أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامي عبد العال - أسئلةُ الأطفالِ: شغفٌ فلسفيٌّ















المزيد.....


أسئلةُ الأطفالِ: شغفٌ فلسفيٌّ


سامي عبد العال

الحوار المتمدن-العدد: 6201 - 2019 / 4 / 14 - 12:48
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



حين يتساءل الأطفالُ لا ينتجون معرفة، لكنهم يضعون ما نعرفه قيد الانكشاف والمفاجأة. هم كائنات انسانية مُذهلةٌ، بالغةُ الإحساسِ، دائمةُ الشغفِ. فالمواقف تُظهر الطفلَ موجوداً مختلفاً وإنْ كُنتَ أباه. وربما يأخذك إلى المراجعة الجذرية لما تعتنق من أفكارٍ. أنتَ عندئذ لستَ إلاَّ "لاصقاً ثقافياً" فاقد الصلاحية لاحتمال التَّغيُر. وبصحبة طفلِك لن تُجدي معايير الأمور كما تدركها، لأنَّ نمطَ سلوكه يصْعُب التحكم فيه. الطفلُّ اعلان وجودي عن صخب الحياة التي لا تهدأ في إيقاظِ ما هو راكد. يراقبُ كلَّ تغير حوله، يُعابث الأشياء، أدنى حركة تجعله منتبهاً لما يسمع ويرى.

الطفولةُ ليست مرحلةً يُلقيها الزمنُ في جرابه اليومي بلا عودةٍ، وليست نزقاً خارجَ المألوف وحسب، إنَّها كذلك طاقة حُرَّة وممارسة تلقائية للإنسان الحي. الطُفولة هي البذرة التي تنمو في سرية تامةٍ رغم ثقل خطوات الحياة. وحينما يشعر الإنسان بعدم قدرته على أنْ يكون طفلاً، يظهر الأثر السلبي لعطالة الأفعال.

هل ذلك يعني أنَّ ثمة أُناساً موتى وهم أحياء؟ هل ثمة كائنات إنسانية تقمع طفولتها تحت وطأة الحياة القاصرة عن الأمل؟ وبالتوازي: ألَاَ يُوجد أُناس يداعبون أطفالاً داخلهم بتلقائية وإنْ تأخر بهم العمر؟ لماذا يدفع الطفل بالمفاجئات لمن حوله؟ لماذا تأخذه الأسئلة دوماً إلى حيث الاندهاش؟

الروح الطفُولي

يجب التفرقة بين جثث بشرية متحركةٍ تقتل طفلاً داخلها، وبين هؤلاء الحاملين لروح طُفولي يتساءل باستمرار. ففي الإنسان كطفلٍّ( أو الطفل كإنسان )، قد تأتي أفكارُه تساؤلاً، انحناءاته تساؤلاً، صمته تساؤلاً، وعيه تساؤلاً، أحلامه تساؤلاً. إنَّ حال هذا الإنسان ليس ادعاءً مفتعلاً، لكنه يرى الأشياء من منظورٍ مختلفٍ، يراها تحمل قدرات نحو التحول والإثارة. وذلك بحكم أنَّه يتعرف على تفاصيل الحياة بكل حماس ونهم.

حتى أنَّ الطفل هو ابن التساؤل بامتياز وجودي إزاء العالم والأحداث. ليس يُوجد حالٌ ولا فعل دون أنْ يطرحه للاستفهام مُلِّحاً على معرفته. فالطفل لا يملك من أدوات فكريةٍ ولا معرفية سوى خاصية التساؤل المحير. وهذا فحواه أنَّ التساؤلات بمثابة ذخيرة الكائن الإنساني في مقتبل حياته وطوال مسيرتها. الطفولة هي عملية تَّحرُر نحو الانفكاك من قيود الواقع وإكراهاته.

