جرى أغدق على الأخوة بكرمه ، وطلب إليهم أن يأتوا بأبيهم وأولادهم وبيوتهم على العجلات المصرية، ليمنحهم خيرات مصر وليأكلوا من دسم أرضها"
- يبدو أن الكرم المصري فاق الكرم الفلسطيني بكثير !
- هذا مايريده المؤلف يا سارة !
- ثم إن يوسف جاء بالخير إلى مصر!
- أجل يا يعقوب ، وهذا ما يريده المؤلف أيضا !
1 فلم يستطع يوسف أن يضبط نفسه لدى جميع الواقفين عنده فصرخ: أخرجوا كل إنسان عني. فلم يقف أحد عنده حين عرف يوسف إخوته بنفسه
2 فأطلق صوته بالبكاء ، فسمع المصريون وسمع بيت فرعون
3 وقال يوسف لإخوته: أنا يوسف. أحي أبي بعد ؟ فلم يستطع إخوته أن يجيبوه، لأنهم ارتاعوا منه
الإرتياع هنا مفتعل من المؤلف . فقد عرفوا أن يوسف عاطفي ورحيم .
4 فقال يوسف لإخوته: تقدموا إلي. فتقدموا. فقال: أنا يوسف أخوكم الذي بعتموه إلى مصر
اخوته ألقوه في البئر ولم يبيعوه . أين ذهب المديانيون والإسماعيليون . المؤلف ينسى دائما .
5 والآن لا تتأسفوا ولا تغتاظوا لأنكم بعتموني إلى هنا، لأنه لاستبقاء حياة أرسلني الله قدامكم
وطالما أن البيع أثمر عن خير فلا مانع أن يحال إلى الأخوة وليس إلى الإسماعيليين الذين باعوه للمصريين !
9 أسرعوا واصعدوا إلى أبي وقولوا له: هكذا يقول ابنك يوسف: قد جعلني الله سيدا لكل مصر . انزل إلي. لا تقف
( اسرعوا واصعدوا ) التعبير يشير إلى مسافة قريبة ،فلا تتمهل يا يعقوب( انزل ) فخيرات مصر في انتظارك !
10 فتسكن في أرض جاسان وتكون قريبا مني، أنت وبنوك وبنو بنيك وغنمك وبقرك وكل مالك
يفترض أن سبع سنين من الجدب كانت كافية لأن تقضي على الغنم والأبقار ! وأرض جاسان حسب قاموس الكتاب المقدس ، هي : منطقة خصيبة في مصر كثيرة المرعى للقطعان والمواشي ، واقعة شرق الدلتا. وهي المعروفة الآن بـ"الشرقية" الممتدة من جوار أبي زعبل إلى البحر ومن برية جعفر إلى وادي توميلات وقد أعطاها يوسف لأبيه وإخوته فسكنوا فيها هم وذريتهم من بعدهم نحو مائتي سنة. وكانت تعد من "أفضل الأرض" (تك 46: 34 و47: 6) وهي تكون جزءًا من أرض رعمسيس ، وهناك استقبل يوسف أباه وإخوته لما حضروا من ارض كنعان " (تك 46: 27 و29) وفي وقت اضطهادهم كان الشعب مقيمًا هناك (خروج 8: 22)
ها هو يوسف يتصرف حتى بالأرض كما يشاء ويمنح أسرته جزءا منها ، وكأن سيادة الفرعون عليها لا تتعدى كرسي الحكم ! . ومن الجدير بالذكر أن جاسان هذه لم تذكر في المدونات المصرية ، كما لم يذكر أي وجود لبني اسرائيل في مصر كلها .. ويفترض أن أسرة يعقوب هاجرت إلى مصر قبل القرن الثالث عشر ق. م. الذي وجد فيه رمسيس الثاني ! فبالعودة إلى الباحثين المصريين نجد أن بعضهم يحددون الزمن الإفتراضي لقدوم ابراهيم إلى مصر بحوالي 2500 سنة ق.م. ويعقوب ينتمي إلى الجيل الثالث بعد ابراهيم ،وبذلك يكون هناك فارق زمني بأكثر من 1200 عام !!
11 وأعولك هناك، لأنه يكون أيضا خمس سنين جوعا. لئلا تفتقر أنت وبيتك وكل ما لك
محاولة تنبؤية أخرى لإقناع الأب بالقدوم !
12 وهوذا عيونكم ترى، وعينا أخي بنيامين، أن فمي هو الذي يكلمكم
يقصد اشهدوا على كلامي !
13 وتخبرون أبي بكل مجدي في مصر وبكل مارأيتم، وتستعجلون وتنزلون بأبي إلى هنا
لاحظوا تكرار مفردات النزول والصعود ..
14 ثم وقع على عنق بنيامين أخيه وبكى، وبكى بنيامين على عنقه
15 وقبل جميع إخوته وبكى عليهم. وبعد ذلك تكلم إخوته معه
16 وسمع الخبر في بيت فرعون، وقيل: جاء إخوة يوسف. فحسن في عيني فرعون وفي عيون عبيده
17 فقال فرعون ليوسف: قل لإخوتك: افعلوا هذا: حملوا دوابكم وانطلقوا، اذهبوا إلى أرض كنعان
18 وخذوا أباكم وبيوتكم وتعالوا إلي، فأعطيكم خيرات أرض مصر وتأكلوا دسم الأرض
19 فأنت قد أمرت، افعلوا هذا: خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأولادكم ونسائكم، واحملوا أباكم وتعالوا
ثمة إشارة هنا إلى أن المصريين كانوا يملكون عجلات اخترعوها من قبل . .
20 ولا تحزن عيونكم على أثاثكم، لأن خيرات جميع أرض مصر لكم
كرم فرعوني فوق العادة !
21 ففعل بنو إسرائيل هكذا. وأعطاهم يوسف عجلات بحسب أمر فرعون، وأعطاهم زادا للطريق
22 وأعطى كل واحد منهم حلل ثياب، وأما بنيامين فأعطاه ثلاث مئة من الفضة وخمس حلل ثياب
ولماذا كل هذه الفضة والثياب لبنيامين طالما أنه سيعود في أسرع وقت !
23 وأرسل لأبيه هكذا: عشرة حمير حاملة من خيرات مصر، وعشر أتن حاملة حنطة، وخبزا وطعاما لأبيه لأجل الطريق
أصبحت الطريق طويلة وتحتاج إلى مؤونة، وليس كما في السابق مجرد انحدار ونزلة !
24 ثم صرف إخوته فانطلقوا، وقال لهم: لا تتغاضبوا في الطريق
25 فصعدوا من مصر وجاءوا إلى أرض كنعان، إلى يعقوب أبيهم
( فصعدوا )!
26 وأخبروه قائلين: يوسف حي بعد، وهو متسلط على كل أَرض مصر. فجمد قلبه لأَنه لم يصدقهم
(متسلط) أي أن السلطة بيده ! راحت على فرعون البائس.
27 ثم كلموه بكل كلام يوسف الذي كلمهم به، وأبصر العجلات التي أرسلها يوسف لتحمله. فعاشت روح يعقوب أَبيهم
28 فقال إسرائيل: كفى يوسف ابني حي بعد. أذهب وأراه قبل أن أموت
*****
* بنواسرائيل يرحلون إلى مصر.
1 فارتحل إسرائيل وكل ما كان له وأتى إلى بئر سبع، وذبح ذبائح لاله أبيه إسحاق
2 فكلم الله إسرائيل في رؤى الليل وقال: يعقوب، يعقوب. فقال:هأنذا
يهوه يخاطب يعقوب باسميه : اسرائيل ويعقوب ،وكأنه غير مقتنع بعد بالإسم الذي منحه إياه :
3 فقال: أنا الله، إله أبيك. لا تخف من النزول إلى مصر، لاني أجعلك أمة عظيمة هناك
4 أنا أنزل معك إلى مصر، وأنا أصعدك أيضا. ويضع يوسف يده على عينيك
حتى يهوه يستخدم مفردتي النزول والصعود ، حسب ما يريد المؤلف طبعا !
5 فقام يعقوب من بئر سبع، وحمل بنو إسرائيل يعقوب أباهم وأولادهم ونساءهم في العجلات التي أرسل فرعون لحمله
6 وأخذوا مواشيهم ومقتناهم الذي اقتنوا في أرض كنعان، وجاءوا إلى مصر. يعقوب وكل نسله معه
7 بنوه وبنو بنيه معه ، وبناته وبنات بنيه وكل نسله، جاء بهم معه إلى مصر
26 جميع النفوس ليعقوب التي أتت إلى مصر، الخارجة من صلبه، ما عدا نساء بني يعقوب، جميع النفوس ست وستون نفسا
27 وابنا يوسف اللذان ولدا له في مصر نفسان. جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت إلى مصر سبعون
28 فأرسل يهوذا أمامه إلى يوسف ليري الطريق أمامه إلى جاسان، ثم جاءوا إلى أرض جاسان
29 فشد يوسف مركبته وصعد لاستقبال إسرائيل أبيه إلى جاسان. ولما ظهر له وقع على عنقه وبكى على عنقه زمانا
زماناً ؟!
30 فقال إسرائيل ليوسف : أموت الان بعد ما رأيت وجهك أنك حي بعد !
****
* بنواسرائيل يتملكون الأرض المصرية !
في الفصل السابع والأربعين يبارك يعقوب فرعون الإله !!
1 فأتى يوسف وأخبر فرعون وقال: أبي وإخوتي وغنمهم وبقرهم وكل ما لهم جاءوا من أرض كنعان، وهوذا هم في أرض جاسان
2 وأخذ من جملة إخوته خمسة رجال وأوقفهم أمام فرعون
3 فقال فرعون لاخوته: ما صناعتكم ؟ فقالوا لفرعون: عبيدك رعاة غنم نحن وآباؤنا جميعا
4 وقالوا لفرعون: جئنا لنتغرب في الارض، إذ ليس لغنم عبيدك مرعى، لان الجوع شديد في أرض كنعان. فالان ليسكن عبيدك في أرض جاسان
5 فكلم فرعون يوسف قائلا: أبوك وإخوتك جاءوا إليك
6 أرض مصر قدامك. في أفضل الارض أسكن أباك وإخوتك، ليسكنوا في أرض جاسان. وإن علمت أنه يوجد بينهم ذوو قدرة، فاجعلهم رؤساء مواش على التي لي
7 ثم أدخل يوسف يعقوب أباه وأوقفه أمام فرعون. وبارك يعقوب فرعون
يعقوب الإنسان يبارك فرعون الذي يفترض أنه إله أو ممثل للإله !
8 فقال فرعون ليعقوب: كم هي أيام سني حياتك
9 فقال يعقوب لفرعون: أيام سني غربتي مئة وثلاثون سنة. قليلة و ردية كانت أيام سني حياتي، ولم تبلغ إلى أيام سني حياة آبائي في أيام غربتهم
10 وبارك يعقوب فرعون وخرج من لدن فرعون
11 فأسكن يوسف أباه وإخوته وأعطاهم ملكا في أرض مصر، في أفضل الارض، في أرض رعمسيس كما أمر فرعون
ربما هذا الذكر الوحيد لفرعون مصري بالإسم . الحديث في العادة يكون عن فرعون دون أن نعرف من هو .
12 وعال يوسف أباه وإخوته وكل بيت أبيه بطعام على حسب الاولاد
13 ولم يكن خبز في كل الارض، لان الجوع كان شديدا جدا. فخورت أرض مصر وأرض كنعان من أجل الجوع
14 فجمع يوسف كل الفضة الموجودة في أرض مصر وفي أرض كنعان بالقمح الذي اشتروا، وجاء يوسف بالفضة إلى بيت فرعون
15 فلما فرغت الفضة من أرض مصر ومن أرض كنعان أتى جميع المصريين إلى يوسف قائلين: أعطنا خبزا، فلماذا نموت قدامك ؟ لان ليس فضة أيضا
16 فقال يوسف: هاتوا مواشيكم فأعطيكم بمواشيكم، إن لم يكن فضة أيضا
17 فجاءوا بمواشيهم إلى يوسف، فأعطاهم يوسف خبزا بالخيل وبمواشي الغنم والبقر وبالحمير. فقاتهم بالخبز تلك السنة بدل جميع مواشيهم
18 ولما تمت تلك السنة أتوا إليه في السنة الثانية وقالوا له: لا نخفي عن سيدي أنه إذ قد فرغت الفضة، ومواشي البهائم عند سيدي، لم يبق قدام سيدي إلا أجسادنا وأرضنا
19 لماذا نموت أمام عينيك نحن وأرضنا جميعا ؟ اشترنا وأرضنا بالخبز، فنصير نحن وأرضنا عبيدا لفرعون، وأعط بذارا لنحيا ولا نموت ولا تصير أرضنا قفرا
20 فاشترى يوسف كل أرض مصر لفرعون، إذ باع المصريون كل واحد حقله، لان الجوع اشتد عليهم . فصارت الارض لفرعون
لم يعد شيء بيد المصريين .. كل مصر أصبحت لفرعون ووكيله يوسف وأسرته. ليس هناك استغلال أبشع من هذا . وإذا كان يوسف قد فرض الأمر على الناس فكيف قبل الفرعون بهذا الوضع لشعبه ؟
23 فقال يوسف للشعب: إني قد اشتريتكم اليوم وأرضكم لفرعون. هوذا لكم بذار فتزرعون الارض
أحال شعبا بأكمله إلى عبيد !
24 ويكون عند الغلة أنكم تعطون خمسا لفرعون، والاربعة الاجزاء تكون لكم بذارا للحقل، وطعاما لكم ولمن في بيوتكم، وطعاما لاولادكم
25 فقالوا: أحييتنا. ليتنا نجد نعمة في عيني سيدي فنكون عبيدا لفرعون
27 وسكن إسرائيل في أرض مصر، في أرض جاسان، وتملكوا فيها وأثمروا وكثروا جدا
بنواسرائيل يتملكون الأرض ويتكاثرون والمصريون يصبحون عبيدا ! يبدو أن يوسف طبق ( العدالة ) اليهووية على أكمل وجه ! الغريب أننا في سفر الخروج نجد أن الإسرائيليين كانوا عبيدا عند المصريين عكس ما يذكر هنا .
28 وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة. فكانت أيام يعقوب، سنو حياته مئة وسبعا وأربعين سنة
29 ولما قربت أيام إسرائيل أن يموت دعا ابنه يوسف وقال له: إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فضع يدك تحت فخذي واصنع معي معروفا وأمانة: لا تدفني في مصر !
30 بل أضطجع مع آبائي، فتحملني من مصر وتدفنني في مقبرتهم. فقال: أنا أفعل بحسب قولك
31 فقال: احلف لي. فحلف له. فسجد إسرائيل على رأس السرير
*****
* يعقوب يبارك منسى وأفرايم في الفصل 48
1 وحدث بعد هذه الأمور أنه قيل ليوسف: هوذا أبوك مريض. فأخذ معه ابنيه منسى وأفرايم
2 فأخبر يعقوب وقيل له : هوذا ابنك يوسف قادم إليك. فتشدد إسرائيل وجلس على السرير
3 وقال يعقوب ليوسف: الله القادر على كل شيء ظهر لي في لوز، في أرض كنعان، وباركني
4 وقال لي: ها أنا أجعلك مثمرا وأكثرك، وأجعلك جمهورا من الأمم، وأعطي نسلك هذه الأرض من بعدك ملكا أبديا
5 والآن ابناك المولودان لك في أرض مصر، قبلما أتيت إليك إلى مصر هما لي. أفرايم ومنسى كرأوبين وشمعون يكونان لي
هذا الكلام يشير إلى أن يوسف أصبح يعامل كمصري ، ويبدو أن يعقوب تقبل ذلك ، لكنه لم يتقبله لابني يوسف فطالب أن يكونا من بني اسرائيل ( يكونان لي )
6 وأما أولأدك الذين تلد بعدهما فيكونون لك. على اسم أخويهم يسمون في نصيبهم
سيعوض يوسف الأمر بإطلاق اسميهما على مولودين لا حقين !!
7 وأنا حين جئت من فدان ماتت عندي راحيل في أرض كنعان في الطريق، إذ بقيت مسافة من الأرض حتى آتي إلى أفراتة، فدفنتها هناك في طريق أفراتة، التي هي بيت لحم
8 ورأى إسرائيل ابني يوسف فقال: من هذان
9 فقال يوسف لأبيه: هما ابناي اللذان أعطاني الله ههنا. فقال: قدمهما إلي لأباركهما
10 وأما عينا إسرائيل فكانتا قد ثقلتا من الشيخوخة، لا يقدر أن يبصر، فقربهما إليه فقبلهما واحتضنهما
11 وقال إسرائيل ليوسف : لم أكن أظن أني أرى وجهك، وهوذا الله قد أراني نسلك أيضا
12 ثم أخرجهما يوسف من بين ركبتيه وسجد أمام وجهه إلى الأرض
13 وأخذ يوسف الاثنين أفرايم بيمينه عن يسار إسرائيل، ومنسى بيساره عن يمين إسرائيل وقربهما إليه
14 فمد إسرائيل يمينه ووضعها على رأس أفرايم وهو الصغير، ويساره على رأس منسى. وضع يديه بفطنة فإن منسى كان البكر
15 وبارك يوسف وقال: الله الذي سار أمامه أبواي إبراهيم وإسحاق، الله الذي رعاني منذ وجودي إلى هذا اليوم
16 الملاك الذي خلصني من كل شر، يبارك الغلامين. وليدع عليهما اسمي واسم أبوي إبراهيم وإسحاق، وليكثرا كثيرا في الأرض
17 فلما رأى يوسف أن أباه وضع يده اليمنى على رأس أفرايم، ساء ذلك في عينيه، فأمسك بيد أبيه لينقلها عن رأس أفرايم إلى رأس منسى
18 وقال يوسف لأبيه: ليس هكذا يا أبي، لأن هذا هو البكر. ضع يمينك على رأسه
19 فأبى أبوه وقال: علمت يا ابني، علمت. هو أيضا يكون شعبا، وهو أيضا يصير كبيرا. ولكن أخاه الصغير يكون أكبر منه، ونسله يكون جمهورا من الأمم
بارك يعقوب الإثنين بشكل ما عكس ما حدث بمباركته وحده من قبل أبيه !
20 وباركهما في ذلك اليوم قائلا: بك يبارك إسرائيل قائلا: يجعلك الله كأفرايم وكمنسى . فقدم أفرايم على منسى
21 وقال إسرائيل ليوسف : ها أنا أموت، ولكن الله سيكون معكم ويردكم إلى أرض آبائكم
22 وأنا قد وهبت لك سهما واحدا فوق إخوتك، أخذته من يد الأموريين بسيفي وقوسي .
- هذا خبر جديد لم نقرأه من قبل !
*****
* نبوءات يعقوب لأبنائه في الفصل 49
1 ودعا يعقوب بنيه وقال: اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الايام
2 اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب، واصغوا إلى إسرائيل أبيكم
3 رأوبين، أنت بكري، قوتي وأول قدرتي، فضل الرفعة وفضل العز
4 فائرا كالماء لا تتفضل، لانك صعدت على مضجع أبيك. حينئذ دنسته. على فراشي صعد
رغم أن رأوبين ( ابن الرؤيا ) الإبن البكر قوة أبيه وقدرته، إلا أنه لم يستطع كبح جماح شهوته فدنس فراش أبيه بمضاجعة سريته بلهه أم أخويه دان ونفتالي ، لذلك فقد بكوريته ومباركته لينالها ابنا يوسف، أمّا البكورية الروحية فقد اغتصبها يهوذا ، حسب تفسير الكنيسة !
5 شمعون ولاوي أخوان، آلات ظلم سيوفهما
إشارة إلى المجزرة التي ارتكباها في شكيم انتقاما لاختهما دينة التي ضاجعها شكيم بن حمور.
6 في مجلسهما لا تدخل نفسي. بمجمعهما لا تتحد كرامتي. لانهما في غضبهما قتلا إنسانا، وفي رضاهما عرقبا ثورا
المقصود الإنسان كنوع وليس شخصا بعينه .
7 ملعون غضبهما فإنه شديد، وسخطهما فإنه قاس. أقسمهما في يعقوب، وأفرقهما في إسرائيل
قد يقصد أن أبوته كيعقوب ونبوته كإسرائيل لم تنجح في الحد من سلوكهما وظلا يتنازعان في دخيلته !

8 يهوذا، إياك يحمد إخوتك، يدك على قفا أعدائك، يسجد لك بنو أبيك
9 يهوذا جرو أسد، من فريسة صعدت يا ابني، جثا وربض كأسد وكلبوة. من ينهضه
10 لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب
11 رابطا بالكرمة جحشه ، وبالجفنة ابن أتانه، غسل بالخمر لباسه، وبدم العنب ثوبه
12 مسود العينين من الخمر، ومبيض الاسنان من اللبن
فظيع يهوذا هذا !
13 زبولون، عند ساحل البحر يسكن، وهو عند ساحل السفن، وجانبه عند صيدون
14 يساكر، حمار جسيم رابض بين الحظائر
ههههههههه !
ضحكت سارة !
- تفسير الكنيسة يشير إلى الصبر وتحمل المشقة في العمل الزراعي يا ساره !
15 فرأى المحل أنه حسن ، والارض أنها نزهة، فأحنى كتفه للحمل وصار للجزية عبدا
16 دان، يدين شعبه كأحد أسباط إسرائيل
أي يصبح عدوا لشعبه!
17 يكون دان حية على الطريق، أفعوانا على السبيل، يلسع عقبي الفرس فيسقط راكبه إلى الوراء
18 لخلاصك انتظرت يارب
19 جاد، يزحمه جيش، ولكنه يزحم مؤخره
يقصد أنه سيكون محاربا .
20 أشير، خبزه سمين وهو يعطي لذات ملوك
أي سيغرق بالخيرات ويكون ثريا .. والنبوءات هنا تشمل النسل والسبط كله وليس الشخص المعني فقط . تفاسير الكنيسة تتطرق لها وتربط كل حدث بالمسيح ! لأن المسيح هو الأب والابن والروح القدس ( أي يهوة والمسيح والقدرة الفاعلة في الوجود ) كأقنوم ثلاثي يشكل شخصية واحدة . وهو بلا شك ظلم لشخصية المسيح التي لا علاقة لها على الإطلاق بشخصية يهوة العنصرية والمزاجية والقاتلة.
21 نفتالي، أيلة مسيبة يعطي أقوالا حسنة
( الأيلة ) انثى الأيل . ويقصد أن نفتالي سيكون حرا كالأيلة ويمنح الخير ويقيم علاقات حسنة.
22 يوسف، غصن شجرة مثمرة، غصن شجرة مثمرة على عين. أغصان قد ارتفعت فوق حائط
يوسف رمز للخير والعطاء وسمو الروح.
23 فمررته ورمته واضطهدته أرباب السهام
24 ولكن ثبتت بمتانة قوسه، وتشددت سواعد يديه. من يدي عزيز يعقوب، من هناك، من الراعي صخر إسرائيل
25 من إله أبيك الذي يعينك، ومن القادر على كل شيء الذي يباركك، تأتي بركات السماء من فوق، وبركات الغمر الرابض تحت. بركات الثديين والرحم
26 بركات أبيك فاقت على بركات أبوي. إلى منية الآكام الدهرية تكون على رأس يوسف، وعلى قمة نذير إخوته
27 بنيامين ذئب يفترس. في الصباح يأكل غنيمة، وعند المساء يقسم نهبا
بنيامين سيكون محاربا شهما !
28 جميع هؤلاء هم أسباط إسرائيل الاثنا عشر. وهذا ما كلمهم به أبوهم وباركهم. كل واحد بحسب بركته باركهم
29 وأوصاهم وقال لهم: أنا أنضم إلى قومي. ادفنوني عند آبائي في المغارة التي في حقل عفرون الحثي
30 في المغارة التي في حقل المكفيلة، التي أمام ممرا في أرض كنعان، التي اشتراها إبراهيم مع الحقل من عفرون الحثي ملك قبر
31 هناك دفنوا إبراهيم وسارة امرأته. هناك دفنوا إسحاق ورفقة امرأته، وهناك دفنت ليئة
32 شراء الحقل والمغارة التي فيه كان من بني حث
33 ولما فرغ يعقوب من توصية بنيه ضم رجليه إلى السرير، وأسلم الروح وانضم إلى قومه
يعقوب مات بقرار منه بعد أن فرغ من وصاياه وتنبؤاته ، وكأن يهوه تحت امرته وينتظر تنفيذ رغبته !
*****
* يوسف يبكي رحيل أبيه في الفصل 50
1 فوقع يوسف على وجه أبيه وبكى عليه وقبله
2 وأمر يوسف عبيده الاطباء أن يحنطوا أباه. فحنط الاطباء إسرائيل
3 وكمل له أربعون يوما ، لانه هكذا تكمل أيام المحنطين. وبكى عليه المصريون سبعين يوما
لو أن الفرعون نفسه مات لما بكى عليه المصريون سبعين يوما !!
4 وبعد ما مضت أيام بكائه كلم يوسف بيت فرعون قائلا: إن كنت قد وجدت نعمة في عيونكم، فتكلموا في مسامع فرعون قائلين
5 أبي استحلفني قائلا : ها أنا أموت. في قبري الذي حفرت لنفسي في أرض كنعان هناك تدفنني ، فالآن أصعد لادفن أبي وأرجع
6 فقال فرعون: اصعد وادفن أباك كما استحلفك
7 فصعد يوسف ليدفن أباه، وصعد معه جميع عبيد فرعون، شيوخ بيته وجميع شيوخ أرض مصر
يبدوأن المصريين جميعا شيعوا يعقوب ، ألم يحولهم يوسف إلى عبيد في الأرض ؟ والإشارة إلى هذه الجموع البشرية لا يمكن أن تشيع ميتا إلى مئات الأميال . والمؤلف يستخدم مفردة الصعود كما سبق ـ مما يشير إلى مكان قريب.
8 وكل بيت يوسف وإخوته وبيت أبيه، غير أنهم تركوا أولادهم وغنمهم وبقرهم في أرض جاسان
9 وصعد معه مركبات وفرسان، فكان الجيش كثيرا جدا
كم المشيعين الهائل هذا لا يشير إلى مسافة بعيدة تقتضي أياما ، كما هي الحال مع الصعود والنزول !
10 فأتوا إلى بيدر أطاد الذي في عبر الأردن وناحوا هناك نوحا عظيما وشديدا جدا، وصنع لابيه مناحة سبعة أيام
هذه أول إشارة لزمن خلال الصعود غير أنها لا تعني بعد المكان المقصود أو قربه إلا بربطها بنهر الأردن، وفي هذه الحال سيتصور من يعرف خارطة الطبيعة بين مصر ونهر الأردن أن المسير بالجثمان يتطلب أياما وقطع صحارى وهضاب وجبال ولا يمكن التعبير عنه بمفردة صعود . ويبدو أن التدخل في النص كان عشوائيا ليتلاءم مع بلاد كنعان أو فلسطين كما يفترض.
11 فلما رأى أهل البلاد الكنعانيون المناحة في بيدر أطاد قالوا: هذه مناحة ثقيلة للمصريين . لذلك دعي اسمه آبل مصرايم. الذي في عبر الأردن
12 وفعل له بنوه هكذا كما أوصاهم
13 حمله بنوه إلى أرض كنعان ودفنوه في مغارة حقل المكفيلة، التي اشتراها إبراهيم مع الحقل ملك قبر من عفرون الحثي أمام ممرا
14 ثم رجع يوسف إلى مصر هو وإخوته وجميع الذين صعدوا معه لدفن أبيه بعد ما دفن أباه
15 ولما رأى إخوة يوسف أن أباهم قد مات، قالوا: لعل يوسف يضطهدنا ويرد علينا جميع الشر الذي صنعنا به
ليس هناك أي مبرر لسوء النية هذا .
16 فأوصوا إلى يوسف قائلين: أبوك أوصى قبل موته قائلا
17 هكذا تقولون ليوسف: آه اصفح عن ذنب إخوتك وخطيتهم، فإنهم صنعوا بك شرا. فالآن اصفح عن ذنب عبيد إله أبيك. فبكى يوسف حين كلموه
18 وأتى إخوته أيضا ووقعوا أمامه وقالوا: ها نحن عبيدك
19 فقال لهم يوسف: لا تخافوا. لانه هل أنا مكان الله
20 أنتم قصدتم لي شرا، أما الله فقصد به خيرا، لكي يفعل كما اليوم، ليحيي شعبا كثيرا
21 فالآن لاتخافوا. أنا أعولكم وأولادكم. فعزاهم وطيب قلوبهم
22 وسكن يوسف في مصر هو وبيت أبيه، وعاش يوسف مئة وعشر سنين
23 ورأى يوسف لافرايم أولاد الجيل الثالث. وأولاد ماكير بن منسى أيضا ولدوا على ركبتي يوسف
24 وقال يوسف لإخوته: أنا أموت، ولكن الله سيفتقدكم ويصعدكم من هذه الارض إلى الارض التي حلف لإبراهيم وإسحاق ويعقوب
25 واستحلف يوسف بني إسرائيل قائلا: الله سيفتقدكم فتصعدون عظامي من هنا
يقصد أن ينقل رفاته فيما بعد إلى أرض كنعان .
26 ثم مات يوسف وهو ابن مئة وعشر سنين، فحنطوه ووضع في تابوت في مصر
******
وهكذا انتهت قصة يوسف يا يعقوب لينتهي بها سفر التكوين وليبدأ سفر الخروج ، أي الخروج من مصر بعد أربعمائة عام . لا شك أن قصة يوسف رغم كل تناقضاتها وسلبياتها ، من أجمل القصص العاطفية التوراتية . وقد أثرت في الآداب البشرية وما تزال تؤثر حتى اليوم في الشعر والقصة وغيرهما . وكان لصياغتها في القرآن بلغة بليغة أثر كبير في ذلك مع بعض الإضافات غيرالموجودة في الأصل . كقصة النساء والسكاكين وقميص يوسف الذي أرسل إلى أبيه وغير ذلك . كما أن النص القرآني لم يتطرق إلى تفاصيل أخرى لم تكن ضرورية .
وسفر الخروج يشير إلى أن تعداد بني اسرائيل الذين خرجوا من مصربقيادة موسى هو ستمائة ألف ، وإذا ما عرفنا أن الذين جاءوا مع يعقوب لم يتجاوزوا سبعين فردا حسب التوراة ، فإنه يستحيل أن يتكاثروا ليبلغوا هذا الرقم خلال 400 سنة . وربما لم يكن تعداد سكان مصر كلها قد تجاوزهذا الرقم بكثير في ذلك الزمن !
****















