أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - النساء في الثورة السورية















المزيد.....



النساء في الثورة السورية


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6198 - 2019 / 4 / 11 - 14:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا نجانب الحقيقة إذا قلنا إن الحضور النسائي في الشأن العام السوري حضور له ثقل ملحوظ قبل اندلاع الثورة السورية. وكان هذا الحضور قوياً كما في الموالاة كذلك في المعارضة. ولا بد من التمييز في حضور المرأة السورية في الشأن العام بين حضورها في المناصب ضمن المؤسسات (وزارات، مجلس شعب، نقابات، قضاء ..)، وهذا حضور يقتصر على الجانب الموالي عموماً، وبين حضورها كنشاط سياسي وفاعلية مدنية. وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن ما سنعرضه من مشاركة مهمة للمرأة في الثورة السورية الراهنة لا يتعلق بحضورها الرسمي أو البروتوكولي، الذي سوف نشير إليه في السياق، بل يتعلق بحضورها كناشطة في كل مجالات الثورة، وسنعرض تحولات هذا الحضور مع تحولات الثورة نفسها.
وتوخياً للدقة والموضوعية لا بد أن نقول إن نشاط المرأة السورية في الثورة السورية الراهنة لم يكن تطوراً مفاجئاً مقطوعاً عما سبقه. في التاريخ السوري الحديث كان للمرأة مشاركة ملحوظة في جميع الأحزاب المعارضة، بما في ذلك الأحزاب الإسلامية، وإن كان بمستوى أقل من الأحزاب اليسارية والعلمانية، بحكم الطبيعية التمييزية للفكر السياسي الإسلامي عموماً ضد المرأة. معروف أن سجن تدمر العسكري كان يضم مهاجع خاصة للنساء اللواتي شاركن بشكل أو بآخر في انتفاضة الإخوان المسلمين في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي . على أن الحضور النسائي في الأحزاب اليسارية والعلمانية كان أقوى وأكثر وضوحاً، ويلفت النظر بشكل خاص هنا حضور المرأة الناشطة في حزب العمل الشيوعي في سوريا، حيث (شكلت النساء في الثمانينات حوالي 20% من كوادر حزب العمل الشيوعي) . واعتقل في سياق السعي المحموم لأجهزة الأمن السورية لتصفيه هذا التنظيم العشرات من النساء والفتيات الناشطات وجرى الاحتفاظ بالعشرات منهن في سجون النظام البعثي (حوالي 50 سجينة) لمدة أربع إلى خمس سنوات . وبرز من بين هؤلاء أسماء شاركت مشاركة فاعلة في الثورة السورية الراهنة مثل ناهد بدوية وخولة دنيا وسميرة خليل وغيرهن.
وفي مجال الحديث عن حضور المرأة السورية في الميدان العام قبل الثورة، لا ينبغي أن نغفل عن فترة الانفتاح السياسي النسبي الذي شهدته سوريا في بداية عهد الأسد الابن، حيث ازدهرت ظاهرة المنتديات وكان على رأس اثنين من أهم هذه المنتديات امرأتين، الأول منتدى الأتاسي في دمشق بإشراف السيدة سهير الأتاسي، وكان من أنشط المنتديات وأكثرها ديمومة. والثاني منتدى الريس في اللاذقية بإشراف السيدة سهير الريس. وإلى ذلك يُضاف حضور الدكتورة فداء الحوراني كرئيسة للمجلس الوطني لإعلان دمشق للتغيير الديموقراطي. تلك أمثلة عن مستوى حضور المرأة السورية وفاعليتها في الشأن العام قبل اندلاع الثورة وتبدل شروط العمل السياسي في سوريا.
تبدل شروط العمل السياسي بين ما قبل وما بعد الثورة السورية
لا بد من القول إن شروط العمل السياسي المعارض في سوريا قبل الثورة كانت تتطلب أمرين:
الأمر الأول، هو استعداد نضالي كبير عند المرأة على خلفية السلبية العامة في المجتمع السوري، ما يعني أن النشاط السياسي المعارض كان يواجه قبل الثورة ثقل الدولة وثقل (سلبية ولامبالاة) المجتمع معاً. وسوف نجد ما يشبه هذه الحالة خلال الثورة في وسط الأقليات المذهبية في سوريا، ولاسيما في وسط العلويين، حيث تحول "المجتمع" العلوي إلى كتلة مساندة للنظام وجاهزة تماماً لسحق أي معارض علني له، ولعل جاهزيتها هذه كانت في بعض الحالات أشد من جاهزية أجهزة القمع نفسها. لذلك كانت نسبة النساء المشاركات في الشأن العام حينئذ، نقصد قبل اندلاع الثورة، متدنية إذا قيست بما بعد الثورة. ويضاف إلى ذلك أن الطابع السري للعمل المعارض كان يُقصي بطبيعة الحال عدداً كبيراً من المناضلات المحتملات نظراً إلى عدم قدرة التنظيمات المعارضة على الوصول إليهن. فالقمع يشكل جدار عزل سميك بين التنظيمات السرية وبين الجمهور. وهذا بدوره يشكل شرطاً مناسباً لتشويه صورة هذه التنظيمات بشتى الأكاذيب والأضاليل التي لا يمكن دحضها بسبب القمع نفسه واحتكار الإعلام في يد السلطة التي تسيطر على أجهزة الدولة. فيتم بذلك عزل التنظيم المعارض عن الجمهور، أي عن موضوع عمله ومادة نشاطه، بطريقتين هما القمع المباشر وضرب أي محاولة تواصل بين التنظيم والناس من جهة، وتشويه صورة التنظيم بما يُبعد الناس "إرادياً وعن قناعة" عنه من جهة أخرى.
الأمر الثاني، نوعية عمل معينة تتضمن اجتماعات سرية، وأنشطة عملية مثل توزيع المناشير وإيصال أدبيات المنظمة إلى أشخاص معينين ومحاولات كسب أنصار ..الخ. هذا النوع من العمل القليل الجدوى تبدل بعد أن انتقل المجتمع السوري إلى حالة ثورية فتحت بلحظة واحدة آفاقاً عجز العمل السياسي السري لعقود من الزمن عن فتحها أو الاقتراب منها حتى. في لحظة واحدة انتقل المجتمع السوري من حالة الجمود إلى حالة الحركة. انكسرت جدران العزل بين الناشطين والجمهور، وخلقت شروط مناسبة لبروز شخصيات نسائية فاعلة بصورة لم يكن من الممكن لها أن تظهر لولا هذا التحول الحاد. في لحظة واحدة انتقلت المرأة التي كان ينحصر همها في تأمين حياة أسرتها ويشغل بالها فقط ماذا سوف تطبخ اليوم، وكيف سوف تؤمن مؤونة العام القادم ..الخ إلى ساحة الفعل العام والمشاركة في نقل سورية إلى حالة جديدة. انتقلت المرأة إلى الفعل السياسي المباشر، في حين انحصر عمل من سبقنها إلى العمل العام من قبل، في النشاط السياسي السري التبشيري المحدود والكليل أمام آلة القمع المتعددة الأشكال والوسائل. كذا اقتحمت المرأة العادية، وليس فقط المثقفة أو "الطليعية"، ميدان الفعل السياسي. وكذا صار حال الشباب الذين تقدم الهم العام لديهم على كل همومهم الشخصية الأخرى من دراسة إلى ترفيه إلى غيرها من اهتمامات الشباب في أزمنة الركود.