إنَّ مشكلة المجتمعات العربية كونِّها تُعجِّل باستواء الطفل على عوده انتزاعاً للأنثى أو للرجل الذي سيكونه لاحقاً. هي تعطيه لقب الرجولة( الأنوثة ) قبل الأوان، فلا هو يعيش زمنه متشبعاً بالمغامرة ولا يلاحق الكبار فيما هم فيه. إنَّه يقف حائراً مقموعاً ليرتدي ثياباً من الوجود المفارق لذاته. إنَّ أطفالاً لا يحيون حياتهم كما هي سائلة ومتعجبة، لكنهم يلعبون أدواراً غريبة لا ينتمون إليها. وبالتالي تصبح النتيجة هي تقليص مساحة الفعل في الحياة.

الرجولة( الأنوثة ) ليست مقولة فلسفية دقيقةً، إنما هي مقولة ثقافية تمس طبيعة المجتمعات بالمقام الأول. هي نوع من السباق الاجتماعي المغموس بالصراع حول أمور تمس التكوين الجندري، حتى غدت الرجولة( الأنوثة ) ممارسة عنيفة في كافة قطاعات الحياة. ودينياً باتت الرجولة ( الأنوثة ) موطئ قدم في الآخرة يترقبها المجتمع مُبالَّغةً في حسم المشكلات اليومية. وفتحت مجالاً لمد أصابع الدين والسياسة لإدارة الاختلافات وحسم المواقف وتدعيم التقاليد وتعليق الطاقة النزقة داخل المجتمعات الإنسانية.

كأنَّ الدين ينفرد بالرجولة كمفتاح خاصٍ لإقامة شعائره واسناد مستقبله للذكور بخلاف النساء والأطفال. والطفل في إهاب الرجولة هو الكائن المؤجل والممنوع من ممارسة إرادته. هو الموضوع داخل سلسة من الوصايات يمارسها فاعل ثقافي أبوي لا تنتهي بدائله. وبحسب نمط التربية الشائع يتجمد الطفلُّ على هيئة متلقٍ لا قدره له إلاَّ طاعة الأوامر. وهاهنا لا يعاني فقط من التلقين التعليمي، بل من السمع والطاعة في كلِّ شيء. ليكشف الوضع أن التلقين والاجترار ليسا عملين معرفيين إنما هما آليتان ثقافيتان.

على حين أنَّ الطفل ينتمي إلينا بموجب كونِّه( وكوننا ) إنساناً متفتحاً للآتي داخل مرمى الحياة. الإنسان يوّد طوال حياته أنْ يعود طفلاً ليتأرجح مع الزمن ويعابث الحقائق على خطورتها. لأنَّ الطفل في الحقيقة كائن هش، تلقائي، دينامي، قريب وبعيد من الزمن، حائر، مستقبلي،... وهذه السمات تجعل كيانَّه مسرحاً لكم من المفاجآت فوق الحصر. الأمر الذي يُضفي على الحياة طابع الإمتاع والمغامرة.

جدير بالذكر أنَّه كطفل يفاجئ والديه بصيغ استفهامية غريبة: لماذا تزوجتماً بعضكما حصراً دون سواكما؟! كيف أنجبتماني ولم تنجبا ابن الجيران؟! بل من الذي دعاكما للالتقاء من مكانين مختلفين؟! هل أنتما تحبانني بلا مقابل حقاً؟! لماذاً أنت أبي ولم تكن أخي؟ من الذي أعطاك الوجود وما زلتَ ؟ كيف تحيا وتعمل مع الآخرين؟ لماذا نعيش في تلك البقعة من العالم ولم نعش في بقعة أخرى ؟

البراءة

من جانبها الفلسفي، تتميز أسئلةُ الطفل بالبراءة المخاتلة. صحيح هي تُطرح تلقائياً بمعنى "البحث عن"، غير أنَّ البراءة بمثابة الحدوث المباشر لفعل التفكير. سيكون ذلك بمقياس هذا الكائن العجيب تجاه معطيات الواقع. فلو حاولنا ايجاد تبرير لما يستفهم عنه السؤالُّ، لكان التبرير هو وجود موضوع الاستفهام دون زيادةٍ. بكلمات أوضح أنَّ البراءة تتعامل مع الحدوث بما هو كذلك دون تغطية.

