أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي الأحمر - الظاهرة الدينيّة: الإسلام نموذجا















المزيد.....

الظاهرة الدينيّة: الإسلام نموذجا


علي الأحمر

الحوار المتمدن-العدد: 6199 - 2019 / 4 / 12 - 20:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


اتجه البشر، منذ عصور ما قبل التاريخ، في ردّات فعل أولى تجاه ما حولهم، إلى تقديس بعض الحيوانات والقوى الطبيعية خوفا منها، فنسجوا حولها تصوّرات دينية ذات طابع أسطوري في محاولة لاتقاء شرورها وإخضاعها لمشيئتهم. فكانت هذه التصوّرات من أولى المقاربات البشرية للوجود، ظهرت منذ بدأ "الإنسان العاقل" Homo sapiens يعقل الأشياء من حوله، أي منذ حوالي مائتي ألف سنة. وقد عكست رسومه و نقوشه على جدران الكهوف التي لجأ إليها، في الفترات الجليدية الأخيرة، تقديسه لبعض الحيوانات التي كان يصطادها، والتي اعتبرها سبب وجوده. فلحمها يغذيه، وجلودها تحميه من البرد، والجري وراءها قاده إلى تعمير الأرض انطلاقا من شرقي إفريقيا إلى باقي القارات، بفضل تجمّد أجزاء من المحيطات والبحار. و هكذا ربط الإنسان البدائي وجوده بالدين، فعمد إلى دفن موتاه، ومعهم أدوات الصيد والقنص، وكانت أغلبها من الحجارة المنحوتة في إشارة إلى اعتقاده في حياة أخرى بعد الموت، فولدت أولى المعتقدات والطقوس الدينية.
و تنوّعت هذه المعتقدات الدينية بتنوّع الأطر البيئية والأزمنة وتطوّر ظروف الإنسان المعيشية. وباكتشافه الزراعة و تربية الماشية و الاستقرار على ضفاف الأنهار الكبرى، منذ حوالي عشرة ألاف سنة، نظر إنسان العصر الحجري الحديث، بعين القداسة إلى الأنهار وينابيع المياه والأشجار، ونظر إلى السماء فعبد القمر والشمس والرياح والأمطار. فتوجّه بذلك إلى قوى الطبيعة التي استشعر الخوف منها، فقدّسها واعتبرها سبب وجوده، في محاولة مستمرة منه لمعرفة سرّ هذا الوجود. وتجلّت أثار هذه المقاربات الوجودية، ذات الصبغة الدينية، في نقوش و رسوم الحضارات الزراعية الأولى بمنطقة الشرق الأقصى والأوسط كعبادة الإله "شمس" ببلاد الرافدين و" رع " و "النيل " بمصر.
و بظهور الممالك والإمبراطوريات، منذ حوالي خمسة ألاف سنة، و انقسام المجتمعات البشرية إلى طبقة أسياد (يحكمون ولا يعملون) وطبقة الفلاحين والعبيد (يعملون ولا يحكمون) تحوّل الخوف والرهبة نحو الملك الحاكم، فقدّس أهل مصر فراعنتهم (ملوكهم). ومع تطور الحياة الاجتماعية وتعقّدها، ظهرت الحاجة إلى تقديس بعض الظواهر الاجتماعية الأخرى كالحرب والسلم والحب والجمال و الخصب ..
وهكذا نلاحظ تطوّر التصوّرات والمقاربات الدينية من العالم المنظور إلى عالم اللاّمنظور. وقاد هذا التطوّر تدريجيا إلى ظهور فكرة الإله الواحد، في عملية ذهنية تجريدية رافضة للتعدّد والتجسيم. وقد عكست هذه الفكرة، بصفة غيبيّة ماورائية، صورة الحاكم والسيد إلى السماء، و أضفت عليه كل صفات القدرة والعظمة. وجعلت منه خالقا للكون والكائنات كلها، والمتحكم في مصائرها، وهو ما اتفقت عليه الديانات التوحيدية عامة و " الإبراهيمية " خاصة، والتي ظهرت بمنطقة الشرق الأوسط، منذ حوالي أربعة آلاف سنة، ممثّلة في اليهودية و المسيحية ثمّ الإسلام.