هذا التحول في المجتمع السوري أدخل إلى ساحة الفعل العام نساء عاديات، في حين كان يقتصر دور المرأة السياسي في المراحل السابقة على النساء المثقفات وذوات الوعي السياسي. فمع اندلاع الثورة يمكن القول إن مشاعر الرفض الشعبية تحولت من حالة الوجود بالقوة إلى حالة الوجود بالفعل. واتخذ العمل السياسي المعارض صورته الحقيقية والفعلية، حين تحول إلى فعل سياسي تغييري مباشر، بعد أن ظل عقوداً من الزمن ينحصر في حلقات ضيقة من المبادرين الذين لا يتعدى نشاطهم النقاشات وتحرير الأدبيات التي توزع في أطر ضيقة أيضاً، ما جعل العمل السياسي المعارض عقيماً لفترة طويلة من الزمن.
حضور المرأة في الثورة السورية في المرحلة السلمية
كان لاندلاع الثورة السورية أن هيأ الشروط المناسبة لكي تظهر المرأة السورية فاعليتها. تحول المجتمع، وهي معه وفي صلبه، إلى حاضن للعمل السياسي المعارض في كل أشكاله. كانت المظاهرات هي الشكل الرئيسي للاحتجاج والمطالبة بالتغيير في المرحلة السلمية من الثورة السورية. واحتاج هذا الشكل من الاحتجاج إلى تنظيم وإدارة، فكان أن ابتكر السوريون الآلية التنظيمية التي عرفت لاحقاً باسم "التنسيقيات" التي جاءت استجابة ميدانية لحاجة المحتجين إلى تنظيم المظاهرات، كشكل من الإدارة الذاتية: مواعيد التظاهر، أمكنة التظاهر، الإعلان عن المظاهرة، تصوير المظاهرة ورفعها على النت، صياغة الهتافات، إعداد اللوحات التي ترفع في المظاهرة، العناية بالمصابين أثناء المواجهات مع قوات الأمن، تأمين مستلزمات المتظاهرين من ماء وطعام عند اللزوم، تجهيز المنصات من أجل مخاطبة جمهور المتظاهرين ..الخ. ولاحقاً تشكلت (لجان التنسيق المحلية) التي ضمت عدداً كبيراً من التنسيقيات المحلية على امتداد سوريا، للقيام بهذا الدور الثلاثي الأبعاد: الميداني والإعلامي والسياسي، قبل أن يضاف إليها دور رابع هو الدور الإغاثي. وكان من أبرز المساهمين في تأسيس اللجان المحامية والناشطة السورية رزان زيتونة.
وفي الشهر الثامن من عام انطلاق الثورة السورية 2011، انضوى عدد كبير من التنسيقيات في إطار (الهيئة العامة للثورة السورية) التي كان لامرأة سورية أخرى هي الناشطة سهير الأتاسي دور رئيسي في تأسيسها.
وظهرت أشكال متعددة ومتنوعة من النشاطات التي يمكن للمرأة المشاركة فيها، ومع استمرار الثورة أعادت حياة الناس الثائرين تشكيل ذاتها وفق متطلبات الثورة مما هيأ للثورة ديمومتها بعد أن صارت في معظم المناطق السورية نمط حياة، على شاكلة ما صارت إليه الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، التي كان للمرأة الفلسطينية أيضاً دور بارز فيها، فمن المعروف أن حوالي ثلث ضحايا الانتفاضة الفلسطينية الأولى من النساء .
مع التحول إلى العمل الشعبي المعارض وجدت المرأة لها مكاناً فاعلاً واندفعت للمساهمة "من خلال الدعوة وتنظيم والمشاركة بالمظاهرات والاعتصامات وشحذ همم الناس للنهوض واستعادة حقوقها، صناعة علم الثورة في اماكن مختلفة وبشكل سري والخروج ليلا مع الأصدقاء لرفعه على المباني، كتابة منشورات وتوزيعها ليلا. كنّا نستقبل الأسر الوافدة ونسعى لجمع الأثاث المستعمل والتبرعات بشكل سري وتأمين المسكن والغذاء لهم، وعملنا بهذا المجال بشكل واسع" .
ظهرت مع الوقت إذن أعمال يومية جديدة مثل خياطة علم الثورة، بعد أن تخلى الثائرون عن العلم السوري الرسمي، وتأمين الطعام، والعناية بالمصابين في المظاهرات، والمشاركة في تأبين الشهداء وتقديم العزاء للأهالي ..الخ. وقد أظهرت المرأة السورية استعداداً واندفاعاً تفوق على الرجال في نواح عدة، الأمر الذي أثار غيرة الرجال في بعض الحالات وهدد السلطة البطريركية للرجل. تقول (منى) وهي ناشطة من داريا، وهي مدرسة لغة فرنسية بعمر 42 سنة، متزوجة وأم لأربع أولاد، الزوج والابن البكر (21 عاماً) معتقلان: "الرجال عموماً والنساء في داريا، كبار السن والمحافظون، هم ضد النظام، لكنهم يخشونه. كان الرجال يقفون في وجه النساء المتظاهرات. وحدث أن تعرضوا للمتظاهرات بالضرب والشتائم والبصاق .هناك رجلان طلقا امرأتيهما بسبب اصرارهما على التظاهر، لأنهما خشيا على نفسيهما من جهة، ومن جهة أخرى لخروج المرأتين عن طاعة زوجيهما".
لكن السبب الأهم لوقوف الرجال ضد مشاركة المرأة في المظاهرات، وهو ما لم تذكره منى هنا، هو خوف الرجال على أعراضهم. ولاسيما بعد أن لجأ أعوان النظام (الشبيحة) إلى ممارسة الخطف والاغتصاب بحق النساء الناشطات. وتزداد قيمة هذا السبب في الريف على وجه الخصوص. ومن المعروف أن الطابع العام للثورة السورية كان ريفياً. وبالتدقيق في الشهادات يخرج الباحث بنتيجة واضحة تقول إن الاغتصاب كان وسيلة ردع مقصودة ومدروسة لردع الجمهور الثائر. لنأخذ مثلاً شهادة أم علي من الحولة حيث اختبأت في القش، خلال ما عرف بمجزرة الحولة، وشهدت من مخبئها قتل ابنها بعد أن جرى اغتصاب زوجته أمامه: "تركوا المرأة المغتصبة تعيش، وقالوا لها بعد الاغتصاب، روحي احكي لأهلك ماذا فعلنا بك". وفيما بعد جرى قتل المرأة المغتصبة في ظروف غامضة. القصد واضح إذن وهو إشاعة أخبار الاغتصاب لردع الذكور (أولياء الأمر) عن المشاركة وإجبارهم على الانكفاء صوناً للعرض.
بقي العرض، أو الشرف كما تحدده الثقافة الشرقية الذكورية، النقطة الأكثر إيلاماً. وهو ما لم تستطع، على ما ظهر، أن تبدله نار الثورة. وهذا أمر لا يثير الاستغراب على أي حال. وقد كان هذا الاعتبار وراء الأحداث الفظيعة التي راح ضحيتها نساء على يد ذويهم لأنهن تعرضن للاغتصاب، أي، بالمحصلة، لأنهن شاركن في الثورة. وهذا ما يمكن أن نسميه بمفارقة صريحة (جرائم شرف في الثورة). في محافظة الرقة مثلاً، جرى اختطاف فتاة من قبل الشبيحة وأطلق سراحها فيما بعد، وحين استلمها ذووها قاموا بقتلها على الفور قبل أن تتكلم. لم يكونوا قادرين حتى على سماع ما يحتمل أن تقوله مما تعرضت له، تخيلوا افتراضاً ما جرى لها وما تعرضت له وأيقنوا به في نفوسهم وقتلوها. وفي اللاذقية، التي شاركت في الثورة في بداياتها السلمية قبل أن تنكفئ، لأسباب عديدة، قام ذوو إحدى الناشطات بقتلها لأنها اعترفت بعد أن أفرجت السلطات عنها من السجن، بأنها تعرضت للاغتصاب.