(19)
* المطر وعارف وذكريات المكان وتأجج عشق سارة سليمان !
وهو يجوب البطاح التي عاش فيها معظم أيام طفولته ومراهقته في بريّة القدس، وعلى ما يقرب من ألفي متر من مستوطنة كيدار التي ضمتها سلطة الإحتلال إلى مستوطنة معاليه أدوميم ، لابتلاع المزيد من الأرض عبر هضاب وسفوح وادي أبو هندي ، تلقى عارف نذير الحق مخابرة من سارة سليمان ، مبدية رغبتها في لقائه دون أبيها . لم يمانع . حضرت بسيارتها ( الجيب ) إلى أقرب مسافة من مكان عارف ، ثم تابعت سيرا على قدميها . رحب عارف بها متسائلا عن دافعها لهذه الزيارة المفاجئة . أجابت وهي ترد خصلة شعر انزلقت من تحت قبعتها على عينها اليسرى:
- في الحقيقة أحببت فكرك وتحليلك لفصول سفر التكوين . ويبدو أنني أطمع في التعرف إليك أكثر !
للحظة فكر عارف في أن تكون مكلفة باستكمال تسجيل أفكاره . لم يرغب في اشعارها بالشك في حضورها ، فطرح الامر بشكل يمكن تقبله :
- أحقا رغبة شخصية ؟
أدركت سارة أبعاد التساؤل:
- اقسم أنني لن أسجل كلمة مما سيجري بيننا، ولن أكتب أية تقارير فيما بعد .
- آسف إذا جرحتك !
- إنه حقك ! فأنا أنتمي إلى أعدائك ومن يحتلون وطنك ! وإن كنت شخصيا أختلف عنهم ولو بشعوري الودي تجاهك .
- أشكرك . لو لم أكن عجوزا لقلت أنك ربما تفكرين في عشقي !
- لا أراك عجوزا بل أقرب إلى الشباب ويمكن أن تعشق !
- أوه ! لعلك مصابة بعقدة لوليتا !
- هه ! لا كبرت كثيرا على لوليتا وعقدها فأنا في الثانية والثلاثين من عمري !
- يعني لو أنني تزوجت لكان لدي ابنة بعمرك أو حتى أكبر منك !
- وهذا لا يمنع من العشق العابر للسنين والأعمار !
- إن تعلقت بي بأي شكل حتى لو كان مجرد صداقة ستتعرضين للمضايقات وربما للتحقيق من قبل سلطاتكم !
- أعرف ذلك ، حتى أن بعض الفتيات تعرضن للضرب .. وسمعت عن احداهن تعرضت للقتل من قبل مجموعة من الغوغاء.
- ومع ذلك تغامرين بصداقتي!
- أجل . وأشعر أنها ستكون مختلفة عن كل ما مر معي في حياتي .
- أليس لديك صديق ؟
- آخر كائن أقمت معه علاقة جنسية اكتشفت أنه حيوان !
- كيف ؟
- متدين متعصب وسخيف . رؤيته للمرأة لا تختلف عن رؤيته للحماروالقرد والخنزير!
- هههههه!
- والآن أنت بدون صديق .
- صحيح . وأفكر بالتوقف عن الالتزام ؟
- ماذا تقصدين ؟
- الالتزام بحبيب معين والإخلاص له !
- هه! يبدو أنك تسيرين في طريقي!
- صحيح لماذا لم تتزوج أنت ؟
- لأنني أدركت أن الزواج مؤسسة فاشلة قبل أن أتزوج ، وخاصة في ما يتعلق بالغرام والحب والمتعة ! قد يكون مؤسسة ناجحة بحدود لتكوين أسرة ، وما عدا ذلك غير ممكن . الأسرة لم تكن طموحا لدي.
- أكيد أحببت أكثر من واحدة لتكتشف بعد كل حب أنه لم يملأ عليك نفسك !
- بالضبط . النفس تواقة دوما إلى ما هو أجمل وأمتع وأكثر كمالا. وما أن تحصل على جمال ما حتى تحاول البحث عما هو أجمل منه . وربما أكون نموذجا جيدا لهذه الحال !
- هذا الكلام يشمل كافة مناحي الحياة وليس الحب فقط !
- صحيح .
- وأنت الآن دون حب .
- أشعر أنني أخذت نصيبي من الحياة ، وأحتاج الآن إلى الوحدة والتفرّغ للتأمّل والكتابة .
- كيف تتصور تكاثر المجتمعات وعلاقات الحب في المستقبل ؟
- تكاثر حالات الطلاق بين الأزواج في المجتمعات البشرية ، والإمتناع عن الزواج لدى بعض الشباب وخاصة في أوروبا ، يشير إلى أن التكاثر في المستقبل قد يتم بوسائل صناعية مختلفة ، يكون البشر ثانويين فيها !
- هل تظن أن قبول مهاجرين لدى بعض الدول الأوروبية له علاقة ما بهذه المسألة ؟
- أكيد ! بعض الدول تتخوف من النقص الكبير في عدد السكان في المستقبل ! انظري هنا كيف تشجع السلطات انجاب الأطفال وتدفع مكافآت تصاعدية لعدد المواليد ، وتعمل على جلب اليهود من كافة انحاء العالم .
- تتخوف السلطات من تكاثر الفلسطينيين أيضا !
- هذا أمر مؤكد يؤرق جميع قادة اسرائيل . تصوري أسرة مثل اسرتي . نحن تسعة أخوة وست أخوات ، والجميع ما عداي طبعا ، يبلغ معدل أبنائهم ثلاثة عشر فردا ، هذا عدا أبناء أبنائهم ، فكيف لا يقلق هذا الأمر قادة اسرائيل !؟
شرعت سارة في الضحك :
- ربما لذلك لم تتزوج أنت ، واكتفيت بأبناء العائلة !
- صحيح ! فنحن مع الأعمام والخالات وأبنائهم وأبناء أبنائهم وأفخاذ العائلة نشكل قبيلة !
- كم عدد سكان بلدتكم ؟
- أظن أنه يقترب من خمسين ألفا . يقيمون على أرض تمتد من قمة جبل المكبر جنوب القدس، إلى بداية برية السواحرة الشرقية .. وهذه البرية تمتد حتى شاطئ البحر الميت شرقا ..
- لماذا تحب التجوّل هنا في البريّة تحديدا ..
- لأنني عشت طفولتي هنا . قد لا توجد بقعة هنا إلا ولي فيها ذكريات . هل ترين ذاك الباب المغلق في مواجهتنا ، الذي يتوسط حائطا صخريا ضمن جدار مثلث يحيط بالمكان . إنه المغارة التي عشت فيها الكثير من أيام طفولتي . المكان كله عبارة عن عزبة . المغارة كنا نقيم فيها في بعض سني الشتاء، ونخزن فيها الحبوب والتبن . الفسحة المنبسطة أمام المغارة وفوقها مهجع للأغنام . الكوخ الحجري الصغير إلى جانب الكهف مطبخ . الزرب الصغير خلفه خاص بعزل السخال والخراف عن أمهاتها عند الفطام، وعند تسريح القطيع إلى المرعى . الكهف الأكبر في المنخفض إلى جانب الجدار، لإيواء الأغنام خلال المطر . الحظيرة التي أمامه هي مربط البغل والحمير ! انظري ثمة طريق يمر فوق مغارة أسفل قاعدة الجدار، إنه الطريق الموصل بين كافة الكهوف في الوادي ، أسفله وأعلاه . المغارة اسمها مغارة عبده . نحن نسمي الوهدة أوالوادي غير الكبير ( جوفة ) واسم المكان كله ( جوفة مشتى المخالدة ) ثمة مغارة في مواجهة عزبتنا تسمّى مغارة أسعد ! المغارة على يسارعزبتنا مغارة حسين البسّة . وذاك الكهف في أول الوادي على مسافة من عزبتنا كهف أحمد خليل . حاصرنا فيه أحد كلابنا ذات يوم وقتلناه رجما بالحجارة لأنه تبين أنه ابن ذئب .ذاك الجدارالممتد مع طول الجوفة إلى جوارالعزبة، وإلى جانبه كهف صغير، خلفه قطعة أرض كنا نزرعها بصلا أو تبغا! وكنت ألعب في زاوية منه مع طفلة الجيران لعبة ( العريس والعروس ) التي كثيرا ما لعبتها مع ( طفلات ) في أماكن مختلفة هنا !
شرعت سارة في الضحك ثم تساءلت :
- وهل ستلعبها معي لتستعيد أيام طفولتك !
- ممكن، شريطة أن نعود أطفالا !!
ويبدو أن سارة أدركت أن إقامة علاقة غرامية مع عارف ستكون شبه مستحيلة إن لم تكن مستحيلة بالمطلق ، رغم أنها تبني الأمر على مجرد مزحة!
- ولماذا هذا الشرط المستحيل ؟
- لأننا غير قادرين على أن نكون أطفالا لنمارس اللعبة ببراءة الأطفال ! تلك البراءة التي دفعت أمي وأم طفلة إلى تركنا نكمل لعبتنا حين فاجأتنا أم الطفلة ونحن نمارسها خلف الجدار !
- هؤلاء الريفيات أكثر وعيا للطفولة من المدنيات .
- لأن المدن تقوم على وعي اجتماعي متعدد ومختلف ومشوه في الغالب!
وتابع عارف شرحه للمكان :
- ذاك الطريق المار من أسفل عزبتنا يؤدي إلى مجموعة من الكهوف والمغارات، بعضها محفور في جدران صخرية صغيرة، وبعضها أسفل ذاك الجرف الكبير وفوقه. كنت أتسلق جدار ذاك الجرف بصعوبة بالغة، كي لا أقطع الطريق الملتفة حوله للتواصل بين من يسكنون فوقه وتحته . كل كهف وكل مغارة لهما اسم، هو في الغالب اسم أب أو جد الأسرة . وليس هناك مكان على الإطلاق من قمة جبل المكبر حتى شاطئ البحر الميت ليس له اسم، ولم يقع فيه حدث ما. كل بضع دونمات من الأرض لها اسم . كل بئر ماء لها اسم . وكل وادي، وكل جبل، وكل سهل، وكل منخفض، وكل وهدة، كذلك ! أنا وأنت الآن نجلس في المكان الذي شهد يوم ختاني، يسمّى (بطين مشتى المخالدة) أو بطين البيدر، كما يسميه أبي . كنا نصيّف هنا في بيت من الشعر، وكنت في حدود الرابعة من عمري حين ختنوني. وأذكر أنني بعد الختان رحت أرجم المتواجدين في البيت بالحجارة وأبكي على ما أظنه قطع زبرتي !
ضحكت سارة بملء فيها .
- ألم يكن لديكم بيوت حديثة ؟
- البيوت الحديثة كانت لبعض الأثرياء والميسورين ماديا، ولم تكن هنا في البريّة، كانت على مقربة من القدس. ورغم أن أبي لم يكن فقيراً إلا أنه لم يمتلك ثروة تكفي لبناء بيت حديث .. ثم إن الذين يمتهنون الرعي والزراعة ، يضطرون إلى التنقل دائما بين المناطق الرعوية الأكثر خصوبة ، وغير المزدحمة بالسكان .
راحت الغيوم الداكنة تتجمع في الأفق الغربي فوق جبال القدس وتزحف نحو الشرق منذرة بهطول المطر.
- بدأ الطقس يتغير سارة . ستمطر لن نتمكن من العودة إلى بيتي قبل هطول المطر . دعينا ننحدر إلى الوادي على مقربة من عزبتنا لنلجأ إلى الكهف عندما تمطر .
- لا أرجوك ! لم أبتل بالمطر في حياتي وكم سيكون جميلا أن أبتل معك !
- هل ستدخليننا في رومانسية مطرية ؟
- ياه ! كم سيكون ذلك جميلا !
- مجنونة ! فيلسوفة ومجنونة !
اقتربت الغيوم مطبقة على السماء من أقصاها إلى أقصاها ، وراحت تمطر رذاذا .. شرعت سارة في رفع وجهها إلى السماء لتتلقى الرذاذ ، وما لبثت أن رفعت يديها إلى السماء وراحت تناشدها :
" هيا يا مردوخ العظيم ، يامن عجنت خلق الإنسان بدمائك الربّانية ، أهطل مطرا من نصف جسد جدتك العلوي ، على نصف جسدها السفلي ، لتعمد حب عشتار وإيل إلى الأبد "
التمع برق في السماء ليدوي بعده رعد هائل . راح المطر يزداد انهمارا وسارة تدور حول نفسها رافعة يديها إلى السماء صارخة " هيا يا مردوخ العظيم " فيما عارف يصلح من وضع قبعته على رأسه ويطبق طرفي سترته على صدره في محاولة لصد قدر من المطر عن التسرب إلى جسده :
- إن كنت عشتار فلست إيل يا سارة !
- بل أنت إيل .. أنت إلهي إيل وقد أرسلك مردوخ العظيم إلي من بين الأرباب ، إلي أنا وحدي دون النساء !
- قد تكونين استير وأكون جليّات !
- لا لا يا إيل بل عشتار!
وراحت تدور على نفسها متلقية انصباب المطر.. وما لبثت أن طوّحت بقبعتها بعيدا ونثرت شعرا انسدل على ظهرها كشلال عارم ، ونزعت سترتها ثم كنزة أسفلها ثم شلحة ، ثم السوتيان، وطوحت بالكل بعيدا ، لتحتضن نهديها وتشرعهما إلى السماء صارخة معلنة ولاءها وامتنانها للإله مردوخ " شكرا مردوخ العظيم ، خالق الخلق وواهب الحياة ، إليك نهدي قربان شكرعلى ما أنعمت به علينا من خيرسمائك" وقبل أن يلتقط عارف أفكاره من هول المفاجأة ، ألقت سارة نفسها عليه وضمت رأسه إليها وشرعت في تقبيله والتهام شفتيه وخديه وعنقه بجنون ، فيما المطرينهمر مدرارا ليغسل جسديهما ..
******
بادل عارف نذير الحق سارة سليمان ثورة ولهها بقبلات غيرحارّة قدرالإمكان، في محاولة للحد من تأجج رغبتها ، وحين شعرت هي بالإكتفاء من أخذ القبلات الملتهبة العابقة بمياه المطر ، ألقت رأسها على عنقه واستسلمت لانهمارالمطر على جسديهما .
احتضن عارف رأسها للحظات ثم أبعده قليلا والمطر ينهمر عليهما " هيا إلى الكهف ، سنبرد إن بقينا هنا تحت المطر. اسبقيني. سأجمع ثيابك "
أذعنت له، وانحدرت مسرعة نحو الكهف . راح عارف يجمع ملابسها ويعصرها قليلا .. تنبه إلى وجود هاتفها الجوّال في سترتها حين حاول عصرها .. أخرجه ووضعه في جيب سترته إلى جانب جوّاله .
ما أن دخلت سارة إلى الكهف حتى شرعت في نزع حذائها وجواربها وبنطالها، وراحت تعصرالبنطال من مياه المطر، وحين حضر عارف ورأى جسدها متألقا بكامل أبهته وجمال قوامه ، لا يستره إلّا ( كيلوت ) صغيرانحسر بين فخذيها وردفيها ، جاهد لكبح رغبته ، وتابع عصر ملابسها وملابسه وتعليقها على نتوءات في جدران الكهف .
كان ثمة كيس كبير من الحطب والفحم في عمق الكهف ، احتاط به عارف من قبل لاتقاء البرد خلال تجواله ، دون أن يخطر بباله أنه سيواجه حالة كهذه . حمل الكيس وأفرغ كمية منه في وسط الكهف ،
ونهض نحو كوّة في الحائط أخرج منها علبة ثقاب وعبوة نفط . دلق قليلا من النفط على الحطب وأشعل النارلتتأجج . وقفا ماددين أيديهما فوق النار، فيما كان سرب من طيور الحجل التي شعرت بالحرارة، وربما اشتمت رائحة عارف أو أحست بوجوده ، تدرج على باب الكهف وتدخل إليه دون أي شعور بالخوف !
هتفت سارة وهي ترى إلى الطيور تدخل وتدرج إلى جوانب الجدران :
- ما هذا بحق مردوخ ؟
قال عارف:
- لا تتفاجأي ، بعض هذه الطيور تربى في بيتي وعلى يدي ذات يوم. وربما شعرت بوجودي فحضرت ومعها طيور أخرى .
مد عارف يديه نحو إحداها بدا أنها الأم ، ووسط دهشة سارة كانت الحجلة تقفز لتقف على راحتي يدي عارف المنبسطتين ، ليضمها عارف إلى عنقه ويقبلها على رأسها ، لتبادله القبل بأن عضّت شفته السفلى بمنقارها!
- يا إلهي ! هل تتيح لي أن أقبلها ؟
- قد تخاف منك ومع ذلك قربي رأسك بهدوء!
أدنت سارة رأسها ببطء دون أن يبدو خيفة على الحجلة. قبلت رأسها بهدوء لتغمرها فرحة جميلة قد لا يشعر بها إلا عارف .
أنزل عارف الحجلة عن حضنه وأطلقها لتدرج ثم تثب لتقف على نتوء في الكهف .
همست سارة وهي تدنو من صدر عارف المعرّى بعد أن انتزع ملابسه لتجف:
- حتى الطيور تعشقك وتريدني أن لا أعشقك يا اورفيوس !
- هل تخليت عن إيل يا اوريديوس الجميلة؟
- ما أنت إلا سليلهُ كما أنا اوريديوس سليلة عشتار!
وراحت تمطر صدره بقبلات ملتهبة متنقلة من حلمة ثندوته اليمنى إلى حلمة ثندوته اليسرى، ثم انحدرت لتقبل بطنه وتشرع في فك ازرار وحزام بنطاله " بنطالك مبلل يا حبيبي " .. ساعدها عارف على نزع بنطاله، لتشرع في عصره وتعليقه على نتوء بحثت عنه في الجدار.
انتشر الدفء داخل الكهف .. حاولت سارة نزع ( كيلوت ) عارف غيرأنّه تأبّى عليها راجيا أن لا تفعل . همست وهي تتأجج رغبة :
- لماذا يا إلهي الحبيب !
- حتى لا أفتقد حبك كما افتقدت حب غيرك ! عندي رغبة في أن أحتفظ بحبك إلى آخر لحظة في حياتي، ولا أريد للجنس أن يطفئ حرارته ويدمره ! ليكن حباً عذريا قدر الإمكان !
أدركت سارة صدق كلماته . فاكتفت بأن ألهبت جسده بالقبل من قمة رأسه حتى أخمصي قدميه . وحين ألصقت جسدها بجسده ليلتحم الجسدان ليشكلا جسدا واحدا، وهي تلثم عنقه وتتأوه من أعماقها، ودموع حارة تنزلق من عينيها ، أدرك عارف أنها بدأت تستشعر متعة ما ، فضمها إليه بكل ما لديه من قوة لتتأوّه بملء فيها ولينتفض جسدها في ارتجاجات متتالية وكأن بركاناً قد تفجر في دخيلتها .
هدأت لتبتسم وتتنهد بعمق فيما عارف يمسح الدموع عن وجنتيها براحة يده .
****



(20)
* القتل لمجرد الرغبة في القتل !
أوغل جنود الإحتلال في التصدي لتظاهرات الشباب والفتية الفلسطينيين التي عمت مناطق عديدة في الضفة وغزة ، مستخدمين الرصاص الحي والمطاطي وقنابل الغاز . قتل شاب في غزة وطفلة في القدس . وأصيب العشرات بجراح مختلفة، كما اعتقل العشرات حتى من أطفال في حدود العاشرة من أعمارهم . لم تكن طفلة القدس تشارك في تظاهرة ، كانت عائدة من المدرسة حاملة حقيبة الكتب المدرسية على ظهرها ، ولم تكن تحمل بيديها أي شيء يمكن أن يشتبه به ، أي شيء على الإطلاق، ولا يمكن لعاقل أن يتصور أن الطفلة ستتوقف على مسافة تقارب ثلاثة أمتار من جندي ما متأهب لإطلاق النار، وتنزل الحقيبة عن ظهرها، وتفتحها، وتخرج منها سكينا ، تهجم به على الجندي لتطعنه ، والجندي يتفرج عليها . مسألة كهذه لا يمكن أن يتخيلها إلا جندي أحمق ، وطفلة حمقاء أيضا .. كانت الطفلة تمرعلى مسافة أمتار من بضعة جنود من الفصيل الذي يقوده شمعون سليمان ، مراعية أن لا تنظر إلى الجنود ، مدركة أن مجرد النظر إليهم قد يثير الشبهة وربما يردون بإطلاق النار . فوجئت الطفلة بأحد الجنود يصرخ بها أن تتوقف . التفتت نحو الجنود لتتأكد من أنها المقصودة بالتوقف . كرر الجندي أمره . توقفت الطفلة . اقترب الجندي خطوة واحدة من الطفلة مسددا بندقيته . رفعت الطفلة يديها لتريه أنها لا تحمل شيئا بهما . تابع الجندي صراخه مشيرا إلى ملابسها .. فكت أزرار مريولها لتريه أنها لا تخفي شيئا تحت حزام بنطالها. أشار الجندي إلى الحقيبة .. أنزلتها عن ظهرها وفتحتها موجهة بابها نحو الجندي ، فيما الجندي يتهيأ بحذر شديد واضعا اصبعه على زناد البندقية ، والجنود الآخرون ، يرقبون المشهد الدرامي ، إضافة إلى بعض المارة الذين استوقفهم الأمر . تابع الجندي صراخه . لم تعرف الطفلة ماذا يريد ، لم تجد إلا أن تقلب الحقيبة رأسا على عقب ، لتسقط الكتب وكل محتوياتها من أقلام ودفاتر ومسطرة على الأرض، ثم تلقي بالحقيبة نفسها فوق محتوياتها ، متسائلة بذعر عما يريده الجندي بعد ؟ وهنا بالضبط بدا أن رغبة الجندي في القتل قد خابت و لم تتحقق ، فالطفلة لا تحمل شيئا يستدعي القتل ولا حتى الإعتقال ، لكن الرغبة تأججت إلى حد فظيع، لم يعد في الإمكان السيطرة عليها ، ضغط الجندي على الزناد، لتنطلق قرابة خمس رصاصات اخترقت جسد الطفلة . خرت الطفلة صريعة على الأرض وجسدها يتلوى ويرتعش ، فيما صرخ الواقفون من أعماقهم هلعا وغضبا وقهرا ، ولم يبد على الجنود ما يثيرالقلق أو أي شيئ آخر، عدا واحدا لم يحتمل النظر إلى جسد الطفلة المحتضر، فانكفأ مديرا ظهره إلى المكان .
*****
أحد المتفرجين على الواقعة صوّرها بجهازهاتفه المحمول، وأرسلها إلى وكالات الأنباء . ملايين البشر في العالم شاهدوا الجريمة على شاشات التلفزة . جريمة واضحة وضوح الشمس، ليس في الإمكان غض الطرف عنها، يرتكبها جندي مهووس بالقتل، ولا يمكن اعتبارها غير ذلك .
حين عرفت سارة سليمان أن الجندي قاتل الطفلة هو أحد أفراد الفصيل الذي يقوده أخوها ، قذفته بشتيمة كبيره وانهالت على الدولة التي ترعاه وترعى القتلة أمثاله بسيل آخر من الشتائم .. اتصلت به مبدية غضبها ، مطالبة بأن يقدم الجندي إلى المحاكمة . كما اتصلت بيوئيلا التي توطدت علاقتها بها، وطلبت إليها أن تمارس الضغط على شمعون ليتوقف عن ممارسة البطش على الأطفال والشبان الفلسطينيين . وحاولت الإتصال ببعض أصدقائها من جماعة السلام الآن للقيام بتظاهره تشجب قتل الأطفال الفلسطينيين ، غير أن اتصالاتها لم تسفر عن شيء . واتصلت بعارف نذير الحق مبدية حزنها لمقتل الطفلة، وأسفها لما جرى ذلك اليوم في الضفة والقطاع . شكرها عارف مؤكدا أن لا جديد في الأمر، فالقتل والتعسف يجريان يوميا وعلى مدارالسنين من قبل قوات الإحتلال.
يعقوب سليمان لم يكن في حال أفضل . كان يتمنى أن يسير الواقع في اتجاه أحسن ، ليواجه (عديقه ) عارف نذير الحق بالتحدث عن احتلال رحيم، يمكن أن يتم التفاهم معه للوصول إلى سلام ما قد يدوم لبضع سنين ، وها هي الأمور تسير نحو الأسوأ .. فكر في اجتماع للعائلة يمكن أن يتم فيه النظر إلى الفلسطينيين كبشر وليس كأفاع وأوباش قذرين . رأته راحيل مهموما ، فتساءلت :
- تبدو مهموما كثيرا لمقتل هذه الفتاة ! هون عليك وانتبه لصحتك !
- فتاة ؟ تقولين فتاة ؟ ألم تري أنها قد لا تتجاوز العاشرة من عمرها ؟ حتى لو كانت فتاة ، هل رأيت ما يستوجب قتلها وبهذه الوحشية ؟ ماذا لو أن طفلة اسرائيلية قتلت بهذ ا الإجرام ، لأقامت اسرائيل الدنيا وأقعدتها .. هنا يقتل الأطفال والشباب الفلسطينيون كل يوم تقريبا والعالم يتفرج ، وإسرائيل تضرب عرض الحائط بمئات قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة التي تدينها !
بدت راحيل في حالة ذهول وهي تستمع إلى لهجة جديدة لم يتحدث بها زوجها من قبل ولو بهذا الوضوح !
- يوه يوه يوه ! منذ متى تتحدث عن هؤلاء الأوباش القذرين بهذه اللغة جاكوب !؟ ما الذي يحدث معك ومع ساراي في طلعاتكما إلى البريّة ؟ لعلكما تلتقيان أوباشاً فلسطينيين استطاعوا غسل دماغيكما!؟
ولا يمكن لأحد أن يتصور مدى دهشة راحيل حين فوجئت بيعقوب يصرخ بها لأول مرة في حياته بهذا القدر من الإنفعال :
- نحن الأوباش ، ونحن أقذر البشر بين الأمم ، وعليك أن تدركي ذلك ، نعم التقينا أنا وسارة بإنسان فلسطيني مهذب ، سحرنا بتهذيبه وإنسانيته وثقافته، يعرف توراتنا أكثرمما نعرفها جميعنا ، حتى أكثر مما يعرفها ويفهمها حاخامات اسرائيل مروّجي خرافاتها وأساطيرها . هذا الرجل كان بإمكانه أن يقتلني ببندقيتي دون أن يعلم به أحد ، ومع ذلك لم يفعل ، لأن إنسانيته ارتقت به إلى أن يسمو بنفسه فوق القتل والكره والحقد ، حتى مع عدوه ومغتصب وطنه ، فأين نحن من هذا الإنسان ، أليس هذا المهووس قاتل الطفلة يكمن في كل فرد منّا، من أصغر طفل حتى نتنياهو.. وما ابنك الذي يقود فصيلا من القتلة، وجنديه المهووس إلّا النموذج الذي يجسد هذه الرغبة في القتل . أفيقي على نفسك يا راحيل وتذكري دائما أننا لسنا أكثر من محتلين ومغتصبين لبلاد لم تكن يوماً وطناً لنا !
ظلّت راحيل فاغرة فاها للحظات ، لا تصدّق أنّ جاكوب تغير إلى النقيض مما كان عليه ، فهل يعقل أن يكون هذا الفلسطيني الذي يتحدث عنه ساحرا ، ألقى بسحره عليه وعلى ساره ؟ ماذا يكون إن لم يكن كذلك ؟ فالتأثير إلى هذا الحد ليس أمرا طبيعيا .. تساءلت وهي تحاول جمع شتات عقلها :
- إذن قصة تخبئة بندقيتك في البريّة كانت كذبة ، هل استولى عليها هذا الفلسطيني في غفلة منك أم أنك أعرته إياها ليصطاد بها ؟!
حاول يعقوب أن يكبح غضبه قدر الإمكان :
- بندقيتي ليست هي المشكلة الآن . لا بد من إقناع ابنك بأن يخفف يده عن البطش بالأطفال الفلسطينيين ، طالما ليس بوسعنا أو بوسع أحد أن يضغط على حكومة نتنياهو لتغيّر سياسة البطش.
- شيمون ينفذ أوامر مسؤوليه ويتقيد بسياسة الدولة وليس في الإمكان أن يتراجع عن ذلك ؟
- وهل من سياسة الدولة أن تقتل طفلة لمجرد الرغبة في القتل ؟ ألم نرعهد التميمي تلكم جنديا دون أن يطلق عليها أحد النار، فلماذا لم ينفذ هؤلاء الجنود سياسة الدولة بالقتل واكتفوا باعتقال عهد ، بينما نرى أن ذاك الجندي قتل طفلة بريئة لمجرد الرغبة في القتل؟!
- ألم تقل أن الجندي القاتل مهووس ، أي خفيف العقل ، أو مجنون ؟
- وهل جميع القتلى والجرحى الفلسطينيين يقتلون ويجرحون من قبل مهووسين في جيش الدفاع ؟ ألم نرهم يطلقون النار حتى على الجرحى المحتضرين في الرمق الأخير من حياتهم ؟ إذا كان كل هؤلاء مهووسين فأي جيش هذا ، وكيف يبقي على أمثال هؤلاء في صفوفه ؟ المسألة تعود لضمير وأخلاق الجندي نفسه ، فإما أن يكون قاتلا متوحشا وإما أن يحتفظ بالحد الأدنى من إنسانيته، وإنه لأمر مؤسف أن ينتمي ابنك إلى النوع المتوحش من الجنود!
وهنا صرخت راحيل بانفعال في وجه يعقوب :
- جاكوب إنه ابنك فكيف تنعته بالوحشية ؟ حسب ما أعرف أنه لم يقتل في حياته إلا واحدا من رماة الحجارة ، ولم يطلق النار عليه إلا بعد أن أصابه بحجر في كتفه !
شرع يعقوب في قهقهة هستيرية ، ثم هتف بانفعال وسخرية :
- أصابه بحجر في كتفه ! قنبلة حجرية استدعت ابنك أن يطلق النار على الشاب ليرديه قتيلا . إن لم تكن هذه وحشية فماذا يمكن أن تكون أيتها النعجة ؟
ردت راحيل بانفعال أقرب إلى الصراخ :
- أنا نعجة يا جاكوب ؟ نعجة لأنني قبلت الزواج منك دون أن أحبك !
- لست من أسماك راحيل ، ويا ليتك تحملين وداعة النعجة ! قبلت الزواج منّي لأنك لم تجدي من يتزوجك ! فمن يتزوج من نعجة لا تجيد إلا حقن إبرالبنسلين !
- وما له حقن البنسلين يا عاقب !؟ هل أصبحت مهنة التمريض عارا يا عاقب؟
قرع جرس الباب . هرع يعقوب وفتحه . كانت سارة تحمل في يدها كيسا من النايلون . هتفت دون تحية :
- ماذا يجري باب صراخكما واصل إلى الخارج !
- قولي للنعجة أمك باب كيف تدافع عن ابنها القاتل !
- أف أف يبدو أن الوضع تأزم بينكما إلى حد كبير، وهو ابنك أيضا باب هل نسيت ذلك ؟
دخلا .. صافحت سارة أمها ودعتها إلى الهدوء . سارع يعقوب في الرد على سارة وهو يجلس على أريكة:
- لا لم أنس ساراي، لكني غيرت رأيي في ما يقوم به شيمون وأحاول أن أردعه عن القيام بذلك .
- إذن اصبر على مام إلى أن نقنعها بتغيير رأيها أيضا ! لماذا تتعجل الأمور ؟ وحينئذ قد نقنع شيمون بتغيير تعامله مع الشباب الفلسطينيين .
- أمك لن تقتنع وشيمون كذلك !
- أرجوك باب . لا تقفل الأبواب ولا تتشاءم . مام كانت ممرضة . والممرضات ملائكة رحمة كما نسميهن ، فكيف لا تكون رحيمة مع الأطفال ؟ أليس كذلك مام !
- قولي للعاقب أبوك !
- أوه مام كفى . ألن نخلص من هذا ؟
- هو الذي بدأ بنعتي بالنعجة !
- طيب مام حالة انفعالية طارئة وانتهت !
شرعت راحيل في البكاء :
- لا لم تنته . لقد سخر مني أيضا وادعى أنني لم أجد من يتزوجني غيره . وأنني لا أجيد في حياتي إلا حقن البنسلين .. هل هذا كلام يقال لي بعد كل هذا العمر ؟
اقتربت سارة من أمها وضمت رأسها إليها وراحت تربت على ظهرها .
- أوه مام حبيبتي . هوني عليك . سامحيه كانت لحظة انفعال ..
- لن أسامحه إلا إذا اعتذر لي !
- سيعتذر مام !
وأشارت بحركة من رأسها إلى أبيها أن يعتذر . اعتذر قائلا :
- عذرا راحيل !
- وقبل رأسها أيضا !
نهض يعقوب وقبل رأس راحيل ، فيما شرعت سارة بمسح دموع أمها بمنديل ورقي ناعم .
هتف يعقوب مخاطبا سارة بعد لحظات صمت عادت فيها راحيل إلى هدوئها:
- هل رأيت شيمون ؟
- اتصلت به ما أن سمعت بالأمر وأشبعته شتائم ثم التقيته أنا ويوئيلا فيما بعد . وعد بالعمل على تقديم الجندي إلى المحاكمة ..
- هذا جيد . وهل تم اعتقال الجندي ؟
- أظن أنه اعتقل لكني لم أتأكد !
- نأمل أن تكون المحاكمة عادلة وأن ينال الجندي عقابه ، وينال أهل الطفلة تعويضا من السلطات !
ضحكت سارة وهي تقول :
- لا تتفاءل باب قد تحكم عليه المحكمة بتغريمه شيكلا واحدا أو بضعة شواكل كما في بعض المحاكمات !
وتذكرت ما احضرته معها :
- لقد أحضرت لكما شاورما فلسطينية آمل أن لا تكونا قد تغديتما .
ونهضت سارة كما نهضت أمها لإعداد طعام الغداء .
*****




(21)
*موسى يبدأ حياته بقتل مصري تشاجر مع عبراني!
لم أصدق حين اتصلت سارة بي في المساء ليس للزيارة فحسب ، بل لتنام عندي أيضا إذا لا أمانع . ترددت للحظات . لم أستطع أن أحسم أمر النوم على الهاتف . قلت لها أن تحضر وسنفكر في أمر النوم لاحقا . وصفت لها عنوان البيت السهل جدا، وكنت قد اعطيتها عنه فكرة من قبل . جاءت . لم أرها منذ بضعة أيام ، منذ يوم الحب تحت المطر، وفي الكهف إلى جانب النارالمتقدة ، وعلى مرأى من أعين طيور الحجل المستكينة إلى نتوءات وكوى الكهف مستشعرة الدفء! تعانقنا بحرارة. فوجئت بأنها أحضرت معها من اللحوم والخضار والفواكه والحلويات والخموروالمكسرات ما يكفي لما يقرب من شهر .
- ماهذا يا مجنونة ؟
- أعرف أنك تعيش على أطراف البريّة وليس لديك سيارة لتحضر مؤونة . قلت أحضر بعض التموين لك ولي أيضا إذا ما نمت عندك !
- لكن سأدفع ثمنه !
حدقت في وجهي لتتساءل:
- نعم ؟ لماذا تريد أن تحرمني من هذا الفرح ؟
- طيب نتشارك !
- مستحيل !
- تخجلينني !
- أرجوك لا تقل ذلك ، ودعني أفعل ما يدخل السرور إلى قلبي !
أنزلنا التموين والخمور . ورحنا نضع كل شيء في مكانه في البيت . لحسن الحظ كان التموين قد أوشك على الإنتهاء ، فكان هناك متسع لكل شيء.
جلسنا متجاورين على أريكة في الصالون . ضمتني وبادلتني قبلة متمهلة كتعويض عن قبلات المصافحة السريعة والبريئة !
همست لها:
- هل تعلمين أنني فكرت في أشياء كثيرة لشيخوختي غير أنني لم أفكر على الإطلاق في أنني سأقع في الحب في هذا العمر. وممن ؟ ممن يفترض أنها عدوتي! مسألة أشبه بحلم سريالي . لا أكاد أصدق ما يجري معي !
وضمتني ثانية لنتبادل قبلة أعمق من الأولى، ولتنهض بعد ذلك لتتفرج عن قرب على عشرات اللوحات المعلقة على جدران البيت ، وعلى ما تحويه المكتبة .
سألتها ماذا تشرب ؟ أجابت: وسكي .
نهضت . حضّرت كأسين وجلست .
قالت وهي تتأمل إحدى اللوحات :
عوالمك أسطورية . رأيت فيها مردوخ وعشتار وآدم وحواء والأفعى والمسيح والعذراء ..إضافة إلى اللوحات التراثية كالصخرة، والنساء بالأزياء الشعبية المطرزة . وأيقونات لقديسات كما يبدو .. كيف لك صبر على هذا القدر من الزخرفة الدقيقة ورسم التطريز ؟
كنت. الآن أرسم دون هذا العناء حين أريد أن أرسم، لأن عيني تعبتا .
شربنا نخبنا.
- ما أخبار أبيك ؟
- متعب وخاصة بعد مقتل الطفلة من قبل الفصيل الذي يقوده أخي شمعون .
- سلمي عليه .
- الله يسلمك . الشاباك طلبوا إليه أن يحثك على إكمال محاضراتك عن التوراة.
- لعلهم عرفوا أنني أعرف أنّه يسجل المحاضرات.
- لا أظن .
- يستحسن أن لا يعرفوا ليزداد شعورهم بأنهم يقومون بعمل خارق !
- هل ستكمل مع أبي إن طلب ؟
- بالطريقة نفسها مستحيل . قراءة فصول الأسفار كلها أمر متعب . يمكن التطرق إلى بعض الفصول دون قراءتها كلها.. يمكن ايراد بعض الفقرات إن دعت الضرورة .
- هل تشعر أن أبي أصبح صديقا لك ، أم أنه كان وما يزال عديقاً؟
- أعتقد أن الكلمة معبرة عن حالنا!
- وأنا ؟
- أنت قطعت المراحل كلها لتسكني قلبي!
وألقت بنفسها علي .. ضممتها . أراحت رأسها على عنقي . قبلت شعرها ورحت أملس عليه . دخلنا للحظات في ما يشبه الحلم .. كبست زر المسجلة إلى جنبي لينطلق عزف ناي شجي ! ذهبنا بعيدا . حلّقنا في أبعد سماء تحف بنا نجوم صغيرة ، وشموع طائرة ، وورود محلقة ، ونوارس جميلة . بساطنا غيوم ، وأرائكنا غيوم . ووسائدنا غيوم . وصدح أغان يشدو من حولنا بسر الوجود . آهات عشاق . ترانيم ملائكة وقديسين. فرح آلهة .. قبلات متناثرة . تفوّح رائحة . ألوان متموّجة .. تغريد عصفور عاشق . ألحان حالمة .. ابتسامات ليل وديع تبعث نورا.. ينابيع رقراقة ! نوافير فسفورية .. حوريّات نائمات .. حنين نفوس . عرائس بحر. أمواج ناعسة .. زفّة عشاق !!
هل غفونا ؟ هل نمنا ؟ كم مرّعلى تحاضننا ؟ لا أعرف. كل ما هنالك أنني شعرت بالجوع . همست إلى سارة .:
- ألست جائعة حبيبتي ؟
قالت أجل، وشرعت في بكاء فريد، وراحت تحتويني بيديها وتلصق رأسها بعنقي وكأنها تريد أن تشقه لتدخل فيه . أدركت سر بكائها . احتويتها :
- أريدك قويّة يا حبيبتي لننتصرعلى الوضع الذي نحن فيه !
- أقسم أنّه ليس لي ذنب في الهجرة إلى وطنكم واحتلال أرضكم !
- أنا أدرك ذلك أكثر منك حبيبتي.
- لا أستطيع أن أنسى ذلك حبيبي .. أشعر بعقدة ذنب أتمنى لو أنها لم توجد ، لكان حبنا أجمل !
- بل هو جميل لأنّه كذلك ! حب غير عادي، تمرّد ، ثورة لكلينا ، صفعة لكل من لا يريد أن نعيش إنسانيتنا ، ليبقينا أعداء إلى الأبد . هيّا ، لننهض لأعمل لك أطيب عشاء .. استيك بالبهارات !
****
نهضنا .. سلقنا بعض الخضار، وعملنا سلطة ، وقلينا بطاطا، واللحمة تستوي على نار هادئة .
لم تنس سارة أنني لم أحسم أمري في مسألة نومها عندي حين خابرتني . سألتني بعد تناول العشاء إن كنت قد حسمت الأمر . قلت :
- وهل يصعب النوم في بيتي على من سكنت قلبي حبيبتي ؟ هيا انزعي ثيابك لنجلس براحة . هل أحضرت معك ملابس للنوم ؟
- معي في السيارة .
خرجنا معا إلى السيارة .. كان الطقس باردا قليلا . أخرجت حقيبة صغيرة من السيارة وعدنا إلى الداخل ..
لدي غرفتان للنوم، إحداهما للضيوف . ثمة سرير في كل غرفة ، مجهز بكل ما يلزم للنوم . أدخلتها إلى غرفة الضيوف.. قلت لها " اعتبري أن هذه غرفتك منذ اليوم " وخرجت إلى غرفتي . نزعت ملابسي وارتديت ملابس البيت . جاءت سارة مرتدية ملابس النوم أيضا . جلسنا .. قالت :
- حدثني ؟
- عن ماذا ؟
- عن أي شيء تحبه .
- ماذا تحبين أنت ؟
- كل ما أسمعه منك يروق لي !
- ما رأيك بالعودة إلى التوراة ؟
- سأكون سعيدة فانا لا أعرف إلا القليل جدا عن موسى وعن التوراة كلها كما تعلم ،حاولت أن أقرأها فلم أستطع . تصفحت بعض أسفارها مجرد تصفح !
- حسنا يا عزيزتي . لكن أرجو أن تسجلي على هاتفك فقد نحتاج للتسجيل ولو من أجل أبيك إذا ما لح على الأمر، ثم إننا لا نريد أن نوقف عمله، أكيد يدفع له الشاباك راتبا!
- غير معقول ! لا أحب أن أشعر أنني أتجسس عليك !
- تجسسي من أجلي ! إن لم تسجلي سأسجل أنا !
- أمري لمردوخ ! سأسجل !
في سفر الخروج نجد أنفسنا بعد قرابة أربعمائة عام من دخول يعقوب وأبنائه وأسرته إلى مصر . أي في الزمن الذي سيظهر فيه موسى الذي ما تزال شخصيته محيرة للمؤرخين والباحثين . وقبل أن ندخل في بعض تفاصيل هذه الشخصية المحيرة . سنتطرق قليلا إلى القرون الأربعة التي سبقت ظهورها .
كنا قد تركنا المصريين وقد تحولوا إلى عبيد عند يوسف وأخوته وفرعون مصر، لنفاجأ بعد أربعمائة عام أن العكس هو الذي حدث ، فقد أصبح بنو اسرائيل عبيدا عند المصريين ، وتكاثروا حتى أصبحوا قرابة ستمائة ألف، وسنتجاوز هذا التكاثرغير الممكن الذي جاء من سبعين فردا جاءوا مع يعقوب . كاتب التوراة يستخم تعابير مبالغ فيها كالعادة فيقول إنهم تكاثروا حتى ملأوا الأرض وبنوا مدناً للمصريين ، بل وأصبحوا أعظم من المصريين أنفسهم من حيث القوة والعدد ! المدونات المصرية التي لم تترك شيئا إلا وتحدثت عنه . لم تتطرق على الإطلاق إلى وجود هؤلاء القوم في مصر . كما أن التوراة لم تذكر ولو اسما واحدا من أسماء الملوك الفراعنة الذين حكموا مصر خلال أربعمائة عام !
- تطرّق المؤلف لهذا التّحول الذي أعاد السيادة للمصريين ، سيضعه أمام مشكلة كبيرة لن يتمكن من تأليفها بسهولة. لذلك تجاهل الأمر.
- أحسنت سارة ، فعودة السيادة للمصريين تتطلب القيام بثورة على من حولوهم إلى عبيد . وهذا ما هرب منه المؤلف ، فتجاوز المسألة التي تخيل بدايتها مع يوسف ثم قدوم أسرته .
يخشى الملك المصري من تكاثر العبرانيين ويطلب إلى قابلتين تقومان بالإشراف على ولادة العبرانيات أن يقتلا المواليد الذكور ويبقيا على الإناث !
لم تنفذ القابلتان الأمر، تذرعتا بأن العبرانيات يلدن قبل حضور القابلة ! فكافأهما الرب يهوه بأن بنى لهما بيوتا، حسب ما تقول التوراة .
- ههه . لماذا لم يعد يهوة يبني بيوتا لأحد ؟
- يبدو أنه غاضب من بني اسرائيل المعاصرين !
ويصدر الفرعون أمرا للمصريين :
22 ثم أمر فرعون جميع شعبه قائلا: كل ابن يولد تطرحونه في النهر، لكن كل بنت تستحيونها
في الفصل الثاني من سفر الخروج تلد امرأة عبرانية من بيت لاوي طفلا تحتفظ به سرّاً لثلاثة أشهر، ثم لم تعد قادرة على الإحتفاظ به خوفا من أن يكتشف أمره ، فيقتل ! العجيب في الأمر أن كاتب التوراة أخبرنا أن العبرانيين ازدادوا تكاثرا رغم الأمر الذي أصدره الفرعون بإلقاء المواليد في النهر، فكيف تكاثروا. ربما لم يقتل المصريون أحدا كما فعلت القابلتان.
بعد ولادة الطفل المفترض أنه سيصبح موسى ؟ وضعت المرأة اللاوية الطفل في سفط من البردى وألقت به بين الحلفاء على حافة النهر، ووقفت أخته ترقب ماذا سيحدث له .
والأغرب من ذلك أن التوراة نفسها تعتبر أن سبط لاوي ليس من الإسرائيليين وأن يهوه يحرم نسله من أي نصيب ، فكيف اختار أن يكون موسى ( النبي ) تحديدا من هذا السبط . ويا ليت المؤلف وضح لنا السر في هذا الأمر، طالما أنه يعرف كل شيء عن الله؛ حتى كيف خلق السماوات والأرض :
" أما سبط لاوي فلا تحسبه ولا تعده من بني إسرائيل " عدد 1 /49 وفي نص آخر " لا يكون لكهنة اللاويين – كل سبط اللاوي – قسم ولا نصيب مع إسرائيل ." تثنية 18 / 1، 2 وكذلك في نصوص تثنية 12 / 12 و 19 .
- عجيب!
- والأعجب أن تعتبر التوراة كتابا منزلا من السماء يا سارة ، تأخذ أمم بما جاء فيه !
- هل تعتقد أن المسيحية والإسلام كديانتين لعبتا دورا كبيرا في نشر التوراة باعتمادهما الأسس المعرفية التي قامت عليها؟
- بالتأكيد . رغم أنهما جهدتا لتقدما فكرا متطورا على فكرها ، غير أنهما لم تختلفا على الاسس التي قامت عليها وخاصة بخلق السموات والأرض . شخصية المسيح مثلا على النقيض تماما من شخصية يهوه.
- وماذا بعد ؟ ماذا جرى للطفل ؟
- نزلت ابنة الفرعون إلى النهر لتغتسل برفقة جواريها، فرأت السفط بين الحلفاءـ فأرسلت جاريتها لتأخذه .
حين فتحت ابنة الفرعون السفط ورأت الطفل وهو يبكي، أدركت أنه من أولاد العبرانيين فرقّت له !
لاحظي سارة أن ابنة الفرعون رقّت للطفل وستعمل على تربيته في بيت أبيها مع أن أباها الفرعون أمر بقتل المواليد العبرانيين !
اقترحت أخت الطفل على ابنة فرعون أن تحضر لها مرضعة من العبرانيات ،فوافقت . أحضرت الأخت أم الولد! الكاتب لا يقول أمها ، ولم يخبرنا إن كان الطفل أخ من امرأة ثانية ، كما أنه يستخدم كلمة ولد بدلا من طفل .
طلبت ابنة الفرعون إلى المرأة (الأم ) أن ترضع الطفل مقابل أجرة . أخذته وأرضعته إلى أن كبر، وجاءت به إلى ابنة الفرعون . فتبنته وأطلقت عليه اسم موسى .
واضح أن زمن الرضاعة استمر لفترة الفطام على الأكثر، وأن الطفل ظل دون اسم إلى أن تبنته ابنة الفرعون وأطلقت عليه اسما . المشكلة أن هذا المؤلف البائس يصرعلى أن موسى سيظل عبرانيا ويرى نفسه كذلك، رغم أنه تربى في بيت فرعون إلى أن أصبح رجلا ، وعرف أماً مصرية، فكيف عرف الحقيقة بعد أن بلغ سن الرشد . وهل معرفة الحقيقة تجعله ينقلب على البيت الذي ربّاه ورعاه ؟ المؤلف لا يخبرنا بذلك ، والمؤسف أنه لا يجيد التأليف ولا يجيد التلفيق والسرقة من التاريخ أيضا.
فقصة موسى كما يذكر الباحثون تتقاطع كثيرا مع قصة سرجون الأكادي ، وبعضهم اعتبره أخناتون مصر ، فيما اعتبره فرويد مصريا . وسرجون الأكادي حسب ما يذكر الباحث سامي المنصوري في مؤسسة الحوار المتمدن على شبكة النت ، هو :
"سرجون الآكادي، أي الملك الشرعي باللغة الآكادية ، (2350-2230 ق.م): اسمه الحقيقي "شاروكين.
(هذا الزمن يسبق زمن موسى المفترض بأكثرمن ألف عام )
وهو أول حاكم (سامي) حكم كل بلاد ما بين النهرين.
لا أتفق مع الباحث على تعبير (سامي) الذي يعود إلى التوراة أيضا)
كان من أصل وضيع حيث لم يعرف من هو أبوه. و كانت أمه من البغايا فولدته بالسر، ووضعته في صندوق ورمته في نهر الفرات ، فانتشله من النهر بستاني يدعى "أكاي" و رباه في مدينة "غيش" فنشأ و ترعرع فيها ، وأصبح ساقي للملك "أورزابابا" آخر ملوك "غيش"ومن ثم سياسياً داهية، وقائداً عسكريا محنكاً، تمكن من قلب السلطة و تسلم الحكم"
ويورد الباحث قصة سرجون كما هي مدونة في ملحمته في النقوش الأشورية:

أنا سارجون، ملك الأكاديين، ملك القوة
أمي قديسة، أبي لم أعرفه
أعمامي أحبوا التلال
مدينتي أزوبيرانو، الواقعة على ضفاف الفرات
أمي القديسة حملت بي، وولدتني في السر
وضعتني في سلة وغطت عيناي بالقار
وألقتني في النهر
التقطني "عكي" من النهر وهو يتناول إبريقه
اتخذني "عكي" ابنًا له ورباني
عينني بستانيًا لحديقته
وأنا بستاني، أحبتني عشتار
ومضت الأيام إلى أن سرت ملكًا
*****
ويورد الباحث معلومة أخرى عن موسى وعن بني اسرائيل ليس هناك ما يدعمها تاريخيا :
"مجرد قائد مصري فرعوني من متبعي ديانة اخناتون التوحيدية . كما تخبرنا المصادر المصرية الفرعونية . وأنه أرسل لقتال مملكة الحبشة، على رأس جيش من المصريين الفراعنة+الهكسوس، الذين ظلوا في مصر بعد أن غادرها معظمهم، بعد هزيمتهم وطردهم، وظل الباقون منهم كعبيد وعمال لدى المصريين، وأن أغلبهم امنوا بديانة التوحيد التي اتى بها أخناتون الذي كان لهم نصيرا .
وبعد موت أخناتون، كان لزاما على الهكسوس ، ذوي الأصول (السامية) ، والمؤمنين بديانة التوحيد ، من هكسوس بأغلبيتهم، أن يهربوا من مصر التي عادت لديانتها القديمة، متجهين الى سيناء، وهناك بدأ هذا الشعب الذي كان مستعبدا لفترة ، بعمليات النهب والقتل والسلب للقبائل (السامية) التي وقعت في طريقه، وارتكب هذا الشعب أسوأ المجازر التي لا يتبرأ منها حتى كتابهم المقدس وأصبحوا فجأة شعب الله المختار "
شرعت سارة في الضحك !
- يستخدم الكاتب مصطلح ( السامية ) وهو مصطلح توراتي أيضا مشكوك فيه ، ينسب إلى سام بن نوح . والباحث هنا يناقض نفسه معلوماتيا وثقافيا ، ففي الوقت الذي يعتبر فيه بني اسرائيل من الهكسوس وبعض المصريين المؤمنين بديانة أخناتون التوحيدية ، الذين جعلوا من أنفسهم شعبا مختارا لإله أوجدوه واخترعوا له اسما ، وكتبوا أسفار التوراة على ضوء تراث أمم أخرى وألصقوها به ، نراه يوظف ما هو توراتي، ربما دون معرفته لنقص فيها . فقد لا يعرف أن مصطلح (السامية) نسبة إلى سام بن نوح الذي ليس هناك أي اثبات تاريخي على وجوده ووجود اسرته ، غير كتاب التوراة المتخيل والأسطوري في معظم وقائعه، ولا يمكن اعتباره كتابا تاريخيا .
إن أول شيء قام به موسى بعد أن كبر، هو أنه قتل مصريا وطمره في الرمل، حين خرج من بيت فرعون ليتفقد أخوته ، فرأى مصريا يضرب عبرانيا فقتله . لم نعرف من قبل إن كان لموسى أخوة، ولا نعرف كيف عرفهم ، بغض النظر إن كانوا أخوة بالأبوّة أم بالإنتماء للعبرانيين. ثم هل يستدعي الرد على الضرب بالقتل؟ ومن قبل شخص يعتبر أنّه نبي أو سيكون نبيا ، فهل فعل القتل يؤهل الفاعل لأن يكون نبيا ؟
في اليوم التالي يكتشف موسى أن فعلته عرفت، حين أخبره أحد عبرانيين يقتتلان ، أنّه لن يقتله كما قتل المصري ! كما أن فرعون سمع بدوره بمقتل المصري ، فأمر بقتل موسى ، غير أن موسى هرب إلى أرض مديان. يفترض أن فرعون ينظر إلى موسى كإبن له كونه تربى في بيته على يد ابنته ، ولا يعقل أن لا يفكر في أمره ، فكيف عرف أنه عبراني ولم تؤثر التربية المصرية على انتمائه.
لم يخبرنا كاتب التوراة أين أرض مديان هذه التي هرب إليها موسى . يعتقد أنها في أرض السعودية اليوم . جلس موسى على بئر، جاء إليها سبع بنات أخوات هن بنات لكاهن مديان .
16 وكان لكاهن مديان سبع بنات، فأتين واستقين وملأن الأجران ليسقين غنم أبيهن
17 فأتى الرعاة وطردوهن . فنهض موسى وأنجدهن وسقى غنمهن
18 فلما أتين إلى رعوئيل أبيهن قال: ما بالكن أسرعتن في المجيء اليوم
19 فقلن: رجل مصري أنقذنا من أيدي الرعاة، وإنه استقى لنا أيضا وسقى الغنم
واضح أنه عرّف نفسه لبنات كاهن مديان السبع على أنه مصري وليس عبرانيا ! فهل فعل ذلك لإدراكه أن الكاهن يفضل المصريين على العبرانيين ؟
20 فقال لبناته: وأين هو ؟ لماذا تركتن الرجل ؟ ادعونه ليأكل طعاما
21 فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل، فأعطى موسى صفورة ابنته
22 فولدت ابنا فدعا اسمه جرشوم، لأنه قال: كنت نزيلا في أرض غريبة
وجرشوم هذا لم يوجد له أي ظهور يذكر على مسرح التوراة .
23 وحدث في تلك الأيام الكثيرة أن ملك مصر مات. وتنهد بنو إسرائيل من العبودية وصرخوا، فصعد صراخهم إلى الله من أجل العبودية
24 فسمع الله أنينهم، فتذكر الله ميثاقه مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب
يهوه الإله ينسى وفي حاجة إلى من يذكره بعشرات الوعود والمواثيق مع ابراهيم وإسحق ويعقوب .أمر جيد أنه سمع صراخ بني اسرائيل . واضح أنهم صرخوا من الفرح لموت الملك المصري .
في الفصل الثالث من سفر الخروج يظهر يهوه لموسى:
1 وأما موسى فكان يرعى غنم يثرون حميه كاهن مديان، فساق الغنم إلى وراء البرية وجاء إلى جبل الله حوريب
نسي المؤلف أنه أطلق على كاهن مديان ( حموه ) اسم رعوئيل ( راعي إيل أو رعاه إيل ) . ليطلق عليه هنا اسما آخر ( يثرون ) وثمة احتمال أن يكون الإسم الأول صفة له ككاهن .ىفمن الواضح أنه كان يعبد الإله إيل .
2 وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة. فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار، والعليقة لم تكن تحترق
- هههه! طريف هذا الكاتب ! يظهر الله في لهيب نار من عليقة !!
- تصوّر الألوهة يمنحه حريّة مطلقة في التخيّل ، طالما أن الأمر سيعزى لإله . المشكلة أنّه لا يجيد توظيف هذه الحريّة على وجهها الأكمل!
3 فقال موسى: أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم. لماذا لا تحترق العليقة
4 فلما رأى الرب أنه مال لينظر، ناداه الله من وسط العليقة وقال: موسى، موسى. فقال : هأنذا
5 فقال: لا تقترب إلى ههنا. اخلع حذاءك من رجليك، لأن الموضع الذي أنت واقف عليه أرض مقدسة
- ترى من االحريص على القداسة يهوه أم المؤلف؟
- المؤلف طبعا ، فيهوه ليس أكثر من صورة متخيلة لإله افتراضي!
- أكيد هذه أفعال يتخيلها المؤلف وليست أفعال إله !
6 ثم قال: أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب. فغطى موسى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله
- النظر إلى الله يخيف ؟ يفترض أنه يبهج القلب ويطمئن النفس . ألم يصارع يعقوب ليلا بكامله ! ثم لماذا يتخلّى يهوه عن البشرية ولا يذكر أنه إله إلا للعائلة المباركة !
- اسألي المؤلف !
7 فقال الرب: إني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم من أجل مسخريهم. إني علمت أوجاعهم
- غريب يهوه .. ألم يسمع صراخهم طوال السنين التي حولهم فيها المصريون إلى عبيد ؟
- كما لم يسمع صراخ المصريين أيضا حين حولهم يوسف إلى عبيد !
8 فنزلت لأنقذهم من أيدي المصريين، وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبنا وعسلا، إلى مكان الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين
- ليس في مقدور يهوه أن ينقذ شعبه المختار من عليائه . هل ثمة ضرورة لنزوله ؟! وهل أصبحت الأرض المصرية فقيرة إلى حد عدمت اللبن والعسل ؟!
10 فالآن هلم فأرسلك إلى فرعون، وتخرج شعبي بني إسرائيل من مصر .
11 فقال موسى لله: من أنا حتى أذهب إلى فرعون، وحتى أخرج بني إسرائيل من مصر
موسى يعرف قوة المصريين جيدا ويدرك أن إخراج بني اسرائيل مسألة شبه مستحيلة .
12 فقال: إني أكون معك ، وهذه تكون لك العلامة أني أرسلتك: حينما تخرج الشعب من مصر، تعبدون الله على هذا الجبل
- يهوة قلق على مسألة عبادته !
13 فقال موسى لله: ها أنا آتي إلى بني إسرائيل وأقول لهم: إله آبائكم أرسلني إليكم. فإذا قالوا لي: ما اسمه ؟ فماذا أقول لهم
- ألم يكتفوا بأن يكون الله ، هل يجب أن يكون له اسم ؟
- هذا ما يريده المؤلف ويهوة أيضا كما يبدو !
14 فقال الله لموسى: أهيه الذي أهيه. وقال: هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم
أهيه ؟ هذا اسم جديد ليهوه المولع بالأسماء. تفسير الكنيسة يقول :
(طبيعة موسى الضعيفة المتأثرة بالفشل السابق حين خرج متكلًا على ذراعه البشري جعلته يتردد في قبول الدعوة. وكان لا يجب أن يعتذر موسى بعد أن سمع الله يقول له "أني أكون معك" وكان أول سؤال لموسى عن اسم الله. والله في محبته أجاب موسى عن سؤاله. أهية ويهوه الاسمان بمعنى واحد في صيغتين مختلفتين من فعل الكينونة في العبرية هو أو هيا = To BE. فأهية هو صيغة المضارع للمتكلم الفرد أكون أو أنا هو = I AM. وبذلك يكون معنى أهية الذي أهية = أكون الذي أكون. كما أن يهوه هي صيغة المضارع للغائب = HE IS = يكون.)
ولا نعرف لماذا تخلى يهوه عن أسماء الله والرب وإلوهيم وإيل واختار أشهر أسمائه يهوه !
15 وقال الله أيضا لموسى: هكذا تقول لبني إسرائيل: يهوه إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب أرسلني إليكم. هذا اسمي إلى الأبد وهذا ذكري إلى دور فدور
لقد حسم يهوه الأمر وقرر أن يكون اسمه يهوه إلى الأبد .
في الفصل الرابع يتخوف موسى من عدم إقناع قومه . يطلب إليه يهوه أن يلقي عصاه لتتحول إلى أفعى ثم يمد يده ويمسكها من ذنبها لتعود إلى عصا ! بذلك سيصدق القوم أن يهوه قد ظهر لموسى. كما يطلب إليه أن يدخل يده في عبه لتخرج برصاء ويعيدها لتعود كما هي. وإذا لم يصدقوا بعد هاتين المعجزتين ، على موسى أن يغترف من ماء النهر ويسكبه على الأرض ليتحوّل إلى دم . وهنا يخبر موسى يهوه أنّه ثقيل الفم واللسان . يخبره يهوه أنّه هو من يصنع الفم والخرس والصمم والبصروالعمى، دون أن يخبر موسى لماذا فعل ذلك به ، لكنه يخبره أنّه سيكون مع فمه ويعلمه ما سيتكلم به ! غير أن موسى لا يوافق ، مما يغضب يهوه ، فيطلب إليه أن يستعين بهارون أخيه ( الذي ظهرفجأة ودون مقدمات ) وأنه سيساعدهما على ما سيقولانه:
15 فتكلمه وتضع الكلمات في فمه، وأنا أكون مع فمك ومع فمه، وأعلمكما ماذا تصنعان
16 وهو يكلم الشعب عنك . وهو يكون لك فما، وأنت تكون له إلها
طريف يهوه ! سيجعل من موسى إلها ! لم يعد حريصا على ألوهيته! وفي الفصل السادس سنجد أن موسى أغلف ألشفتين أيضا ، فأي إله أو أي نبي أراده المؤلف أن يكون ؟
12 فتكلم موسى أمام الرب قائلا: هوذا بنو إسرائيل لم يسمعوا لي، فكيف يسمعني فرعون وأنا أغلف الشفتين
( أغلف الشفتين ) الأغلف هو المختون ، فهل كان موسى مقصوص الشفتين أم أن ثمة نقصا أو مشكلة فيهما؟ ثم ما هي الغاية من ذلك إن لم يكن المؤلف أوكتبة التوراة يستندون في خيالهم إلى شخصية تاريخية أو شخصية واقعية ؟! هل يمكن أن يأتي الأمر من باب الإقناع الواقعي التاريخي ؟ في هذه الحال ينبغي أن تتوضح الغاية التي أرادها يهوه من ذلك ؟
لنتابع :
17 وتأخذ في يدك هذه العصا التي تصنع بها الآيات
18 فمضى موسى ورجع إلى يثرون حميه وقال له: أنا أذهب وأرجع إلى إخوتي الذين في مصر لأرى هل هم بعد أحياء. فقال يثرون لموسى: اذهب بسلام
19 وقال الرب لموسى في مديان: اذهب ارجع إلى مصر، لأنه قد مات جميع القوم الذين كانوا يطلبون نفسك
20 فأخذ موسى امرأته وبنيه وأركبهم على الحمير ورجع إلى أرض مصر. وأخذ موسى عصا الله في يده
- أصبح لموسى بنون !
يقتنع العبرانيون بما سمعوه من هارون وموسى وبما فعلا من معجزات أمامهم .
في الإصحاح الخامس لا يعترف الفرعون بيهوه ويرفض طلب موسى وهارون بإطلاق بني اسرائيل ، وينزل غضبه عليهم بأن لا يعطوا التبن لصنع اللبن ، فيجمعوا القش بدلا منه.. وهذا ما دفعهم إلى الإعتقاد بأن موسى وهارون هما من جلبا غضب فرعون عليهم .. اضطر موسى أن يعود إلى يهوه ليخبره بما جرى.. يبدأ يهوه في الفصل السابع بإنزال الكوارث على المصريين، بتوظيف عصا موسى من قبل هارون:
10 فدخل موسى وهارون إلى فرعون وفعلا هكذا كما أمر الرب. طرح هارون عصاه أمام فرعون وأمام عبيده فصارت ثعبانا
11 فدعا فرعون أيضا الحكماء والسحرة، ففعل عرافو مصر أيضا بسحرهم كذلك
يظهر المؤلف حكماء وسحرة مصرعلى أنهم قادرون على إحداث معجزات ، ليرينا أن معجزات يهوة تفوقها :
12 طرحوا كل واحد عصاه فصارت العصي ثعابين. ولكن عصا هارون ابتلعت عصيهم
13 فاشتد قلب فرعون فلم يسمع لهما، كما تكلم الرب
14 ثم قال الرب لموسى: قلب فرعون غليظ. قد أبى أن يطلق الشعب
15 اذهب إلى فرعون في الصباح. إنه يخرج إلى الماء، وقف للقائه على حافة النهر. والعصا التي تحولت حية تأخذها في يدك
16وتقول له: الرب إله العبرانيين أرسلني إليك قائلا: أطلق شعبي ليعبدوني في البرية. وهوذا حتى الآن لم تسمع
17 هكذا يقول الرب: بهذا تعرف أني أنا الرب: ها أنا أضرب بالعصا التي في يدي على الماء الذي في النهر فيتحول دما
18 ويموت السمك الذي في النهر وينتن النهر. فيعاف المصريون أن يشربوا ماء من النهر
19 ثم قال الرب لموسى: قل لهارون: خذ عصاك ومد يدك على مياه المصريين، على أنهارهم وعلى سواقيهم، وعلى آجامهم، وعلى كل مجتمعات مياههم لتصير دما. فيكون دم في كل أرض مصر في الأخشاب وفي الأحجار
حتى في الخشب والحجر ؟ غريب أمر يهوه !
20 ففعل هكذا موسى وهارون كما أمر الرب. رفع العصا وضرب الماء الذي في النهر أمام عيني فرعون وأمام عيون عبيده، فتحول كل الماء الذي في النهر دما
21 ومات السمك الذي في النهر وأنتن النهر، فلم يقدر المصريون أن يشربوا ماء من النهر. وكان الدم في كل أرض مصر
22 وفعل عرافو مصر كذلك بسحرهم. فاشتد قلب فرعون فلم يسمع لهما، كما تكلم الرب
وهل يعقل أن يقدم عرافو مصرعلى الأمر نفسه ضد شعبهم؟ أصبحت المسألة مجرد مبارزة على المقدرة السحرية بين يهوة وعرافي مصر. وإذا كان النهر قد تحول إلى دم بعد فعل العصا اليهووية ، فهل أعاد يهوه النهر إلى حالته المائية لكي يجرب العرافون المصريون سحرهم عليه، أم أنهم أوجدوا نهراً آخر؟! وماذا حل بالمصريين ألم يموتوا من العطش قبل أن يجدوا ماء بديلا؟
- عجيب هذا المؤلف!
23 ثم انصرف فرعون ودخل بيته ولم يوجه قلبه إلى هذا أيضا
24 وحفر جميع المصريين حوالي النهر لأجل ماء ليشربوا، لأنهم لم يقدروا أن يشربوا من ماء النهر
لم يعد الأمر مجرد مبارزة تعود بعدها الأوضاع كما هي ، فقد بقيت مياه النهر على حالها الدموية ، ولا نعرف كيف عادت مياه النهر ( ولا شك أنه النيل ) إلى حالها المائية . ربما لم يجر الأمر على المنابع !!
في الفصل الثامن تبدأ المبارزة بالضفادع وهذا يعني أن مياه النهروالسواقي قد عادت إلى طبيعتها المائية ، غير أن المؤلف لا يذكر ذلك وإن تطرق إلى مرور سبعة أيام على مبارزة الدم !
6 فمد هارون يده على مياه مصر، فصعدت الضفادع وغطت أرض مصر
ويدخل العرافون المصريون ليقوموا بالفعل نفسه :
7 وفعل كذلك العرافون بسحرهم وأصعدوا الضفادع على أرض مصر
يختلط الأمر بين ما هو مبارزة سحرية وبين ما هو فعل يهووي حقيقي .. ثم هل يبقي العرافون المصريون على ضفاضعهم أيضا لأنهم لا يستطيعون إعادتها إلى المياه!
يستاء فرعون ويطلب مساعدة موسى معلنا أنه سيطلق بني اسرائيل ليذبحوا لربهم . يفعل موسى فتموت الضفادع على الأرض وفي البيوت والحقول :
14 وجمعوها كوما كثيرة حتى أنتنت الأرض
15- فلما رأى فرعون أنه قد حصل الفرج أغلظ قلبه ولم يسمع لهما، كما تكلم الرب
يقصد المؤلف أن تمنع فرعون يحدث بأمرالرب يهوه كما ذكر لموسى من قبل ، ولا نعرف ما هي غاية يهوه حين يجعل فرعون يغلظ قلبه ، لا نجد سوى رغبتة في أن يري المصريين معجزاته بإنزال الكوارث!
بدأت سارة بالتثاؤب معلنة أنها نعست .
توقفت عن متابعة القراءة والتحليل. أدخلت سارة إلى غرفتها . أودعتها السرير وقبلتها، متمنيا لها نوما عميقا وأحلاما سعيدة .
********
