وحتى لو كان موضوع الاستفهام مسكُوتاً عنه، فلا يجد الطفلُّ حرجاً من طرحه والإلحاح عليه، بل هو لا يشعر بالقيود أساساً. عندما يتساءل الطفلُّ: إذا كان الله هو من خلق الناس، فلماذا يعذبهم في النار؟، لكانت الإجابة طويلة بما لا يحتمل الموقف. وبخاصة أنَّ سؤالاً كهذا يأتي بريئاً إلاَّ من تداعي المواقف ونتيجة سماع الأطفال لتبريرات دينية تتعلق بالجنة والنار!!

وهو ما يعني أنَّ التربية اللاهوتية المختلطة بجوانب الثقافة العربية تدمر براءة الأطفال. وتجعل منهم حطباً اجتماعياً مبكراً لجماعات العنف، بينما البراءة هي أهم ميزة تدعونا للاستغراق في حياتنا. لأنها هي النسغ المغذي لوجود الإنسان بعيداً عن أية رواسب نفسية. الطفل برئ لكونه كثير اليقظة لما يرغب بشفافية كما أنه يذهب حيثما يريد طالباً التعبير عن نفسه.

تغدو الأسئلة بريئةً عندما تنطلق بلا وجلٍّ ولا حدود، أي يجب أن تُعطى قوة دافعة كامنة في صميمها كمواقف وجودية. ولا بد من الالتفات إلى الآثار التي تلقي بفاعليتها هنا أو هناك. فالسؤال يتولد من البراءة الحرَّة لوعي الإنسان الراغب واليقظ والناقد والمغامر الذي ينغمر بحياته. وحينما تضيع البراءة، فالتكلُّف الممض يلتهم طاقات أي سؤالٍّ حيوي نافذ.

البراءة كذلك لا تعني السذاجةَ، لكنها الانفتاح البسيط في أوج تداعياته الأولية. البساطة هي أعمق ما تتوافر عليه البراءة من أثرٍ لا ينتهي بسهولةٍ. لذلك كلما كان السؤالُ بسيطاً، استطاع النفاذ وأصبح أكثر قرباً من التعقيد الخصب الذي يضمن له الفاعلية.

الدهشة

الأطفال كائنات مدهشة بصورة مزدوجةٍ، فهم مصدر للدهشة وكذلك هم في حالة اندهاش مما يجري حولهم. السبب أنَّهم يمارسون البراءة ضمن كلِّ لحظة دون تصنُّع. وإذ يتعرفون على تفاصيل العالم لأول وهلةٍ، فلا مكان لتكرار النظرة التقليدية وبالتالي لم يتم قولبتهم بعد. بل تبدو صلابةُ هشاشتهم غير قابلة للاعتياد على نحوٍ مبدئي.

الطفل عندما يندهش لا يأخذ الدهشة كحالٍّ خارج ذاته، لكنه معجون بها. إنَّه تجسيدها العضوي بمجمل كيانه الحي. وهو نفسه معين لا ينضب للدهشة، أحواله، طريقة تعبيره، ابتساماته، ومواقفه المرحة تجاه الحياة. فالكبار لا يستطيعون أن يكونوه في مواقف بعينها وهنا تبدو المفارقة في صور أخرى من الدلالة. ويحاول هؤلاء الكبار تقريب ما يرونه أو ما يراه الطفل.

إنَّ الدهشة الوليدة هي التي تجدد الفكر باستمرار. فمن هذا الكائن الصغير( الطفل) من وجهة نظر المحيطين به؟ لماذا يتمتع بأصالة الحياة خيالاً ودائباً على أنْ يعبر عن نفسه؟ إجابة أسئلة كهذه توضح أصالة الدهشة الطفولية من زاوية تفاعلها مع المواقف التي يمر بها الإنسان.
وأبرز معالم الدهشة الطفولية أنَّها لغة معبرة دائماً عن استفهام. فالطفل لا يستنكف عن ابداء كل العلامات التي تميزه كائناً متسائلاً. وهذا يجعل ما يقوله أو ما لا يقوله لافتاً للنظر. لأنَّ الدهشة انغمار في حالة من عدم الالتئام مع أمور الحياة العادية.