ومن لم تتعرض للقتل المادي تعرضت للقتل المعنوي. إذ لا يزال الوعي الذكوري في الشرق عاجزاً عن النظر إلى المرأة إلا بوصفها مملوكة، وليست كياناً حراً. وهي فوق ذلك مملوكة شديدة الحساسية، تتطلب حماية خاصة ومشددة، بحيث لا يستطيع الذكر الشرقي أن يتقبل عجزه عن حماية "امرأته" فيفضل موتها على بقائها حية كشاهد دائم على عجزه عن حماية "شرفه". وحين يعفّ الذكر عن قتل المرأة التي عجز عن حمايتها، فإنه يعفّ من باب الشفقة والرحمة والحب ربما ولكن ليس من باب الاعتراف بحرية المرأة واستقلالية وجودها. وعلى هذا فإن المحيط الاجتماعي للمرأة التي تعرضت للخطف والاغتصاب (لا يختلف في ذلك النساء عن الرجال وربما كان النساء أشد فتكاً معنوياً بالمرأة المغتصبة)، ينظر إليها على أنها امرأة معطوبة أو مثلومة الشرف. وهذه المرأة لن تجد في الغالب الأعم من يتقدم إليها للزواج منها. هذا عدا عن النظرة التبخيسية التي سوف تعانيها طوال حياتها. وقد تجد نفسها مضطرة للإقدام على ما عفّ الذكر عن فعله بحقها، فتقتل نفسها فعلياً (تنتحر) أو تنفي نفسها عن محيطها بأن تبتعد كثيراً أو قليلاً لتعيش وسط بيئة أخرى لم تشهد "عيبها".
وقد شهد كاتب هذه السطور حالة جرى فيها اختطاف طالبة جامعية من جامعة تشرين في محافظة اللاذقية، ثم اتصل الخاطفون بوالد المختطفة لدفع المال مقابل تحريرها. تعاطف الأهالي مع أسرة الطالبة وتكافلوا، رغم فقرهم، لجمع المبلغ الذي طلبه الخاطفون. غير أن ما كان يمكن قراءته في عيون الأهالي قبل أن تعبر عنه ألسنتهم، هو التحسر سلفاً على مصير هذه الفتاة ومستقبلها بعد تحريرها من الخطف. الكثيرون، وغالبيتهم من النساء، قالوا صراحة: "إن موتها كان أهون عليها وعلى أهلها". جرى تحرير الفتاة مقابل المبلغ المطلوب. ولكنها تعيش اليوم بائسة تحت نظرات التبخيس الدائمة. وسوف تلاحقها هذه النظرات مهما حققت هذه الفتاة من إنجاز دراسي ومهما حازت من شهادات. وذلك رغم أن هذه الفتاة أكدت أنها لم تتعرض لأذى من أي نوع، وأبدت استعدادها للخضوع إلى الفحص الطبي. غير أن ذلك لا يجدي، فقرار الحكم صدر بحقها من عقلية ذكورية تتبناها النساء مثل الرجال، قرار لا ينفع معه شهادة أحد ولا حتى الفحص الطبي، ذلك أن كل شيء قابل للتلاعب والتزوير. وهذا ما قصدناه بالقتل المعنوي.
وليست قليلة الحوادث التي عجزت فيها الفتاة عن تحمل عبء ما وقع عليها من فعل، وهو عبء لا تتحمل هي، منطقياً، أي ذنب فيه. فأقدمت على الانتحار. تحت تأثير ضغط ما ينتظرها من تحقير اجتماعي، وتحت تأثير شعورها الطاغي بالمهانة. «سلمى ماتت»، بعيون دامعة تتحدث وداد عن ابنة خالتها ابنة السبعة عشر ربيعاً، والتي أصرت على التخلص من الجنين. «لم تأبه لتحذيرات الأطباء من احتمال تعرضها لنزف أودى بحياتها بسبب عملية الإجهاض»، وتتابع بحسرة: "كانت صغيرة، لم يمسّها أحد قبل الاغتصاب، أما أنا فلدي ثلاثة أولاد، وكان سهلاً علي التخلص من هذه الثمرة الحرام». وتضيف بحزن وأسى: «لم تتحمل جارتنا ما حصل، بللت ثيابها بالكاز ودخلت حمام المنزل وأحرقت نفسها».
وهنا يكمن سر لجوء أجهزة القمع الرسمية وغير الرسمية إلى هذا الأسلوب كطريقة فعالة في الردع. ويزداد اللجوء إلى هذه الطريقة مع تزايد حجم التهديد الذي يتعرض له النظام السياسي أو الطرف السياسي – العسكري المعني.
ومع تزايد منسوب العنف ورجحان كفة العسكرة في الثورة وما رافقها من انتشار لفكر إسلامي متشدد، راحت جماعات مسلحة تُنسب إلى الثورة تمارس أفعالاً مشينة بحق المرأة، التي ارتد نظر الإسلاميين لها إلى مستوى "مُلك اليمين". وفيما يلي نموذج عما تدفعه المرأة جراء هذا الانحطاط في التفكير:
"أحد المقاتلين في كتيبة، على الحدود المحاذية لمناطق الساحل، وعندما اقتحموا إحدى القرى العلوية، قال لي: كانت هناك فتاة فائقة الجمال تم أسرها، عمرها 18 سنة، وحسب ما قال فإن شباب الكتيبة كلهم تقاتلوا فيما بينهم لأجلها، ورغم عقيدتهم الدينية فقد نشب خلاف بينهم من أجل الاستئثار بها. الفتاة كما وصفها المقاتل كانت في حالة صدمة، وصامتة، وتنهار بين وقت وآخر. عندما جاء قائد الكتيبة، أحضر الفتاة وجعلها تقف بينهم جميعاً، ثم وضع مسدسه في جبينها وأطلق عليها الرصاص، وقال: هذه فتنة للمسلمين، ويجب التخلص منها" .
وثمة نوع آخر من القتل المعنوي تعرضت له بعض الناشطات المتحدرات من أقليات مذهبية ولاسيما من الأقلية المذهبية العلوية، حيث تعرض بعضهن لتشكيك دائم في مصداقية انتمائهن للثورة وإيمانهن بها، رغم كل ما قدّمنه. يتعلق الأمر هنا بإشكالية بعيدة عن إشكالية النوع الاجتماعي (الجندر) ولكن المرأة تدفع نصيبها هنا أيضاً من الاضطهاد المعنوي الذي تتم ممارسته ضمن بيئة الثورة نفسها. فالموقف العام لأبناء الطائفة العلوية كان طوال عمر الثورة مع النظام، ويشكل العلويون العماد الأساسي للجيش وأجهزة الأمن الخاصة بالنظام ويشكلون أيضاً العماد الأساسي للتنظيمات العنفية التي تؤازر النظام في قمعه للحراك الشعبي. هذا الواقع خلق وعزز انعدام الثقة بأبناء الأقليات على ضفة الثورة. وهذا الواقع رتّب على الناشطين من الأقليات ولاسيما منهم العلويون والعلويات عبئاً إضافياً يتطلب منهم البرهان الدائم على إيمانهم بالثورة لصدّ الشك الدائم في عيون غير قليل ممن يشاركونهم أعباء النهوض بالثورة.
تقول لبنى، وهي ناشطة شابة (علوية) انخرطت منذ البداية في الثورة وكرست الجزء الأكبر من نشاطها للتوثيق وإعداد التقارير الصحفية، إنها كانت برفقة مقاتلين إسلاميين في ريف اللاذقية وكانت قد أمضت أياماً معهم معرضة نفسها مثلهم لمخاطر القصف الجوي والمدفعي من جانب قوات النظام، وتعد التقارير الصحفية عن نشاطاتهم، من موقع انتمائها للثورة. وذات يوم مرت مجموعة من المقاتلين بجانب جامع وكانت الناشطة برفقتهم. بعد دقائق تعرض هذا الجامع للقصف، فسارع بعض المقاتلين إلى اتهامها بأنها هي من أوصل لقوات النظام معلومات عن تحركاتهم وخط سيرهم.