(22)
* صباح بطعم القبل!
استيقظت في حدود التاسعة صباحا على قبلة عارف تنطبع على خدي. كنت مستيقظة في السرير لكني لم أنهض، وكأني كنت أنتظرعارف أن يدعوني للنهوض، حتى لا أقترف ما يعكّر صبيحته بنهوضي قبله . لا أذكر أنني نهضت من نومي على قبلة في حياتي. ولم أكن أعرف أن لقبلة المحب في الصباح ، فعل السحرفي الجسد، فقد شعرت بجسدي ينتعش ،وأنا أنهض من السريرماددا يدي نحو عارف لأضم رأسه وأقبله.
سألني ماذا أتناول بعد الإستيقاظ من النوم . قلت : أنا أتناول شاي بالحليب لكني أحب أن أتناول ما تتناوله أنت ! قال : أنا أتناول شاي الزعترمع العسل. فوجئت بهذا المشروب الذي لا أعرفه. قلت : سأتناوله معك .
غلى ماء على النار في ابريق معدني، وأضافه إلى ملعقتين صغيرتين من أوراق الزعترالمجفف، وضعت في ابريق آخر خزفي ، تركه مغلقا لما يقرب من عشر دقائق ، ثم أضاف إليه ثلاث ملاعق كبيرة من العسل وحرّكه . أحضرفنجانين خزفيين كبيرين وقام بسكب المشروب فيهما عبر مصفاة . تفوحت منه رائحة طيبة ، وكان لمذاقه نكهة مميزة ، أقرب إلى لسعة خفيفة . أطيب من الشاي. سألت عارف عن فوائده . قال :
- كثيرة حسبما يقولون .. وتتشابه مع أعشاب أخرى في فوائد كثيرة .. فهو يحتوي على خمسة وعشرين مادة ضرورية للجسم : كالحديد والكلس والزنك والصوديوم والبوتاسيوم والفسفوروالمغنيسيوم والبروتين والألياف والكربوهيدرات والدهون ، إضافة إلى ثمانية أنواع من الفيتامينات ، وغير ذلك . ومن فوائده الصحية : خفض نسبة الكوليسترول الضارفي الدم ، تنظيم ضعط الدم ، يقوي وظائف عضلات القلب وينظم نبضه . يحفز الجهاز المناعي على مقاومة الأمراض ، يحتوي على زيوت أساسية مضادة للفطريات والبكتيريا والفيروسات والبعوض ، يحسن المزاج ويعالج الإسهال وسرطان الثدي ، والأكزيما ، يحتوي على مضادات أكسدة قوية المفعول. ويعالج التهاب المفاصل ،وآلام البطن ، والغثيان، وألام الأذن ، ونزلات البرد ! يقوي الذاكرة وينشطها .. وهناك أشياء أخرى حسبما قرأت عنه .
- ياي ! هل كل هذه الفوائد في الزعتر؟
- هكذا يقولون ..
- سأضيفه إلى المشروبات التي أتناولها .
- ستكسبين ولن تخسري شيئاً.
فرغنا من تناول الزعتر. سألني عارف إن كنت أفضل تناول الفطور الآن أم فيما بعد، أم بعد السير لبعض الوقت في الطبيعة؟ قلت :
- بل بعد أن أجري في الطبيعة . أحب ذلك !
وهذا ماتم . ارتدينا ملابس رياضية وخرجنا . عارف يحب السير بخطى سريعة . وأنا أحب الجري. رحت أجري أمامه على أرض منبسطة وهو يتبعني بخطاه . ابتعدت عنه . سمعت صوته يناديني أن لا أبتعد وأغيب عن عينيه تخوّفا علي ، رغم أنني لم أر أحداً في المنطقة شبه الجرداء إلا من بعض شجيرات متناثرة هنا وهناك ، ولم يكن هناك بيوت . وكانت بعض الأعشاب بينها شقائق النعمان قد أخذت تنمو لتكسو البطاح بألوانها . عدت جرياً نحوه . رحت اخاطبه وأنا أراوح تقهقراً أمامه :
- هل هناك ما يدعو للقلق؟
- هذه المنطقة من هنا إلى البحر الميت تتبع للمنطقة (ج) حسب اتفاق اوسلو، ويمنع على العرب البناء والإقامة فيها . يسمح لهم بالرعي والفلاحة فقط ، لمن بقي له أرض لم تصادر. هي آمنة نسبيا لكن الحذر واجب .. لا تغيبي عن نظري . اسبقيني إلى أعلى تلك الهضبة التي تطل على مناطق شاسعة .
انطلقت أعدو أمام عارف .. صعدت الهضبة بخطى سريعة . لون التراب فيها شبه برتقالي . جلست على أعلى مكان فيها ورحت أرقب القدس غربا والضواحي المحيطة بها .
وصل عارف . جلس يلتقط أنفاسه وهو يردد بيتا من الشعر يصوّر حالته :
" ألا ليت الشباب يعود يوما / فأخبره بما فعل المشيبا "
قال : هل أعجبك المكان ؟
- جميل !
- ذاك جبل الزيتون أو الطور كما نسميه ، خلفه إلى اليسار القدس القديمة بأماكنها المقدسة ، إلى الجنوب منها جبل المكبر . تلك أسفل سفوح الطور هي العيزرية . أبوديس إلى جانبها ، ثم السواحرة الشرقية التي نحن الآن على أرضها. إلى الشرق من العيزرية هناك معاليه أدوميم وإلى الشرق منّا هناك كيدار . نسمي هذه الهضبة الصغيرة " ظهرة المغرة " لأن ألوان ترابها بلون المغرة . والمغرة هي طلاء برتقالي من الرمل نطلي به ظهور النعاج في فصل الصيف بعد أن نقص صوفها .
أمضينا قرابة ربع ساعة على الهضبة وعدنا .. سبقت عارف جرياً .
وضع شريط أغان لفيروز ، وهو يسألني إن كنت أحب أغانيها. أجبته بأنّي أعشقها ..
قال : هائل ! ثم ّ سألني ماذا أحب أن أفطر؟ قلت :
- كما تفطر أنت !
قال: أحب أن أدمج الفطورين :
- أتناول البيض المقلي بالزبدة مع قطعة خبز إضافة إلى شرحات من الخيار والبندورة والخس أحيانا ، مع كأس عصير برتقال .
قال :
- أنا أتناول اللبن والتمروالتفاح وأحيانا مع بيضة واحدة مسلوقة وبعض أوراق الجرجير !
- فطورك غريب . وهذا الجرجير لا أعرف ما هو ؟
نهضنا معا وحضرنا الفطورالمنوع .. لم يكن هناك إلا بقايا جرجير. كما عمل عارف شايا وغلى حليبا
وأضاف بعض شرحات من لحم الخنزير المجفف إلى البيض المقلي بناء على طلبي ! وهو ينعتني " أه يا كافرة تأكلين لحم الخنزير لتخالفي الشريعتين اليهودية والإسلامية "
قلت مازحة :
- أنا من اتباع مردوخ ! وهو لم يحرّم علينا أكل أي شيئ !
ضحك عارف وهو يلمس مدى رغبتي في أن أرتبط بجذوري الحضارية الموغلة في عمق التاريخ ، مؤكدة انسلاخي عن حاضر فرض علي لأعيشه مع بشر ذوي انتماءات مختلفة وثقافات متعددة .
جلسنا.. سألني ونحن نتناول فطورنا الفريد على مهل :
- هل تعتقدين أن دولة اسرائيل ستنجح في إيجاد مجتمع متجانس ينتمي إلى ثقافة واحدة ؟
- أشك في الأمر. فمعظم هذه التجمعات المهاجرة إلى اسرائيل تنتمي إلى ثقافات مختلفة . وأشك في وجود ما يربط اليهودي اليمني باليهودي الألماني أو الروسي . بعض يهود اليمن أقرب إلى المسلمين بارتداء الحجاب لدى بعض النساء والتقيد بالصلوات والطقوس ، وهذه مسائل ليس لها وجود لدى اليهودي الأوروبي والأمريكي ، معظمهم يمقتونها. هذا عدا المتهوّد الذي اعتنق اليهودية ليعيش في اسرائيل دون أن يعطي الدين أية أهمية ، ناهيك عمن فرض التهوّد عليهم فرضا عبرالعقود . إضافة إلى جماعات لا تعترف بإسرائيل كجماعة ناطوري كارتا، إضافة إلى بعض اليهود الفلسطينيين الذين ينظرون إلى اسرائيل ككيان محتل لوطنهم !
أنهينا فطورنا .. نهضنا معا لجلي الأواني والصحون والكؤوس . شرعت أجلي بالصابون وعارف يغسل بالماء.
انتهينا . عدنا إلى الصالون . جلست إلى جانبه . بادلني قبلة خفيفة . كنت أكبح رغبتي في ممارسة الحب معه كلما خطرت لي ، لأعوّد نفسي على الحب العذري الذي يريده لنا . إنها تجربة فريدة أشك في مقدرتي على التقيّد بها . في هذه الحال هل سيسمح لي بين فترة وأخرى أن أضمه وأعانقه بشهوة كما فعلت في الكهف ؟ لا أعرف . لا أحب أن أفرض عليه ما لا يريده . ربما الأمر ليس مشكلة كبيرة لديه كونه مسنّاً.. أنا لست كذلك .. صحيح أنني عرفت أكثر من رجل في علاقات عابرة أو تدوم لبعض الوقت ، لكنها لن تغنيني عن ممارسة الحب ، ومع ذلك سأحاول .
تنبه عارف إلى ما أفكر فيه . ضمني . قبلني على جبيني ثم خدّي بضع قبلات . قبلات منحتني شعورا لم ألمسه حتى من أمي وأبي حين يقبلانني عند المصافحة ، أحيانا وليس دائماً . أحسست بحنان عارف يسري في شرايين جسدي وهو يعانقني ..إنّ ما أشعر به ليس إلا الحب العذري كما يبدو . إنّه حقاً أجمل من رعشة الجنس التي لا تدوم إلا لبضع ثوان. هنا نشوة الحياة ، رعشة الوجود . رحت ألصق جسدي بجسد عارف ، ليمنحني من جسده طاقة أخاذة وحيوية لا يمكن تصورها ، أشعرتني بحالة قدسية ، وكأنني في حضرة الله نفسه .
طال عناقنا وتحاضننا واسترخاؤنا وفيروز تحلق بنا بعيدا على أجنحة المحبة بكلمات وألحان أغانيها .
أمضينا يوما لم أعش أجمل منه في حياتي ، خارج قواعد يوم السبت ، التي لم أكن أكسرها إلا سرّا خوفا من الجيران المتدينيين . شوينا لحما على الغداء وتناولنا قليلا من البيرة .. ونمنا في القيلولة إلى ما بعد المساء . نمت على إحساس طاغ أنني بدأت أعيش في عالم أنتمي إليه وينتمي إلي ، وأنني حتى ذلك اليوم لم أكن أعيش في عالمي !
*****
في الهزيع الأول من الليل شرع عارف في إكمال قراءة وتحليل ما وصلنا إليه من سفر الخروج .
قال :
واصل الكاتب توظيف يهوه بإنزال كوارثه بالمصريين . ضرب هارون الأرض بعصا موسى ليتحول تراب مصر إلى بعوض راح يهجم على كل شيء، البهائم والبشر . ولم يفلح العرافون المصريون في صدّه . ثم أنزل الذباب على أرض المصريين دون أرض جاسان التي يقيم عليها العبرانيون . فامتلأ بيت فرعون وبيت عبيده ، وخربت الأرض من الذباب.. ولم يرفع إلا بصلاة من موسى ليهوة، على أن يطلق فرعون العبرانيين ، غير أن فرعون تراجع ولم يفعل كما في كل مرّة . لتطول مسرحية الكوارث وتغدو مفتعلة إلى حد غير معقول .
في الفصل التاسع ينزل يهوة وباء يفتك بماشية المصريين دون ماشية بني اسرائيل . ثم أخذ موسى وهارون ملء أيديهما رمادا وذرّوه نحو السماء ، فامتلأت أرض مصر بالغبار، نتج عنه ظهور دمامل على الناس وعلى المواشي والبهائم ، حتى أن العرافين أنفسهم لم يسلموا منها . كل ذلك والفرعون يعاند ولا يطلق سراح بني اسرائيل . فأنزل يهوه بردا عظيما لم يكن مثله في مصر ، مات من جرّائه بعض الناس والمواشي التي لم ينجح أصحابها في ادخالها إلى البيوت .
( تحول النص إلى ميلودراما مملة لا يمكن أن يتقبلها أسخف القراء على الكرة الأرضية . وقد أحسن القرآن حين تجاهل كل هذه التفاصيل، كما تجاهل معظم تفاصيل قصة الخلق التوراتية ومئات الصفحات من التوراة، ولم يغرق في هذه الميلودراما المقيتة )
في الفصل العاشريأتي يهوه بالجراد فيأكل الشجر والنباتات وكل عشب أرض مصر! ثم يأتي بالظلام فلا يبصرأحد أخاه طوال ثلاثة أيام .
في الفصل الحادي عشر، يعلن يهوه أنه سينزل ضربة أخيرة وقاضية بمصر، يطلق فرعون بعدها بني اسرائيل :
1 ثم قال الرب لموسى: ضربة واحدة أيضا أجلب على فرعون وعلى مصر. بعد ذلك يطلقكم من هنا . وعندما يطلقكم يطردكم طردا من هنا بالتمام
وطالب بسلب المصريين الذهب والفضة ليأخذوها معهم :
2 تكلم في مسامع الشعب أن يطلب كل رجل من صاحبه، وكل امرأة من صاحبتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب
4 وقال موسى: هكذا يقول الرب: إني نحو نصف الليل أخرج في وسط مصر
5 فيموت كل بكر في أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الجارية التي خلف الرحى، وكل بكر بهيمة
6 ويكون صراخ عظيم في كل أرض مصر لم يكن مثله ولا يكون مثله أيضا
( الضربة القاضية العظمى . ولا نعرف كيف عاش المصريون بعدها وبعد كل الكوارث السابقة، ولحقوا ببني اسرائيل، ليغرقهم يهوه في البحر) ؟!
في الفصل الثاني عشر، يطلب يهوه من بني اسرائيل أن يذبحوا شياها وخرافا وأن يشووا لحمها ويعلّموا أبواب بيوتهم بدم الذبائح ليعرفها ، لأنه سينزل كارثة جديدة بالمصريين .
- واضح أنه غير قادر على معرفة بيوت اليهود إلا بتمييزها بالدم ! غريب أمر هذا الكاتب، كيف يمكن ليهوة أن يجد مكان كل بكرفي أرض مصرليميته بينما لا يستطيع معرفة بيوت العبرانيين!؟
- ونسي الكاتب أن العبرانيين يسكنون وحدهم في أرض جاسان ، حسب ما أسكنهم يوسف من قبل !
23 فإن الرب يجتاز ليضرب المصريين. فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب
( لدى بعض العرب تقليد لغايات أخرى حين يبنون بيتا أو يفتتحون محلا ، فيطلون عتبة الباب والجدارين بدم ذبيحة لمنع الحسد )
29 فحدث في نصف الليل أن الرب ضرب كل بكر في أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الأسير الذي في السجن، وكل بكر بهيمة
- حتى البهائم لم تسلم ، وعرف الرب مكان وجودها !
- هذا إذا بقي بهائم بعد كل هذه الكوارث !
30 فقام فرعون ليلا هو وكل عبيده وجميع المصريين. وكان صراخ عظيم في مصر، لأنه لم يكن بيت ليس فيه ميت
31 فدعا موسى وهارون ليلا وقال: قوموا اخرجوا من بين شعبي أنتما وبنو إسرائيل جميعا، واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم
- الكاتب حريص جدا على عبادة الربّ
32 خذوا غنمكم أيضا وبقركم كما تكلمتم واذهبوا. وباركوني أيضا
33 وألح المصريون على الشعب ليطلقوهم عاجلا من الأرض، لأنهم قالوا: جميعنا أموات
34 فحمل الشعب عجينهم قبل أن يختمر، ومعاجنهم مصرورة في ثيابهم على أكتافهم
35 وفعل بنو إسرائيل بحسب قول موسى. طلبوا من المصريين أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابا
- طلبوا أم نهبوا ، خاصة وأن المصريين واقعون تحت تأثير الضربات الرّبانية القاضية ؟!
36 وأعطى الرب نعمة للشعب في عيون المصريين حتى أعاروهم. فسلبوا المصريين
- وضحت المسألة على أنها سلب !
37 فارتحل بنو إسرائيل من رعمسيس إلى سكوت، نحو ست مئة ألف ماش من الرجال عدا الأولاد
38 وصعد معهم لفيف كثير أيضا مع غنم وبقر، مواش وافرة جدا
39 وخبزوا العجين الذي أخرجوه من مصر خبز ملة فطيرا، إذ كان لم يختمر. لأنهم طردوا من مصر ولم يقدروا أن يتأخروا، فلم يصنعوا لأنفسهم زادا
40 وأما إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر فكانت أربع مئة وثلاثين سنة
41 وكان عند نهاية أربع مئة وثلاثين سنة، في ذلك اليوم عينه، أن جميع أجناد الرب خرجت من أرض مصر
وهكذا خرج العبرانيون من مصر، ليلحق ما تبقى من المصريين بهم ، ليغرقهم يهوه في البحرالأحمر.. ولينقضي نسلهم أو معظمه على الأقل إلى الأبد .. فمصريواليوم ربما بعث بهم إله آخر ! وعلى القارئ أن يصدق أن هذا هو تاريخ بني اسرائيل في مصر .. والمؤسف وربما المفجع أن هناك من يصدقون .
******
في الفصل الثالث عشر يهوه لم يهد بني اسرائيل إلى طريق أرض الفلسطينيين :
17 وكان لما أطلق فرعون الشعب أن الله لم يهدهم في طريق أرض الفلسطينيين مع أنها قريبة، لأن الله قال: لئلا يندم الشعب إذا رأوا حربا ويرجعوا إلى مصر
- هذه الطريق كانت قريبة جدا من قبل بحيث لم يستخدم الكاتب إلا مفردات الصعود والنزول ، والآن أصبحت تشهد حربا ويصعب الإهتداء إليها ، ليضطر بنواسرائيل إلى عبور البحر !
- هل هكذا يفكر الله ، حتى لو واجه بنو اسرائيل حربا على الأرض الفلسطينية يفترض أن ينصرهم يهوه موقع الكوارث بالمصريين !
- قولي للمؤلف يا سارة! فهو يتخبط في تقديم يهوه على مزاجه ! وربما يكون كاتب هذا الفصل غير المؤلف السابق!
18 فأدار الله الشعب في طريق برية بحر سوف. وصعد بنو إسرائيل متجهزين من أرض مصر
19 وأخذ موسى عظام يوسف معه، لأنه كان قد استحلف بني إسرائيل بحلف قائلا: إن الله سيفتقدكم فتصعدون عظامي من هنا معكم
20 وارتحلوا من سكوت ونزلوا في إيثام في طرف البرية
21 وكان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلا في عمود نار ليضيء لهم. لكي يمشوا نهارا وليلا
- كيف كانوا من ابراهيم إلى يعقوب، يهتدون من قبل إلى النزول والصعود من وإلى الأرض الفلسطينية ومصر، دون عمود سحاب نهارا ، وعمود نار ليلا ؟!
22 لم يبرح عمود السحاب نهارا وعمود النار ليلا من أمام الشعب
في الفصل الرابع عشر فرعون يلحق ببني اسرائيل على رأس جيش بعد أن ندم على إطلاق سراحهم :
7 وأخذ ست مئة مركبة منتخبة وسائر مركبات مصر وجنودا مركبية على جميعها
8 وشدد الرب قلب فرعون ملك مصر حتى سعى وراء بني إسرائيل، وبنو إسرائيل خارجون بيد رفيعة
9 فسعى المصريون وراءهم وأدركوهم. جميع خيل مركبات فرعون وفرسانه وجيشه، وهم نازلون عند البحر عند فم الحيروث، أمام بعل صفون
- بعد كل هذه الكوارث وقتل الأبكارما يزال لدى المصريين فرسان وجيوش!
10 فلما اقترب فرعون رفع بنو إسرائيل عيونهم، وإذا المصريون راحلون وراءهم. ففزعوا جدا، وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب
11 وقالوا لموسى: هل لأنه ليست قبور في مصر أخذتنا لنموت في البرية ؟ ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر
12 أليس هذا هو الكلام الذي كلمناك به في مصر قائلين: كف عنا فنخدم المصريين ؟ لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية
13 فقال موسى للشعب: لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذي يصنعه لكم اليوم. فإنه كما رأيتم المصريين اليوم، لا تعودون ترونهم أيضا إلى الأبد
- إلى الأبد ؟ ومن أين جاء مصريو اليوم ؟
- اسألي المؤلف يا سارة ؟
14 الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون
15 فقال الرب لموسى: ما لك تصرخ إلي ؟ قل لبني إسرائيل أن يرحلوا
16 وارفع أنت عصاك ومد يدك على البحر وشقه، فيدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة
- أضاع الكاتب القوم ليصنع معجزات يعزوها ليهوه !
19 فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم، وانتقل عمود السحاب من أمامهم ووقف وراءهم
- لم يعد يهوه هو السائر أمام العبرانيين بل ملاك !
20 فدخل بين عسكر المصريين وعسكر إسرائيل، وصار السحاب والظلام وأضاء الليل. فلم يقترب هذا إلى ذاك كل الليل
21 ومد موسى يده على البحر، فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدة كل الليل، وجعل البحر يابسة وانشق الماء
22 فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على اليابسة، والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم
23 وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم. جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه إلى وسط البحر
24 وكان في هزيع الصبح أن الرب أشرف على عسكر المصريين في عمود النار والسحاب، وأزعج عسكر المصريين
25 وخلع بكر مركباتهم حتى ساقوها بثقلة. فقال المصريون: نهرب من إسرائيل، لأن الرب يقاتل المصريين عنهم
26 فقال الرب لموسى: مد يدك على البحر ليرجع الماء على المصريين، على مركباتهم وفرسانهم
27 فمد موسى يده على البحر فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة، والمصريون هاربون إلى لقائه. فدفع الرب المصريين في وسط البحر
28 فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر. لم يبق منهم ولاواحد
29 وأما بنو إسرائيل فمشوا على اليابسة في وسط البحر، والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم
- هذا يعني أن بني اسرائيل ما زالوا وسط البحر، وحين أطبق الماء لم يطبق إلا على المصريين، ليفنوا عن آخرهم ، وليتابع بنو اسرائيل طريقهم بين سوريّ الماء إلى أن يخرجوا من البحر.
- معجزة حلوة لو أنها حدثت بالفعل!
30 فخلص الرب في ذلك اليوم إسرائيل من يد المصريين. ونظر إسرائيل المصريين أمواتا على شاطئ البحر
- قذفت جثثهم إلى الشاطئ بهذه السرعة ، ألم يأخذ البحر بعض الجثث والخيول والمركبات في لجّته ؟ وهل رأى اسرائيل الجثث من الشاطئ الآخر أم من وسط البحر، أمر مستحيل طبعا ، المؤلف يظن ان البحر بضعة أمتار!
- فظيعون هؤلاء المؤلفون ، لو كنت مكان الرب لمنعتهم من الكتابة !
31 ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين، فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى
- الإيمان خوفا ! ويبدو أن الإيمان خوفا من الآلهة وجحيمها سيدوم إلى زمن طويل ، إنما عند الفقراء والبسطاء، وليس عند المتسلطين على مقدرات الأمم، الذين يوظفون الآلهة حسب رغباتهم !
******
- وهكذا أبيد المصريون وخرج بنو اسرائيل من مصر ليتيهوا في سيناء أربعين عاما حسب كتبة التوراة . وكل ذلك بأمر يهوه حبيبهم الذي سيبطش بهم كلما خالفوه ، ليقتل منهم مئات الآلاف ، حتى أن ابني حبيبه هارون لم يسلما من البطش، لأنهما لم يقدما بخورا حسب الطقوس لتابوت يهوه، كما يرد في سفر اللاويين:
1 واخذ ابنا هرون ناداب وابيهو كل منهما مجمرته وجعلا فيهما نارا ووضعا عليها بخورا وقربا امام الرب نارا غريبة لم يامرهما بها.
2 فخرجت نار من عند الرب واكلتهما فماتا امام الرب.
3 فقال موسى لهرون هذا ما تكلم به الرب قائلا في القريبين مني اتقدس وامام جميع الشعب اتمجد. فصمت هرون.
- وهل يمكن للمصريين الذين دونوا كل شيء عن تاريخهم أن يتجاهلوا أحداثا كهذه لو أنها وقعت بالفعل ؟
- مستحيل سارة . كل هذا مجرد خيال فقير حتى بالتخيل ، أراد أن يخلق تاريخا وإلها لجماعة رعوية متنقلة ، ربما هاجرت من اليمن والجزيرة العربية . فأفاد من ديانة أخناتون التوحيدية ومن التراث الغني للعراق وبلاد الشام لينسج خيوط أساطيره !
كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ليلا .. شعرت بالنعاس. أودعني عارف السرير وقبلني، لأنام كما استيقظت على قبله . لا أعرف إن كنت في حلم أو أنني وجدت نفسي أخيرا!
*****

















(23)
* الخالق العظيم !!
حفل اليوم الثاني للقاء عارف نذيرالحق وسارة سليمان بحوارات عميقة ومطولة حول الخلق والخالق والغاية من الوجود ، ما جعل سارة تعيد النظر في ثقافتها كلها ، التي كانت قائمة على معرفة تراوح بين أللاأدرية والإلحاد . سألته وهما يجلسان مسترخيين على أريكتين متجاورتين إلى إحدى زوايا الصالون ، بعد أن أمضيا يوما حافلا بالتجوال في مناطق البريّة ، اجتازا خلاله المناطق التي استولت عليها مستوطنة كيدار:
- حسب رأيك ما هي البداية التي يمكن أن يبدأ بها حوار حول الوجود؟
- لا بد أن يكون سؤالا وجودياً. من أوجدنا، وماهو، ومتى، ولماذا، وما هي غايته، ليس من وجودنا فحسب بل من الوجود برمته، وما علاقتنا به، وهل عرفناه فعلا حق المعرفة، وهل عملنا ونعمل حسب ما أراد هو، وهل حققنا ما يريد ، وهل عملنا منفصل عن عمله ، أم أنه مكمل له ؟ وهل أنجزت عملية الخلق وبلغت الكمال ؟ إلى آخر الأسئلة الوجودية التي يمكن أن تطرح .
- من أوجدنا حسب رأيك ؟
- أوجدنا قائم بالخلق يمكن أن أسميه الخالق أوالمبدع !
- لماذا ليس الله أو ما يقابلها في لغات أخرى ؟
- هذه مفردات لغوية أوجدها البشر بعد اختراع اللغات، منذ بضعة آلاف محدودة من الأعوام، بينما الخالق موجود منذ مليارات الأعوام ، وهو الأول الذي يفترض أنه ليس قبله شيء. ولا أظن أنه يعتبر نفسه إلهاً وخاصة بالمعاني المختلفة التي قصدها البشر.
- هل هو واحد أم أكثر؟
- هو واحد في كل هائل ومتعدد !
- من أوجده ؟
- أوجد نفسه بنفسه لنفسه !
- منذ متى ؟
- منذ الأزل
- بعد العدم ؟
- لم يكن هناك عدم ! الوجود موجود به منذ الأزل.
- وما هو من حيث ماهيته وجوهره ؟
- طاقة . طاقة تتجلى في مادة متعددة الأشكال والأحجام والفضاءات والحيوات ! والمادة بدورها تتحول إلى طاقة في مرحلة ما من وجودها أو عمرها . فالمادة ليست إلا طاقة متحولة . وما نرى أنّه كائن حي أو جماد ، ليس في حقيقته إلا طاقة متحولة.
- أليس له شكل محدد؟
- لا ! هذا من حيث البدء الأزلي فقط .
- ماذا تقصد ؟
- من حيث بدأ وجوده وليس من حيث ما انتهى إليه ؟
- هل هو ضمن زمان ومكان ؟
- لا . هو خارج حدود الزمان والمكان . أو بلا زمان ومكان ، من حيث البدء أيضاً!
- وماذا من حيث ما انتهى إليه أو بلغه ؟
- هو في كل مكان وخارج حدود المكان المحدد. وهو في كل زمان وخارج حدود الزمان المحدد . إنه المتجلي في كل شيء ، فليس في الوجود إلا هو . إنه الحقيقة المطلقة وليس هناك حقيقة مطلقة غيره .
- ما المقصود بالمكان والزمان المحددين ؟
- المكان والزمان اللذين يمكن أن يعرفهما الإنسان ويضع حدودا أو قياسا لهما.
- وماذا عن الشكل؟
- كل الأشكال واللا أشكال شكله دون أن يكون له شكل محدد بعينه .
- ماذا لو قلنا أنه يشبه الإنسان ؟
- مستحيل ! نكون قد حددنا شكله وأقصرناه على الإنسان وهو أكبر من كل الأشكال ، لكن ليس هناك ما هو منفصل عنه، من أصغرخليّة إلى أكبر مجرّة!
- هل هذا يعني أنه كل شيء وكل شيء هو ؟
- أجل !
- أي الوجود كله وما فيه ؟
- أجل !
- هل جاء الوجود كله منه ، أي من نفسه أم أنه أتى بشيء من خارجها؟
- بل من نفسه فلم يكن هناك شيء خارجه، ولم يكن هناك خارج أصلا ، لم يكن هناك إلا هو ، وهو وحده!
- إذن يمكن القول إضافة إلى ما قلته من قبل من أنه أوجد نفسه بنفسه لنفسه ، إنّه كان وما يزال يوجد ويطوّر نفسه بنفسه لنفسه !
- أجل
- أين يمكن أن نضع الإنسان في هذه الحال؟
- أرقى الأشكال الحيّة غيرالمكتملة التي تجلّى فيها الخالق .
- تجليه لنفسه !
- أجل تجليه لنفسه .
- لكن لماذا غير مكتملة ؟
- لأن هذا ما توصلت إليه عملية الخلق حتى اليوم !
- أي أن الخالق لم يتوصل إلى خلق مكتمل وأن قدرته غير مطلقة ؟
- أجل ! فقدرته ليست مطلقة ، وأشك في أن يكون لديه قدرة مطلقة ذات زمن ! كتلك القدرة التي حدثتنا عنها الكتب الدينية، سواء أكانت التوراة أوغيرها..
- حتى قدرة يهوه في التوراة لم تكن مطلقة في أحيان كثيرة .
- لأن كتبة التوراة لا يعرفون ما هي القدرة المطلقة بالضبط! والأمر نفسه ينطبق على معظم الكتب الدينية . ففي الوقت الذي نجد أنفسنا فيه أمام قدرة مطلقة لخالق ، نجده أحيانا غير قادرعلى فعل أشياء بسيطة جدا ، أو معرفة مكان .. إنها مشكلة العقل الذي يجتهد ويفكر ويكتب.
أطرقت سارة للحظات وأخذت نفسا عميقا وهي تحتضن رأسها بيديها .. قالت محاولة استيعاب فلسفة عارف:
- لكي أعرف أنني أفهمك ، هل يمكن القول في هذه الحال إن الخالق طاقة سارية في الخلق ومتجلية فيه ؟
- أجل !
- متجلية في كل شيء بحيث تصبح هي الوجود والوجود هي ، أي ليس هناك وجودان خالق ومخلوق!
- صحيح ، وحين نتحدث عن خالق وخلق ومخلوق نتحدث بشكل مجازي، فالخلق هو الخالق نفسه في تجلياته المختلفة وليس في الوجود غيره.
- وهويدرك وجوده كطاقة متجلية وملموسة وغيرمتجلية أيضا، ويدرك أنه خالق؟ !
- منطقيا لا يمكن لطاقة تقوم بكل هذا الخلق العظيم أن لا تدرك وجودها وبالتالي لا تدرك أنها طاقة مبدعة وخالقة . إن العكس هو الصحيح ، فهي تدرك وجودها وتدرك أنها تقوم بعملية ابداع وخلق. فوعيها يشمل الوجود كلّه وما فيه ، كما تشمله طاقتها ، من أصغر خلية إلى أكبر مجرة كما أسلفنا .
- وهل لها غاية ؟
- منطقيا أيضا لا يمكن أن لا يكون لها غاية، وأنها تقوم بعملية خلق عشوائية عبثية ، حتى وإن بدأت العملية كذلك . إن كل ما نلمسه ونراه ليس إلا تحقق لغاية ما .
- ماذا تقصد بقولك وإن بدأت العملية كذلك ؟
- لم يكن للوجود البدئي غاية محددة . كطفل يلعب بالألوان دون أن يعرف أنه في مقدوره أن يعمل من الألوان ما هو جميل . الغاية ولدت لاحقا وبعد حقبة زمنية لا يمكن تحديدها .. وعلى الأغلب كان كل شيء يجري بشكل عشوائي إلى أن بدأ التوصل إلى ما هو منظم. العلوم لم تستطع حل ألغاز نشأة الحياة حتى اليوم . وما تم خلقه في مليارات الأعوام لا يمكن التوصل إلى حقائه في بضعة قرون .
****
شعرت سارة أن عارف يضعها أمام فكر معقد جدا، بقدر ما يبدو أنه سهل. إذ يفترض في من يبحثون في زمننا عن نشأة الحياة وتطوّرها، أنهم جزء من ذات الخالق نفسه حسب فلسفته ، فكيف يبحث الخالق عمّا خلقه ، ألم يعد يعرفه أم أنّه نسيه ؟ طرحت السؤال على عارف، فأجاب بما لا يتوقعه عقل على الإطلاق:
- أولا أشكرك حبيبتي على هذا السؤال المهم جدا. نحن نتحدث عن خالق غير مطلق القدرة، أوجد نفسه بنفسه لنفسه، وما زال يوجد ويطوّر نفسه بنفسه لنفسه ، وأنّه اكتشف بعلمه أنّ هذه العملية استغرقت معه قرابة أربعة عشر مليار سنة ، حين أراد أن يراجع حساباته وينظر في ما خلقه ، وكم استغرق معه ، على ضوء ما توصل إليه علمه ، وإلى أي حد نجح في مسائل وإلى أي حد أخطأ، ليدوّن المراحل التي مرّت بها عملية الخلق المديدة ، ليتلافى ولو قدرالإمكان أية أخطاء يمكن أن تحدث في المستقبل ، وليعرف إلى أي حد حقق شيئا من الغاية التي ينشدها من عملية الخلق برمتها !
فغرت سارة فاها وهي ترى أن عارف تحدث عن الفعل الإنساني المعرفي كفعل للخالق نفسه ولم يفصل بين الخالق والإنسان . قالت :
- هل تضرب لي مثلا يبسط المسألة ؟
- أظن أنني بسطتها . ومع ذلك يمكن أن تتخيلي روائيا وشاعرا في الوقت نفسه ، أمضى بضعة أعوام في كتابة مسوّدة نص أدبي ، وبعد عقدين أو ثلاثة عقود أراد أن يراجع المسوّدة ليفكر فيها ويدققها ليظهرها إلى النور . مع الفارق في المسألتين .
ضحكت سارة وهي تسأل :
- هل هذا يعني أن عملية الخلق حتى اليوم شبه مسوّدة ّوأنها لا تعبربإطلاق عما هو منشود !
- صحيح ، لأن الغاية المثلى المنشودة لم تتحق بعد ؟
- وما هي ؟
- تحقيق قيم الخير والعدل والمحبّة والجمال.
- ولماذا لم تتحقق؟
- لأن الإنسان لم يدرك وجوده !
- ماذا تقصد بما لا يدرك وجوده؟
- معرفة نفسه .
- لم أفهم ! هل الإنسان لا يعرف نفسه حتى اليوم ؟
- أكيد لا يعرفها ! ولو أنّه عرفها لما تعبد لإله توهم أنه أوجده ليعبده !
- ومتى يمكن للإنسان أن يعرف نفسه ؟
- حين يدرك أن وجوده غير منفصل عن الخالق ، وأن الخالق موجود فيه ، وأن لوجوده غاية ، هي المساهمة في عملية الخلق مع الخالق ، وتحقيق الغاية المثلى من الخلق !
- ألم يتحقق ذلك بشكل نسبي ؟
- طبعا تحقق بشكل نسبي ضئيل لدى بعض البشر، لكن القتل والإستغلال والهيمنة والتعصب والحقد والظلم والحروب والفقر والجشع، واضطهاد الشعوب، ومسائل أخرى كثيرة ما تزال قائمة . أي أن الحضارة الإنسانية ما تزال بعيدة المنال ، لأن الإنسان الكامل والخلق الكامل ، لم يوجدا بعد . وقيام دولة اسرائيل تحديدا وما تفعلة لهو أحد أهم النماذج على سوء عالم اليوم !
- هل يمكن القول : إن كمال الخلق من كمال الخالق !
- إلى حد ما ، لكن ليس بالمطلق !
- لم أفهم !
- لأن الخلق كله ليس بمستوى الكمال الذي بلغه الخالق بكليّته . فالخالق المتجلي في الكون بكواكبه ونجومه ومجراته ، بلغ كمالا اعجازيا أرقى بكثير من الكمال القائم من قبل الاحياء على كوكب الأرض ، والمتجلي في الإنسان مثلا .
- لماذا لم يضع الخالق كماله كله في الإنسان طالما أنه تجل له ؟
- العملية تخضع لقوانين أوجدها الخالق في الخلق ، ولا تخضع لأوامر، ورغم أن هذه القوانين أوجدت لدى الإنسان العقل المتفوق خلال ملايين السنين ، إلا أن الإنسان لم يوظف هذا العقل على أكمل وجه بعد .
- لكن الخالق هو مصدر هذا العقل، إن لم يكن العقل نفسه هو عقله، كونه غير منفصل عنه ، فلماذا لم يوظفه على أكمل وجه لتحقيق الغايات المنشودة ؟
- هذه إحدى أهم ميزات هذا العقل الكوني الكلّي الذي صدرت عنه العقول كلها ، وبشكل خاص العقل الإنساني ، لقد منح كل عقل جزئي متولد عنه في كل كائن انساني أن يفكر بشكل مستقل عن العقل الآخر، حتى عن العقل الكوني الكلي ، لتتنوع أشكال الوعي والتفكير، لإثراء مقدرة العقل الكوني ، وتكامل عملية الخلق بين الخالق وذاته المتجلية في الإنسان .
- تقصد لجعل الخالق يفكر ويعي بما لا يحصى من العقول لبلوغ ما هو أفضل وأرقى وأجمل لتحقيقه!
- صحيج. العقل هو أروع ما أبدعه الخالق خلال أربعة عشر مليار سنة من الخلق والإبداع، فجعله حرّاً في كل كائن ، من أصغر خلية إلى الإنسان، أرقى تجل وتجسد للخالق نفسه .
- لذلك يكون رقي الإنسان من رقي الخالق . والمؤسف أن من يدركون ذلك في الوجود هم قلائل جدا، فتوظيف العقل يسير في اتجاه غير الذي يطمح إليه الخالق .
- أحسنت عزيزتي . والمؤسف أكثر أن ثمة ملايين من البشرأصبحوا كالببغاوات ، لم يوظفوا عقولهم سوى للإقتناع بفكر ما وترديد مقولاته ليلا نهارا، ليغدوا كالببغاوات حقيقة لا وهما. ليجد هؤلاء أنفسهم خارج التاريخ ، بل خارج الزمن نفسه ، بل وخارج عملية الخلق نفسها ، ومصيرهم إلى الفناء ، لتفيد عملية الخلق من الطاقة التي ستنتج عن مواد أجسادهم.
- لا أعرف أين ذهبت بي يا عارف ، لقد شعرت أنك وضعتني خارج فكر فلاسفة كثيرين عرفتهم ، رغم أن فكرك يلامس بعض أفكارهم بشكل أو آخر .
- فكري ليس معزولا عن الفكر البشري عزيزتي ، حتى بعض الديني منه ، وإن اجتهدت قدرالإمكان لأن تكون لي خصوصيتي. فكري ينتمي إلى مذهب وحدة الوجود ، لكن ليس كما يفهمها ابن عربي وسبينوزا وغيرهما ..أنا أسميها "وحدة الوجود الحديثة " وهي عندي فلسفة مادية روحية ، تقوم على العلم أوّلا، والمنطق ثانيا ، والتأمل والإجتهاد ثالثا .
- المؤسف أن الناس في زمننا لم يعودوا يهتمون بالفكر، واستكانوا إلى العقائد التي آمنوا بها .
- الأمر الذي لا يصدق أن الناس يتعلمون شيئا ويؤمنون بشيء آخر، فعلى سبيل المثال، تعلموا في المدرسة أن الأرض تدورحول نفسها وحول الشمس، وأن الشمس لا تغرب ولا تشرق ، وحين يواجهون بذلك لا يعترفون بما تعلموه ويصرون على حقيقة ما أوردته كتبهم الدينية !
- لماذا برأيك ؟
- ربما لتخوفهم من عذاب جهنم . تصوري هذا الخطأ البسيط في تقديم البخور، الذي دفع يهوه لأن يحرق ابني هارون ! ألا يجعل هذا الأمر اليهودي المتدين يؤمن بدين يهوه ، شاء أم أبى خوفا من انتقامه الفظيع .
- صحيح فإذا كان هذا انتقام يهوه من خطأ غير متعمد ، فكيف سيكون انتقامه من خطأ أكبر ؟
- لقد انتقم كثيرا وأودى بحياة مئات الآلاف حين تراجعوا عن عبادته . حتى سليمان نفسه تراجع عن عبادته .
بدأت تتثاءبين..
- صحيح نعست .. مع أنني أطمح في الإستماع إليك أكثر .
- ستسمعين إلى أن تملّي !
- تصبح على خير ..
قبّل عارف سارة وأودعها السرير لتنام على طعم القبل كما نهضت ! لم تجهد كثيرا لطرد الرغبة الجنسية من مخيلتها حين راودتها للحظات .. وجدت أن الأمر ليس في غاية الصعوبة ، حين تخيلت نفسها تنام بين أحضان عارف، الذي لم تسأله حتى حينه لماذا لا ينام معها في سرير واحد . خاصة وأن السريرين اللذين في بيته مزدوجين!
***