والطفل من تلك الجهة لا ينتظر الحياة حتى تُلقي إليه بما هو مدهش بل يصنعها بنفسه، كردود أفعاله على الكبار أو رؤيته البكر للصور أو ممارسته التلقائية للرغبات والغرائر بشكلٍّ مباشرٍ. الكبار ينتظرون بكلِّ ترقب ويتحينون الفرص مما يحول دون أصالة المعنى وغرابته ويدفع الثقافة إلى التوسط قبل الفعل. الدهشة ليست ثقافية بالمقام الأول. إنَّ كلَّ توسُطٍ بين الدهشة وأسئلتها ليس إلاَّ إفشالاً لإمكانيات أخرى، ما لم يكن المقصود افساح المجال للعُمق المفترض.

ويبدو أنَّ الطبيعة تدع الأطفال علامات حيةً على التكوين المذهل والإحساس غير المحدود. وإذا كان الطفلُ مازال كاليرقة التي تأخذ في التطور، فإنَّه موجود بالقوة والفعل معاً. ليس مقياساً وضع الأطفال في مقارنة بالكبار، علينا أنْ نتوقع اختلافاً ضرورياً. لكونهم يمتلكون الحياة من خلال العالم، أي هم كائنات لها وجودها النوعي غير القابل للمقارنة.

البساطة

عمق الطفولة في رصيد البساطة الحية التي تمتلكها. وليست البساطة بمعنى السذاجة ولا التفاهة، هي أبعد ما تكون عن ذلك. لأنَّها العمق الفذ فيما هو تلقائي. إذا أراد الطفل شيئاً، يعلن رغبته في هذا الشيء صراحةً، لا يلف ولا يلتوي حتى يبدى مظاهر ذلك.
البساطة تعبير عن أعقد المسائل بأقرب الصيغ الممكنة. حينما يقول طفل لوالده: من الذي يمسك السحاب؟ من الذي يجعله ممطراً؟ من ذا الذي يمسك السماء؟ فإنه يناقش قضية من أعقد القضايا بين العلم والدين والحياة.

الطفل لم يقصد تبسيطاً لقضية الوجود الإلهي، لكنه أشار ضمنياً إلى دلالة من هذا القبيل وإن لم يكن ليناقشها على مستوها المعرفي. هو يتحسس مصير الأشياء والعالم في أدق التفاصيل ويشعر بنبض ما هو أساسي عبر توافه الأمور. فالبساطة تعني هنا صدقاً مرغوباً فيما هو ظاهر للوعي المباشر.

مع أنَّ تفسير الوضع بالنسبة للطفل يتطلب تعقيد المسألة مرةً أخرى وهذه معادلة مختلفة. فالطفل لا يقول ذلك اعتباطاً، لأنَّ الحياة لا تتجلى على نحو بسيطٍ أيضاً، إنما توجد بتكوينها المعقد في أدق التفاصيل. وأنَّ احساس الطفل بالسؤال إحساس وجودي بالمقام الأول. أي أنه يتساءل ليس لاحتياج نظري هو في غنى عنه ولا يدرك أبعاده، لكن الطفل يتساءل لأنَّ السُؤال جزء عضوي من حياته. السؤال هو الرغبة في بساطتها المركبة( المفارقة) حين تمتد بجذورها إلى قوانين الوجود الإنساني والحياة.

وهذا دليل على الأساس الذي ينهض عليه كل سؤال أصيل. من حيث كونه استفهاماً للحياة من خلالنا، هو وليد إنسانيتنا القابلة للمعرفة في جوهرها. الأسئلة ليست عملية صورية بحت لكنها موقف أنطولوجي، وضع حيوي مثل أي شيء مرئي ويمكن مراقبة تأثيره واحداثياته.