ظهر الإسلام في قريش في بداية القرن السابع م، وهي أكبر القبائل العربية التي كانت تسكن بمكة أحد أهم مراكز التجارة بين اليمن والشام. وهي أيضا موقع قديم للديانة الإبراهيمية، حيث كانت توجد بها الكعبة " بيت الله " ومزار الحجيج العرب من كل صوب، في كل سنة، رغم انصرافهم عن عبادة الله الواحد إلى عبادة الأوثان والأصنام ( مجسّمات الآلهة ) التي كانوا يعبدونها مثل هبل واللاّت و العزّى، والتي وضعت داخل الكعبة، وترمز إلى الخصب والخير والعزّة. وبفضل موقعها، كانت قريش تعيش على التجارة وسقاية الحجيج، و تحكمها طبقة من الأسياد يخدمهم العبيد. و ضمن هذا الإطار، جاء الإسلام ليجدّد عبادة الله الواحد، و الإيمان برسله وملائكته واليوم الآخر، و النهي عن بعض التصرفات والعادات، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و الرأفة بضعاف الحال، و حسن معاملة العبيد دون أن يأمر بتحريرهم إلاّ في إطار التكفير عن الذنوب أو " الكفّارات ". وهذا لأنّ الناس في نظر الدين الإسلامي كلهم عبيدا لله، و دليل ذلك تكرّر استعمال عبارات "عباد الله" و " إماء الله" و " ملك اليمين" في النص القرآني. ومن أحاديث رسول الإسلام محمد قوله" لا يقولنّ أحدكم عبدي و أمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، و لكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاتي وفتاي" ( رواه أبو هريرة). كما روي عنه قوله " من قذف مملوكه بريئا مما قال، أقيم عليه الحدّ يوم القيامة إلا أن يكون قد قال ". و من هنا نستنتج أن الإسلام قد عكس واقع عصره البائس، و احتجّ عليه بطريقة غيبية أكثر بؤسا، فأجاز بذلك العبودية، و اخترع لها الذرائع والتبريرات في القرآن مثل " ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات"، وجعل من أمة محمد " أحسن أمة أخرجت للناس " مشرّعا بذلك للطبقية و العنصرية في آن واحد. وعلى أساس هذه المبادئ، أسّس رسول الإسلام دولته بالمدينة، و عمل على توحيد القبائل العربية المتناحرة بسبب الماء والمرعى والثأر والشرف، و التي كانت تجوب الصحراء بحثا عن مصادر الرزق، ليكونوا قوّة قادرة على الانتشار خارج شبه الجزيرة العربية على حساب الشعوب والأمم الأخرى، بدعوى الجهاد في سبيل الله لنشر دينه. و شعارهم في ذلك "أسلم تسلم" و الاختيار بين ثلاث الإسلام أو الجزية أو الحرب.ثمّ عمل خلفاؤه، من بعده، على تحقيق ذلك الهدف. وهكذا وفي أقل من قرن، أصبحت للعرب المسلمين إمبراطورية واسعة تمتد من الهند شرقا إلى اسبانيا غربا على أنقاض الإمبراطورية الفارسية والبيزنطية. فكيف وظّف المسلمون دينهم للتعامل مع هذا الواقع الجديد؟
عمل الخلفاء الراشدون و الأمويون ثمّ العباسيون على إحكام سيطرتهم السياسية والإدارية على هذه الإمبراطورية الواسعة، والغنية بمواردها الاقتصادية الزراعية والتجارية، عن طريق جهاز إداري يتكون من دواوين و سلك من الولاة والقضاة يساعدهم موظفون. و روقبت الحدود بواسطة حاميات عسكرية انتصبت بالثغور .و فرض على الموالي (المسلمون من غير العرب) "الخراج"، وهو ضريبة تدفع مقابل استغلال الأرض الزراعية. وفرضت " الجزية " على أهل الذمّة (اليهود والنصارى) مقابل حماية دولة الخلافة لهم. وفرضت على جميع المسلمين " الزكاة "، وهي ضريبة دينية على المال والأنعام والحبوب تدفع عند بلوغ النصاب. و إضافة إلى هذا، أخذت المكوس على التجّار، وتكفل بجمعها أعوان الحسبة، العاملين على مراقبة الأسعار والموازين والمكاييل و البيع والشراء، في الأسواق داخل المدن. وتودع الأموال المتأتيّة من هذه الضرائب، ذات الصبغة الإقطاعية، في " بيت مال المسلمين"، وتنفق في مجالات و مآرب عديدة. و كان حكم الخليفة للناس حكما "إلهيا مطلقا" يستمد شرعيته من الدين. و هو ما دعا أبو جعفر المنصور للقول " أنا ظل الله في الأرض أسوسكم بمشيئته"، بمعنى أنّه خليفة الله في الأرض، يحكمها