(24)
* حب وقلق وشواء وحجل وشاباك !!
خرجت أنا وسارة هذا اليوم إلى البريّة منذ الصباح .. اجتزنا الأراضي التي استولت عليها مستوطنة كيدار، وهي من أخصب الأراضي في السواحرة الشرقية وربما في برية القدس كلها : مرج الخلايل . شعب الميرمية . ظهرة بئر جميع .. عرقوب الهدرة.. ظهرة العبد، أم البق، دمنة هلال ! وكلما مررنا من منطقة ذكرت اسمها لها ، وهي لا تصدق أنني أكاد أعرف اسم كل دونم من الأرض . كانت فرحة كطفل عثرعلى كنز، تعدو أمامي كمهرة وشعرها يلوح على ظهرها وكتفيها، وحين أخاف عليها وأصرخ مناديا أن لا تبتعد، تعود جريا إلى أن تقترب لبضعة أمتارمني وتشرع في التراجع تقهقرا وهي تصرخ بأعلى صوتها " أحبك يا عارف ، أحبك أيها الفلسطيني، أحبك ولن أحب غيرك ما حييت ، سأحبك في حياتك ، وسأحبك بعد رحيلك إن رحلت عن الدنيا قبلي ، وسأظل مخلصة لحبك " أرد عليها دون صراخ " مجنونة ، شيخوختي لا تستحق أن تضحي بشبابك من أجلها ، يجب أن تعيشي الحياة ، فقد تكون الأيام القادمة أجمل " ترد صارخة " لن تكون هناك أيام أجمل من أيامي معك ، عرفت من الأوباش ما يكفي لأن أبحث عن حياة مختلفة وجدتها معك "
أتركها على هواها، لن أكون حجر عثرة في طريق سعادتها .. لعلها تمل مني يوما ما عكس ما تشعر به الآن .
كان بعض الرعاة يسرحون بقطعانهم على السفوح والهضاب. بعضهم يعزفون على النايات أو الأراغيل ليتردد رجع صدى ألحانهم من الأودية. اقتربنا عشرات الأمتار من قطيع علي ابن اخي. أخبرتها بذلك . سبقتني لتصافح علي بحرارة ،ومن ثم تحاول الإمساك بسخل صغير. هرب السخل ولم تتمكن من الإمساك به . أمسكه علي وقدمه لها . حملته وضمته إلى حضنها وراحت تقبله على رأسه وهي تردد " ما أجمله "
أصر علي أن يدعونا على شواء . شكرته معتذرا دون أن أتخلى عن الأمر لفرصة أخرى ، لأنني أحمل في الجعبة التي على ظهري غداءنا لهذا اليوم .
تابعنا تجوالنا . عثرت ونحن نسير على حلزون معسل . لم تصدق سارة حين رفعت غطاء فوهة الحلزونة برأس سكين وأخرجت العسل وقدمته لها .. تذوقي هذا عسل برّي مختلف ، ليس كالعسل المصنّع، لكنه عسل ! استطيبته . لم أعثر إلا على القليل في المكان .. سألتني عن هذا الحلزون الصغير الذي يعمل نوع من النحل العسل داخله . قلت هذا حلزون انقضى أجل الحياة فيه وتلاشى منذ زمن . ولم يبق غيرقوقعته ، فتلجأ نحلة ما إلى عمل عسلها فيه !
استرحنا في البطين المواجه لعزبتنا حيث كنا يوم المطر. تقلبت سارة على العشب ما طاب لها .. نهضت أبحث عن فطر برّي ونباتات أخرى لغدائنا .. نهضت سارة تبحث معي بعد أن تذوقت الفطر .. لم تصدق حين جمعنا خلال ما يقرب من ساعة كمية من الفطر والكماة والخرفيش والعكوب والقعفران والزعتر والحويره والخبيزة ، والبانونج ، لنأكل بعضها ونأخذ الباقي إلى البيت . أكثر ما أدهشهها الحفرفي الأرض عن الثمارالتي تنمو تحتها وخاصة الكماة ، أوالبلبسون كما نسميها.. تساءلت إن كانت هذه بطاطا بريّة ؟ أجبتها بأنها ليست كذلك وهي أطيب ، بعض الناس يفضلونها على اللحم !
لم تفاجأ بأنها لا تعرف شيئا عمّا تنبته هذه الأرض غير ما هو معروف للناس كفواكه وخضار وبقول وحبوب يزرعونها . سألتني :
- هل تنبت الأرض أشياء غير هذه !
ضحكت ..
- يا حبيبتي هناك عشرات الأعشاب والنباتات والزهور الأخرى . منها ما يؤكل ومنها ما يتناول كشاي، ومنها ما يستخدم كدواء لعلاج أمراض وجروح : اذكر منها : الحميض . العرقد أو التوت البري . الزعرور . السيسعة أو البريذعة . تفاح المجانين . الإجاص البري . الزعموط. الخروب. اللوف . الميرمية . الحلبة . اكليل الجبل . حصى البان . عدا عشرات الأنواع من الورود التي تستخدم زهورها لعمل مشروب صحي !
أبدت سارة دهشتها لمعرفتي وتذكري لكل هذه النباتات .
قلت لها لا تتفاجأي فمعظم ما يتعلق منها بالمشروب كالبابونج موجود في بيتي وأتناوله بين فترة وأخرى كما تناولنا الزعتر !
أخذتها إلى بئرنا حيث يسقي علي قطيعه .. قلت لها هذه البئر لنا . اسمها بئر امدسيس . لا أعرف من أين جاءت هذه التسمية ، تبدو وكأنها يونانية او تتعلق بدسيسة ما . أخرجت ماء بدلو كان على البئر .. غسلنا النباتات وذهبنا إلى عزبتنا ..
فتحت باب مغارتنا وأخرجت منقلا للشواء وفحما وسفافيد وشبك .. أشعلت نارا في المنقل . أخرجت أفخاذ الفروج المتبل الذي كنت أحمله معي في جعبة الظهر . فردته على الشبك الخاص بالشواء ووضعته على النار.. نظمت بضع حبات بندورة وبصل وكماة وعكوب وقعفران في سفافيد ووضعتها إلى جانبي الفروج على النار . شرعت سارة في التقاط صور للشواء ولنا ..
افتقدت سارة طيور الحجل . سألتني :
- أين اختفى أحبتك الطيور ؟
وقبل أن أجيبها كان سرب الحجل يقدم محلّقا في فضاء الوادي ليحط على جدران العزبة .. تأوهت سارة بصوت عال مبدية دهشة لا تصدّق .. مددت يدي نحو السرب ليطيرأربع حجلات منه وتحط على أكتافنا ..
لم تتسع الدنيا لفرح سارة وهي تمد يديها لتملس على ظهري الحجلتين على كتفيها . همست :
- الأساطير معك تتحول إلى حقائق حبيبي، أي قديس أنت ؟
- أنا إنسان حبيبتي ولست قديسا .. وهذه الطيورلا تفعل إلا الإخلاص لمن رباها في صغرها بعد أن فقدت أمها وأباها وربما ببندقية أبيك ، فتعبر عن حبها له !
- يا إلهي ! أرجو أن لا تعرف الطيور عنّي ذلك !
- اطمئني لن تعرف ! وربما لم يكن القاتل أباك !
دفعت حجلة بلطف عن كتفي لتطير عائدة إلى الجدار، تتبعها باقي الحجلات..
قلّبت الشبك والسفافيد على النار.. أخرجت خبزا وزجاجة عصير وكأسين من الجعبة .. سكبت العصير .
استوى الشواء.. أخرجت طبقا من الكهف ووضعته عليه .. وشرعنا في تناول الغداء . مرت طائرة استكشاف على مقربة من سمائنا .. حتى أنها حلقت فوقنا لدورة واحدة وتابعت طيرانها نحو الشرق.
لم يخطر ببالنا أنها تراقبنا .. كل ما اعتقدناه أنها ربما تستطلع الأماكن بحثا عما يشتبه به ، أو لأخذ صور لها للحاجة .
*****
كنا مستلقيين على ظهورنا في حالة استرخاء بعد الغداء حين رن هاتف سارة . سمعتها تقول بالعبرية أهلا باب ! وسمعتها تقول ما معناه "سلمك الله" ثم سمعتها تتساءل عن شيء ما. لم أفهم ما تقول .. وما لبثت أن استندت جالسة وهي تصرخ بصوت عال متسائلة "ماذا" ؟ ثم نطقت اسم الشاباك بدهشة وتساؤل ، وشرعت تشتمه مع إسرائيل ، وقد امتقع وجهها وراحت تصرخ شاتمة بصوت عال ، وما لبثت أن قذفت بالهاتف بعيدا ، وخرّت ببكاء فظيع .. كنت قد جلست بدوري فضممتها إلى حضني ورحت أربت على ظهرها وقد أدركت أن الشاباك قد عرف أننا نلتقي وأنها ربما تحت المراقبة معي الآن ..
رحت أمسح دموعها بمنديل ..وأطلب إليها أن تهدأ وقد أدركت بعض الحقيقة من أن عملاء الشاباك في بلدتنا قد أخبروا الشاباك بقدومها إلي وإقامتها في بيتي .. ولا شك أنهم تحدثوا عن علاقة غرامية تربطها بي ، وخروجها معي في نزهات إلى البريّة .
سألتها بعد أن هدأت :
- ما الأمر يا حبيبتي ؟
- ابي يسلم عليك حبيبي . فوجئت بأنه عرف من الشاباك أنني ألتقي بك وعلى علاقة معك ، وأقيم منذ ثلاثة أيام في بيتك . استدعوه ليسألوه عن الأمرلاعتقادهم أنه يعرف. لا أعرف ماذا قال لهم ، لم يحب أن يتحدث على الهاتف أكثر تخوفا من أن يكون هاتفانا مراقبين .. تكلم بإيجاز.
- توقعت ذلك حبيبتي . وآمل أن يكون قد قال لهم أنه كلفك بالتجسس علي لإكمال المهمة المكلف بها .
هتفتْ بانفعال :
- لا أرجوك . لا تقل هذا ؟
- إنه الحقيقة يا حبيبتي ، فجميعنا نشترك في لعبة تجسس مكشوفة وأنا أوافق عليها . ولا نعرف من سيفوز في النهاية ومن سيجني الثمار !
وراحت تضرب بقبضتها على صدري وهي تردد ثانية :
- أرجوك حبيبي أكره أن أتذكر هذا !
عادت الطائرة لتحلق فوق موقعنا على ارتفاع منخفض . أشرعت سارة يدها اليمنى مطلقة اصبعها الوسطى على مداها مرددة أسفل الكلمات !
- أنت هكذا تفسدين خطتنا وتقولين لهم أننا نعرف كل شيء !
- ليذهبوا إلى الجحيم !
- وماذا إن استدعوك وعرضوا صورنا وأنت تشهرين اصبعتك وتشتمينهم!
- سأقول لهم تبا لكم كان عارف يعرف أننا نتجسس عليه منذ أن كلفتم أبي بذلك !
- يا مجنونة ستفسدين كل شيء !
- ماذا سأقول إذن ؟
- قولي وهل تريدون أن يكشف عارف أنني وأبي جاسوسان لكم ؟ تقتضي المهنة أن أظهر عدائي للشاباك لأحصل من عارف على ما تريدونه منه !
قالت بعد أن أطلقت قهقهة عالية :
- وكأنك خبير في أعمال المخابرات حبيبي !
- ليست المسألة في حاجة إلى خبرة . فكل عملاء المخابرات يظهرون هكذا !
أقلعت الطائرة عائدة نحو القدس .. ودعتها سارة بآخر اصبع نكاحية !!
قلت لها .. هيا سنعود إلى البيت !
رن هاتفها في المكان الذي قذفته إليه . فوجئنا أنه لن ينكسر. وقع بين أعشاب . هرعت سارة والتقطته لتجيب . هتفت بعد لحظة : أبي يسألك متى ستلبي دعوة الغداء ؟
- قولي له قريبا إن شاء السيد يهوه !
****

(25)
*شائعات عن جمال سارة وعلاقتها بعارف!
* فيضان سيل وادي أبوهندي!
انتهت إجازة سارة .. ودّعت عارف بقبلات حارة، وعادت إلى بيتها في القدس الغربية . قالت إنّها لن تغيب عنه كثيرا، وستحاول أن تقضي معظم أيام السبت والعطل معه ، وربما تأتي حتى خلال الأيام التي يكون فيها العمل قليلا لتنام وتذهب في الصباح إلى الكليّة . عادت إلى التدريس لتقارع الفلسفة بعقل مختلف نسبياً عمّا قبل مع طلابها ، داعية الطلاب إلى التفكير في صحة ما تحويه الكتب، والمقارنة بين مختلف الأفكار، دون اعتبار ما يقرأونه حقائق ، بل مجرد اجتهادات لعقول تبحث عن الحقيقة بالمنطق والإستدلال والتأمل والإجتهاد ، مضيفة إلى وعيهم رؤى جديدة استلهمتها من فلسفة عارف . في البلدة انتشرت شائعات كثيرة عن جمالها وعلاقتها بعارف نذيرالحق. فعن جمالها قيلت الأوصاف المتداولة والمعروفة لدى الناس عن الجمال الأنثوي ، فثمة من قال إنها قمر! وآخر قال إن الماء يرى من روحها ! يقصد عنقها! وآخر رأى أنها كالشمس في كمالها، وثمة من شبهوها بما هو أكثر واقعية ، فقالوا إنها ظبية، وهي كريم الفلا حين تركض في الجبال . أما بعض اللغويين فاطلقوا عليها أوصافا لغوية ، فقيل إنّها حوراء ، وقيل لمياء ، وآخر قال بثنة، فرد آخربل بثينة، فخالفهما آخر بأنها بثين ! ليخرج آخرعلى الجميع معلنا أنها أسيل أو أسيلة لنعومة خديّها . وكان جميع هؤلاء يأسفون لكون الفتاة يهودية ، ووقعت في حب أحد أهم مثقفي البلدة ووقع هو في حبّها. وتمنوا لو أن هذا الجمال كان لفتاة مسلمة وليست على دين الكفّار .. الطريف أن أيا من هؤلاء لم ير سارة عن قرب ، أو لم يرها على الإطلاق . وثمة من أطلقوا أوصافا مغايرة قبيحة وخاصة من النساء ، فأشعن ولو بدافع الغيرة، أن أنفها أفطس ، وأنها عوراء ردّاً على من قالوا أنها حوراء، هذا عدا عن كونها كافرة وزنديقة .
أمّا عن العلاقة فحدث ولا حرج ، فلم تمر سوى بضعة أيّام حتى عمّت الإشاعات البلدة من أطراف القدس إلى أبعد نقطة مسكونة ، حتى أنها وصلت إلى جامعة القدس وبعض أحياء أبوديس والعيزرية والعيسوية شمالا ، وصورباهر والعبيدية والتعامرة جنوبا ! وقد ساعدت وسائل الإتصال الإجتماعية على الشبكة العنكبوتية بنقلها بسرعة فائقة لتعم العالم، عبر تغريدات غامضة في البداية على تويتر وبوستات على الفيس بوك وغيرهما لأسماء رمزية ، بدأت تتحدث عن : ملحد فلسطيني يقع في حب كافرة يهودية ! مثقف فلسطيني يغرم بفتاة اسرائيلية تصغره بعقود! اسرائيلية تأسر قلب مفكر وأديب فلسطيني عجوز ! وراحت التعليقات تتكهن بمن يكون الشخص المذكور ، ومن أي بلد في فلسطين ، ولم يحسم الأمر سوى الشائعات التي كانت تدور في السواحرة ، وتسربت إلى خارج حدود أراضيهم ، مؤكدة أن الشخص المذكور ليس إلا عارف نذير الحق . حينئذ راح بعض المثقفين يدافعون عن عارف مشيرين إلى أنه ليس من حق أحد التدخل في حياته الشخصية . غير أن الشائعات لم تأبه للأمر ولم تتوقف ، فمنها ما أكد على أن عارف تزوج من الفتاة سراًعلى سنة الله ورسوله، ومنها ما قال أنه زواج مدني دون شهود ، ومنها ما قال أنها علاقة غرامية دون قيود ، ومنها ما قال أنها زنى على رؤوس الأشهاد بين ملحد وملحدة ! ولم يقل أحد على الإطلاق إنها مجرد صداقة لا غير، لفتاة لا يعرف أحد كيف تعرف عارف إليها ، وإن تطرقت بعض الشائعات إلى زيارات سرية يقوم بها عارف إلى مثقفين يهود أصدقاء له يقيمون في مستوطنتي كيدار ومعاليه أدوميم ! ولا شك أنه تعرف على الفتاة هناك ! وشائعات أخرى تحدثت عن تعرّفه إلى الفتاة عبر لقاءاته مع أصدقاء له في القدس الغربية يزورهم بين فترة وأخرى، خاصة وأن الفتاة كما يقال مثقفة وتحمل شهادة الماجستير في علم الإجتماع والدكتوراة في الفلسفة !
عارف سمع بالشائعات بل ورأى بعضها على الفيس وتويتر . تجاهل الأمر ولم يعطه أية أهمية . وحين اتصل به صحفي مستفسرا عن الأمر أجاب بأنها صديقه واكتفى بذلك .
*******
ادلهمت السماء فوق جبال القدس ورام الله والرملة ونابلس وبيت لحم والخليل وصفد وحيفا والناصرة وعكا وطبريا وتل أبيب ويافا وبئرسبع وغزة بغيوم داكنة مظلمة، غطت السماء الغربية من أقصاها إلى أقصاها. وتاق ماء للإنعتاق من أسرالغيوم فاضطرب في غيهب الظلمات السماوية، واصطدمت شحنات سلبية بأُخَرٍ موجبات ، فالتمعت بروق شقت أعنان الفضاء ، ودوت رعود ارتجت لها جدران البيوت ، منذرة بهول القادم من آيات !
وهو يرقب السماء الغربية من أمام بيته على مقربة من قهوة حجازي توقع عارف نذيرالحق هطول أمطار غزيرة وهبوب عواصف ينتج عنها سيول وفيضانات .. كثيرا ما شاهد في طفولته مجرى وادي أبو هندي وهو يتحول إلى نهر يفيض على جانبي المجرى في الأيام العاصفة .. ارتدى من الملابس ما يقيه الأمطار الغزيرة ونزل إلى الوادي ليتمتع برؤية مجراه وقد تحوّل إلى نهر ..
في المنطقة الواقعة بين مستوطنتي كيدار ومعاليه أدوميم في الوادي، كان قرابة مائة طفل من المستوطنتين يقومون برحلة في الطبيعة برفقة معلمة من معلماتهم، ويبحثون في مجرى الوادي عن حجارة ملساء صقلتها المياه على مر السنين وأحالت بعضها إلى أشكال فنيّة جميلة ..
يفصل وادي أبو هندي بين أراضي الديسة والسواحرة ، فجنوبه للسواحرة وشماله للديسة ، مع بعض التجاوزات في هذه القسمة للديسة، تجعلهم يمتلكون أرضا جنوبه .. وكثيرا ما شهد هذا الوادي مشاجرات على الأرض بين الطرفين في أوائل القرن العشرين ، خاضها المئات من أبناء البلدتين ، ونظمت في ذلك قصائد شعبية من قبل شعراء في البلدتين ، إلى أن انتهت بأكبرالمشاجرات على منطقة تدعى الزرّاعة، حيث تم تقاسم أرضها .
يبلغ مجرى الوادي قرابة ثلاثة أمتارعرضا أو أكثر قليلا في معظم المناطق ، وقرابة مترين عمقا في معظم الأماكن . ويبلغ فضاء الودي بين سلسلتين من الهضاب، قرابة ألف وخمسمائة متر في معظم الأماكن، وإن كانت تنفرج أكثر أوتضيق في أماكن أخرى. ويمتد لمساحة تزيد على خمسة عشر كيلو مترا ، يلتقي بعدها مع وادي الدكاكين شرقا لينتهيا إلى واد أكبر يصب مجراه في البحر الميت ..
تنحدر إلى الوادي من الهضاب سفوح وأودية كثيرة على الجانبين، تبدأ من العيزرية وأبوديس والسواحرة الشرقية وتمتد على طول الوادي..
خاطب عارف المعلمة محذرا وهو يسيرعلى الطريق المحاذي للمجرى، طالبا إليها أن تخرج الأطفال من مجرى الوادي ، فالغيوم المزدحمة في الغرب والبروق والرعود تشير إلى أن أمطارا غزيرة تهطل هناك ، وقد تحدث عنها سيول عارمة تتدفق عبرالأودية ، قد تدهم الأطفال فجأة ، لا يعرف ماذا ينتج عنها . لم تأبه المعلمة لكلام عارف ، غير مصدّقة لما يقوله .. وفي تلك اللحظة تلقى عارف مكالمة من سارة :
- حبيبي أين أنت ؟
- أنا في وادي أبو هندي، أنتظر العواصف والسيول . ليتك معي لتري سيل وادي أبو هندي حين يتدفق في العواصف المطريّة .
- أنا في كلية هداسا لعمل يتعلق بالتدريس. انتبه لنفسك حبيبي ..
- هناك أطفال في رحلة يبحثون عن الحجارة والحصى في مجرى الوادي وأتخوف عليهم من أن يدهمهم السيل، أنذرت مرافقتهم لكنها لم تأبه لكلامي..
- هذه الحمقاء . ألح عليها حبيبي. أرى من النافذة المطر يهطل بغزارة لم أشهدها من قبل. ربما سيبلغكم بعد قليل . ابتعد عن مجرى الوادي حبيبي.
- لا تخافي علي حبيبتي . كل خوفي على الأطفال . أرى الغيوم فوق أبوديس والسواحرة .
- الهطول يزداد حبيبي ، وكأن أنهارا تنصبّ من السماء . ابتعد عن مجرى الوادي.
- أسمع الآن صوت خرير مياه قويأً قادما عبر منعطفات الوادي . سأحاول اخراج الأطفال من المجرى. إلى اللقاء حبيبتي .
قفز عارف إلى المجرى وراح يصرخ بالأطفال والمعلمة بالعبرية طالبا إليهم الخروج منه ، فيما صوت سارة يتردد عبر هاتفه الذي ظل مفتوحاً بعد أن وضعه في جيبه . خرج بعض الأطفال بينما لم يأبه آخرون ، بل وراحوا ينتظرون قدوم السيل بفرح إذا كان ثمة سيل سيأتي كما يزعم هذا العربي. ولم تمر سوى لحظات حين أقبل السيل مندفعا . كانت مقدمته تقارب نصف عمق المجرى.. غير انها كانت تزداد باستمرار .. راح بعض الأطفال يتقافزون إلى خارج المجرى. نجح بعضهم، غيرأن بعضهم لم يتمكنوا لأن الجدران كانت قرابة ضعف قاماتهم ، شرع عارف في حمل كل من تطاله يداه من الأطفال وإلقائه خارج المجرى .. دهم السيل كل من في المجرى بارتفاع أعلى من بعض قاماتهم ، وقع بعض الأطفال ليجرفهم الماء المتدفق .. راح عارف يلقي بنفسه على أقرب الأطفال إليه ويلقي به خارجا، وتمكنت المعلمة من إنقاذ بعض الأطفال أيضا ، قبل أن تنقذ نفسها بمساعدة عارف، حين وجدت أنه لن يكون بمقدورها أن تفعل أكثر مما فعلت، ولم يبق أمامها إلا أن تنقذ نفسها. تشبثت بحافة جدارالمجرى دون أن تتمكن من الصعود ،فسارع عارف إلى رفعها ودفعها إلى خارج المجرى وتابع إنقاذ الأطفال ..
أقبل السيل عارما متلاطما مندفعا هادرا محملا بجذوع أشجار وأغصان ونفايات ومواش وقد فاض على جانبي المجرى في بعض الأماكن ليغطي الطرق والأراضي على الجانبين، فيما كانت السماء تهطل مدرارا ، والأبراق تتوالى والرعود تقصف مجلجلة ، والعواصف تهب مزمجرة . راح الأطفال يتخبطون في السيل والتيّار يتقاذفهم في لجّة الماء .. صرخ عارف مستنجدا بإلهه !! " كن معي يا إلهي " وهو يندفع بقوة لينتزع طفلين معاً من التيار ويلقيهما خارج المجرى ، فيما صراخ المعلمة والأطفال خارج المجرى يعلو ليختلط بإيقاع المطر والعواصف وهزيم الرعود ، ليبدو النهار وكأن يوم القيامة قد انبثق فيه .. شعرعارف بقوّة خارقة تنبعث في جسده بحيث أصبح في مقدوره أن يجاري السيل المتدفق ، وحتى أن يسبقه ، اندفع خلف مجموعة من الأطفال والطفلات يتقاذفهم السيل، وألقى بنفسه بينهم وهو يصرخ بهم اصعدوا على ظهري ، وتشبثوا برجليْ ، واندفع في الماء ليأخذ طفلين بيديه ، فأنقذ بذلك خمسة أطفال، كان اثنان قد تشبثا برجليه وأخر صعد على ظهره وتمدد عليه متشبثا بكتفيه. تابع عارف اندفاعه في الماء كدلفين ، إلى أن أنقذ جميع الأطفال ما عدا طفلة قذفها السيل في لجته لتبتعد . صمم عارف على اللحاق بها .. أدركها في أول السيل ، حملها بيديه وضمها إلى حضنه، وانطلق بها بضع خطوات على الأرض أمام السيل ، إلى أن عثر على مكان منخفض صعد منه إلى اليابسة ، وهو يتمنى في نفسه أن لا تكون الطفلة قد فارقت الحياة . مدد الطفلة على الأرض وراح ينفخ نفسا من فمه إلى فمها .. نفخ بضع أنفاس ، لتبدأ الحياة تدب في جسد الطفلة .
أخذ عارف نفسا عميقا ثم انحنى على الأرض يقبلها ، وما لبث أن شخص إلى السماء وراح يهتف من أعماق جوانحه " شكرا يا إلهي ،شكرا يا الهي " وعيناه تغرورقان بالدموع، دون أن يتنبه إلى جراح كثيرة كانت تنزف دما، قد أصيب بها دون أن يشعر، فيما ظهرت ثلاث طائرات هيلوكبتر محلقة في الجو، قادمة نحو المنطقة ..
كانت سارة قد أدركت حين لم يعد عارف يرد على الهاتف . بل وحين لم يعد الهاتف يرن، أن أمرا فظيعا قد حدث . فسارعت إلى الإتصال بالإسعاف لتخبرعما يكون قد حدث. كما تلقى الإسعاف مكالمات من بعض أهالي الأطفال ، الذين شاهدوا فيضان الوادي من أعالي السفوح .
حطت الطائرات على الأرض وشرع المسعفون في انقاذ من يحتاج إلى انقاذ من بين الأطفال الذين أصيبوا بجراح من جراء ارتطامهم بالصخور أو بجذوع الأشجارأو بالنفايات والسلع المختلفة التي كان السيل يتقاذفها .. وكان من بين الذين أنقذوا عارف والطفلة التي كان يضمها إلى حضنه، حيث أقلتهما طائرة مع بعض الأطفال إلى مستشفى هداسا .
*****





(26)
*عارف نذيرالحق يرفض استقبال ممثلي السلطة الإسرائلية .
استنفر الأطباء والممرضون والممرضات لإجراء اسعافات عاجلة للأطفال ، فبعضهم كان قد ابتلع ماء اختلط بالتراب والنفايات ولابد من اجراء غسيل معدة لهم .عدا أن معظمهم قد أصيبوا برضوض وكدمات وجروح وصدمات، من جراء ارتطام أجسادهم بصخور وجذوع أشجاروصفائح مختلفة وعلب مواد غذائية فارغة وأخشاب، كان السيل يجرفها معه . عدا أن معظمهم كانوا يعانون من اضطرابات نفسية .
كان عارف نذيرالحق من أكثر المصابين بالجروح والرضوض والصدمات والكدمات في رأسه ومعظم أنحاء جسده . ولم يعرف أحد إلا الخالق نفسه كيف احتمل الألم إلى أن أنقذ جميع الأطفال دون أن يغمى عليه . ولاحظ الأطباء أنه يغيب عن الوعي للحظات وتهرب منه الكلمات، ولا يستطيع الإجابة عن بعض أسئلة الطبيب المشرف على علاجه، مما قد يشير إلى أنّه تلقى صدمة شديدة في رأسه. نُزعت ملابسه ونظّف جسده بمواد مطهرة. وشرع أطباء وممرضات بتضميد الجراح التي في رأسه ووجهه ويديه وصدره وظهره ورجليه .
هرعت سارة إلى المستشفى . لم يسمح لها بالدخول إلى غرفة عارف في البداية ، لكن حين عرف الطبيب المشرف على العلاج ، أنها صديقة عارف سمح لها بالدخول ليرى إلى أي حد يمكن لعارف أن يتعرف إليها ..اندفعت إلى السرير . كان عارف يتنفس ببطء وكان خدّه الأيسر ورأسه مضمدين.
انحنت عليه وملست بيدها على خده الأيمن وهي تردد "عارف حبيبي ..عارف حبيبي " لم يبد على عارف ما يشير إلى أنه سمع من يخاطبه. كبحت سارة صرخة هائلة في دخيلتها وتابعت ترديد كلماتها "عارف حبيبي أنا سارة . عارف حبيبي أنا سارة" انتظرت قليلا.. بدأ عارف يرفع جفنيه ويغمضهما ببطء شديد ، وما لبث أن رفعهما ولم يغلقهما، وهو يرنو إلى وجه سارة على مقربة من وجهه . ارتسم على شفتيه طيف ابتسامة . انفرجت شفتاه وهو يهتف بصوت منخفض متقطّع " س.ار.ة. " ولم يقل غيرذلك . أطبق شفتيه وأغلق عينيه .
ألقت سارة رأسها على طرف السرير وشرعت في البكاء .. وضعت ممرضة يديها على كتفيها وأنهضتها بلطف ، فيما الطبيب يحاول طمأنتها بأن حالة عارف ليست خطيرة طالما تعرف إليها .. ربما صدمة أثرت قليلا على الدماغ . اطمئني .
*****
انتشرت الأخبارعبر الإذاعات وقنوات التلفزة لتعم العالم، وتتصدر عناوين الصحافة في اليوم التالي. الإعلام الإسرائلي وحسب ما ادعى أنه نقلا عن مواطنين من مستوطنة كيدار ومعاليه أدوميم، وعن بعض الأطفال والمعلمة الذين تم التحدث إليهم في المستشفى ، تصدرته عناوين مثل : عربي يشارك في انقاذ عشرات الأطفال الإسرائيليين من فيضان سيل وادي كيدار ! وهكذا أصبح عارف نذير الحق مشاركا وليس منقذا رئيسا إن لم يكن المنقذ الوحيد ، فالمعلمة لم تنقذ إلا بعض الأطفال قبل أن يتكاثر ماء السيل ، ولم تستطع انقاذ نفسها إلا بمساعدة عارف . وأصبح وادي أبو هندي يحمل اسم وادي كيدار، نسبة إلى الإسم الذي أطلق على المستوطنة التي أقيمت على أراضي السواحرة . وتحدثت بعض الصحف عن شجاعة المعلمة التي لم تخرج من السيل الهادرإلا بعد أن تم انقاذ جميع الأطفال.
الإعلام الفلسطيني تصدرته عناوين متشابهة تقول: المفكر والأديب الفلسطيني عارف نذيرالحق ينقذ عشرات الأطفال الإسرائيليين من فيضان سيل وادي أبو هندي ! وتطرقت بعض وسائل الإعلام المختلفة إلى التعريف بعارف نذيرالحق وعمق فكره الفلسفي الإنساني، الذي يجتهد في تقديم فهم منطقي وعلماني للخالق والخلق والغاية من الوجود، بعيدا عن التعصب لفكرالأديان وأساطيرها. وأنه ينظر إلى جميع الأديان والمعتقدات بمنظور واحد، وأنه لا يميز بين معتقد ومعتقد إلى بمدى عمق الفكرالإنساني فيه . وتطرقت بعض الصحف إلى ما أدلى به أحد المسعفين قائلا إنّ سيدة اسرائيلية تدعى سارة سليمان هي من قامت بإبلاغ الإسعاف والجهات المعنية بما يحدث، لأنها كانت على اتصال مع عارف خلال العواصف لتطمئن عليه. والمؤسف أن سرعة السيل كانت أقوى من سرعة الإسعاف الذي لم يصل إلا بعد أن تم انقاذ جميع الأطفال من مجرى السيل. وتحدثت الصحف عن الحال الصحية السيئة لعارف وغيابه عن الوعي، وعدم تمكن الصحفيين من التحدث إليه . وأشارت الصحف إلى ثناء الرئيس محمود عباس على العمل الإنساني العظيم الذي قام به عارف ، وأصدر قرارا بأن يتكفل مكتب الرئيس بكل نفقات علاج عارف وفترة نقاهته بعد الشفاء.
في اليوم الثالث فضحت المعلمة التي كانت تعاني من صدمة نفسية خلال اليومين السابقين ، لم تتح لها التحدث إلى أحد، وسائل الإعلام الإسرائيلية التي شوهت الحقيقة، مؤكدة في حوارعلى قناة تلفزيونية خاصة أنها لم تجر مقابلات مع أحد ، وأن الفضل يعود للرجل الفلسطيني الذي قام بإنقاذ جميع الأطفال وإنقاذها هي أيضا ، وأن الرجل رغم كبر سنّه كان يتمتع بقوّة خارقة غيرآبه بكل ما يتقاذفه السيل الجارف من مواد مختلفة ، رغم أنها كانت تصطدم به أو تعيق عملية الإنقاذ التي يقوم بها، ووصفت كيف انقض على طفلين كان السيل يتقاذفهما معا لينقذهما، تاركا خلفه طفل أكبر كان يتشبث بجذع شجرة، تاركا إياه إلى ما بعد انقاذ مجموعة من الأطفال ، لأنه كان مطمئنا عليه لتشبثه بجذع الشجرة . وقالت إنها تألمت حين شاهدت صفيحة وهي تصطدم بجسد الرجل بقوة من الخلف وهو يسعف طفلا ، ويندفع في الماء كحوت ليسابق التيار المتدفق بقوة ليسبقه، وليلحق بجميع الأطفال وينقذهم جميعا، واحدا واحدا أو اثنين اثنين أو ثلاثة وأكثر ! وقالت إن ما كانت تراه هو معجزة بكل معنى الكلمة. وحين سئلت عن سرالقوة والشجاعة اللتين رأتهما في الرجل ، قالت إنها هبة من الله للرجل ، وأنه لولاها لما تم إنقاذ قرابة سبعين طفلا ، بل مائة لأن بعض الأطفال الذين أنقذوا في البداية أنقذوا أنفسهم بفعل تحذير الرجل . وأخيرا أبدت المعلمه ندمها وأسفها واعتذارها لأنها لم تمتثل لإنذار عارف لها بإخراج الأطفال من مجرى الوادي لأن سيلا سيأتي.
معظم الأطفال كانوا مصابين باضطرابات نفسية ، أشفي معظمهم منها ، وما زال آخرون يعانون لهول ما شاهدوه .. أحدهم كان يصرخ بشكل فظيع كلما تذكر الفيضان . وآخر كان ما يزال يستنجد بأمه بين فترة وأخرى . وحالات أخرى راوحت بين الرجفة والذهول والصمت والسرحان والرعب والهلع والدهشة .
مقالات أخرى في صحف فلسطينية في الايام اللاحقة حملت أراء مختلفة في الأمر، منها ما جاء تحت عنوان : ننقذ أطفالهم بينما هم يقتلون أطفالنا ! وآخر حمل عنوان : لماذا لم يقف عارف متفرّجا ، تمنى كاتبه لو أن عارف بقي متفرجا، ولم تدفعه إنسانيته لإنقاذ الأطفال! مقالات أخرى تحدثت عن إنسانية عارف وتفانيه في انقاذ الأطفال حتى لو كلفه ذلك حياته ، وأخرى ضربت به مثلا للفسطيني الإنسان الذي يعبر عن إنسانية الفلسطيني بشكل عام . مقالات أخرى وضعت عارف في مكانة سامية لا يرقى إليها إلا العظماء .
******
سارة سليمان أخذت إجازة بدون راتب من الكلية، وأقٌنعت إدارة المستشفى بأن تبقى إلى جانب سريرعارف ليلا نهارا، إلى أن يشفى تماما. كانت تمضي وقتها جالسة على كرسي وتقرأ في أحد كتب عارف التي أهداها إليها، أوالتي ابتاعتها من مكتبة في القدس. وحين كانت تتعب من الجلوس كانت تتمدد على السجاد إلى جانب السرير وتغفو لبعض الوقت ثم تستيقظ . في اليوم الثالث لعلاجه في المستشفى ، فتح عارف عينيه وتلفظ باسمها وكأنه يبحث عنها، هبّت عن المقعد وهي تهتف " حبيبي" اتكأت على حافة السرير وهي تردد " أنا معك حبيبي" مد عارف يده ببطء وملس على خدها، فشرعت هي في تقبيل أصابع يده ودمعتان تنزلقان على وجنتيها . وما لبثت أن أعادت يده إلى وضعها إلى جانبه حين رأته يغمض جفنيه ، وملامح ابتسامة بالكاد ترتسم على شفتيه وكأنه يعبرعن اطمئنانه على وجودها إلى جانبه أو وجوده إلى جانبها أو وجودهما معا .
شائعات كثيرة انتشرت في المستشفى عن علاقة الحب التي تربط سارة بعارف ، ومدى عمقها ، ومدى إخلاص سارة لحب هذا الكهل الذي يكبرها بثلاثة عقود على الأقل، وقد شبه بعضهم هذا الحب بحب روميو وجولييت وآخرون اعتبروه حبأ أفلاطونيا . وقد انتشرت قصة الحب في كافة أنحاء اسرائيل بالقدر نفسه الذي انتشرت فيه قصة انقاذ الأطفال، حتى أنها بلغت أسماع العاملين في الشاباك والموساد وآمان و مختلف قطاعات الجيش .. وكتب بعض الكتاب والمثقفين الإسرائيليين مقالات تمجّد بطولة عارف وتشيد بثقافته الإنسانية الرفيعة ، وتمنت على كل فرد من الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني أن يرتقي ولو إلى الحد الأدنى من المحبة التي يحملها كل من عارف وسارة للآخر، ليودع الشعبان التعصب إلى الأبد ، ويعيشا بمحبة ووئام وبحقوق مواطنة كاملة لكل منهما .
صورالأشعة التي أخذت لجمجمة عارف أظهرت وجود نقطة دم على جزء صغير في مؤخرة دماغه ، وأنه في حاجة إلى عملية في الدماغ لإزالتها. غير أن سارة أصرت على عدم القيام بالعملية إلا بموافقة شخصية من عارف وهو بكامل وعيه في حالة يقظة تامّة. أذعنت إدارة المستشفى للأمر ووافقت على طلبها.
وحين بدا عارف بكامل وعيه في اليوم الخامس ، وأخبرته سارة بالأمر، قال بثقة مطلقة أنه ليس في حاجة إلى عملية وأن الله سيشفيه ! ما جعل الطبيب الجرّاح المختص بجراحة الدماغ يستدعي سارة، ليسألها كطبيب علماني، أقرب إلى الإلحاد منه إلى الإعتقاد بوجود خالق، لم يتوصل العلم بالمطلق إلى معرفة ماهيته: عن ماهية هذا الإله الذي قصده عارف بثقة، بقوله إن الله سيشفيه ! فهل هو يهوة أم الله أم يسوع المسيح ؟ وهو يدرك أن عارف فيلسوف علماني قد لا يختلف عنه في شيئ! فوجئ الطبيب بما قالته ساره " إنه ليس أي واحد من هؤلاء، إنه الخالق العظيم القائم بالخلق كما يتصوّره عارف" ولم يكن هناك قوة في الأرض قادرة على أن تقنع الطبيب بذلك ، حتى حين أعلن عارف في اليوم السابع، أنه شفي تماما من كل ما أصابه من جروح وصدمات، وأنه لم يعد هناك نقطة دم على دماغه ، لكن، وحين تم إعادة تصوير الدماغ وتبين ان نقطة الدم قد اختفت فعلا ، صمم الطبيب على الإيمان بهذا الخالق وقراءة كتب عارف عنه . فأمضى ليلته في قراءة كتاب يحمل عنوان " الخالق . الخلق . الغاية ." أعارته له سارة . ولم يكن هناك من هو قادرعلى تصور دهشته ، حين وجد أن هذا الخالق موجود فيه ، وأن وجوده غير منفصل عن الوجود الكلي الكوني لهذا الخالق ، آمن إيماناً مطلقا به ، وأعلن ذلك على الملأ ، وتحدث عنه في مؤتمر صحفي ، وعن قصة شفاء عارف التي كانت حافزه لهذا الإيمان المختلف، لتنتشر بذلك قصة الشفاء كمعجزة إلهية تنسب إلى خالق مختلف عن الآلهة جميعا .
****
بإيعاز من رئاسة مكتب رئيس السلطة الفلسطينية، أفرد جناح خاص لعارف لاستقبال المهنئين بشفائه ، وما أن أعلنت إدارة المستشفى في اليوم التاسع أن عارف قد أصبح في حال جيده تتيح له استقبال المهنئين بشفائه، حتى غصت غرفته والجناح وردهات المستشفى وقاعة الإستقبال بمئات باقات الورد. أحضرت سارة إلى عارف ملابس جديدة وأشرفت بمساعدة ممرضتين على تنظيم دخول المهنئين. فكان أول من أدخلتهم عشرة أطفال من الذكور والإناث يمثلون جميع الأطفال الذين أنقذهم عارف ، كانوا بمرافقة امهاتهم وآبائهم إضافة إلى المعلمة، و كانت آخر طفلة أنقذها عارف من بينهم .. تبادل عارف مع الأطفال القبل وحمل الطفلة وسألها عن اسمها ، فقالت " رفقة " فقال عارف " أحلى أمورة ورفيقة " وضمها إلى حضنه وقبلها . ثم تقبّل تهاني المعلمة وشكرها وامتنانها وعذرها بعدم الإمتثال إليه من البداية ، ثم تهاني وشكر أهالي الأطفال .. وكانت الدفعة الثانية من المهنئين بعض ذوي عارف من اخوته وأخواته وبعض ابنائهم وبناتهم بينهم الراعي علي.. أمّا الدفعة الثالثة فكانت من رجل وسيدة وشابة ، هم يعقوب سليمان وزوجته راحيل ويوئيلا خطيبة شمعون . ولأول مرة لم يتردد عارف في مخاطبة يعقوب كصديق وليس كعديق ، حين فتح يديه على وسعهما قائلا " أهلا يا صديقي " ليلقي يعقوب نفسه عليه ليتحاضنا ويتعانقا بحرارة ..
الدفعة الرابعة من المهنئين كانت من ممثل رئيس السلطة الفلسطينية وممثل عن رئيس الوزراء وبعض القياديين الفلسطينيين .
الدفعة الخامسة رفض عارف نذير الحق استقبالها ، وكانت من ممثلين عن رئيس الوزراء ورئيس الدولة ، وقال لسارة أن تخبر هذين الممثلين أن تهنئته من قبل السلطة الإسرائيلية ليست أقل من التوقف عن قتل الأطفال وإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين ، والتوقف عن إقامة المستوطنات ، والشروع في مفاوضات سلام حقيقية . أما عن الشعب الإسرائلي فقد تلقى التهنئة بباقات الورود وقبل الأطفال .
الدفعة السادسة كانت من بعض السفراء العرب والأجانب لدى السلطة الفلسطينية من بينهم سفراء الأردن والنرويج والسويد واليابان .
الدفعة السابعة كانت من الكتاب والصحفيين والمفكرين الفلسطينيين بينهم رئيس اتحاد الكتاب ورئيس اتحاد الصحفيين .
الدفعة الثامنة كانت من الفنانين الفلسطينيين بكافة فئاتهم .
الدفعة التاسعة كانت من اتحاد المرأة الفلسطينية ممثلة برئيسة الإتحاد وبعض النساء.
الدفعة العاشرة كانت من بعض الكتاب والمثقفين الإسرائيليين .
وانتهى بذلك استقبال المهنئين وخرج عارف من المستشفى برفقة سارة .
*****

