تغير حضور المرأة في الثورة السورية بعد رجحان كفة المسعى العسكري في التغيير
لم يكن السلاح غائباً بشكل تام منذ البداية، لكن ظاهرة العنف على ضفة الثورة كانت في الشهور الأولى ثانوية قياساً على الأشكال السلمية للاحتجاج. غير أن مسار عسكرة الثورة كان في تصاعد واضح على خلفية العنف المفرط الذي ووجهت به المظاهرات السلمية. ولكشف قوة الضغط الذي دفع السوريون الثائرون باتجاه العسكرة، يكفي أن نذكر أنه حتى 10 حزيران 2011 (تاريخ الهجوم الذي شنه معارضون للنظام السوري على مراكز الأمن في جسر الشغور وراح ضحيته 120 عنصراً أمنياً بحسب الرواية الرسمية للنظام) كان قد قتل 2355 مواطناً سورياً موثقين بالصور والمكان والزمان وطريقة القتل، بينهم 100 طفل و76 امرأة و91 مواطناً قضوا تحت التعذيب.
ويمكننا أن نتلمس علاقة عكسية بين العسكرة وحضور المرأة في الثورة. فكلما زادت العسكرة ازداد دفع المرأة إلى الخطوط الخلفية. ذلك أن العنف سلوك ذكوري غالباً. ومن المؤسف أن المرأة دفعت ضريبة العنف والعسكرة مرتين، الأولى حين يتراجع دورها وتدفع إلى الخطوط الخلفية غير القتالية، والثانية حين تصبح هي ضحية العنف المنفلت ضد المدنيين. اندياح العنف يجعل المرأة ضحية ككل المدنيين، ويجعلها فوق ذلك ضحية ثقافة ذكورية تجد في بيئة الحرب فرصة للتحرر من الضوابط الأخلاقية والاجتماعية والقانونية لتمارس التسلط بكل أشكاله ضد المرأة بما في ذلك العنف الجسدي والجنسي.
ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى ما يمكن أن نسميه العنف الارتدادي الذي راح يمارسه الرجل ضد أسرته كنوع من التعويض السلبي عن خسارته دوره الاجتماعي في إعالة أسرته، جراء اضطراره لترك وظيفته أو عمله. وهذا النوع من الاضطهاد أشار إليه تقرير أوكسفام ومؤسسة "أبعاد" الذي اشار إلى أن: "(تراجع «امتيازات» الرجل داخل الأسرة أدى إلى «تعبير سلبي عن الذكورة، حيث زادت نسبة العنف ضد النساء والأطفال مع لجوء بعض الرجال للتنفيس عن إحباطهم، فأفرطوا في استخدام سلطتهم داخل الأسرة") هذا ما أكدته دراسة «أوضاع متحولة: تغيير أدوار النوع الاجتماعي بين اللاجئين واللاجئات»".
ما ينبغي ملاحظته هنا هو أن العسكرة زادت من أعباء المرأة وزادت من حجم دورها الداعم ولكنها همشتها في الوقت نفسه. بكلام آخر، تسبب خروج الرجل إلى القتال في بروز دور المرأة العائلي، فباتت المرأة هي الأم والأب معاً في الأسرة، دون أن يحمل ذلك في طياته زيادة في قيمتها الاجتماعية ذلك لأن صورة الرجل المقاتل ضد ظلم النظام باتت تحتل الكادر الأخلاقي كله، بحيث ظلت صورة المرأة المعيلة للأسرة، تابعة لصورة الرجل "البطل". وإذا دققنا في هذا المشهد سوف نكتشف أن الرجل الذي حمل السلاح ضد النظام لم تكن حياته في خطر أكثر من حياة المرأة في بيتها. ولم يكن شقاؤه أشد من شقائها. ولكن الرجل في بيئة الحرب يقطف "البطولة" ويترك للمرأة موقع الضحية. ضحية مقتولة نتيجة العنف الممارس ضد المدنيين كنوع من العقاب والردع اللاأخلاقي من جانب النظام وفي أحيان غير قليلة من جانب التنظيمات المسلحة المحسوبة على الثورة، أو ضحية حية في العمل المضني لسد الفراغ الذي تركه الرجل في الأسرة.
مع تضخم الجسم العسكري في الثورة على حساب الجسم السياسي تضخم دور المرأة في المجتمع وضمر دورها في السياسة. وهي حالة مغايرة وحتى معاكسة لحال المرأة فيما نسميه المرحلة السلمية من الثورة، حيث كان دورها الاجتماعي أقل إلى جوار دور سياسي أكبر نسبياً. ففي المرحلة السلمية لم يكن العنف قد نزح الرجال من بيوتهم وطردهم إلى خارج أسرهم كي يلتحقوا بجبهات القتال ويتغربوا عن عائلاتهم. وفي المرحلة السلمية كان للمرأة كلمة أقوى وصوت أعلى في الشأن العام. وهذه مفارقة لا بد أن يلحظها من يدقق في مسار التحول إلى العسكرة في الثورة السورية.
ويشكل مسار الفنانة السورية فدوى سليمان في الثورة إيجازاً معبراً عن تحولات دور المرأة السورية مع تحول الثورة أكثر باتجاه العنف والعسكرة. ففدوى التي كانت تملأ المظاهرات والشاشات ومواكب تشييع الشهداء وخيم العزاء بالغناء انتهت إلى ما يشبه العزلة في باريس حيث تكتب الشعر. وقد كانت فدوى سليمان أمينة لقناعتها بسلمية الثورة وعدم الانجراف نحو العسكرة، ربما لإدراك عميق منها، أن هذا الانجراف سيكون على حساب دور المرأة وفاعليتها السياسية.
من المهم أن نشير هنا إلى أنه في المناطق الكردية في حلب وريفها وفي شمال شرق سوريا، لم يكن لعسكرة الثورة نفس المفاعيل على المرأة ودورها. فهناك لم تقد العسكرة إلى انتشار فكر إسلامي جهادي معاد للمرأة كما حدث في معظم المناطق السورية الأخرى. ولم تقد العسكرة أيضاً إلى إقصاء المرأة باعتبار القتال شأن ذكوري لا دخل للمرأة فيه. ذلك أنه لا يوجد في الوسط الكردي بيئة ملائمة للفكر الجهادي الإسلامي المتشدد، كما أن المرأة الكردية تعمل في المؤسسات العسكرية كما الرجل. هذا تقليد راسخ في النضال العسكري الكردي في تركيا والعراق وفي سوريا أيضاً. ومن النساء الكرديات من لا يحملن الرشاشات وحسب بل يقمن بقيادة العمليات. مثل القائدة الكردية انغيزيك ديمهات (28 سنة)، التي قادت عشرات المقاتلين الأكراد في حي الشيخ مقصود في حلب وتقول: "يستطيع النساء استخدام البنادق الآلية ورشاشات كلاشنيكوف وحتى الدبابات تماما كالرجال" .