على أساس تعاليمه التي أنزلها على رسوله محمد. وقد خوّلته مكانته تلك من أن يبسط نفوذه على الأرض و"العباد" الذين تحوّلوا، في ظل نظام الخلافة الإسلامية، إلى "عبيد للأرض" أو أقنان يدفعون الخراج والزكاة مقابل استغلالهم لها ولما ينتجونه منها. وهو ما جعل هارون الرشيد يقول يوما لسحابة مرّت فوق قصره " أمطري حيث شئت فسيأتينني خراجك "، في إشارة إلى اتساع مساحة دولته، و إلى صبغتها الإقطاعية، باعتبار أن الأرض الزراعية هي ملك للدولة ممثلة في الخليفة، يأتيه خراجها من كل الأقاليم، و يقطع ما شاء منها لمن يشاء من حاشيته من كبار القادة والأمراء. و استغلّ العبيد، من الزنوج-الأفارقة، للقيام بالأعمال الشاقة كبناء السدود واستصلاح الأراضي وتجفيف المستنقعات. و هو ما جعلهم يثورون مطالبين بالحرية فيما عرف ب"ثورة الزنج" أيام العباسيين.
هكذا نلاحظ، أنّ نظام الخلافة الإسلامية قد كان نظاما استبداديا على المستوى السياسي، و إقطاعيا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. وقد وظّف الدين، ليكون غلافا إيديولوجيا لهذا النظام، لأنّه ليس بمقدوره أن يفعل غير ذلك. فالتحوّلات الاجتماعية لا تخضع في حدوثها لما يجري على مستوى البنية الفوقيّة، بل لما يجري في البنية التحتيّة من تغيّر لعلاقات الإنتاج المرتبطة بنوعية ملكية وسائل الإنتاج على حدّ تعبير كارل ماركس. فالسياسة والدين والثقافة بصفة عامة انعكاس وتبرير للعلاقات الاجتماعية السائدة. و الإسلام كدين لم يحد عن هذه القاعدة.
اذن، فالدين عموما هو تأويل بائس لواقع بائس، أملته ظروف عيش الإنسان البدائي وإنسان العصور القديمة، نتيجة الجهل بقوانين الطبيعة والمجتمع، في غياب العلم، وكمحاولة منه للتحكّم فيهما. وقد تواصل تأثيره إلى نهاية العصور الوسطى بأوروبا، وتحديدا الى عصر النهضة، في حين، مازال تأثيره قائما في "العالم العربي الإسلامي"الى الوقت الراهن، لغياب نهضة حقيقية. وأدّت محاولات التحكّم في المجتمعات، بواسطة الدين، إلى تحويله إلى أداة أيديولوجية فعّالة بيد الطبقات الاجتماعية السائدة. وهو ما حدا بكارل ماركس للقول بأنّ " البؤس الديني هو في الآن نفسه تعبير عن البؤس الحقيقي و احتجاج عليه.. هو تنهدة الخليقة المضطهدة ..هو روح عالم بلا قلب، و فكر عالم بلا فكر..هو أفيون الشعب". فالبؤس الحقيقي، يخلق البؤس الديني الذي يتدخّل في حياة الناس، فيقلبها إلى بؤس حقيقي. وهذا ألأمر يؤدي إلى نتيجة مفادها أنّ النضال ضد هذه الظاهرة الدينية البائسة، يمرّ حتما بالنضال ضدّ ذلك العالم الذي هو رائحته الروحية، أي ضد التخلف بكل اشكاله





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,324,892,066





- منظمة التعاون الاسلامي تدعو إلى تشجيع الشابات على العمل في ا ...
- المسيحيون بسوريا يحتفلون بـ-عيد القيامة” وآمال بانتهاء الحرب ...
- مسيحيو العراق يقيمون الصلوات ويتبادلون التهاني بعيد الفصح
- في قداس عيد القيامة... باريسيون يصلون من أجل ترميم كاتدرائية ...
- المجلس العسكري السوداني يحذر من الخلافات الدينية والسياسية و ...
- مصر: أقباط يحيون -آلام المسيح- ويحتفلون بأحد الشعانين بمشارك ...
- أبرز الهجمات ضد المسيحيين
- أبرز ما نعرف عن المسيحيين في سريلانكا
- في زيارة النبي شعيب عليه السلام نرفض استقبال سياسيين صوتوا م ...
- غارات وانفجارات بالعاصمة الليبية طرابلس.. وبابا الفاتيكان يد ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - علي الأحمر - الظاهرة الدينيّة: الإسلام نموذجا