(27)
* عارف يرفض وسام دولة اسرائيل ويتقبل وسام دولة فلسطين !
* كل قبلة تلقيتها من طفل اسرائيلي هي بمثابة وسام لي.
امتلأ البيت والساحة أمامه بعشرات باقات الورود التي أحضرتها سارة والأقارب من المستشفى. ولم يسترح عارف نذيرالحق إلا ليوم واحد حتى توافد المهنئون من أبناء القدس والسواحرة وأبوديس والعيزرية على بيته . لم يكن هناك مكان يتسع للمهنئين ، فكان معظمهم ينصرفون ليقفوا في الخارج لبعض الوقت أو يغادرون ، بعد مصافحة عارف وتناول القهوة المرّة التي كان يقدمها أحد أبناء أخوة عارف ، ليسمحوا لآخرين بالدخول . سارة ارهقت إلى حد كبير رغم مساعدة شقيقة علي ( ثريا) لها في تنظيم دخول الوافدين ، حتى لا يأخذ وفد دور وفد آخر. كانت سارة قد أحضرت هاتفا جديدا لعارف بدلا من الهاتف الذي أتلفته مياه الفيضان، وتولت هي الرد على المكالمات . وحين اتصل أحد أصدقائها من حركة السلام الآن للقدوم مع وفد لتهنئة عارف ، استشارت عارف، قال لها" حددي لهم وقتا بعد الساعة الثانية ظهرا، واخبريهم أنهم سيتناولون الغداء معنا ، ولا تنسي أن تتصلي بأبيك وأمك ليحضرا أيضا "
أحس عارف بتعبها . نادى ثريا " أين بنات أعمامك وعماتك يا عمو. سارة تعبت ويكفيها الرد على الهواتف "
- حاضر عمو
وسارعت إلى الإتصال باثنتين من بنات أعمامها .
لم تمر سوى دقائق حتى حضرت خمس فتيات .. وأحضر أبناء آخرون كراس ومناضد ووضعوها في الساحة أمام البيت لمن يود البقاء من المهنئين .
جلست سارة في مكتب عارف لتتولى الرد على المكالمات وتنظيم قدوم المهنئين . رن الهاتف.. كان عارف يتحدث إلى وفد يمثل الطوائف المسيحية في القدس وفلسطين . لم تعتذر سارة كما في معظم المرات ، مؤكدة أنه ليس في مقدور الأستاذ عارف أن يرد الآن على مكالمات . لكن بإمكانكم أن تقولوا ماذا تريدون؟"
فوجئت حين هتف الطالب مؤكدا :
" معك مدير مكتب رئيس دولة اسرائيل . يجب التحدث إلى بروفيسور! عارف "
نهضت سارة وخطت إلى أن وقفت بباب الصالون : " عفوا "
كان عارف يتحدث إلى الوفد عن المحبة الإنسانية التي أتى بها رسول المحبة " يسوع المسيح " في زمن أقرب إلى زمننا كثر فيه الغزاة وعمت الحروب وانتشر القتل ، دون أن تتحقق رسالة المسيح في المحبة والسلام حتى يومنا .
اعتذر عارف من الوفد ليرى ما الأمر . نظر إلى سارة .
- ما الأمر؟
- مدير مكتب رئيس دولة اسرائيل على الخط ويصر على التحدث إليك !
فكّر عارف للحظات وما لبث أن تكلم :
- قولي له أنني لن أتكلم معه ، فإما أن يتكلم معك وإما لا !
خاطبت سارة مدير المكتب بعبرية فصيحة مترجمة ما قاله عارف.
قال الآخر بعد لحظات :
" لقد قررت دولة اسرائيل منح وسام الدولة للبروفيسورعارف نذيرالحق تكريما له لما أبداه من تضحية بنفسه لإنقاذ الأطفال الإسرائيليين "
ترجمت سارة لعارف.
أطرق عارف للحظات وما لبث أن هتف لتترجم سارة ما يقوله حرفيا :
" لن أسمح لدولة تقتل الأطفال بأن تسلب القبل التي تلقيتها من الأطفال الإسرائيليين . إن كل قبلة تلقيتها منهم هي بمثابة وسام شرف أعتز به .. إن كنتم جادين حقاً في اقامة وطن يسوده السلام ، فتوقفوا عن قتل الأطفال الفلسطينيين وهدم البيوت ، وارفعوا الظلم عن الفلسطينيين ، واهدموا جدار الفصل العنصري البغيض الذي بنيتموه، واطلقوا سراح السجناء الفلسطينيين ، وأوقفوا بناء المستوطنات ، واشرعوا في مفاوضات جديّة وحقيقية من أجل سلام دائم ، وليس من أجل إدارة صراع إلى الأبد ، لنظل نعيش في عصر يوشع قاتل سكان أريحا ، وعصر داود وجليّات ، وعصر شمشون ، تلك العصورالتي كانت وما تزال تمتد فينا على أيدي دولتكم "
وأشار عارف إلى سارة أن تقفل الخط ، وراح يعتذر من وفد الطوائف المسيحية ، الذي أثنى على ما سمعه من رد على مدير مكتب رئيس الدولة .
استقبل عارف بعد ذلك وفدا من كتاب البلدة ، وفيما كان يتحدث إلى الوفد مشيدا بما أبدعه الكتاب والأدباء
مشيرا إلى ضرورة تعميق الرؤية في كتاباتهم لتشمل كافة مناحي الحياة الاجتماعية ، دخلت سارة مستأذنة :
" مدير مكتب الرئيس الفلسطيني على الخط "
اعتذر عارف من وفد الأدباء ليأخذ الهاتف ويجيب:
- أهلا عزيزي .
- سيادة الرئيس قرر منحكم وسام دولة فلسطين إكراما لما قمتم به من عمل انساني عظيم ، ولدوركم الرائد في الثقافة الفلسطينية .
- جزيل شكري وامتناني للسيد الرئيس ولكم.
- سنخبركم لا حقا بموعد اللقاء بالسيد الرئيس وتقلد الوسام .
- تشكر عزيزي
شرع وفد الكتاب في تقديم التهاني ما أن عرف بالأمر .
كان وفد الكتاب آخر المهنئين بسلامة عارف . استرخى عارف في الأريكة ماددا رجليه على طولهما . سارة استرخت بدورها .. كانت ثريا تقف بباب الصالون .. سألها :
- كم بقي من الناس في الخارج يا عمو ؟
- قرابة مائة وخمسين !
- أمل أن يكون علي قد فعل ما طلبت إليه !
- ذبح عشرة خراف يا عمو وتقوم بعض نساء العائلة بالطهي والخبز .
- يعطيهن العافية يا عمو .
****
أعلنت ثريا عن وصول رجل يدعى يعقوب ترافقه سيدتان !
- ليتفضلوا يا عمو.
هتف عارف ونهض هو وسارة لاستقبالهم .
عانق عارف يعقوب بحرارة ، ثم قدّم يعقوب راحيل ويوئيلا للمرة الثانية. صافحهما عارف. عانقت سارة أبويها ويوئيلا. وما أن جلسوا حتى تحدث يعقوب :
- أعتذر لأنني أتيت بيوئيلا دون اذن منكم !
- أنت تمون يا عزيزي !
- يوئيلا خطيبة شيمون ، وأهم ما فيها أنها تحب أصلها كمصرية ، وآخر انجاز لها أنها ساعدتنا بالضغط على شيمون ليعامل فصيله المتظاهرين الفلسطينيين بمنتهى اللطف والأدب ، ونجحت في ذلك .
- هذا انجاز عظيم !
عقب عارف.
- وهذه زوجتي راحيل . راحيل اليوم ليست راحيل ما قبل الفيضان ، حتى بعد أن عرفت بعلاقة سارة بكم ، فلم تكن راضية عنها ، أما بعد الفيضان فقد انقلب موقفها إلى نقيضة .
- أهلا بك سيدة راحيل . ونأمل أن ننال أنا وسارة رضاك !
تدخل يعقوب قائلا :
- أنا واثق من أنها راضية ولم يبق أمامها إلا أن تبارككما !
- باب ألا ترى أنك تصادر حق مام في التكلم عن نفسها !
- أعرف أنها خجولة ساراي !
- ليس إلى الحد الذي تتصوره . تفضلي مام . أريد مباركتك لي ولعارف ، علما أنني كنت المبادرة إلى هذه العلاقة التي تحولت إلى حب غير قابل للإنفصام مهما حدث ، ويمكن القول أنني فرضت الأمرعليه ، لكنه اشترط أن يكون حبنا عذريا ! ونحن كذلك الآن !
- أعرف يا ابنتي أننا أنشأناكما أنت وشيمون على الحريّة رغم قيود الدين الكثيرة . ولم نتدخل في حياتكما منذ أن أنهيتما دراستكما. ليبارككما الرب مهما كان نوع حبكما .
نهضت سارة وعانقت أمها بحرارة . ونهض عارف ليعانق راحيل بدوره . وأعلن يعقوب بدوره عن مباركته لهما ، فعانقاه .
قدمت ثريا للإعلان عن وصول وفد حركة السلام الآن ، عشرة شباب وعشر نساء. نهض عارف وسارة لاستقبالهم .. كانت سارة تعرفهم جميعا لمشاركتها معهم من قبل في نشاطات سياسية مؤيدة للفلسطينيين ، فراحت تقدمهم إلى عارف، ليعانقوه جميعا ..
ما أن جلسوا حتى شرع رئيس الوفد في الكلام :
- إنه لمن دواعي سرورنا أن نقدم لكم باسم مئات الآلاف من أعضاء حركة السلام ومؤيديهم، أحر التهاني بشفائكم ، والثناء على ما قمتم به من تضحية عظيمة ومعجزة لإنقاذ عشرات الأطفال الإسرائيليين ، من الغرق والموت .
إنّ الزلزال الذي أحدثتموه في المجتمع الإسرائيلي دفع عشرات الآلاف إلى الإنضمام لحركة السلام الآن ، أو التعاطف معها أو انتهاج نهجها، وهو ما لم تستطع حركة السلام تحقيقه خلال ما يقرب من أربعين عاما من عمرها .. وأنه لأمر مؤسف أن يزداد اليمين توسعا وهيمنة على الدولة والمجتمع ، دون أن يتحقق ولو الحد الأدنى مما تطمح إليه شالوم أخشاف.
سنحاول تنظيم أكبر تظاهرة في تاريخ اسرائيل خلال الأيام القادمة ، ترفع شعارات السلام والدخول في مفاوضات جديّة لتحقيقه ، ووقف الإستيطان وهدم البيوت وإلغاء تقسيم المناطق وما إلى ذلك . عدا عن اللافتات التي سترفع بوحي من عملكم الإنساني ، داعية إلى المحبة والتسامح وإقامة السلام بين الشعبين.
ونود أن نلفت انتباهكم إلى أنه بقدرما أسفرت عنه تضحيتكم بأنفسكم لإنقاذ الأطفال من إيجاد مئات آلاف المؤيدين للسلام ، نبهت بالقدر نفسه مئات الآلاف من المعادين للسلام والحرية ، بما في ذلك حريّة الفكر والمعتقد والرأي . إن حياة سيادتكم معرضة اليوم للخطر أكثر من أي وقت مضى ، ومن قبل الطرفين المتخاصمين ومن يقدم لهم الدعم والتأييد، وإن كان الخطرفي الجانب الإسرائلي قد يكون أكثر منه في الجانب العربي . فتنبهوا لأنفسكم يا سيدي .. مع تمنياتنا لكم بالسلامة وطول العمر، ودمتم للمحبة والسلام والفكروالمعرفة .
وقام عارف بالرد على كلمة رئيس الوفد قائلا :
- أشكر سيادتكم وكافة أعضاء حركة السلام الآن لهذه الحفاوة البالغة التي أحطتموني بها ، وإنني لأنتهز هذه الفرصة ، لأتقدم من كل عضو وعضوة في حركة السلام بخالص تحياتي ومحبتي ، داعيا إياهم إلى عدم اليأس مهما واجهتهم صعاب وعقبات .. وإني لأكاد أرى رايات السلام تخفق في أعالي روابي بلادنا . إن زمن الظلم لن يدوم . انظروا إلى شعب جنوب افريقيا كيف تصالح وحقق وحدته وسلامه بعد طول قهر وتعسف . فهل نحن أقل منه ثقافة، وطموحا إلى التصالح وإقامة السلام فيما بيننا ، لتعيش الأجيال بعدنا في عالم تسوده المحبة والتعاون بدلا من نزعات الشر والتعصب والعدوانية .
أما فيما يتعلق بالخطر المحدق بي أيها الأصدقاء.. فلا أظن إن نجح الخصوم في قتلي أن ينجحوا في إطفاء الشعلة التي أججت اتقادها .. وما أعتقده أنها ستتأجج أكثر، وعليكم أنتم تزيدوا من هذا التأجج ليصبح جحيما قد تلتهم كل من يقف في طريقها. وفقنا الخالق العظيم ووفق البشرية، وأرشدها طرق الصّواب ، لتحقيق قيم الخير والعدل والمحبة والجمال، وبناء الحضارة الإنسانية ، جلّ ما يطمح إليه الخالق .
شرع الحاضرون والمتجمهرون خلف الباب وفي الخارج بالتصفيق . وأعلنت ثريا أن طعام الغداء قد أصبح جاهزا.
أحضرثلاثون شابا وشابة ثلاثين منسفا من اللحم والأرز والثريد ، كانوا يحملونها على رؤوسهم . فردوها على موائد كثيرة في الساحة ، ودعا عارف جميع الحضور إلى طعام الغداء .
******




















(28)
* أبطال تراجيديون ، من جليّات إلى ياسر عرفات إلى عارف نذير الحق.
وهي تلتقط أنفاسها من جراء جريها جنوبا وشمالا على هضبة المغرة لممارسة الرياضة ، هتفت سارة وهي تقف إلى جوار عارف الذي كان جالسا يفكر في أمر ما :
- أين وصلت يا حبيبي؟
- لا أعرف ! كلما فكرت في أمر خطر لي آخر . ماذا سأقول في حضرة الرئيس حين يقلدني الوسام غدا ؟ وما الذي ستنتهي إليه القضية بعد أن أقفلت الطرق كلها أمام الفلسطينيين ، هل سيقبلون بما سيفرض عليهم ؟ وماذا عن الرئيس نفسه ، هل سيسعى اليمين الإسرائيلي إلى اغتياله ، بعد أن اختار مواجهة المشاريع التصفوية ؟ وماذا عنّي أنا وحتى عنك أنت ، أليس هناك من يسعى إلى اغتيالنا ؟
احتضنت سارة رأس عارف وقبلته وهي تجلس إلى جانبه :
- ألم نتفق على الراحة هذا اليوم يا حبيبي؟
- ها نحن مرتاحين ، وهذا لا يمنعنا من أن نفكر في حاضرنا ومستقبلنا ؟
- هل أثرفيك ما أشار إليه رئيس وفد السلام الآن من أن حياتك في خطر ؟
- حياتي في خطر منذ عقود يا حبيبتي ، وقبل أن أنتهج فكرا مختلفا لفهم الخلق والخالق والغاية من الوجود..وهذا ما يجر علي عداء المتعصبين للديانات بكافة فئاتهم .. وإذا ما أضفنا إلى ذلك مواقفي السياسية ، والزلزال الذي أحدثته في المجتمع الإسرائيلي بإنقاذ الأطفال الإسرائيليين، والزلزال الآخر الذي أحدثته أنتِ بحبك لي، وقبولي لهذا الحب، سأجد نفسي أمام أعداء كثر، وإن كانت عداوة بدرجات متفاوتة حسب نوع الأعداء ومن أي فئة هم ؟
ضمت سارة عارف إليها وقد أدركت أبعاد الخطر المحدق به:
- حبيبي! إن قتلوك سأقتل نفسي بعدك . لا أستطيع تصوّر حياتي دونك .
- بل ينبغي عليك أن تعيشي حياتك ، رغم أنها مهددة هي الأخرى، وإن بخطورة أقل .
- لا أظن أنني سأكون قادرة على التعايش مع جرح اغتيالك الذي سيرافقني ما دمت حيّة !
- عوّدي نفسك على النسيان وستعتادين .
- أشك في الأمر.
- لنخرج من هذا الأمر إلى غيره .
- لا أستطيع أن أتجاهل الأمر منذ الآن يا حبيبي ، بدأت أشعر بما تشعر به أنت .
- تجاهلي يا حبيبتي ! ما رأيك بدولة فلسطينية في غزة وجزء من سيناء !؟
- هل هذا ما يتداوله الناس عن صفقة القرن الترامبيّة !
- أجل !
- إنها جنون !
- بل جنون الجنون ! إنها النهاية ! وآمل أن لا يستيقظ سكان الضفة يوما على أمر يدعوهم للهجرة إلى سيناء !
- لن يهاجر أحد !
- وسيبدأ العنف الإسرائيلي ليواجه بأي عنف يمكن أن يقدر عليه الفلسطيني.
- وماذا بعد ؟
- آمل أن لا تحدث مجازر كما حدث عام ثمانية وأربعين !
- لماذا لم تتضمن اتفاقية اوسلو ضمانات دولية لتطبيقها خلال فترة معينة ؟
- حتى لو كان هناك ضمانات تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة لما نفذتها اسرائيل ! اسرائيل الوحيدة في العالم فوق القانون والقرارات والمواثيق الدولية ، وتدعمها أمريكا بشكل مطلق في ذلك .
- هل يعقل هذا ؟
- طبعا يعقل ! لأن الغاية من وجود اسرائيل حسب ما عرف من الوثائق الدولية منذ عام 1907 لم تتغير حتى اليوم ! وإن كان البادئ بالأمر هو بريطانيا كونها كانت صاحبة المصلحة الاولى في ذلك الزمن.
هذه المنطقة المسماة عربية لها أهمية خاصة في استقرار العالم ، خاصة وأن هناك من ما زال يحلم بإقامة امبراطورية عربية كتلك التي أقيمت في الماضي .
- ما هو الحل إذن ؟
- أن يضمن العالم مصالحه بما فيها الأمن، هذا إذا كان جادا في التخلص من فكرة الهيمنة والسعي بجديّة نحو سلم عالمي.
- وهل هو جاد ؟
- أشك ، خاصة وأن الظروف ما تزال بعيدة جدا عن هذا الحلم إذا كان يراود بعض الأمم القوية والمستقرة .
- إذا كان هذا الحلم ما يزال بعيد المنال، فكيف بأحلامك الساعية إلى وحدة أمم كوكب الأرض، على قاعدة الخير والمحبة والعدل والجمال وبناء الحضارة الإنسانية ، وفهم منطقي للخالق ، والغاية من الوجود؟
- اعتقد أن هذه المسألة تحتاج إلى ما يقل عن خمسة قرون إذا وجدت من سيسعى إلى تحقيقها ..
- أنت تعتقد أن الخير لا بد وأن ينتصرفي النهاية !
- أجل حبيبتي ، وما أجمل أن تعيش البشرية على هذا الأمل . التاريخ يسير إلى المستقبل ولا يتقهقر إلى الماضي ، وإن كان لترسبات الماضي في ثراث الشعوب وثقافاتها ما يشكل عائقا لأحقاب زمنية في صيرورة التاريخ وتحولاتها .
- هل تقصد العقيدة اليهووية مثلا ؟
- أجل حبيبتي . العقيدة اليهووية وما نجم عنها ، من تأثير في العقائد اللاحقة ! والأمر نفسه ينطبق بنسب متفاوتة على العقائد الأخرى وما أفرزته من ثقافات ..
- هل ترى أن ثمة امكانية لأن تسود عقيدة واحدة العالم ذات يوم ؟
- أجل حبيبتي . وهذه العقيدة ستكون من نتاج العلم والمنطق ، بحيث لا يستطيع أحد أن يعارضها ، لأنه سيجد نفسه يحيا في خضمها ، لأنها تفسر له وجوده والغاية منه !
- أنت تفكر انطلاقا من فلسفتك حبيبي ، القائلة بوحدة الوجود ، بحيث لا يكون فيها وجودان ، خالق ومخلوق ، بل خالق ، وخالق فقط ، خلق نفسه بنفسه لنفسه ، وما يزال يخلق نفسه بنفسه لنفسه !
- صحيح حبيبتي . أشكرك لأنك تفهمين فلسفتي جيدا! أعطني قبلة !
- الحقيقة حبيبي أنني لم أفهم إلا المبدأ الذي تقوم عليه و بعض ما يتفرع عنه ، لكن التعمق في التفاصيل ، والإلمام بالرؤية الشاملة لكافة مناحي الحياة قد يحتاج إلى زمن طويل .
- يمكنك أن تسألي حبيبتي ؟
- أين نضع الحروب وما ينجم عنها من قتل ودمارضمن هذه الرؤية ؟ فهل المنتصر والمهزوم ، والقاتل والقتيل ، هما الخالق نفسه !
- ما يصعب الإجابة على المرء حين يطرح أسئلة من هذا النوع على نفسه ، هو تصوره الخطأ لوجود خالق مستقل عن الخلق ، فهل يعقل أن يكون الخالق قاتلا ، ويكون القتيل في الوقت نفسه ؟
- وما الذي يجب أن يتصوره ؟
- يتصور الوجود نفسه بكليته ، وما يجري فيه هو صراع جزئي ومحدود فيه ، فيكون القاتل والقتيل في هذه الحال لا يشكلان أكثر من نقطة صغيرة في محيطه .. أو لنتصور جسم الإنسان مثلا ونعتبر أنه يمثل الوجود ، ففي هذا الجسم توجد خلايا مناعية للحفاظ عليه ، وفي الوقت نفسه توجد أو تنشأ خلايا عدوانية ، والصراع بين الخلايا هو صراع لبقاء الإنسان ، فالخلايا المنتصرة هي جزء من ذات الإنسان ، والخلايا المهزومة هي جزء من ذاته أيضا . لكن الإنسان يبقى ولو إلى حين .
- ماذا لو نظرنا إلى الوجود من زاوية البقاء المؤقت الذي تطرحه . هل يعني هذا أن الوجود سيبقى إلى حين فقط ؟
- نعم . هذا ممكن ! فقد يكون للوجود عمر ، كما للإنسان مثلا . لكنه ليس نهاية الوجود بالمطلق ، فقد يكون مرحلة في دورة كونية، ينشأ عنها حياة جديدة ، وكون جديد ، وكائنات مختلفة ، وإنسان مختلف بالمطلق عن الإنسان الحالي ، تماما كما موت الإنسان الحالي ، الذي لا يعتبر نهاية مطلقة له ، فما هو إلا مرحلة ضرورية لإثراء المادة وإنتاج الطاقة ، ولولا ذلك الفناء المنظور( التمرحل ) للكائنات والأشياء لانتهى كل شيء ودمر الكون . مثلا لا يمكن تصور ما الذي سينشأ عن استغلال ثروات الأرض من قبل الإنسان، لصنع كم هائل من الأسلحة المختلفة وغيرها، مما يؤدي إلى افقار الأرض بالمواد الضرورية للحياة، وإنتاج المادة والطاقة ، فقد يأتي على الإنسان يوم يأكل فيه أسوأ أنواع الخضار والفواكه وحتى اللحوم ، لفقر التربة في انتاج ما هو جيد !!
- ترى هل يشعر الإنسان بعد الموت ، بوجوده المادي الطاقوي ؟
- يفترض أنه سيصبح جزءا من الذات الكونية ومتحدا بها ، فيشعر بما تشعربه ، ويرى ما تراه ، ويحدث له ما يحدث فيها !
- كيف ترى ؟
- بعيونها في مليارات العيون الموجودة في الكائنات . من عين أصغر كائن مرورا بعين الإنسان وانتهاء بعين الحوت ! فكل العيون عيونها!
- حبيبي فلسفتك تجنن !
- ههههههه . الجنون ضرورة للنظر إلى الوجود بعقل مختلف !
- هل رؤيتي لك ورؤيتك لي ورؤيتانا لما حولنا وما نراه ، هي جزء من رؤية الذات الكونية ؟
- أجل حبيبتي ، كما هو وجودنا ، وما نفكر فيه ، وما نفعله ! ليس هنك وجود خارج وجود الذات الكونية ، وليس هناك فعل إلا من فعل الذات الكونية !
- والذات الكونية في مفهومك لا تحتاج إلى عبادة !
- أية عبادة ؟ هي ستعبد نفسها إن تعبدت ! هي القوة الفاعلة والمنفعلة في الوجود في الوقت نفسه ! القوة التي لا تفنى ولا تزول ! القوة المتجددة دائما إلى ما لانهاية !
- ألن يكون لها نهاية ما ؟
- يكون لها حالة من الرقي في التطور أقرب إلى الكمال ، قد يطول عمرها ، لكنها لن تكون النهاية !
- كيف يمكنك أن تتصور هذه الحالة ؟
- المسألة ليست سهلة ، لكن يمكن القول ، إنها الحالة التي يشعر فيها المرء أن جسده جزء من جسد الخالق ، كما هو كل جسد لإنسان آخر ، وكائن آخر !
- هل يمكنني أن أطلب إليك طلبا !
- أكيد ! أحب أن استمع إليك تقرأ قصيدتك في مذهب وحدة الوجود . قلت لي أنك تحفظها !
- ليكن يا حبيبتي ..شعرت أنني سألاقي خالقي حين ظهر ورم في لثتي ذات يوم ، فواجهت الخالق بهذه القصيدة ، حتى لا أرحل عن الدنيا دون أن أقول كلمتي في الخالق والخلق والوجود :
إما أنت أو لا أحد !!

أحسست بدنو الأمد
وأنا الوحيد دون أحد
هتفت باسمه من عمق الجراح
مثل لي بجلال مقتصد
همست: هل لي ببوح يعتمد؟!
قال : قل ما لم يسمعه أحد !
وأكمل رسالتك
فلن تعيش إلى الأبد .
قلت : أشهد أن لا إله إلا أنت
إنك " الواحد الأحد "
وإنك " الله الصمد "
وإنك " لم تولد ولم تلد "
" ولم يكن لك كفوا أحد "
***************
قال: لقد قيل هذا من قبل !
أضفت : وأشهد أنك الطاقة
السارية في الخلق
فإما أنت أو لا أحد !
وأن الإنسانية حبيبتك
وإنها إليك تستند
وأنت عليها تعتمد !
عشق الأحبة متبادل
بنبض القلوب
وآهات الروح
ورعشة الجسد
لا يكتمل الحبيب إلا بالحبيب
فلا اكتمال بحب منفرد
سعي الخلائق إلى الكمال
بسعي الخالق يتحد
فإما كمال يعم الخليقة
وإما انتهاء إلى الأبد !!
*******
قال: أحسنت إذ اجتهدت
فالإجتهاد حق معتمد
فانا في الهي والنحن والهم كنت
والهي والنحن والهم والكل
في أناي تتحد
فلا معزل لفرد عن كل
ولا معزل لكل عن فرد
تنزهت باسمي " الله "
ولا تنزيه غير ذلك يعتمد
********
انا في الهيولى البدئية كنت
دون أن يكونني أحد
أوجدت نفسي بنفسي لنفسي
دون أن أدري ما الغاية
وما القصد ؟!
وبقيت دهورا كامنا
لا أدري إن كنت أدري
ما اريد ، وما لم أرد
كجنين في رحم أم
غافل عما يستجد
*******
إلى أن ضاق بي الكمون
وضقت به فانفجرت
محطما جدران الهيولى
التي عنها انبثقت
لأنتشر في كون شاسع
حدوده لا تحد
ولينبثق معي الخلق
كائنا من رحم المهد
فكل كائن كان في
وفي كل كائن كنت
فانا الكينونة دون حد
وآفاقي لا تحد
فليس للحد مني حد
ولا حد حيث كنت
انا " الله " أل بلا حد
لا غنى للخليقة عني
ولا غنى لي عن الخليقة
فنحن الواحد في الكل
والكل في الواحد يتحد !
*********
صفقت سارة وهي تردد: رائع !
عقب عارف قائلا:
- ولا رائع ولا شي! القصيدة قديمة ، وقبل أن تتبلور أفكاري في مذهب وحدة الوجود . ولو خطر لي أن أعيد كتابتها لأغنيتها كثيرا ، بما ليس فيها ، وربما سأشطب فقرة ما أوأعيد كتابتها.
- ألم تحاول ؟
- لا ! لأنني وضحت ذلك في أكثر من سبعين وثلاثمئة وألف مقالة ومقولة حتى اليوم .
- أنت توظف مفردة " الله " هنا بدلا من الخالق .
- ربما لأن المفردة أقرب وأحب إلى وعي الإنسان . المؤسف أن وجود آلهة كثر وبمفاهيم مختلفة ، أساء إلى المفردة !
صمتا للحظات . تساءل عارف .
- حسب رأيك ماذا سأقول في حضرة الرئيس غدا بعد تقليد الوسام ؟
- أعتقد أن وقت الرئيس ضيق . ويستحسن أن تكتفي بالشكر .
- سأحاول .
- وماذا عن الرئيس نفسه ، ألا ترين أن حياته في خطر بعد أن اختار الرفض في مواجهة المشاريع التصفوية ، التي ستدق المسمار الأخير في نعش القضية الفلسطينية ؟
- ممكن ، فالأمر ليس جديدا على اسرائيل .
- ألا يمكن لكبر سنه أن يجعل اسرائيل تتلافى الأمر ، ولا تضيف إلى تاريخها في اغتيالات الزعماء الفلسطينيين اغتيالا جديدا ؟
- ممكن وغير ممكن أيضا ، لأن اسرائيل يهمها أن تظهر للجميع بأن ما تريده هو الذي سينفذ ، فقد تقدم على اغتيال محمود عباس كما اغتالت ياسر عرفات حين اختار الرفض ، لتقول للرئيس الفلسطيني القادم ، ينبغي عليك أن تعمل وفق ما نريد !
- أمر فظيع ! البطل الفلسطيني بطل تراجيدي يحقق انجازات لكنه لا ينتصر، وهو يدرك ذلك ولا يهرب من قدره . ويبدو لي أن هذا القدر محقق في الواقعين التاريخي والمتخيل ، بدءا من قتل جليات بحجر من مقلاع داود ، مرورا حتى بيسوع المسيح ،في التاريخ القديم ، وانتهاء بعبد القادر الحسيني وياسر عرفات في الزمن الحاضر .
- ما العمل إذن ؟
- المواجهة الشعبية السلمية هي الممكن الوحيد في الحاضر، إلى أن تتبلورالأمور ! رغم أن اسرائيل ستحاول الحد من هذه المواجهة ولو بقتل وجرح آلاف المتظاهرين الفلسطينيين . فكل شيء يزعج اسرائيل ، حتى النضال السلمي ، لأنه يضعها في مواجهة أناس عزل ، حتى دون سكاكين ، وفي هذه الحال ستفقد عذر الإرهاب الذي تتذرع به أمام العالم . لأن من تواجههم هم أناس عزّل من كل شيء إلا من أعلام فلسطين وحناجرهم الصارخة بحقوقهم والرافضة للمحتل !
*****