المرأة والجماعات المسلحة
قلنا إن المرأة دفعت ضريبة العسكرة مرتين، مرة لأن العسكرة دفعتها إلى الصفوف الخلفية ، ومرة لأن بيئة الحرب جعلتها ضحية بصفتها جزءاً من الأهالي المدنيين الذين طالهم العنف الوحشي من طرفي الصراع. ولا بد أن نضيف ضريبة أخرى ترتّبَ على المرأة دفعها جراء العسكرة، وهي تراجع قيمة المرأة في النظرة العامة للجماعات المسلحة على ضفتي الصراع. فعلى ضفة مناهضي النظام ظهرت وازدهرت تنظيمات إسلامية متطرفة تحط من شأن المرأة وتعاملها كمملوكة. تنظيمات أرادت العودة بالمجتمع من الناحية الثقافية إلى عصور غابرة. ويكفي أن نقرأ الفتاوى التي تطالعنا بها الجهات الإسلامية المقاتلة في مناطق سيطرتها حتى نلمس مستوى الدونية في النظر إلى المرأة. ويورد تقرير لهيومن رايتس ووتش إشارات صريحة إلى انتهاك "حقوق الإنسان الخاصة بالسيدات والفتيات وتحد من قدرتهن على الاضطلاع بأنشطتهن الحياتية اليومية التي لا غنى عنها"
وفي التقرير شهادات من لاجئات تمت مقابلتهن يقلن: "إن الجماعات المسلحة المتطرفة جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) قد فرضت تفسيراتها للشريعة، إذ تطالب السيدات والفتيات بارتداء الحجاب والعباءة مع التهديد بمعاقبة من لا تلتزم. في بعض المناطق تفرض هذه الجماعات إجراءات تمييزية تحظر على النساء والفتيات، لا سيما من لا يلتزمن بقواعد الملبس، التنقل في الأماكن العامة والعمل والذهاب إلى المدارس". كما يورد التقرير أن "أرملة وأطفالها الثلاثة ماتوا أثناء القتال بسبب الحظر على خروجها من بيتها دون ولي أمر، ما جعلها تخشى مغادرة المنطقة بالأطفال وحدها". وفي التقرير المذكور تقول لايزل غيرنهولتز مديرة قسم حقوق المرأة في هيومن رايتس ووتش: "إن الجماعات مثل داعش والنصرة تزعم أنها جزء من حركة اجتماعية، لكن يبدو أنها تصب تركيزها على مصادرة حرية السيدات والفتيات، أكثر من اهتمامها بتوفير أي امتيازات اجتماعية".
لا حاجة للتدليل على موقف الجماعات الجهادية من المرأة، فقد أعلنت ومارست هذه الجماعات قناعاتها هذه في العراق وفي أفغانستان من قبل. ولا غرابة في أن نجد الجماعات نفسها تمارس الشيء نفسه في الأماكن التي تسيطر عليها هنا في سوريا. فبالرغم من انعدام أساسيات الحياة وانعدام أسباب الأمان العام والشخصي، تجد هذه الجماعات لديها ما يكفي من الضرورة لتنصب في الشوارع الآرمات التي تشرح مواصفات الحجاب الصحيح مع الصور التوضيحية.
وبات مصير المرأة في المناطق "المحررة" من حيث مظهرها وسلوكها مرهون بفتاوى الهيئات الشرعية وفتاوى "العلماء" المسلمين من داخل وخارج سوريا. وهي فتاوى تشي بعقلية ليست منقطعة عن العصر فحسب بل ومنقطعة عن المنطق السليم أيضاً. وباتت الفتاوى العشر للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مشهورة بسبب سخفها وغرابتها عن العصر. ففي هذه الفتاوى تمنع المرأة مثلاً من "ارتداء الجينز والكنزة ويجب ارتداء اللباس الاسلامي العباية والبرقع ويمنع وضع المكياج"، كما "تمنع زيارات النساء لأطباء النسائية (الذكور) بقصد المعالجة"، و"يمنع وضع الملابس النسائية على واجهات المحال ويجب ان تكون البائعة انثى"، و"تغلق محلات الخياطة النسائية في حال تواجد ذكر في المحل"، و"تزال كل الآرمات والاعلانات التي توضع لمحلات الكوافير النسائية".
وللمزيد من التقييد على المرأة وحبسها في المنزل، أصدرت "داعش" في الرقة فتوى بمنع المرأة من الذهاب إلى الفرن. "تقول أم خليل المرأة الستينية: وأمروا الفرّان بعدم اعطاء رغيف خبز للنساء فقط للرجال .. والله ظلينا اكثر من ساعتين واقفين نستنى وما عطونا رغيف خبز .. وباليوم الثاني اصدروا فرمان بمنع النساء من الذهاب للفرن" .
ولا يختلف الأمر كثيراً لدى الجماعات الإسلامية الأقل تطرفاً. فالجبهة الإسلامية لا تأتي البتة على ذكر المرأة في برنامجها الذي وزعته تحت اسم (مشروع أمة)، في تعبير واضح عن السعي لحجب النساء عن الشأن العام يشبه السعي لحجب المرأة عن العيون في الأماكن العامة.
وفي منتصف العام 2012 في حي الشيخ مقصود الذي كان تحت سيطرة الجيش الحر، هزت المجتمع السوري صورة فتاة كردية جرى ربطها إلى عمود اسمنتي وكتب على صدرها "من لا يبصق علي، لا شرف له". وتركت الفتاة هكذا أمام نظر المارة. لا توجد رواية ثابتة يركن إليها حول الفاعلين والأسباب. لكن الواضح من مقاطع الفيديو أن الفتاة كردية وأن من ربطها إلى العمود أكراد أيضاً. والشائع أنه تم قتل الفتاة فيما بعد. تخدمنا هذه القصة في تصور شكل النظرة إلى المرأة والتعامل معها في منطقة تقع تحت سيطرة الجيش الحر. إن إشهار هذا الاعتداء على جسد فتاة يشي بدرجة الدونية التي ينظر بها إلى المرأة. إذ لا جريمة يمكن أن تبرر مثل هذا السلوك المهين الذي يصل إلى مستوى العار.
وفيما يلي شهادة منقولة عن صفحة الكاتبة السورية المعارضة سمر يزبك على الفيسبوك، ومعروف أن الكاتبة عاشت لفترة طويلة بين أهالي ريف إدلب في المرحلة العسكرية من الثورة:
"قرب خط الجبهة الثاني، في ريف إدلب، وتحت قصف البراميل المتفجرة، كانت مجموعة من النساء تناقش تقديم اعتراض للمحكمة الشرعية على تصرف قام به أحد المقاتلين، بعد أن قطع رأس أحد جنود النظام، ثم حمله في الشارع. كنّ حوالي العشرة. اعترضن على تصرفه، رغم نار الثأر، كلهن أرامل، زوجات شهداء. مشهد يحرق الروح والقلب أمام شبابهن الذابل! أكبرهن لم تبلغ التاسعة والعشرين من عمرها. ثلاثة منهن، فقدن إخوانهن في قصف قوات الأسد للبلدة. إحداهن وهي سيدة وصلت للصف التاسع، وتزوجت في الخامسة عشرة، لديها أربعة صبيان، قالت وهي تخطط لتنفيذ الفكرة: لا أريد لأطفالي أن يعتادوا على هذه الوحشية، لم يمت أبوهم من أجل هذا" .
تشير هذه الشهادة الى القيمة الثمينة للمرأة في مجتمع دمرت الحرب فيه القيم، من جملة ما دمرته. حيث تثبت المرأة دائماً أنها الأكثر حرصاً على الحياة وعلى التوازن في المجتمع.
إن استقرار سلطة الكتائب الإسلامية في مناطق انسحب منها النظام، وضعت المرأة السورية أمام مواجهة هذه السلطة الدينية السياسية إلى جوار مهمة دحر الاستبداد الأسدي. وهذه، على كل حال، من السمات المميزة لعملية التغيير في سوريا، لم تشهدها ثورات الربيع العربي الأخرى. ذلك أن وجود ما يسمى "المناطق المحررة" فرض على السوريين أن يعيشوا تجاور أزمنة يفرض كل منها طبيعة صراع مختلفة. صراع ضد الاستبداد الأسدي المزمن، وصراع ضد الاستبداد "الجهادي" المستجد. أو، بكلام آخر، صراع ما قبل الثورة وما بعدها في زمن واحد.