اللاحدود

ربما لا يشعر الطفل بالحدود ولا يهتم بها. الوجود لديه منطوٍ على إرادة كلية يظن أنها طوع قدرته على التخيل. فقد يذهب لنهش القمر في سقف السماء، وقد يحاول مد ذراعيه للإمساك بالشمس معتقداً أنه يفعل ما يشاء. وقد لا يدرك أبعاد المسألة من جهة قصوره الوجودي على هذا الفعل.

ولا يعني ذلك انعدام القدرة وهي كذلك بالفعل لدى الأطفال، بل يدل على قوة الخيال والرغبة في الوجود. وهو ما يحدد المشكلة في إدراك العالم من جانبهم. إدراك أنَّ الواقع امتداد لكيانهم الهش. وحين لا يستطيعون السيطرةَ على الواقع، إنما يكون تركيزهم على المغامرة. إنَّ طفلاً يصعُب عليه بلوغ ما يريد يستعيض عن عجزه بالتخيل الذي يخترق كل الحدود.

وليس إلاَّ الاستيهام النافذ الذي يجسد الأمور بشكلٍّ مرغوب فيه. ونظراً لكون الطفل يتمتع بخيال خلاق، فهو يعيد تشكيل العالم من حين لآخر. وربما يسير بحسب ما يجري لديه لا بحسب ما يتحقق بالفعل. الاندفاع وراء ما يريد، يحدو الطفل إلى شغف في امتلاك رغبته. وهي لا تتحقق إلاَّ نسبياً، ولذلك يواصل تجاهل أيَّة حدود ممكنة وغير ممكنة ليتعامل مع موضوعاته بشكلٍّ مباشرٍ.

لا يعبأ الأطفال بما يسمى بالأخطار، فالاندفاع يجعلهم في وسط المشهد حتى وإن أدى إلى أضرار. فلو وجد طفل جمراً مشتعلاً، لأمسكه بأصابعه الغضة. وبالتأكيد لا يشعر بخطورة ما يفعل سوى بالاحتراق والألم.

إنَّ الشغف والمغامرة هما أكبر مساحة لدى الطفل من الإحجام والخوف، لأن الرغبة في الاكتشاف هي التي تحيل الواقع إلى وسيط ليس أكثر. وكل سؤال يجب أن ينطوي على رغبة في الاختراع والمغامرة بشكل لا يتوقف. وما لم يكن السؤال مبنياً على ذلك لمن يكون سوى ضرب من التماثل السلبي.

والسؤال الأصيل هو الاستفهام الذي يحمل في دلالته تلك القدرة على اختراع مغامرة جديدة. أنَّه نزق طفولي عميق في أي موقف حتى أننا نشعر بما هو مختلف. الطفل يتساءل بشكل جذري على سبيل المثال: لماذا نموت؟ هل الموت جزء من الحياة طالما أننا نموت داخلها وليس خارجها؟

هاهنا لا تكفي أكثر من إجابة – إنْ وجدت- لإقناع الطفل المتسائل. كما أنَّ السؤال يتضمن داخله أعقد الموضوعات في الدين والحياة والمصير والقيم والمجتمع والتاريخ. الموت غير قابل للمساءلة لكونه مفاجئاً وضرورياً ولا وقت للمراجعة. دوماً نعرف الموت من آثاره التي تأتي سابقة وليست متأخرة كما يظن البعض. والموت على اتصال وثيق بطبيعة الحياة. فلأنَّ الطفل يدرك بغرائزه وكيانه جوهر الحياة، فهو لا يتصور انقطاعاً عنها. إذن من الطبيعي أن يجئ أيُّ تصور لا ينتمي إليها موضوعاً للاستفهام مهما بعُد!!

وبالنسبة للكبار لا يتم مُساءلة الموت عادةً عن وجوده وأفعاله، فهناك حال من التكرار لهذه القضية. ويبلغ الموت من الرتابة في حدوثة درجة ملحوظة، رغم أنَّه غير تقليدي في موضوعاته( الأموات) وفي ظروفه( السياق ).