(29)
* مبروك يا عارف !
- هل تصحبني معك لأحضر تقليدك الوسام من قبل الرئيس حبيبي !
تنهد عارف وصمت للحظات :
- يسعدني ذلك حبيبتي لكني لم أطلب اذنا باصطحابك ، رغم اعتقادي أن الرئيس سيسر لحضورك . ثم إنني لم ألتق الرئيس منذ 36 عاما وربما نسيني في خضم عمله .
- هل التقيت به من قبل ؟
- كثيرا . وأجريت معه لقاءات صحفية .. وعملت معه في مكتب دراسات كان يرأسه . وكتبت رواية عن هجرة اليهود بتكليف من المكتب . وكنت سأعمل معه في مشروع سياسي حينذاك ، لولا أنني تركت المكتب لخلاف مع مديره . وكان آخر اجتماع معه بحضور الرئيس عرفات حول ذلك المشروع . لم أره بعد ذلك إلا يوم حفل افتتاح مهرجان ثقافي فلسطيني أقيم في المركز الثقافي السوفياتي حينها .. كان ذلك في دمشق أواخرعام 1981.
- ولم تلتقيا بعد ذلك !
- لا أذكر . حدثت حرب 1982 . ثم الخروج من لبنان .. وأحداث كثيرة جرت ، و لم أذهب إلى تونس لظروفي الخاصة وليس لسبب سياسي.
- هل كنت مع اتفاقية اوسلو أم كنت ضدها .
- سياسيا كنت معها لأنه لم يكن هناك غيرها أمام الفلسطينيين نتيجة للظروف السياسية والموضوعية التي كانت سائدة حينذاك . بل ورأيت أن فيها حكمة ما للخروج من الوضع الذي وصلنا إليه . المشكلة أن أحدا لم يتصورما كان يفكر فيه بعض زعماء اسرائيل ، كنا نظن أن الدولة الفلسطينية ستقوم بعد خمس سنوات ، بينما يفكر بعض الإسرائيليين في عدم قيام دولة فلسطينية حتى بعد 25 سنة !
- ألا ترى أن لاغتيال رابين دورا ما في هذه المسألة !
- بل الدور كله ، والأمر نفسه ينطبق على اغتيال ياسر عرفات . وآمل أن لا يلجأ اليمين إلى الأمر نفسه في هذه المرحلة ويقدم على اغتيال أبي مازن .
- آمل ذلك . مع انني لا أثق باليمين الإسرائيلي بمختلف اتجاهاته .
- والفلسطينيون مختلفون ومنقسمون ، والمرحلة تتطلب وحدتهم وتضامنهم مع قيادتهم ، ممثلة بالرئيس عباس ، وكل ما هو غير ذلك خطأ حسب رأيي . التحرك الجماهيري السلمي الذي بدأ منذ قرار ترامب ويتصاعد اليوم أمر جيد .
قالت سارة بعد إطراقه :
- اوكيه حبيبي . لا أريد أن أكركبك في الذهاب معك . أتمنى لك لقاء سعيدا مع السيد الرئيس.
******
كان اللقاء حارا مع السيد الرئيس .. حضرعارف نذير الحق بصحبة وفد من مكتب الرئاسة اصطحبه لتقليد الوسام . عانق الرئيس بحرارة ، وفوجئ عارف بأنه ما يزال يذكره جيدا رغم كل هذه العقود المنصرمة. وذكره بكتبه الأخيرة التي وصلت مهداة إليه ، وسأله عن أحواله وصحته ، ثم قام بتقليده وسط حشد من المسؤولين ورجال الإعلام، وسام دولة فلسطين من رتبة " فارس فلسطين " ومما جاء في ديباجته " نظرا لبطولته الفذة في انقاذ عشرات الأطفال الإسرائيليين من الغرق ، ولدوره الرائد في الثقافة الوطنية الفلسطينية الإنسانية الهادفة إلى إقامة السلام بين الأمم ، وتحقيق قيم المحبة والخير والعدل والجمال ، وبناء الحضارة الإنسانية " وقام عارف بشكر السيد الرئيس قائلا :
" جزيل شكري سيادة الرئيس ، لهذا الشرف العظيم الذي أحطتموني به ، والذي سيهبني المزيد من العزيمة ، لمواصلة عملي الإنساني في خدمة شعبي ، والعمل الدؤوب لإقامة السلام بين الأمم ، متمنيا لكم دوام الصحة والعافية "
******
عاد عارف إلى البيت فرحا منشرح الصدر، ليتلقى مباركة سارة.. عانقها وقبلها كثيرا كما لم يقبلها من قبل . لم يترك جزءا من وجهها وشعرها وعنقها إلا وأمطره بالقبل وهو يحاضنها ويدور بجسدها على أرض الصالون.. وما أن جلسا حتى فاجأته قائلة :
- اتصل أبي يريد موافقتك على حضور حفل على شرفك يقيمه أطفال كيدار ومعاليه أدوميم ، بمشاركة أهلهم ومعلمي ومعلمات الأطفال ..
" اوه ! " ردد عارف بدهشة وأطرق مفكرا في الأمر ، وما لبث أن هتف :
- فكرة مدهشة أن يكون هناك حالة مناقضة للقتل والإجرام وإزهاق الأرواح وإدماء الأجساد، واعتقال الشباب والأطفال ، على مدار الأيام في الضفة وغزة من قبل سلطات الإحتلال ، لعلها تشكل نموذجا إيجابيا للتأسيس لعلاقات مختلفة بين الشعبين تسود في المستقبل . وإن كنت متخوفا من اتهامي بالعمالة والتطبيع مع الإحتلال ، وربما قتلي من قبل القوى المتطرفة لدى الشعبين . ما رأيك أنت ؟
- إنه أمر محير حبيبي.. فإن تقبّل بعض المتطرفين واقعة إنقاذك للأطفال ، فلن يتقبلوا أن تشارك أهلهم ومعلميهم في حفلات. ففي الجانب الفلسطيني سينظر إليها كخدمة للإحتلال والقبول به والتعايش معه، وفي الجانب الإسرائيلي ستعتبر تعايشا مع الفلسطينيين الذين ينبغي أن يطردوا من أرض اسرائيل التي وعدهم الله بها !
- كم هو فظيع هذا الوعد الأسطوري الذي يصدقه اليهود بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام على حدوثه ، بينما لا يصدقون وجود شعب ما يزال متمسكا بوطنه المغتصب بعد سبعين عاما على اغتصابه .
- أعتقد أنها أكبر مهزلة من مهازل التاريخ حبيبي !
- والمؤسف أن العالم يقبل بها ، ولا يسعى إلى نقضها !
- والآن ماذا سأقول لأبي ، هل ستوافق على إقامة الحفل ؟
- لا أعرف حبيبتي . لم أحسم الأمر بعد . قد أستشير الرئيس في الأمر ؟
- وأبي ما يزال متمسكا بدعوته الخاصة أيضا !
- للأسف الظروف لا تساعد .. هذه قد نعملها في وقت مناسب دون إعلام ودون معرفة آخرين . اعلام الإحتلال يجيّر كل عمل لصالح سلطة الإحتلال . وحفل كحفل الأطفال سيكون مادة عظيمة للترويج لنموذج التعايش الذي ينبغي أن يسود اليوم . وهذا ما حاولت سلطات الإحتلال أن تفرضه على واقع اوسلو !
- حبيبي ! طالما أننا نسعى إلى مستقبل أفضل للشعبين ، هل لك أن تقدّم لي تصوّرك لهذا المستقبل ؟
- لقد سبق وأن تحدثت باختصار مع أبيك عن هذا الأمر. مرحليا لا بد من إقامة دولتين ، دولة فلسطينية على حدود 64 عاصمتها القدس إلى جانب دولة اسرائيل. ومستقبلا قد تتحد الدولتان في دولة واحدة ..وإن شئت المدى الأبعد ، قد تتحول مع الأردن ومن ثم بلاد الشام كلها إلى دول متحدة . والمدى الأبعد منه ، قد يحدث هناك اتحاد يجمع الدول العربية كلها على غرار الإتحاد الأوروبي. العالم اليوم يتجمع في تكتلات ، ولن تكون هذه المنطقة من العالم بعيدة عن هذه الرؤية . وآمل أن يؤدي ذلك إلى وحدة أمم الأرض ذات يوم حسب ما أحلم !
- حبيبي دعنا الآن في أمر الدولتين . كيف ستحل مشكلة اللاجئين والمستوطنات مثلا .. هل سنزيل المستوطنات ليقيم فيها لاجئون فلسطينيون ؟!
- يمكن أن تبقى ، مقابل أن يعود بعض اللاجئين إلى بيوتهم وأراضيهم التي تركوها منذ عام 48 ، وأن تقام تجمعات سكانية لآخرين في اسرائيل .. وهكذا يكون استيطان مقابل استيطان إذا جاز لنا أن نسميه كذلك ، رغم أن عودة اللاجئين ليست استيطانا كون الأرض كانت لهم .
- وهل سيقبل الإسرائيليون الذين سكنوا بيوتا فلسطينية بإخلائها ؟
- يجب أن يقبلوا ، فهي ليست بيوتهم .
- وماذا عن اللاجئين الذين لن يعودوا ..
- لا بد من تعويض مادي يشمل الجميع ، من العائدين وغير العائدين ، لأنهم قضوا عقودا مشردين . يمكن أن يكون تعويض من يعود إلى بيته وأرضه أقل من تعويض الذي لا يعود .
- والتجمعات السكنية هل سيسمح بإقامتها للفلسطينيين في اسرائيل ؟
- ولماذا لا ؟ فالأرض أساسا هي فلسطينية رغم التلفيق الأسطوري الذي يستند إلى التوراة ، وينبغي أن يكون للفلسطيني الحق في أن يقيم في أي مكان فيها .
- وكيف سيعامل المقيمون في الجانبين .
- يخضعون لقوانين الدولة الحاكمة .
- وهل سيقبل الإسرائيلي أن يخضع لقانون فلسطيني ؟
- الأمر يتعلق بالأحوال المدنية غير الدينية .
- وماذا عن الدين ؟
- حرية االمعتقد تكون من حق الجميع ، من اليهووية إلى الإلحاد . بما في ذلك حرية الرأي والفكر.
- وماذا عن الجنسية .
- يمكن لمن يريد الإحتفاظ بجنسيته أن يحتفظ بها ويمكن لمن يريد أن يحمل جنسية الدولة التي يعيش فيها أن يحصل عليها !
- أليس هناك من حل غير هذا ، كأن يخلي المستوطنون جميع المستوطنات ليسكنها فلسطينيون ؟
- لن يكون الأمر سهلا على المستوطنين إلا بإرغامهم على القبول ، لكن المشاكل التي قد تنجم عن هذا الحل قد تكون اكثر مما سينجم عن الحل الأول . مع أن هذه الحلول ترقيعية حسب وجهة نظري . والحل المنطقي هو دولة واحدة للجميع كأن تحمل اسم " دولة فلسطين " أو " دولة فلسطين واسرائيل "
- ولماذا ليس دولة اسرائيل فقط ؟
- لأن الإسم دخيل ومصطنع ولا يعبر عن حقيقة تاريخية .
- مشكلة الدولة الواحدة قد تؤدي إلى أن يفوز الفلسطينيون بحكمها ، وهذا لن يرضي الإسرائيليين أو اليهود ..
- يجب أن يرضوا .. فالقبول بالدولة الواحدة يشير إلى ذلك ، خاصة وأن العرب سيصبحون أكثرية ، وربما أكثرية مطلقة في زمن قريب ، ويفوزون بحكم البلاد دائما ..
- مسألة معقدة !
- لم يعقدها إلا أصحاب النوايا الشاذة والعدوانية .
- ماذا عن استبدال أرض مستوطنة بأرض مستوطنة في اسرائيل ، حسب بعض ما يطرح ؟
- الأمر يتعلق بنوع ومساحة الأرض . ولن يكون هناك تكافؤ بين الأرضين ، فالأرض التي احتلتها المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية ، أرض مختارة بعناية شديدة ، وهذا ما لن يتاح للفلسطينيين ليختاروه من الارض الواقعة تحت حكم اسرائيل منذ عام 48 .
- أف! قد نحتاج إلى معجزة لحل قضيتنا !
- نحتاج فقط إلى نوايا جادة للتوصل إلى سلام يضمن الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين ، أما عن اسرائيل فيفترض أنه ليس لها أية حقوق في أرض ليست لها . ومع ذلك قبل الفلسطينيون بالأمر الواقع . وهذا ما يصر الإسرائيليون على تجاهله ، والتمادي في الهيمنة والتوسع على حساب الفلسطينيين .
- الحق معك حبيبي. ألن تتغدى ، لقد طهوت وجبة خرافية !
- ما هي ؟
- فخذ خروف في الفرن !
- فانتاستك ! هيا إلى الغداء . سنعمل سلطة !
*****










(30)
* يوم الحب والألم!
استفاق عارف على مكالمة هاتفية من زوجته الأولى تهنّئه فيها بالسلامة والوسام . ثم جاءه هاتف من صديقة فرنسية . وآخر من صديقة سورية ، ثم تلقى هاتفا من زوجته النمساوية ، تبعه آخرمن صديقة ألمانية، وقبل ان تبلغ الساعة الحادية عشرة صباحا كان قد تلقى قرابة عشر مكالمات من زوجتيه وصديقات سابقات . بحيث أطلق على يومه هذا يوم الحب والألم لتذكره بعض ماضيه وما جرّه عليه من أفراح وأتراح !
دهشت سارة وهي تستمع إلى المكالمات وتبادل المشاعر التي مرعلى بعضها عقود وما تزال الصداقة قائمة . تساءلت سارة بدهشه :
- حبيبي كيف استطعت أن تحافظ على علاقات طيبة مع مطلقتيك وبعض صديقاتك؟
" ههههههه " ضحك عارف وأجاب :
- هن من يحرصن على ذلك حبيبتي لأنهن طيبات .. أما أنا فكنت عاقاً وفاشلا في علاقاتي العاطفية ، كنت أقرب إلى عاشق بلا حدود !
- وما الذي دفعهن إلى الإبقاء على صداقتك ؟
- ليس هناك غير صدقي يا حبيبتي . كنت صادقا مع زوجتيّ وصديقاتي، وصادقا مع الناس . يمكن القول أنني كنت أعيش بوجه واحد أظهر به أمام الجميع .
- كيف ؟
- لا أكذب !
- ألم تكن تخاف المجتمع ؟
- لا أظن ! أو لم أكن مباليا على الأغلب، ثم إن نمط حياتي لم يكن معروفا للناس، وإن كان ذلك ينعكس في بعض أحلامي أحيانا وخاصة حين أقدم على أمرغير مألوف للناس، لكني مقتنع بصوابه . ليس هناك موقف يتناقض مع الأعراف الظاهرة للمجتمع إلا وله ثمن شخصي يدفعه المرء بدرجات متفاوته . ربما من كان بلا إحساس لا يكترث للأمر ، وخاصة فيما يتعلق بالدين وحريّة المرأة والجنس !
- ماذا تقصد بالأعراف الظاهرة للمجتمع؟
- ظاهرالمجتمعات المتدينة غيرباطنها ، فالظاهر تدين وأخلاق عالية ، والباطن أمرمختلف ، تقدم فيه النفس على ما يلبي رغباتها حسب ما يتاح لها.. معظم الناس يصلّون ليس بدافع الإيمان ، بل بدافع الخوف من عذاب جهنم ، أو التكفير والإلحاد وما شابههما من قبل المجتمع . ما يجعلهم يحيون في ظل رهاب ديني اجتماعي.
- أليس هناك من يصلّي بدافع الذهاب إلى الجنّة أو غايات أخرى كالإيمان مثلا ؟
- أعتقد أن هؤلاء الفئة الأقل في المجتمعات .
- لنعد إلى الصدق . هل بوسعك أن تذكرلي مثلا عن صدقك مع النساء !
- لماذا هذا الإحراج حبيبتي ؟
- هل تخجل منّي ؟
- لا ، لا أخجل ، المشكلة الآن أنني لست الرجل الذي كنته في ما يخص علاقتي بالمرأة ومسائل أخرى ، أكاد أن أكون زاهدا في كل شيء، ومنذ قرابة عقدين من الزمن . حياتي بعد سن الأربعين بدأت تتغيرإلى حد كبير . سأذكر لك بعض القصص. حين أحببت ذات يوم روسية خارقة الجمال اسمها جينيا ، كنت في موسكو حينها ، وفي حدود الثامنة والعشرين من عمري وهي في التاسعة عشرة ، سألتني قبل أن تقيم علاقة معي " هل أنت متزوج؟" قلت لها ما لم تتوقعه " أنا متزوج وأحب زوجتي ، وكلما أحببت غيرها ، أحببتها أكثر" أدهشتها الإجابة المعقدّة التي لم تسمع مثلها من قبل . تغدينا معا.. ومن ثم ذهبنا لممارسة الحب !
- فعلا . أمر غريب ، لكنه ينم عن صدق ذكوري . لكن كيف تعرفت إليها ؟
- أعجبني تعليقك " صدق ذكوري " فأنا كنت ابن الذكوريّة وتربيتها، وإن حاولت التخلص مما أورثتني ! أمّا عن التعارف ، فقد كنت أتجول في معرض لمنتوجات مختلفة للجمهوريات السوفيتية .. ولفت انتباهي جمال فتاة ترتدي ملابس صفراء كملابس رواد الفضاء . تحرشت بها بالإنكليزية متسائلا عما إذا كانت تجيدها ؟ أجابت بعد أن لمست طريقتي المهذبة في التحرش: أجل ! قلت لها: أنا سائح ولا أعرف شيئا هنا ، فهل بإمكانك مرافقتي لمساعدتي؟ قالت : بكل سرور!
- وماذا أيضا ؟
- حين قررت فتاة نمساوية أن تقيم علاقة حب معي ، قلت لها حتى لا تبدو ذات يوم وكأنها مخدوعة أمامي : أنت لست الأولى ولن تكوني الأخيرة ، فهل تقبلين إقامة علاقة حب معي على هذا الأساس ؟ قبلت . لكنها سألتني : وماذا عنّي أنا ؟ قلت لها أنت مسؤولة عن نفسك بالتأكيد وحريتك بيدك !
- ماذا حدث بعد ذلك ؟
- مارسنا الحب كالعادة ، لكن ، وحين سافرت لبضعة أسابيع ورجعت ، سألتها عما إذا مارست الحب مع أحد خلال سفرها . قالت أنها مارسته مع رجل . ولم أجد نفسي إلا وأنا أبكي من أعماقي ! فوجئت بالأمر . لم تتوقع أن يكون الأمر مؤثرا عليّ إلى هذا الحد . تأسفت وقالت أنها لن تفعلها ثانية . قلت لها وأنا أبكي : أنت تمارسين حقك في الحياة في أن تكوني حرة يا حبيبتي ، وأنا مع هذه الحرية ، لكن هناك ثمن أورثنا إياه المجتمع الذكوري ، وينبغي أن ندفعه ، ونتحمل فيه عواقب سعينا إلى التحررمنه ! أنا لست عطيل ، وأنت لست ديدمومنة ! نحن بشريا حبيبتي ولنا أهواؤنا وأمزجتنا وتطلعاتنا ورغباتنا ، وينبغي أن نعيشها قدرالإمكان دون الإساءة للآخر، حتى لو كانت تتناقض مع أعراف اجتماعية بالية ، وتربية ذكوريّة متخلفة !
ضمت سارة رأس عارف إليها وقبلته . تساءلت :
- كيف تعرفت إليها ؟
- كانت تسأل عني في دمشق وتحمل كتابا مترجماً إلى الألمانية يحتوي بعض قصصي ، فهي كانت تعد رسالة ماجستيرعن القصة الفلسطينية .
- هل هي من تزوجتها ؟
- أجل !
- يبدولي أن الغيرة الجنسية غريزة في الإنسان أكثر مما هي اكتساب مجتمعي .
- صحيح . لكن التربية قد تساعد على تنميتها أو الحد منها . فلا يعقل أن يقدم رجل على قتل زوجته لمجرد الشك أو حتى الخيانة الزوجية . وجرائم القتل الأخرى التي ترتكب ضد الأخوات والبنات بدوافع الشرف، لها علاقة ما بالغيرة أيضا وليس بالشرف! ويندر أن نجد رجلا قتل من قبل امراة بدافع الغيرة أو الشرف . فالمرأة قادرة على تحمّل غيرتها على الرجل .
- ربما تبكي كما حدث معك حبيبي. إنها ردة فعل جميلة وإنسانية كما أرى !
- ليس هناك ما هو أصعب من أن يكون الإنسان منسجما مع فكره . المجتمعات لا تخرج من حالة اجتماعية أو نظام اجتماعي محدد ، إلا بثورة ، أو شبه ثورة . كم من الصراعات والثورات وشبه الثورات حصلت في أوروبا ، لعزل الدين عن الدولة ، وتحريرالمرأة من حزام العفّة الفظيع الذي فرضته عليها الكنيسة والمجتمعات الذكوريّة ؟
- لم أسمع عن هذا الحزام وأكاد لا أصدق أنه كان يستخدم !
- بل كان يستخدم وعلى نطاق واسع عند خروج المرأة من البيت أو غياب الرجل، وخاصة من قبل المحاربين المشاركين في الحروب . كانوا يرغمون زوجاتهم على ارتدائه وإقفاله بقفل حديدي يحملون مفتاحه معهم !
- أمر فظيع ، أقرب إلى الأساطير! كيف كانت المرأة تحتمل كل هذا العذاب ، خاصة وأن المحارب قد يغيب شهورا وربما سنة عن البيت ؟
- أكيد كانت حياتها مأساة وخاصة مع اللواتي يوضع عليهن حزام حديدي وليس جلديا!
- هل كان العرب يستعملونه ؟
- لم يرد ما يؤكد استخدامه على نطاق واسع ، ليصبح حالة اجتماعية كما في أوروبا وحتى الصين والهند حسب ما قرأت ، وإن قيل أن الأشوريين والفراعنه استخدموه . ربما استخدم بشكل محدود. تروى في بلدتنا طرفة عن أحد الأجداد ، أنّه أخاط فرجي زوجتيه حين ذهب إلى الحج . وكانت إحداهما عفيفة والثانية ليست كذلك ، فقامت هذه بفك الخيوط ومارست الجنس. وحين عاد الحاج ، استقبلته زوجتاه بالرقص والغناء وضرب الدّف. غنّت غيرالعفيفة قائلة " من فرحتك يا بوعلي وتقطعن قطبانه " وغنّت العفيفة " من فرحتك يا بو علي برقص وقطبانه فيه "
راحت سارة تضحك .. تساءلت :
- ألم يكن هناك حزام عفّة للرجل ؟
- قرأت أن الكنيسة فرضت ذلك أيضا على الرجل في أوروبا حتى لا يمارس العادة السّريّة ، وأشك في أن يكون الأمر قد طبق على نطاق واسع ! ربما من قبل رجال محدودين كان للمرأة سلطة عليهم .
الجنس في الحضارات القديمة كالسومرية والبابلية كان يمارس بشكل جماعي في المعابد كطقس مقدس، للتقرب إلى الآلهة ، وهذا يعني أنّه كان يحمل شعوراً روحياً ، وكانت عذرية الفتاة تهب للآلهة ، كما في عبادة عشتار ، حيث كانت العذراء كما يروى تجلس في المعبد أو أمامه منتظرة أول قادم ليفض بكارتها ، كنوع من التقدمة القربانية للإلهة !
- كيف تتصور العلاقات الإنسانية في المستقبل ، فيما يتعلق بالحياة الزوجية والجنسية ومسألة التكاثر ؟
- تطرقت إلى ذلك في بعض كتاباتي . الحياة المادية تطغى على علاقات البشر ، بحيث تكاد الرومانسية والروحانية وحتّى الإنسانيّة بمفهومها الواسع، أن تنتهي من العلاقات الإجتماعية . تصوّرت مجتمعات تنقرض فيها الحياة الزوجية ، لمعظم الناس . وأن التكاثر فيها يتم بوسائل صناعية ، أو عبر نساء مختارات مخصصات للإنجاب ،يطلق عليهن الأمهات ، يمارس الخصب معهن أيضا رجال مختارون ، وتكون الغاية من الممارسة هي الإنجاب. إنها مجرّد تصورات، فلا أحد يمكنه أن يدرك بالضبط ، نمط العلاقات الإنسانية في مجتمعات ما بعد ألف عام أوأكثر .. حتى الآن ما تزال المؤسسة الزوجية هي الأمثل لتكاثر المجتمعات ، والعلاقات الحرّة تظل محدودة ، وإن كانت تكثر مع تقدم الزمن . العالم يفكر منذ عقود في إيجاد مجتمعات بعقول متفوقة ، لا أحد يدرك بالضبط ما نمط العلاقات التي ستنجم عن هذه العقول . يمكن أن يتحوّل الشعور الجماعي إلى شعور انساني .. المسألة تتعلق بنوع العواطف والمشاعر التي ستنتج عن علاقات حرّة.
- ألا يمكن لفكر فلسفي كفكرك مثلا يمكن أن يفرز مجتمعات إنسانية ؟
- المسألة تتعلق بمدى صواب الفكر وأخذ الناس به ، فإذا ما ثبت للبشر ذلك ، وأخذوا به ، سينجم عنه علاقات إنسانية عظيمة تخدم الإنسان وتبني مستقبله .
*******






















(31)
* نوم عذري!
- ألا تفكر بكتابة سيرة حياتك حبيبي ؟
- راودتني الفكرة كثيرا لكني كنت أهرب منها ولا أعرف لماذا ، ربما لأنه ليس في مقدوري أن أتطرق بصدق لكل شيئ عشته . سأفعل كما يفعل الكتاب ، عدم الدخول في العمق ، سأكتب عن تشردي من القدس إلى عمان، ثم إلى لبنان فسوريا فعمان من جديد، ومن ثم محطتي الأخيرة العودة إلى الضفة بمساعدة السلطة الفلسطينية .
- منذ متى عدت إلى الضفة .
- منذ قرابة ستة أعوام . غادرت دمشق على أثر الأحداث التي نشبت فيها ، تاركا خلفي تعب أربعين عاما من المؤلفات والمخطوطات واللوحات والمنحوتات والتحف والكتب .. مكثت في عمان بضعة أشهر إلى أن أتيح لي القدوم إلى هنا .
- لكن لماذا ليس في مقدورك الدخول في العمق إذا ما كتبت عن حياتك ؟
- غير ممكن حبيبتي . الحياة التي يكتب عنها المؤلفون ، هي ليست الحياة التي يحياها المؤلفون أنفسهم أو الناس الذين يكتبون عنهم . عندي رغبة في أن أكتب عن الإنسان كما هو ، وبكل تفاصيل حياته وتطورها ، وليس كما يصوّرها الكتاب في مؤلفاتهم . وهذه دون شك مسألة صعبة وخاصة فيما يتعلق بالحياة الجنسية وبعض الجوانب الإجتماعية والسياسية للشخصيات . لن يتقبل الناس رؤية أنفسهم على حقيقتها . ذات يوم جاءني قارئ برواية لي وقد مزقها إلى نصفين لأنه رأى فيها ما يذكره بنفسه في حالات يكرهها ! على أية حال إن كتبت سأركز على تطور فكري مما هو أقرب إلى الصفر حتى المطلق الذي لا يحدّه شيء .
- وهذا هو المهم حبيبي !
- لا أعرف الزمن يدركنا بجبروته ، بحيث لا نجد متسعا إلا لقول ما نراه الأهم في كل مرحلة من أعمارنا .. ثمة روايات كثيرة لم أكتبها لأن الظروف لم تتح لي ذلك . أحيانا كنت أكتب عن مسألة وأنا أفكر في أخرى ينبغي الكتابة عنها ، لأجد نفسي أتجاوز مسائل كثيرة لأكتب عما أفكر فيه . لذلك تجدين لي روايات شرعت في كتابة فصول فيها ثم تخليت عنها . وثمة روايات كتبتها ولم أنشرها .. وهناك مقالات وأبحاث لم يتقبل أحد نشرها تتعلق بالمعتقدات ، نشرت بعضها على النت فيما بعد .. الرسم أخذ قرابة عقدين من عمري لأنني كنت أعيش منه بكرامة ، عكس الكتابة التي تذهب فائدتها إلى الناشرين ، هذا إذا كان هناك فائدة ! وبالكاد يحصل الكاتب على ما يرفع معنوياته لأن يستمر فيها ! دعينا نرى ماذا يجري في العالم .
كان صدى انقاذ الأطفال الإسرائيليين ما زال يتردد في الصحافة العالمية وعلى الشبكة العنكبوتية بعد مرور قرابة ثلاثة أسابيع عليه . أطرف المقالات تحدث عن " عارف نذير الحق الرئيس القادم للسلطة الفلسطينية بلا منازع "! شرع عارف في الضحك، فهو لم يفكر يوما في أن يكون زعيما ، ولا يعرف كيف فكر الكاتب في الأمر فيما لو قام هو بترشيح نفسه ! مقال آخر يتحدث عن التأثير الإيجابي الذي ما زال يتفاعل في المجتمع الإسرائيلي ، ليؤثر في الرأي العام الذي بدأ يطالب باستئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية . مقال آخر لا يعرف كيف سرب إلى الصحافة ليثير ردود فعل مختلفة " حفل على شرف نذيرالحق يقيمه ذوي الأطفال الإسرائيليين " تساءل عارف:
- من قام بتسريب هذا الخبر حسب رأيك سارة ؟
- لا أعرف . ربما له غاية !
- ماذا يمكن أن تكون ؟
- يريد أن يرى ردود الفعل . أليس هناك مصدر للخبر ؟
- حسب ما يتردد بين سكان كيدار ومعاليه أدوميم ! كما أنه لم يحدد تاريخ الحفل إلا بالإشارة إلى الأيام القريبة القادمة .
- هذه إشارة إلى أنك لم توافق على الحفل بعد .
- ممكن ! وهذا خبر عن حركة السلام الآن يتطرق إلى أنها بدأت تحشد للقيام بأكبر مسيرة في تاريخ اسرائيل تطالب بالسلام وإقامة الدولة الفلسطينية .
- جيد ! سأتصل بكل صديقاتي وأصدقائي لنساعد في الأمر . هل ستشارك معنا حبيبي ؟
- لا أعرف ! ممكن !
- وماذا بعد ؟
- هناك مقالات تتطرق إلى احتمال اغتيالي من قبل جهات متعددة اسرائيلية وعربية، لأنني بدأت أشكل خطرا على أطراف مختلفة حتى خارج فلسطين !
- حبيبي أخفتني ! لماذا لا تطلب حماية من السلطة ؟
- حتى لو وافقت السلطة على حمايتي ، فلن يكون في وسع الحماية أن ترافقني أينما ذهبت ، ثم إنني لا أرغب في ذلك ، تصوري أن يكون معنا أنا وأنت حماية ترقب كل حركة نقوم بها، وربما تحصي القبلات التي سنتبادلها، حين نذهب إلى التجوال في البريّة !
- غير معقول حبيبي .
- أريد شيئا الآن قبل أن أنسى !
- ما هو حبيبي ؟
- أن أكتب وصيتي لعلها تنفّذ!
ضمت سارة عارف وعانقته " حبيبي إنك تخيفني"
- لا تخافي حبيبتي . ينبغي أن تواجهي الأمر بشجاعة .
- ماذا ستكتب في الوصية ؟
- أن أدفن في أعلى مكان في ظهرة المغرة . وأن تحضرالسلطة من دمشق محتويات بيتي من لوحات ومنحوتات وتحف ومخطوطات ومؤلفات وكتب، وتحتفظ بها في بيتي هذا .
نهض عارف وجلس إلى مكتبه وشرع في كتابة الوصية على ورقة ، وسارة تقف إلى جانبه . وما أن فرغ منها حتى استأذنته سارة بإضافة جملة إليها. تساءل عارف عمّا ستكتبه في وصية تخصه ، فكررت رجاءها . أعطاها عارف القلم ، لتنحني وتكتب أسفل ما كتبه، وباللغتين العبرية والعربية :
"وأرجو أن أدفن إلى جوار حبيبي عارف نذير الحق في حال وفاتي"
وكتبت كامل اسمها " سارة يعقوب سليمان " ووقعت أسفله .
وكتبت العبارة نفسها على ورقة مستقلة وضعتها في جيبها ..
ضم عارف سارة إليه ، وعانقها بحرارة ، وهو يتساءل عن اصرارها الذي لا يصدّق ، ودمعتان تنزلقان من عينيه ، لتخالجا الدموع التي راحت تهطل من عيني سارة .
مر على عناقهما وتحاضنهما لحظات أكبر من الكلمات لأن تعبر عنها . همس عارف :
- تأخر الوقت حبيبتي . يجب أن ننام لننهض مبكرا .. اشتقت إلى البريّة ، سنذهب غدا لنمرح في الربيع ونلتقي مع الحجل !
وهمست هي:
- غدا مساء سأعود إلى منزلي لأنني سأذهب في اليوم التالي إلى الكليّة لأنظر في أمر استئناف عملي. لي عندك رجاء هذه الليلة !
رفع عارف رأسها لينظر في عمق عينيها متسائلا . همست :
- أريد أنام في حضنك !
همس وهو يعيد ضم رأسها إلى رأسه:
- ليت لي قلبا بحجم حضن لأحتويك فيه لما تبقى من عمر.
نهضا إلى السرير. مد عارف يده اليسرى على المخدة . ألقت سارة رأسها عليها وهي تمد يدها اليمنى لتحضن رأس عارف ، وتطوق جسده بيدها اليسرى ، وهو يطوق جسدها بيده اليمنى . ويخلدا إلى النوم متحاضنين ، ليناما كما لم ينم عاشقان عذريان من قبل !
*****




















(32)
* قبلات بلا حدود!
تألقت الشمس أعلى قمم الجبال الشرقية مرسلة خيوط أشعتها لتتكسر على أبراج الكنائس والمآذن وقبة الصخرة في المدينة المحاصرة بأسوار الفصل العنصري وعشرات الحواجز العسكرية التي أحالت المدينة إلى سجن كبير، فيما كان عارف نذير الحق يعدو خلف سارة محاولا اللحاق بها وهي تعدو جامحة كمهرة قطع عنانها ، عبر بطاح زهت بألوان الأقحوان وشقائق النعمان ، وأينعت فيها النباتات والأعشاب لتعبق متفوّحة برائحة الزعتر والميرمية والشيح والقيصوم !
توقفت سارة مراوحة في مكانها إلى أن لحق بها عارف . أشرعت حضنها له فألقى بنفسه عليها وهو يحتضنها ويقبلها محاولا التقاط أنفاسه .
- تعبت حبيبتي !
- هل تحب أن نستريح قليلا ؟
- لا حبيبتي ! سأمشي بخطى سريعة أو أجري حسب استطاعتي ، وأنت بإمكانك متابعة جريك إن شئت ، لكن لا تحرميني من قبلك بين مسافة وأخرى !
" حبيبي "
وشرعا في تبادل القبل !
لفت انتباههما صوت طائرة مروحية قادمة من الغرب على ارتفاع منخفض. توقفا للحظات وهما يرقبان الطائرة تمرعلى مسافة غير بعيدة عنهما متابعة طيرانها نحو الشرق ، وكان في مقدورهما أن يريا أكثر من شخص فيها ..
تساءلت سارة عما إذا كانت هذه طائرة استطلاع وإلى أين تذهب .
- لا أعرف ! ربما متجهة إلى أحد المعسكرات في الخان الأحمر أو البقيعة .
تجاوزت الطائرة مستوطنة كيدار وتابعت توغلها وانخفاضها نحو الشرق لتختفي في وادي الدكاكين كما بدا له! شك عارف في أمرها وما لبث أن تجاهلها، حين رآها بعد لحظات تظهر وتتابع طيرانها نحو الشرق ، لتختفي ثانية خلف هضاب المنطارالشمالية في اتجاه جوايف شرف والبقيعة والبحر الميت .
تابعا طريقهما .. شرعت سارة في الجري هرولة . انطلق عارف بخطوات سريعة تارة وهرولة تارة أخرى . كانت تتوقف بين كل مسافة تقطعها وأخرى، وتراوح في مكانها إلى أن يلحق بها عارف. تعانقه وتهرول إلى جانبه للحظات ثم تعدو بضعة أمتار لتسبقه وتنتظره ..
كان علي يسرح بقطيعه على سفح الهضبة التي يجتازانها .. تساءلت سارة عما إذا كان هذا قطيعه . أجابها عارف إنه هو . راحت تعدو نحوه . صافحته وراحت تبحث عن خروف صغير تداعبه . نجحت في الإمساك بخروف .. حملته في حضنها وشرعت تقبله على رأسه . وصل عارف.
- سلامات يا علي.. يعطيك العافية .
- هلا يا عم . الله يعافيك ! أين تمضيان يا عم ؟
- سنصل إلى عزبتنا ونعود بعد العصر .
- ألن تتغديا ؟
- لم نحضر طعاما يا عم ، سنأكل حين نعود .
- غداؤكم علي اليوم يا عم . سأذبح لكما خروفا أو جديا ، حسب طلبكما .
- يكثر خيرك يا عم ، يكفي ما فعلته للمهنئين !
- ذبائح غداء المهنئين دفعت لي ثمنها يا عم . أريد أن أقدم ذبيحة على شرف سارة لأفرح بكما !
- تشكر يا عم ! سأسأل سارة !
- حبيبتي علي يدعونا للغداء ما رأيك !
- يسعدني أن ألبي دعوته حبيبي!
- شكرا سارة . أنا سعيد بصداقتك لعمي.
- يجعل أيامك كلها سعادة يا علي.
- هل تحبان أن نحضر لكما الغداء إلى العزبة .
- ممكن لكن ليس قبل الساعة الثانية . وإذا غيرنا رأينا وعدنا قبل ذلك، سترانا ، فإما أن نذهب إلى بيتكم أو تحضروا الغداء إلى بيتي .
- حسنا يا عم . ماذا تفضلان ؟
- ما تريده أنت يا عم .
- سأذبح خروفا .
- ليكن ياعم . خاطرك .
- في رعاية الله يا عم . هل تفضلان الخروف مقليا أم مشويا ؟
- كما تشاء يا عم ، إلى اللقاء.
إلى اللقاء
*****
تلقت سارة مكالمة من أبيها يسألها عمّا إذا كان عارف قد وافق على الحفل. فأخبرته أن ليس بعد ، وأنها الان مع عارف في جولة رياضية في البريّة ، وأنهما الآن على مقربة من كيدار !
تابع عارف وسارة رياضتهما ليجتازا مستوطنة كيدار نحو الشرق . لم يتوقفا إلا عندما بلغا بئر امداسيس. جلسا متجاورين على صخرة شبه مستطيلة إلى جانب فوهة البئر، التي علت محيطها قاعدة مستديرة من الإسمنت المسلح والصخور، إلى جانب حوضين صخريين يسكب فيهما الماء لإسقاء المواشي والأغنام . وكانت قناتان تمتدان بعيدا على سفح هضبتين متقابلتين غربا وشرقا ، لتجلبا مياه الأمطار إلى مصفاة البئر، لتلج منها عبر كوّة في القاعدة إلى عمق البئر . كانت القناتان تستندان إلى حجار كبيرة نسبيا مرصوفة إلى جانبيهما لتمنعا تسرب الماء إلى خارجهما .
هتف عارف وهو يلقي نظراته على الحوضين والمصفاة وباب البئر الذي كان مغلقاً بباب حديدي.
- لو أردت أن أحدثك عن ذكريات الطفولة على هذه البئر لربما احتجت إلى أيام لأرويها كلها . هذه البئر شهدت الكثير من المشاجرات بين العائلات على الماء، والمغازلات بين العشاق ، وخيانة بعض الزوجات والأزواج ، وغسيل الملابس وأكياس الخيش ، وورود القطعان والمواشي ، واستقاء الماء، وصيد العصافير ، والإستحمام ، والسباحة في البئر ، وصلوات الإستسقاء، ورضع الحليب من أضرع المعز، وحلب النعاج لتناول الغداء ، وقيلولة الأغنام على صدرالبئر ومزبلتها ، وممارسة لعبة الأزواج والعريس والعروسة والعادة السرية بين الأطفال ، ونكاح الخيول والحمير والأغنام في فصل السفاد ، وثغاء المعز والنعاج ، ونباح ومشاجرات كلاب الرعاة ، وغير ذلك كثير، مما يمكن أن يروى ، ومما لا يمكن أن يروى حتى لو كان الكاتب أنا !!
راحت سارة تضحك وهي تردد :
- أي تاريخ شهدته هذه البئر .
- مكانك هنا يا حبيبتي كانت تجلس فاطمة لتشمر ثوبها عن فخذيها البضين وتسألني وأنا أقف في مواجهتها على أرض المصفاة.
- كيف افخاذي؟ حلوين ؟
فأقول وأنا الطفل المراهق الخجول المتأجج شهوة " حلوين " ولوأنني كنت قادرا على مواجهة خجلي لقلت " طيروا عقلي من حلاتهم "
وفي هذه المصفاة يا حبيبتي كنت أكمن بنقيفتي للعصافيرالتي تأتي في حرالقيظ لتشرب الماء . فما أن يقف العصفور على حافة الحوض أو على فوهة البئرأو حتى على حجر في القناة على بعد أمتار، حتى أنقفه بحصوة من نقيفتي ترديه صريعا . كنت ماهرا في الصيد بالنقيفة ويندر أن أخطئ عصفورا ، ومعظم إصاباتي كانت في الرأس! الله لا يسلمني كم كنت سفّاحا للعصافير !
ضحكت سارة وهي تتساءل:
- أين حجلاتك يا حبيبي لم أرها اليوم ؟
- أعتقد أنها لم تستشعر وجودنا بعد ، ثم إنها تفضل الأودية والأخاديد والجوف. نحن على مسافة مئات الأمتار من عزبتنا .. سنرتاح قليلا فيها ونفكر إن كنّا سنبقى لنتغدى هناك أو نعود.. أعطني قبلة !
*******
أطرق عارف للحظة وعاد لمعانقة سارة ثانية بحرارة، وتقبيل عينيها ووجنتيها وعنقها ويديها وهو يردد " أحبك " . في الليلة الماضية لم تسعفه أحضانها من حلم عابر، رأى فيه بوادراغتياله لتطرقهما إلى الإغتيال قبل النوم . فقد رأى رجلا يلوح في وجهه بمسدس ويقول له " منيتك قربت يا عارف " لم يكترث للحلم ولم يخبر سارة عنه ، لكنه تذكره الآن وهما يهمان للذهاب إلى العزبة .
أحست سارة بأن عارف واقع تحت شعور مقلق .
- حبيبي هل تشعر بشيء .
- لا حبيبتي مجرد شعور سخيف . هيّا للنهض.
- حبيبي أرجوك انس الإغتيال . لن يقدم على اغتيالك وأنت في أوج شهرتك إلا أحمق .
ابتسم عارف وهو يردد:
- المشكلة أن معظم القتلة حمقى يا حبيبتي!
انطلقا نحو مدخل وادي عزبة مشتى المخالدة .. شرعت سارة في البحث عمّا يمكن أن يؤكل بين الأعشاب والنباتات البريّة التي عرفتها من جولة سابقة ..كان عارف يسبقها بضعة أمتاردون أن يبحث عن شيء بين الأعشاب. فاجأتهما بضع حجلات تفر مذعورة في اتجاه معاكس . بعض الحجلات كاد أن يصطدم بعارف . لم تكن الأم مع الطيور كما يبدو وإلا لتوقفت عنده .. لوحت سارة للحجلات وهي تتجاوزهما لتحط على مسافة خلفهما ، واستغرب عارف هذا الأمر غير المعتاد، وتابع سيره، فيما تابعت سارة بحثها بين الأعشاب خلفه. وحين أصبح عارف أمام باب كهف أحمد خليل، في مواجهة جدران عزبتهم، على مسافة تقارب خمسين مترا، أطلقت عليه زخّة رصاص من مدفع رشّاش ، كان مطلق النار يكمن خلف أحد جدران العزبة . ترنح جسد عارف دون أن يسقط ، وقد اخترقته ما لا يقل عن عشر رصاصات. ألقت سارة ما في يديها من أعشاب وهرعت صارخة نحو عارف. تهاوى جسد عارف على الأرض فاقدا الحياة . انطلقت بضع رصاصات أخرى لتخترق جسد سارة .. سقطت على مقربة من عارف . حبت بكل ما بقي فيها من أثر لحياة، لتتمسك برجلي عارف وتزحف عليهما ، لتلفظ أنفاسها الأخيرة ووجهها على وجهه . وليطلق القاتل زخة رصاص أخيرة على الجسدين . وينطلق هاربا في الوادي نحو الشرق.
******
سمع علي صوت اطلاق النار وعرف مصدره ، وهو يدرك أن عمه وسارة هناك ، وأنهما على الأغلب من استهدفا بإطلاق النار. صعد إلى قمة هضبة وشرع ينادي الأقارب وأبناء البلدة .. تنادى الرعاة وتناقلوا نداءه من راع إلى راع ليبلغ أسماع الناس . وسمع سكان مستوطنة كيدار وعلى رأسهم يعقوب سليمان ، الذي راح يتمنى في دخيلته أن لا تكون النار قد أطلقت على عارف وسارة . أخبر زوجته بالأمر وراح يعدو نحو الشرق . فيما كان علي يعدو بدوره .
سبق علي يعقوب في الوصول إلى الجثمانين . توقف يبكي ويندب عمه الحبيب الذي ستفتقد البريّة وقع خطاه بعد اليوم. وحين وصل يعقوب شرع معه في البكاء دون أن يعرف أحدهما الآخر. غير أن علي أدرك من القبلات التي طبعها يعقوب على جبين سارة وهو يردد اسمها أنه والدها ..
خابر يعقوب راحيل لتطلب الإسعاف . وهرع كثيرون من المستوطنة ومن أقارب عارف .
كانت بركة دماء قد تشكلت حول الجسدين .أشار يعقوب إلى الجميع أن ينتظروا قدوم الإسعاف ليقل الجثمانين إلى المستشفى .
أقبلت مروحية اسعاف بمرافقة مروحية شرطة جنائية بعد قرابة ساعة . حملت مروحية الإسعاف الجثمانين بمرافقة يعقوب وعلي إلى مستشفى هداسا ، فيما راح رجال الشرطة يبحثون عن الرصاص مكان القتيلين، وعن الطلقات الفارغة في المكان الذي أطلقت منه النار... وتفرق باقي الناس عائدين إلى بيوتهم ، ليرفع ذوي عارف الرايات السود على أسطح منازلهم حدادا على فقيدهم الكبير.
*******