ففي الرقة، أول مركز محافظة، والوحيد حتى الآن، الذي جرى تحريره من قبضة النظام السوري، تعرضت النساء اللواتي رفضن الانصياع لفتاوى وقيود الهيئة الشرعية إلى الاعتقال والضرب والتهجير. فقد جرى مثلاً اعتقال ناشطة (رمال نوفل) وحجزها وإهانتها وتهديدها بالقتل لأنها وقفت توزع فناجين تحمل رسم علم الثورة في أول رمضان يمر على الرقة بعد "تحريرها"، بمبادرة أطلقت عليها الناشطة اسم (برمضان الخير زكاتك غير)، وذلك على سبيل جمع تبرعات لصالح ضحايا الثورة. واللافت أن التهديد بالقتل جاء على لسان امرأة أخرى "أم حمزة" تعمل في مؤسسات القمع الخاصة بالهيئة الشرعية، حيث كانت تضع السكين على رقبة الناشطة متوعدة إياها بالذبح انتقاماً منها على جرأتها في مخاطبة الشيخ المفتي. لم تعارض هذه الناشطة الهيئة الشرعية ولم تحمل يافطات تندد بفتاويها، كل ما فعلته أنها روجت لعلم الثورة الذي لا يروق للجهاديين الإسلاميين الذين يرفعون رايات سوداء، لكنها مع ذلك تعرضت "للشحط" كما تقول وتعرض زميلها في العمل، محمد، للإهانة والضرب والاعتقال أيضاً .
غير أن ناشطة أخرى (سعاد نوفل) وقفت صراحة في وجه الهيئة الشرعية التابعة لداعش بعد أن استتب لها الأمر في الرقة، وتعرضت هذه الناشطة لمضايقات عديدة حتى اضطرت لمغادرة الرقة تحت ضغط تهديدها بالقتل وهدر دمها. وما يجب قوله هنا هو أن نساء كثيرات وقفن ضد استبداد النصرة وداعش وليس فقط هذه السيدة التي حازت على تغطية إعلامية كثيفة. وقد يكون هناك أسباب متعددة رفعت اسم سعاد بهذا الشكل حتى بلغ الأمر إلى حد أن صحفية جعلت عنوان مقالتها في أحد المواقع الالكترونية: (سعاد نوفل المتظاهرة الوحيدة في وجه داعش) . الحقيقة أن هناك أسماء نساء كثيرات ناهضن الهيئة الشرعية وتظاهرن ضدها واعتصمن أمام مقراتها وخاطرن بحياتهن في تهريب النشطاء وحمايتهم وفي رفع الصوت واللافتات دون أن يحظين بنفس التغطية الإعلامية التي حازت عليها سعاد. من هؤلاء مثلاً منى فريج وزهرة فريج وريم العجاجي وفلك الحسن (كانت عضو بالمجلس المحلي لمدينة الرقة، وأمينة سر منظمة جنى النسائية في الرقة) وعزيزة الغضبان وغيرهن. وقد شاركت هذه النسوة وغيرهن في مظاهرات واعتصامات أمام مقر داعش في الرقة ورفعن لافتات تقول (الرقة أبوي وأمي، ابعد يا الملثم عني)، (الرقة حرة وداعش تطلع برا) و(بدنا المعتقلين)..الخ. وترى منى فريج إن ضعف التغطية الإعلامية لهؤلاء النساء ناجمة في جانب منها عن رغبتهن بعدم إظهار وجوههن، وفي جانب آخر عن غياب العلاقات التي يمكن أن تفيد في التركيز الإعلامي عليهن.
ويتأكد وجود ناشطات كثر في الرقة من حقيقة وجود منظمتين مدنيتين نسائيتين فيها الأولى هي (منظمة جنى النسائية) في الرقة والثانية هي منظمة (أنا هي) في منطقة تل ابيض، منظمتان مدنيتان تعملان وسط سيطرة إسلامية متشددة.
عن فتاوى جهاد النكاح
لا يمكن تناول موضوع النساء في الثورة السورية دون المرور على ما سمي "جهاد النكاح" الذي شكل لفترة من الزمن مادة مثيرة ورائجة لوسائل الإعلام. من الواضح أنه جرى تضخيم واستخدام سياسي لهذا الموضوع بغرض المضي أكثر في تشويه صورة الجماعات الإسلامية التي تُنسب إلى الثورة وبالتالي تشويه الثورة نفسها. مع ذلك فإن المنطق السائد لدى هذه الجماعات يقبل مبدئياً وجود مثل هذه الفتاوى، ذلك أن المرأة في هذا المنطق كائن منقوص الأهلية (ناقصات عقل ودين)، ولا يجد قيمته إلا من خلال الرجل وفي خدمته. وإذا كان ثمة إعلام ضخّم موضوع جهاد النكاح لأغراض سياسية، فإن هذا الإعلام ما كان له أن يفعل ذلك لولا أن مثل هذا المنطق يقبل مثل هذه الفتاوى، مما يجعل اتهامه بذلك وارداً.
نسبت الفتوى إلى عدد من رجال الدين بينهم الشيخ السعودي محمد العريفي الذي أنكرها، وتنص الفتوى على (إجازة أن يقوم المقاتلون من غير المتزوجين أو من المتزوجين الذين لا يمكنهم ملاقاة زوجاتهم بإبرام عقود نكاح شرعية مع بنات أو مطلقات لمدة قصيرة لا تتجاوز الساعة أحيانا يتم بعدها الطلاق وذلك لإعطاء الفرصة إلى مقاتل آخر بالمناكحة). ما يهمنا هنا التدليل على أن دخول "الجهاديين" على خط الثورة السورية أدخل إليها فكراً ذكورياً متطرفاً، ساهم في زيادة انكفاء المرأة عن الشأن العام، سواء عن قناعة من المرأة بهذا الفكر وما يتضمنه من تقليل في قدر المرأة، أو عن رد فعل سلبي رافض لهذا الفكر دفع المرأة إلى النأي بنفسها عن الشأن العام.
المرأة والجماعات المسلحة على ضفة النظام
كان لدخول الصراع في سوريا مرحلة العسكرة انعكاسه الخاص على المرأة في البيئات الموالية ولاسيما وسط الطائفة العلوية. وتشكل النساء في الأقليات الدينية والمذهبية، بحكم تدني نسبة التعليم والوظيفة والعمل المأجور بينهن، مادة سهلة الاختراق من جانب الإعلام الرسمي الذي صور الثورة منذ البداية على أنها مؤامرة ووصفها بالارتهان لقوى خارجية وبممارسة العنف، ودلل على ذلك ببعض الحوادث الفردية وبالكثير من الأكاذيب والافتراءات. وقد أفلح إعلام النظام في السيطرة على وعي أبناء الأقليات لأن الفكر السياسي الإسلامي الذي غلب على خطاب الثورة السورية، لا يجد، وهذا مفهوم، طريقاً إلى عقول وقلوب أبناء الأقليات عموماً. على هذا، بلور النساء بالعموم موقفاً لهن من الثورة منذ بداياتها الأولى، موقف حذر ومشكك ثم رافض ثم موالي للنظام دون تحفظ.