المجهول

ينشغل الطفل طوال يومه بالمجهول بقدر شغفه بالحياة. فالحياة بالنسبة إليه بكر كما أنَّه عبارة عن جهاز بيولوجي حساس تجاه واقعه. وبالتالي ليس متطلعاً إلى ما هو مستزيد منه بل إلى ما ليس متاحاً. وهذا جزءٌ من المواقف الاستفهامية التي يطرحها أمام متابعيه.
إنَّ المجهول ليس هو غياب الموجودات غياباً مادياً. هو يشمل جميع الأشياء ولو كانت ضمن محيطه المباشر. حتى أنَّ الطفل يأخذ في صياغة السؤال تلو السؤال من أجل البحث عن حقيقتها.

هناك عدة أفعال طفولية تخص المجهول: الاهتمام، العبث، التجريب والفوضى. الاهتمام يبدو في تعلق الطفل بالأشياء ومحاولة الاستحواذ عليها. أمَّا ملامستها، فلا تخلو من رغبة طفولية قادرة على الادراك المستمر. ويبدو الاهتمام بلا شيءٍ في الوقت نفسه لكنه استغراق تام فيما هو فيه. والطفل لا يكف عن محاولاته نحو ما يجذب انتباهه مبدياً العناية نفسها في كل مرة.

العبث هو اقتحام الطفل للأشياء دون حذر، وقد يمسك بها على نحو مدهش. وفي هذا يبذلُّ كماً من الرغبات محاولاً التملك الخاص لها. فعندما يلتقط الطفل شيئاً كقطعة من أثاث المنزل مثلاً يناله الابتهاج بما حصل عليه. وهو يعبر عن ضرورة اشباع وجوده في إطار الرموز التي تملأ حياته.

في العادة لا يستمع الأطفال لتحذيرات الكبار أيا كانت، من ثمَّ فإنَّهم يجربون بأنفسهم الأفعال والمواقف والأحداث. وقد يقال إنَّ ذلك قلة خبرة وعدم نضج مناسبين للمجتمع. لكن الأمر أعمق من ذلك بكثير، فالتجريب الطفولي اليومي نوع من الخيال الجامح والرغبة في الاندماج بالحياة. ولهذا يكون تعبير الأطفال قوياً لدرجة الوقوع في الأخطار. وتلك هي سمة كلِّ سؤال قوي في موقفه وبشأن الأساس الذي يُبنى عليه.

أمَّا الفوضى فهي مقترنة بالأطفال من جانب المحيطين بهم. والفكرة المبدئية أنَّهم لا يدركون تقاليد الكبار في الحفاظ على نظامهم العام. ويرتبط ذلك من جهة أخرى بالإزعاج المؤثر الذي يتسببون فيه. وهذه الأوصاف لا تقيِّم ما لدى الأطفال من رغبة في التمرد المتواصلين. ولذلك هم مصدر الأمر الآتي الذي يخلخل أركان الحاضر، هم لسان حال أوضاع لم تأتِ بعد وتحتاج إزعاجاً يقض مضجع الأشياء التي تغط في نوم عميق.

الفوضى هنا طريقة في ممارسة الحياة وليست ضد النظام الذي تحدث فيه. هي ما كانت لتُسمَّ فوضى إلاَّ مقارنةً برتابة مملة لا تقبل المزيد من التحرر. ولذلك فإنَّ حكمة وجود الأطفال كونهم نوافذ حية على المجهول الذي يحدث شيئاً مختلفاً، حيث يعيد الزمن المتوقف عند درجات التحول القابل للممارسة.

طاقة اللعب

لدى الأطفال طاقة لا تنفد على اللعب والاستفهام، على مداعبة الأخيلة والوقوف مع مستواها غير المنطقي. واللعب ليس رغبة مضافة إلى العالم لكنه بمثابة العالم نفسه، لدرجة أنَّ ما هو خارج اللعب بالنسبة للأطفال قد يكون لا قيمة له. وهم في تلك المرحلة لا يملكون غير مداعبة العالم بما يجود خيالهم من التلهي والانهماك في الألعاب البسيطة.