(33)
* ما قبل الوداع .
ما أن تداولت وكالات الأنباء ومحطات الإذاعة والتلفزة نبأ اغتيال عارف نذير الحق وسارة سليمان ، حتى انتشر الخبر في كافة أنحاء العالم ، لتتوالى ردود الفعل المنددة والمستنكرة للحادث . بعض ردود الفعل العربية والفلسطينية اتهمت اسرائيل بأنها وراء الإغتيال ، غير أن ناطقا رسميا باسم رئاسة الوزراء الإسرائيلية أعلن " شجب واستنكار دولة اسرائيل لحادث الإغتيال الفظيع ، الذي تعرض له داعية السلام الكبيرعارف نذيرالحق وصديقته الإسرائيلية سارة سليمان " وأكد على أن الدولة " ستبذل كل جهودها بالتعاون مع السلطة الفلسطينية لمعرفة الجاني ومن يقف خلفه والدوافع وراء الإغتيال "
هذا التصريح للناطق الرسمي أربك جميع الذين اتهموا اسرائيل بالوقوف وراء الإغتيال ، بما فيهم السلطة الفلسطينية التي اتهمت اسرائيل بالوقوف وراء الاغتيال ، وأنها "سعت باغتياله إلى اغتيال عملية السلام نفسها ، بعد أن أصبحت مطلبا للرأي العام في اسرائيل على أثر انقاذ عارف نذير الحق لعشرات الأطفال الإسرائيليين من الغرق "
آخرون اعتبروا الحدث جنائيا وربما أقدم عليه أحد ذوي عارف نفسه " لوقوعه في شباك فتاة اسرائيلية كانت في الغالب تتجسس عليه ، أو أحد ذوي سارة لمعارضته للحب بين يهودية اسرائيلية وعربي من غير دينها " وآخرون عزوه إلى جهات اسرائيلية متطرفة دينيا ، أقدمت على قتل عارف وصديقته لأسباب كثيرة منها "كتاباته الناقدة للتوراة اليهودية وسعيه لإقامة دولة لا دينية تجمع العرب والإسرائيليين "
متحدثون كثر على شاشات التلفزة وعبر الإذاعات أو في مقالات صحفية ، تطرقوا إلى جهات مختلفة لها مصلحة في اغتيال عارف وصديقته اليهودية ، التي أثبتت التحقيقات الأولية أنها لم تقتل بالخطأ ، وأن قتلها كان متعمدا . ومن هذه الجهات بعد اسرائيل :
- المتطرفون الإسلاميون الذين كفّروا عارف واتهموه بالإلحاد ، والإرتداد عن الدين الحنيف .
- المتخوفون من "وصول عارف نذير الحق إلى زعامة السلطة الفلسطينية وقيادة حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية " بعد أن تطرقت مقالات وسرت شائعات تتحدث عن الرئيس القادم للسلطة الفلسطينية بعد رحيل محمود عبّاس.
- المتطرفون الفلسطينيون الذين يريدون " القضاء على دولة اسرائيل وتحرير فلسطين من نهر الأردن والبحر الميت شرقا، إلى البحر الأبيض المتوسط غربا ، وإلقاء ما تبقى من يهود في البحرلتأكلهم أسماك القرش "
- جهات عربية رأت أن " فكر عارف نذير الحق العلماني الإلحادي قد بدأ ينتشر في أوساط الشباب العربي من المحيط إلى الخليج ، وأنّ وجوده يشكّل خطرا كبيرا على تراث الأمة العربية وثقافتها الخالدة "
التحقيقات الأولية أثبتت أن عارف نذير الحق قتل على مسافة أمتارمن عزبة أسرته . وأن القاتل كان يكمن خلف أحد جدران العزبة ، وأنه واحد على الأغلب وليس أكثر . وهذا يعني أن الجهات الواقفة وراء الإغتيال كانت تعرف أن عارف يتردد على العزبة حيث عاش طفولته ، مما يشير إلى أن عارف كان مراقبا من قبلها.
التقريرالطبي أثبت أن جسد عارف قد أخترق بتسع رصاصات من النوع المستخدم في رشاش كلاشينكوف ، وأن سبعا من هذه الرصاصات قد أطلقت عليه من أمام لتخترق مواضع مختلفة في صدره ، وأن اثنتين قد اخترقت إحداهما كتفه الأيمن من أعلاه ، بينما اخترقت الأخرى خاصرته من الخلف ، مما يشير إلى أن الطلقتين قد أطلقتا عليه بعد سقوطه ، وبعد أن فارق الحياة .
جسد سارة سليمان اخترق بعشر رصاصات ، خمس منها من أمام في صدرها وبطنها ، وخمس منها في جنبها وظهرها بعد سقوطها ومفارقة الحياة .
وفي تصريح للراعي علي نذير الحق أدلى به لصحيفة محلية ، اتهم فيه الشاباك الإسرائيلي بقتل عمّه وصديقته سارة سليمان ، مستندا إلى شكّه الكبير في الطائرة المروحية التي اجتازت المنطقة قبل اغتيال عمه ، حين حلقت على ارتفاع منخفض جدا لتختفي في وادي الدكاكين وتعود للظهور بعد دقائق مقلعة نحو الشرق ، مما يشير إلى أنها ربما أنزلت القاتل في مطالع الوادي، ليسير من هناك إلى ملتقى وادي مشتى المخالدة بوادي الدكاكين ، ويصعد معه إلى عزبة أهل عارف نذير الحق ويكمن خلف الجدار المناسب، لرؤية عارف قادما من أعلى جوف الوادي . وأشار علي إلى أن المروحية ربما أنزلت القاتل في وادي الدكاكين لإبعاد الشك عن انزال أحد في وادي المخالدة .
رعاة آخرون كانو يسرحون بقطعانهم في السفوح الغربية لجبل المنطار وهضاب الظحظاح، أكدوا ما قاله علي ، وأشاروا إلى أن القاتل ربما هرب بعد عملية الإغتيال، عبر وادي المخالدة ليتابع جريه عبر وادي الدكاكين ولمسافة تقارب الأربعة كيلومترات، حيث شوهدت الطائرة وهي تعود من الشرق وتحلق على ارتفاع منخفض، لتختفي في وادي الدكاكين مرة ثانية للحظات وتعود إلى الظهور متابعة طيرانها نحو الغرب، واعتقد الرعاة أن الطائرة اختفت للمرة الثانية في المنطقة التي يفترض أن القاتل قد وصل إليها بعد تنفيذ الجريمة ..
راع آخر ربط بين ظهور طائرة استطلاع بعد لحظات من اغتيال عارف وسارة، وتحليقها في المكان وفوق وادي الدكاكين، حيث يفترض أنها تتأكد من عملية الإغتيال وتقوم بتصوير" الشهيدين " بعد مقتلهما ، وتتابع هرب القاتل عبر وادي الدكاكين ، لإخبار طاقم المروحية أين وصل القاتل لالتقاطه . وأكد الراعي أن الطائرة ظلت تحوم فوق المنطقة وربما تصور هروع الناس من مستوطنة كيدار والسواحرة الشرقية إلى المنطقة، من لحظات ما بعد وقوع الجريمة حتى وصول طائرتي الإسعاف ونقل الجثمانين إلى المستشفى .
تصريح علي وإفادات الرعاة زادت الشكوك في أن اسرائيل هي من يقف وراء الإغتيال، مما أربك الشاباك وأجهزة الأمن والإستخبارات ، فراحت بعض تصاريحها تنكر تحليق طائرة مروحية في المنطقة ذلك اليوم، فيما أكدت أخرى مرور طائرة في فضاء المنطقة خلال قيامها بمهمة عسكرية . هذا الإرباك دفع كاتب إلى أن يتساءل بحماقة عمّا إذا كانت اسرائيل لا تملك بنادق حتى تقدم على اغتيال المذكورين ببندقية روسية من طراز كلاشنكوف ! مما يشير إلى أن القاتل عربي بدليل البندقية الروسية التي لا تمتلك اسرائيل مثلها ! أثارهذا المقال ضحك كثيرين ، بل وساهم في ازدياد الشكوك حول الشاباك وإسرائيل .
يعقوب سليمان أدلى بشهادة مقتضبة في المستشفى عن الحادث ، قال فيها أنه سمع إطلاق النار فهرع إلى المنطقة ليجد ابنته وعارف قتيلين . وحين سئل عمّا إذا يتهم أحدا بعينه باقتراف الجريمة ، أجاب بالنفي، مخفيا علاقته بالشاباك ومراقبة عارف بتسجيل محاضراته عن سفر التكوين .
علي أيضا أدلى في المستشفى بتصريح مشابه ، قبل أن يدلي في ما بعد بتصريحه اللاحق متهما الشاباك. قال أنه سمع إطلاق النار وهرع إلى المنطقة ليجد عمه وسارة قد قتلا . وحين سئل عمّا إذا يتهم أحدا بقتل عمّه ، أجاب أنه لا يعرف ، وإن أشار إلى أن أعداء عمه كثيرون حسب ما يعرف .
******
ليس في الإمكان تصويرالحال التي بدا عليها يعقوب سليمان وهو يقرأ بعض المقالات في الصحف أو يستمع إلى الإذاعات ، أو يرقب محطات التلفزة ، فالمتهم الأول وربما الأخير في مقتل ابنته وعارف ، من وجهة نظره ، ليس إلا الشاباك . وهو يدرك تماما أن عاقبة إدلائه بأي تصريح يؤكد أو يشير، إلى أن الشاباك كان يراقب عارف ، وعبره هو شخصيا ، سيؤدي إلى مقتله حتما ، فهل يضحّي بنفسه إكراما لروح ابنته الحبيبة التي طالما أحبها ، وإخلاصا لرجل لم يقدم على قتله حين أتيح له ذلك ، و فتّح عينيه على ما لم يكن يعرفه ، ورسم له طريق الخلاص لحل القضية برمتها ، لتعيش الأجيال القادمة في محبّة وأمن وسلام ؟! خاطبته زوجته وهي تداري دموعها وأحزانها ، وقد أدركت هول ما يخفيه في دخيلته :
- فقدنا سارة يا جاكوب ، فاصبر وتجلد حتى لا نفقدك أنت الآخر! إن كنت تخفي شيئا فقله لي لعل ذلك يخفف من هول فجيعتنا .
راح يعقوب يهتف من أعماق جراحه :
- يخفف من هول فجيعتنا أم يؤججها في بركان يقذف حمماً تدمّر كل شيء يا راحيل ، ليتني أملك صوتا بحجم الكون لأصرخ بما يعبر عن فجيعتي ، ليت ثمة جبلا يحمل قلبا هائلا يضمني إليه لأداري عميق حزني ، ليتني أستطيع أن أصرّح للعالم صارخا بكل أصوات البشرية ، أنا شريك في قتل ابنتي بقبولي التجسس على عارف نذيرالحق لصالح الشاباك . من في العالم يمكنه أن ينقذني من جريمتي . أنا القاتل والقتيل بحق نفسي ودمي . أنا القاتل والقتيل في شخصي ابنتي وصديقي. هل عرفت ذلك يا راحيل . قصّي ضفائرك يا راحيل وشقّي الثياب والبسي السواد . الطمي خديك ودقي صدرك ، واعلني الحداد إلى الأبد ، من يوم هجرة آبائنا من بغداد إلى آخر العمر ! لعل المهاجرين يتوقفون يوما عن القدوم إلى وهم أرض العسل واللبن الممنوحة لهم من الرب الإله .. قولي للعذارى النائحات على سارة ، روح سارة تحلق الأن في سماء كيدار ومعاليه أدوميم واورشليم ، فماذا أنتن فاعلات ؟ قولي لأصدقاء سارة وصديقاتها ، قولي لأبناء السلام الآن ، قولي لليسار واليمين في اسرائيل ، هنيئا لكم بأرض الأسوار والجدران والأنفاق الحاجزة ، التي حولتموها إلى سجن كبير ! هنيئا لكم بسكين يطعن جنديا منكم ، هنيئا لكم بالدم الفلسطيني المسفوك في الشوارع وعلى أسلاك الحدود وفي الساحات وعلى الجدران .. هنيئا لكم برؤية الأطفال الصغار يقادون إلى غياهب المعتقلات، هنيئا لكم برؤية بيوت القدس تتطاير سقوفها وجدرانها على مرأى من عيون ساكنيها .. فانعموا بسجنكم وتنمية الحقد والعدوانية لدى أبنائكم ، لعل ربكم الإله يشفق عليكم ويمطر من سمائه لبنا وعسلا عليكم ، عوضا عن عسل ولبن لم ولن تعثروا عليهما يوما !
ألقت راحيل نفسها على جاكوب وشرعت معه في عويل فظيع ، تناهى إلى أسماع الجيران ، فخرجوا من بيوتهم ونصبوا حلقات حول البيت وراحوا يشاركونهم العويل والندب . ولم تمر سوى دقائق ، حتى كان جميع سكان كيدار يهرعون ويندبون ، ليتناهى عويلهم إلى أسماع سكان معاليه أدوميم ليهرع بعضهم ويشاركوهم الندب والعويل .
*****
أعلن عن تشييع جثمان عارف نذير الحق وسارة سليمان في اليوم الخامس لاغتيالهما ، وأشير إلى أنهما سيدفنان في المكان الذي أوصى عارف أن يدفن فيه ، في أعلى نقطة في ظهرة المغرة على مسافة قد لا تزيد عن الكيلومتر من بيته . وأعلن يعقوب سليمان أنه سيدفن ابنته سارة في قبر واحد مع عارف نذير الحق ، بعد أن عثر في جيب بنطالها على عبارة كتبت باللغتين العبرية والعربية ، توصي فيها بأن تدفن إلى جوار عارف . وقد فسر يعقوب مفردة " الجوار " هذه ، على أنها في القبر نفسه . وقد وافق أخوة عارف وذويه على الأمر ، لمعرفتهم بعمق الحب الذي كان يربطهما . لذلك تم حفر قبر يتسع لتابوت مزدوج ، بعد أن تداول يعقوب وأخوة عارف في الأمر ، واتفقوا على أن يوضع الجثمانان في تابوت مزدوج بدلا من تابوتين ، لاعتقاد علي ويعقوب أن سارة وعارف لن يختارا غير هذا الدفن ، فيما لو أتيح لهما أن يعرفا أنهما سيقتلان معا .
أطفال مستوطنة كيدار ومعاليه أدوميم ، الذين كانوا في غاية الحزن لرحيل منقذهم من الغرق ومحبوبته ، قرر ذووهم أن يقام الحفل - الذي كانوا سيقيمونه على شرف عارف - في تشييع جثمان عارف وسارة .. فراح ذووهم يحضّرون لمشاركة الأطفال بما يليق ويسرعارف وسارة .
والأمر نفسه تم لمسيرة السلام الهائلة التي كانت حركة السلام الآن تعد لها . فأعلنوا أن المسيرة ستتم خلال تشييع جثمان عارف وسارة ، وتمنوا أن يشارك فيها مئات الآلاف من محبي السلام .
اليسار الإسرائيلي أعلن مشاركته بمسيرة ثانية في التشييع تضم عشرات الآلاف من اليساريين الإسرائيليين .
النساء الإسرائيليات قررن المشاركة بمسيرة منفصلة في التشييع تحت شعار" نساء اسرائيليات من أجل السلام "
عرب اسرائيل قرروا أن يشاركوا بمسيرة منفصلة أيضا .. يطالبون فيها بتحقيق السلام .
السلطة الفلسطينية قررت المشاركة بوفد يمثل الرئاسة وكافة التنظيمات الفلسطينية ، إضافة إلى فرقة موسيقية تعزف ألحانا جنائزية في التشييع، الأمر الذي لن يتم بناء على طلب علي وبعض أخوة عارف وأبنائهم ، باعتبار يوم التشييع يوم عرس لعارف وسارة ،ويوم سلام بين الشعبين .
ابناء السواحرة الغربية والشرقية قرروا أن يشارك معظمهم في حفل التشييع ،إضافة إلى الآلاف من أبناء القدس والطور وسلوان والعيسوية والعيزرية وصورباهر والعبيدية وأبوديس..
اليمين الإسرائيلي أدرك أن أكثر من مليون شخص سيشاركون في التشييع ، فقرر أن يشارك بمسيرة تشارك في الجنازة وتدعو للسلام أيضا .. أما ما قامت به الدولة من عمل شبه إعجازي، لتبييض وجهها وإبعاد الشك عنها في مقتل عارف وسارة ، فهو تمهيد المنطقة من أمام بيت عارف حتى ما بعد كيلومتر من ظهرة المغرة ، وشق شارع فيها بعرض مائة وعشرين مترا، ورصفه وتعبيده خلال ثلاثة أيام لا غير! تم العمل بما يشبه المعجزة والناس يرون إلى عشرات الجرافات والآليات المختلفة تمهد المنطقة وتشق الطريق.
ثمة شخص كان صراع فظيع يدور في دخيلته ، حول ما إذا كان سيفجر قنبلة يوم التشييع ، يعلن فيها على الملأ ، أن الشاباك هو المتهم الأول في مقتل عارف وسارة ، كونه شخصيا كان مكلفا من قبل الشاباك بالتجسس على عارف ، لمعرفة ما يدور في مخيلته حول القضية ومستقبلها. ذاك الشخص لم يكن سوى يعقوب سليمان ، الذي حسم الصراع المضطرب في دخيلته ، بأن يطهر روحه من كل هذا العذاب المتأجج في دخيلته، ويعلن عن هوية المتهم الأول وربما الأخير، في مقتل ابنته وحبيبها . هذا ما حسم يعقوب أمره عليه ليريح نفسه ، ويمنحها بعض الطمأنينة ، ولا يظن أن معجزة ما ستحدث ، وتثنيه عن الأمر .
******




(34)
* مئات الآلاف في وداع عارف وسارة .
هل سيسجل التاريخ صفحة جديدة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بدأ عارف نذير الحق بنسج حروفها، حين خاطر بنفسه لإنقاذ عشرات الأطفال الإسرائيليين من الغرق، ووضعت سارة سليمان بصماتها عليها ، حين دمّرت كل أسوار التابو، وتولهت بحب عارف ، وأوصت أن تدفن إلى جواره في حال رحيلها ، محطمة بذلك اسطورة شمشون ودليلة ، وروميو وجولييت ، وكل أساطير وقصص الحب عبر التاريخ ، لتنقش على جدران الزمن، قصة حب خالدة لن تمحوها العصور وتقلبات الدهر؟!
هل سيسجّل التاريخ صفحة جديدة حقّا ، أم أن الوقائع ستطوى طي الصفحات نفسها ، وأنّها لن تترك أثرا حميدا على واقع الحياة ، لأن كثيرين ممن يظنون أنهم يمسكون أزمّة التاريخ لا يريدون ذلك . هل قدَر داود أن يظل وقودا لصراع دائم مع جليّات ، وهل قدر جليّات أن يظلّ متشبثاً ومطالبا بحقّوقه في بيته الذي اغتصبه داواد ؟ استبدل داود المقلاع بالطائرة والصاروخ ، وجرّد جليّات من سيفه ورمحه ودرعه ، ليمتشق المقلاع ! فهل يصبح المقلاع يوما سيفا ، أو صاروخا يواجه جليّات به صاروخ داود ، لعلّ تكافؤاً ما يطرأ على موازين الصراع ؟ أم أن القدر الذي رسمه الممسكون بالأزمّة يأبى ذلك ؟ وإلى متى ستستمر هذه الحال؟ متى يدرك داود أنّه أعدّ ليكون أضحية شرسة لصانعي الأقدار، كما أدرك جليّات أنّه ضحيّة لهذه الأضحية التي تشرع مخالبها دوما متذرعة بالخوف من الذبح والدفاع عن النفس! . من يكسر الحلقة يا ترى ؟ من يهدم أسوار الدائرة الجهنمية التي وجد الطرفان أنفسهما فيها ، ليتقاسما البيت ويعيشا معا بمحبة وأمن وسلام ؟ لقد ضحّى جليّات بأكثر من نصف بيته لداود ، وقبل القسمة الجائرة ، فهل يعود داود إلى رشده ويقبل القسمة ؟! هل يتحوّل الخيال الأدبي إلى واقع حقيقي ملموس يحيا في ظلّه الجميع ؟؟!! التاريخ يقف متفرّجا وينتظرأن تكون بادرة عارف وسارة الطريق إلى الخلاص ، ليجمل صفحاته بسفرٍ جديد يضاف إلى أسفاره الخالدة.
كان بعض هذه الأسئلة يراود مخيلات الآلاف ممن حضروا مبكّرا للمشاركة في تشييع جثماني عارف وسارة ، حتى يعقوب سليمان نفسه، ورغم كل تشاؤمه، لمعرفته ما لا يعرفه أحد غيره ، كان يصارع في دخيلته ما صمم عليه محاولا أن يجد أملا ما في ما يجري، حتى لا تذهب تضحيات عارف وسارة أدراج الرياح، وتذهب دماؤهما هدرا .. فالدولة أحضرت مروحية لتقل الجثمانين من المستشفى إلى مثواهما . وتكفلت السلطة الفلسطينية بتابوت مزدوج ، أعده صانع التوابيت بحرفية عالية ، مع قاعدة أكبر من ضعف حجمه لتكون نعشاً.
شرعت وفود المشيعين في القدوم منذ الفجر، وكان بعضها قد جاء قبل ذلك . وأعلنت السلطتان الإسرائيلية والفلسطينية يوم التشييع يوم عطلة، وعدم استخدام المركبات الخاصة ليتاح لمركبات المشيعيين القدوم من كافة انحاء اسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزّة. ونظرا للإزدحام الشديد في خطوط السير التي امتدت لعشرات الكيلو مترات ، فقد تم حضورالوفود في باصات كبيرة وشاحنات . وقامت الدولة بنقل آلاف مشاركيها في التشييع بعشرات الحوامات الكبيرة المعدّة للنقل، وسمحت لمائة باص القدوم من غزّة . وثمة عشرات الآلاف الذين ذهبوا سيرا على الأقدام من البلدات والقرى القريبة . وكانت بعض الحافلات تعود لنقل المشيعين، بينما يذهب بعضها للتوقف في مرج كبير، أو ينتشر على الهضاب الممتدة من بيت عارف إلى ما بعد ظهرة المغرة ، على مساحة تقارب ثلاثة كيلو مترات . وحين كانت الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر، موعد التشييع ، كان مئات الآلاف قد وصلوا إلى المكان، قدرتهم بعض وكالات الأنباء بأكثر من مليون، فيما قدرتهم أخرى بقرابة مليون ونصف.
أشرف على تنظيم سير الجنازة وأماكن وقوف المشيعين ضابط برتبة لواء من السلطة الفلسطينية وجنرال من الدولة . ونظرا لقصر المسافة بين المنزل و هضبة ظهرة المغرة ، فقد اوقف المشيعون على جانبي الشارع الممتد من أمام بيت عارف إلى مابعد هضبة الظهرة ، ليملأوا سهول ومنحدرات الهضاب المحيطة ، رافعين عشرات آلاف الأعلام الفلسطينية ، فيما اختيرت أماكن خاصة في الشارع للوفود الرسمية التي ستسير خلف الجنازة .
أقبلت المروحية التي تقل الجثمانين يرافقها مروحيتان تقلان كبار المشيعيين من السلطة والدولة ، حطت المروحيات أمام الوفود الرسمية الواقفة في الشارع العريض . أنزل جنود وضباط من السلطة تابوت الجثمانين المزدوج ووضعوه على عربة مكشوفة ، أعد لها روافع خاصة لحمل النعش على ارتفاع يتيح لجميع الناس رؤية النعش يعلو المسيرة . أقلعت المروحيات وشرعت الوفود الرسمية في الإنتظام لتنطلق مسيرة الجنازة .
وضِع عشرات أكاليل الورد فوق التابوت المزدوج وإلى جوانبه وأمامه وخلفه، وقد تقدمه مباشرة أربعون " طفلة " من أطفال كيدار ومعاليه أدوميم ، يحملن أكاليل الورد ، بينما وقف خلفه بانتظام أربعون طفلا من معاليه أدوميم يحملون الأكاليل . أمام الطفلات وقفت فرقة الموسيقى العسكرية الرسمية التابعة للسلطة الفلسطينية . وأمام هؤلاء وقفت فرقة كشافة تمثل كشافة القدس وبيت لحم ورام الله ، وتقدم الجميع فرقة عازفي الأراغيل التي أصرعلي على أن تشارك في المسيرة لأن عمه كان يحبّها .
خلف النعش وبعد الأطفال مباشرة وقفت الوفود الرسمية يتقدمها ذوو الراحلين وممثلو السلطة الفلسطينية والدولة الإسرائيلية . ثم ممثلو التنظيمات الفلسطينية والأحزاب الإسرائيلية وحركة السلام الآن وحركة ميرتس وناطوري كارتا " حرّاس المدينة " واليسار الإسرائيلي ، وممثلو الإتحادات والنقابات والجمعيات والمرأة والطلاب والكنائس والطوائف .. كان الجميع يقفون في صفوف منتظمة خلف الجنازة.
عزفت الموسيقى السلامين الفلسطيني والإسرائلي، لتنطلق المسيرة بتؤدة شديدة على وقع ألحان موسيقية غير جنائزية . وكان المنظمون يشرفون على تناوب عزف الفرق الموسقية التي تتقدم الموكب ، فما أن تفرغ فرقة من عزفها حتى تشرع فرقة أخرى في العزف، غير أن المشرفين وبناء على رغبة علي وبعض أخوة وأخوات عارف ، منحوا فرقة الأراغيل النصيب الأوفر من العزف ، إلى حد دفع كثيرين ممن يقفون على جانبي الشارع الذي يسلكه الموكب، إلى الرقص على أنغامها التي كان رجع صداها يتردد من السفوح المحيطة بالمنطقة .
ما لم يتخيله الجميع، ولم يفكروا فيه ، ولم يتوقعوه على الإطلاق ، أنهم في عالم متخيّل أقرب إلى الأسطورة ، لكن ، وحين ظهر سربان من الطيور ، يقدمان من الشرق بانتظام مهيب ، ويشرعان في مرافقة الموكب على ارتفاع بضعة أمتار فوق الجنازة ، أدرك الجميع أنهم يعيشون في أسطورة ، وأنهم مشاركون فاعلون في صنعها ! السرب الأول كان من طيور الحجل الجميلة ، أما السرب الثاني فكان من حمام أبيض أكثر جمالا .. حلّق سرب الحجل فوق النصف الأول من النعش ، وحلّق سرب الحمام فوق النصف الثاني . حلقا ببطء شديد يتلاءم مع سير الجنازة ، بحيث كانا بالكاد يرفان بأجنحتهما ، فتظل مشرعة لتظلل النعش .
تأوّه مئات الآلاف دهشة وهم يرون ما لم يروه من قبل ، وأنهم حقا يشاركون في صنع اسطورة عارف وسارة ، التي سينجم عنها اسطورة فلسطين وإسرائيل !
******
دقّت الأقدام الأرض على وقع ألحان الأراغيل ، واهتزت الخصور ، وعلت الزغاريد ، ورفرفت البيارق والأعلام ، وارتفعت آلاف اللافتات المطالبة بالسلام ، وصدحت مئات آلاف الحناجر والأصوات منشدة للسلام ، كما لم تنشد من قبل ، وكما لم يحدث من قبل ، إلى حد جعل كثيرين ،يتفاءلون بأن السلام قادم حتما ، ولن تذهب دماء عارف وسارة هدرا ، حين قدّما نفسيهما قربانين على مذبح السلام . إلى حد جعل يعقوب سليمان يفكر بجد أن لا يبوح بسر الحقيقة المؤلمة ، التي تؤرق ضميره وتقض دخيلته ، وهو يسير في مقدمة المشيعين ، إلى جانب راحيل التي كانت تتمسك بمرفقه ، فيما شمعون يتمسك بمرفقه الآخر، أمّا يوئيلا فكانت تتمسك بمرفق راحيل ، وتشجعها على الصبر والتحمل . وكانت مئات محطات التلفزة تنقل موكب التشييع الذي لم يحدث مثيلا له في التاريخ ، إلى كافة أنحاء العالم، ليتمنى العالم ولأول مرة في تاريخه ، أن يحل السلام بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.
******
بلغ الموكب مكان الدفن . ووري الجثمانان الثرى . وأهيل عليهما التراب ، وسربا الحجل والحمام يحلقان على ارتفع منخفض فوق المكان . ووضعت مئات أكاليل الورد فوق االجدث ، الذي سيقام عليه ضريح كبير خلال أيام ، يليق بالراحلين. سيتحول على مر الأيام والسنين ، إلى مزار، فمقام، تتلى فيه صلوات حرّة لخالق عظيم مختلف ، بمفاهيم مختلفة ، تتمثل فيها أسمى قيم المحبة والخير والعدل والجمال ، التي ينشدها الخالق .
شرع بعض المسؤولين في القاء كلمات النعي والعزاء ، مؤكدين على معرفة الجناة ، لينالوا قصاصهم !
وقف يعقوب سليمان حائرا مترددا ، بين الأمل والتشاؤم ، بين أن يقول ما يخفيه أو يبقيه طي الكتمان .. تغلب واعز الأمل بإقامة السلام ، ورجاء راحيل الحزينة ، على واعز التشاؤم ، فلم يقل شيئا ، ووقف كمن يقبض على الجمر، إلى جانب أخوة عارف يتلقى التعازي.
تفرق بعض الناس عائدين إلى بيوتهم ، وغادر سربا الحجل والحمام فضاء المكان . وبقي كثيرون من العرب والإسرائيليين يرقصون ويدبكون ويغنون على وقع الأراغيل في عرس عارف وسارة . وظلوا كذلك حتى ساعة متأخرة من الليل ، أشعلت فيها المشاعل والشموع ، على قمّة الهضبة وكافة السفوح المحيطة بالجدث. وجيء بمئات مناسف الأرز واللحم والثريد ليأكل الجميع، والأمل يحدوهم بأن السلام قادم لا محالة، مشهراً انتصارعارف وسارة على القتلة أياً كانوا.
****
تمّت رواية " عديقي اليهودي " أو، ملحمة عارف وسارة





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,316,519
- أقوال في الثقافة
- هل الإله ( يهوه ) هو أحد أبناء الإله إيل ( الكنعاني ) ؟!
- ناي هندي !!
- الدخول في الأسئلة الصعبة حول وجود ألوهة !
- التنوير الإسلامي وعدم إنقاذ الإسلام من الإرهاب.
- الله المظلوم من قبل معظم خلقه !
- تغير الامم وتقدمها
- العقل البشري بين الجهل والمعرفة والغاية من الوجود!
- رواية - عديقي اليهودي- نص يعري الفكر الصهيوني
- الصراع بين الكلمة واللون
- الرحيل إلى الله!
- البحث عن الله !
- - عديقي اليهودي- فانتازيا واقعية ترجمتها للعالمية ضرورة وطني ...
- عديقي اليهودي 34 * مئات الآلاف في وداع عارف وسارة .
- عديقي اليهودي 33 * ما قبل الوداع .
- عديقي اليهودي 32 * قبلات بلا حدود!
- عديقي اليهودي 31 * نوم عذري!
- عديقي اليهودي 30 * يوم الحب والألم!
- عديقي اليهودي 29 * مبروك يا عارف !
- عديقي اليهودي 28 * أبطال تراجيديون ، من جليّات إلى ياسر عرفا ...


المزيد.....




- رئيس وزراء سريلانكا يعتقد بأن الهجمات على الكنائس لها صلة بد ...
- رئيسة وزراء نيوزيلندا تنفي وجود صلة بين تفجيرات سريلانكا ومذ ...
- رئيس وزراء سريلانكا يعتقد بأن الهجمات على الكنائس لها صلة بد ...
- رئيسة وزراء نيوزيلندا تنفي وجود صلة بين تفجيرات سريلانكا ومذ ...
- عيد الفصح في العراق... المسيحيون يعودون بعد خروج داعش ولكن ك ...
- نجاة نحل نوتردام من الحريق أما صقور الكاتدرائية فقد لا تعود ...
- تفجيرات سريلانكا: ما هي -جماعة التوحيد الوطنية-؟
- نجاة نحل نوتردام من الحريق أما صقور الكاتدرائية فقد لا تعود ...
- تفجيرات سريلانكا: تنظيم الدولة الإسلامية يعلن مسؤوليته عن ال ...
- تنظيم -الدولة الإسلامية- يتبنى هجمات سريلانكا عبر وكالته الد ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمود شاهين - عديقي اليهودي . رواية .