في المراحل الأولى من التحول العسكري في الثورة ومع بدء توافد قتلى الجيش إلى الساحل، ظهر في المجتمع الساحلي تعاطف عام وتعاطف نسائي بشكل خاص مع الجيش النظامي. وفي قرى عديدة تشاركت النساء في أعمال تحضير الطعام لوحدات الجيش. تشاركن في العمل وفي شراء المواد وتوضيب الطاعم وتسليمه لسيارات تقوم بنقله إلى "الجبهات". ودخل الكثير من النساء في دورات تدريب على أعمال تمريضية وتطوعن للخدمة في المشافي مجاناً. والكثيرات قمن بإيداع ما يمتلكن من ذهب في البنوك لدعم الاقتصاد عقب صدور العقوبات الاقتصادية الغربية والأمريكية ضد النظام. لم يكن شعور هذه النساء يختلف في هذا الصراع، من حيث التعاطف والتضامن مع الجيش النظامي، عن شعورهن إزاء الصراع مع عدو خارجي، او حتى عن شعورهن إزاء الصراع مع إسرائيل.
ومع تزايد وتيرة العنف في المجتمع السوري وظهور ممارسات فظيعة من جانب مقاتلين محسوبين على الثورة ، تجذر موقف نساء كثيرات ووصل في بدايات العام 2013 إلى حد حمل السلاح إلى جانب الجيش السوري النظامي، حيث شهد مطلع 2013 تشكيل أول وحدة نسائية لقوات الدفاع الوطني السورية .
كان هذا المشهد أكثر وضوحاً في حمص حيث وصل مستوى العنف والممارسات الطائفية (خطف متبادل، وتهجير على أسس طائفية، وقتل طائفي ..) إلى مستوى لم تبلغه في مناطق أخرى. ومع ذلك لم يجر تحطيم البنية المجتمعية الموالية بالعنف الزائد كما جرى للبيئات المجتمعية المعارضة، وهذا ما خفف من أعباء المرأة هنا قياساً على أعباء المرأة في المناطق الثائرة. ولم يجر دفع المرأة إلى خطوط خلفية كما حدث في البيئات الثائرة مع تقدم الخيار العسكري، ذلك لأن المرأة في هذه المناطق لم تندفع إلى المقدمة أصلاً بل حافظت على الحضور الذي حددته لها القنوات والأطر الرسمية.
ما جرى في هذه المناطق هو أن الكثير من النساء اندفعن للعمل مع تنظيم شبه عسكري تم تشكيله "عفوياً" في البداية تحت اسم "اللجان الشعبية"، وفق آليات الولاءات والتابعيات الشخصية بما يشبه آليات التشبيح التقليدية ثم جرى لاحقاً العمل على قوننته وضمه إلى المؤسسة العسكرية باسم (قوات الدفاع الوطني)، ليقوم بدور رديف محلي للجيش النظامي. فقد انشغلت المرأة هنا بتقديم الدعم "النسوي" للمقاتلين من إعداد الطعام وغسل الملابس والخياطة ..الخ، ثم انتقل المجهود الحربي لهن إلى حمل السلاح وهن يحملن من اليقين السياسي ما لا يرقى إليه شك، كما تشي تصريحاتهن. منهن من اعتبر أن خطوة حمل السلاح من جانب المرأة وانضمامها إلى قوات الدفاع الوطني، تشكل "استعادة للكرامة .. والشعور بالثقة والاحترام"، ومنهن من رأى فيها "فرصتي للخروج من المنزل والحصول على عمل" .
وتبقى مشاركة النساء في قوات الدفاع الوطني رمزية إن من حيث العدد أو من حيث المهام. في تقرير لرويترز من حمص نقرأ: "ولا تشارك ولاء وغيرها من النساء الملتحقات بقوات الدفاع الوطني في الأعمال القتالية ولا يقتربن أبدا من الجبهة الأمامية ولكن يعملن في نقاط التفتيش" .
وفي الساحل الذي يعاني مرارة الصراع عن بعد، تأثرت حياة المرأة بطريقة مختلفة ومن زاوية مختلفة. تزايدت يوماً وراء يوم أعداد الأرامل والثكالى واليتامى. يذهب الرجال إلى جبهات بعيدة ويعودون في التوابيت. لكن هنا لا تدمر البيوت ولا تشرد العائلات. فقط تفقد الأسرة المعيل وتقع الأعباء العائلية بالتالي على المرأة . من هذه الزاوية تتشابه هموم المرأة وأعباؤها في بيئة الثورة وفي البيئة المناهضة لها. وتبقى مع ذلك أعباء المرأة في مجتمع المولاة أقل ثقلاً نظراً إلى عدم تشرد العائلات هنا، حيث تقتصر حالات التشرد على الأسر الموالية التي هاجرت من أماكن سكنها خارج الساحل تحت التهديد أو الخوف، وعلى خطوط التماس في حمص وفي ريف اللاذقية الشمالي.
الخطف وأثره على المرأة
لا تقع المرأة ضحية الخطف كمخطوفة فقط بل كأم أو زوجة أو خطيبة لمخطوف. أن تخطف المرأة هذا يعني في الغالب الدمار لمستقبلها، كما ذكرنا من قبل. ولكن الكثير من عبء خطف الذكور أو فقدهم دون تأكد خبر مقتلهم من عدمه، يقع على كاهل المرأة من نواح عديدة. هناك تدمير نفسي للأم التي خطف ابنها. فهي لا تستطيع أن تستقر على حال وهي في ضيق مقيم، فلا تدري هل قتل ابنها أم لا، هل يتعرض لأصناف التعذيب، فالناس يواجهون هنا حالة جديدة غير مستقرة. اعتاد الناس على أن يغيب أبناؤهم في السجون لسنوات طويلة. ولكن السجن في الغالب حالة مستقرة يمكن للأهل خلالها أن يطمئنوا إلى حياة ابنهم وصحته. أما الخطف فهو هوة مجهولة القرار، الأمر الذي يجعل أهل المخطوف في حالة جهل تام بمصير مخطوفهم.
الكثير من حالات الخطف كانت بغرض الحصول على الفدية التي غالباً ما كانت أعلى من طاقة أهل المخطوف بكثير. هناك عائلات اضطرت لبيع أرضها أو بيتها لكي تتمكن من دفع الفدية التي من غير المعروف على أية معايير يتم وضع قيمتها. من هذه الزاوية شكل الخطف سبباً يودي بعائلة المخطوف إلى عالم التشرد والعوز جراء بيع ممتلكاتها لتأمين قيمة الفدية. وهناك عائلات عجزت عن تأمين قيمة الفدية واستسلمت لعجزها وتركت مصير مخطوفها للقدر، مع ما يحمل هذا من شعور عال بتدني القيمة الذاتية عند هذه الأسر وبإحساسها بالعزلة والتخلي. وهناك عائلات لم تتح لها فرصة دفع الفدية أصلاً، لم يتصل بها أحد ليطلب فدية مقابل الإفراج عن مخطوفها. هذه العائلات، ولاسيما النساء فيها، تعيش في عذاب دائم وسط تصوراتهم وخيالاتهم التي لا تنتهي عن صنوف العذاب أو القتل التي يمكن أن يتعرض لها مخطوفهم، التصورات التي تغذيها الأخبار والصور المتداولة عن هول ما يتعرض له المخطوفون.
ثمة وجه آخر لحالات الخطف يطال المرأة ومصيرها من حيث كونها زوجة أو خطيبة. المرأة التي يتوفى زوجها تصبح سيدة نفسها في نظر المجتمع ويمكنها دون لوم أن تقترن بآخر بعد حين من الزمن. أما من يخطف زوجها أو خطيبها فإنها تبقى تحت ثقل معنوي كبير، فهو عملياً بحكم الميت، ولاسيما من طال أمد اختطافه وانقطعت أخباره، ولكنه لا يزال افتراضياً في عداد الأحياء، الأمر الذي يفرض على الزوجة أن تنتظره بقليل من الأمل أو بلا أفق. أما الخطيبة فإنها تبقى تحت عبء أخلاقي لا تستطيع أن تتحرر منه وذلك تحت طائلة الإدانة الاجتماعية، هذا إذا استطاعت هي نفسها أن تتحرر من رباطها العاطفي والتزامها الأخلاقي. إنه امتحان عسير للتوازن النفسي للمرأة، امتحان لا تجتازه المرأة دائماً بنجاح. فبعد ما يقارب من ثلاث سنوات من الصراع المحتدم في سوريا، يمكن أن يلمس المراقب شتى أصناف الاضطرابات النفسية عند النساء. بدءاً من اللامبالاة والانسحاب من الحياة العامة وإهمال النفس، وصولاً إلى العدوانية.