اللعب نمط حياة يعطى الأطفال طاقات تساؤلية متجددة، لأنَّه غذاء وجودي يقتاتون عليه في رؤية الآخرين والعالم. أي أنَّه المجال الأوسع لنمو قدراتهم الخيالية والجسدية والوجدانية. وهو كلعب يمتدُ إلى وضع الآخر في مواقف حرجة، لأنَّه لا يستطيع غالباً تفهم هذا التداعي الجسدي والخيالي لمن يلعب ويستفهم.

هكذا فإنَّ كل استفهام ينطوي على طاقة من اللعب الضمني بحثاً عن دلالة مغايرة. وإذا كان الأطفال ينهمكون في حالة لعب مباشر، فأنهم يجسدون الأسئلة عملياً بهذه الصورة. عندما يداعب طفلٌّ شخصاً يكبره، يضع هذا الشخص تحت التعجب. فالطفل أكثر مرونة وقابلية للاستجابة. وعبر هذا الإطار يبث اللعب طاقة ايجابية تذيب الثوابت وتجعل لقوى الخيال دوراً في المشهد.

وبالتالي ريثما يتعامل المجتمع مع الأطفال في سياق تقاليده وانظمته الحياتية، فالأطفال يتلاعبون بها عن طريق الألعاب البسيطة لأنها تكسر التقاليد. ويبعثون روحاً جديداً في الجوانب الرمزية للواقع. فهم " تعبير تأويلي " عن حياة لم تأتِ بعد وليس هذا شيئاً هيناً بل يتجلى تدريجياً ضمن الزمن. المستقبل هو ما يتسلل عبر هذه الكائنات الطفولية المحيرة، إنَّه لا يكف عن انتظارهم في الخفاء... هنالك حيث ينتظرونه أيضاً.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,323,902,338
- في مفهوم ( المُفكِّر العَابِر للثَّقَافات)
- حفريات المواطنة: استعارات الهوية في الخطاب السياسي(2)
- حفريات المواطنة: استعارات الهوية في الخطاب السياسي(1)
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم
- سياساتُ الجمالِ: هل يمكن الثأرُ بالفنِّ؟
- شيطَّانُ الديمقراطيةِ: هذه هي السياسة !!
- حول استعادة الله من الجماعات الإرهابية
- أين تكْمُن قوةُ المجالِ العامِ ؟
- الأصُوليَّة... والوصُوليَّة: حين يُغْيَّب المجال العام
- المُقدَّس والسياسة: عن أحداث 11 سبتمبر
- صيدُ الفراشات: دولةُ الخلافةِ والنِّساء
- على فِراش الجُوع
- عهد
- حين يكون الكذبُ حقيقةً
- ما بعد الكذب
- رأسُ الأفعى
- مُوعِدٌ في الظلامِ
- للهزائم الرياضية وجوه أخرى!!
- بَغْلّةُ السُلطانِ
- إنسانيتي أصابع مُتّسوِلّة


المزيد.....




- فيديو لـ-قمر الدين منتج سوري مخلوط بالزجاج- يثير ضجة في السع ...
- 5 دولارات بأمريكا.. فقط لتمر بهذا الشارع المشهور جداً
- السودان: اتفاق بين الحراك والمجلس العسكري على عقد لقاءات لنق ...
- ما آخر تغريدة نشرتها مها ووفاء السبيعي بعد هربهما من السعودي ...
- الحوثيون: وصول سفينة تحمل وقودا إلى ميناء الحديدة
- رئيس وزراء سريلانكا يصف انفجارات اليوم بـ -الهجوم الجبان-
- الكونغو الديمقراطية: إرتفاع عدد ضحايا غرق قارب إلى 40 قتيلا ...
- ليبيا: مطار معيتيقية بطرابلس يستأنف نشاطه
- بعض الملاحظات حول الخطاب المخادع للمسماة عبير موسي
- ليبيا: مطار معيتيقية بطرابلس يستأنف نشاطه


المزيد.....

- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سامي عبد العال - أسئلةُ الأطفالِ: شغفٌ فلسفيٌّ