الاعتقال وأثره على المرأة
للاعتقال على النساء مفاعيل الخطف نفسها عليهن، فالاعتقال هو الخطف الذي يمارسه النظام ضد معارضيه. الاعتقال اليوم يشبه الخطف لأن الجهات الأمنية تنكر وجود المعتقل وتقطع أي أمل لذويه بزيارته أو معرفة أخباره وتتنصل بالتالي من مسؤوليتها عن مصيره . المعتقل اليوم مجهول المكان والحالة والمصير تماماً كالمخطوف. وربما كان لذوي المخطوف أمل بأن يتصل بهم أحد ما ويطلب فدية مقابل الإفراج عن مخطوفهم، غير أن مثل هذا الأمل البائس لا مكان له في حالة المعتقل.
الاعتقال يعني خسارة المعيل والعبء الذي يتعين على المرأة أن تنهض به، ويعني العبء النفسي الذي يتركه على المرأة غياب الزوج أو الأب أو الأخ أو الخطيب، ويعني التشرد والحاجة والبؤس حين تعجز المرأة عن سد الفراغ الذي خلفه غياب الذكر.
وسوى الاعتقال والخطف هناك الخوف من الوقوع ضحية الاعتقال أو الخطف، هذا الخوف الذي يشل الرجل ويجعله بحكم المعتقل أو المخطوف وهو في بيته. ليست قليلة الحالات التي يعيش الرجل فيها متخفياً هرباً من الوقوع في يد أجهزة الأمن التي لا يضبطها أي قانون يمكن أن يحمي الفرد من بطشها واعتباطها. أبسط إخبارية عن الرجل يمكن أن تجعله مطلوباً لأجهزة الأمن وأبسط توقيف يمكن أن ينتهي ليس فقط بغياب طويل بل وربما بالموت.
من المرويات التي سجلها كاتب هذه السطور أن رجلاً أختفى أثره من إحدى حارات اللاذقية، وأشاعت زوجته عنه أنه سافر خارج البلد وراحت تقوم بدور الأم والأب لثلاثة أبناء صغار، والحقيقة أن زوجها كان سجين منزله لا يجرؤ البتة على مغادرته، لأنه مطلوب لجهة أمنية بناء على إخبارية بأنه كان يشارك في المظاهرات. أي إن الخوف من الاعتقال يرتب على المرأة أعباء قريبة من أعباء الاعتقال أيضاً.
أثر الثورة في شكل حضور المرأة في الوعي العام
الاسم الذي ارتبط بأول مظاهرة صغيرة وقصيرة جرت في بداية الثورة السورية في 15/3/2011، في منطقة الحريقة في دمشق، كان لامرأة تدعى (مروة حسان الغميان) وتلقب بالحرة الدمشقية، وقد أُطلق عليها البعض لاحقاً وصف مفجرة الثورة السورية. ولم تكن هذه الدلالة الأولى زائفة، فقد حفلت الثورة لاحقاً بأسماء نساء قدمن الكثير وبجرأة لافتة. وحين نتكلم عن أسماء نسائية بارزة ينبغي أن يبقى في الذهن أن حجم العمل الأكبر، في الحقيقة، وقع على كاهل نساء مغمورات لا يعرفن أو لا تغريهن ربما أبواب الشهرة. لكنهن قدمن ولا يزلن مساهمة هامة وحقيقية، لا تقل عن المشاركة الذكورية، لا بل تتفوق عليها في نواح عدة، أهمها أعمال الإغاثة.
في بدايات الثورة حاولت النساء استثمار ما تحمله الثقافة العامة من حرمة للنساء في الدفاع عن الذكور الذين تم هدر حقهم ودمهم جراء تجرؤهم على "النظام". فكان أن خرجت مظاهرة نسائية متواضعة في المرقب في بانياس للمطالبة بالإفراج عن أقاربهن. غير أنه تمت مواجهتهن بالرصاص الحي وقتل منهن أربع نساء هن: أحلام حويسكي، ليلى طه، ليلى صهيوني، مروة عباس. كان ذلك في بدايات الشهر الخامس من العام 2011. وكان هذا الحادث بمثابة إعلان حرب شاملة على المجتمع بما يعني ذلك من إدارة الظهر لكل القيم الاجتماعية المتواضع ضمنياً عليها بين أبناء المجتمع الواحد.
وكما في الميدان كذلك في السياسة شاركت المرأة ودخلت في معمعة العمل لتشكيل تمثيل سياسي للثورة. وكان للنساء حضور لافت في أول تشكيل سياسي واسع تأسس عقب اندلاع الثورة، نقصد هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي في سوريا. فمن بين الأسماء الفردية العشرة التي شاركت في التوقيع على البيان التأسيسي للهيئة يوجد أسماء أربع نساء (أي أقل من النصف بقليل) هن: روزا ياسين حسن وناهد بدوية وخولة دنيا ومي الرحبي. كما برزت في الهيئة فيما بعد أسماء نساء ناشطات مثل الممثلة مي سكاف وأمل نصر (مسؤولة المكتب النسائي في هيئة التنسيق) وكفاح علي ديب (فنانة تشكيلية وحائزة على جائزة الشارقة لأدب الأطفال) وهنادي زحلوط (حائزة على جائزة حقوق الإنسان من الخارجية ألأمريكية).
ودعا البيان التأسيسي للهيئة إلى ضرورة: "تمكين المرأة من نيل كافة حقوقها وتوظيف طاقاتها في التنمية الاجتماعية وتذليل العقبات التي تمنعها من ذلك، وتوفير السبل الكفيلة بتحقيق مشاركة واسعة للشباب في جميع ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية".
أما في المجلس الوطني السوري الذي تأسس في الثاني من تشرين الأول 2011، فإن مشاركة المرأة كانت أقل وذلك يعود إلى سيطرة الإسلاميين ولاسيما الإخوان المسلمين عليه. وفي انتخابات الأمانة العامة بعد سنة من تأسيسه، لم تصل أية امرأة إلى الأمانة العامة للمجلس، مما اضطر رئيس المجلس آنئذ (عبد الباسط سيدا) إلى تعيين أربع نساء بمرسوم منه. علماً أن النساء اللواتي شاركن في المجلس الوطني هم غالباً من المغتربات، وأبرزهن بسمة قضماني ورندا قسيس.
وكان من اللافت قيام جماعة الإخوان المسلمين بتبني ما سمته "عهد وميثاق" بعد سنة من اندلاع الثورة في سوريا، حيث ينطوي هذا العهد على انزياح علماني واضح مغاير في الاتجاه للنزوع الإسلامي المتشدد الذي راح يسيطر أكثر فأكثر على خطاب الثائرين مع دخول تنظيمات "قاعدية" إلى المشهد السوري بوتيرة متسارعة. وتضمن العهد، فيما يخص المرأة، بنداً يصف الدولة المنشودة بأنها: "دولة مواطنة ومساواة، يتساوى فيها المواطنون جميعاً، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم، تقوم على مبدأ المواطنة التي هي مناط الحقوق والواجبات، يحقّ لأيّ مواطنٍ فيها الوصول إلى أعلى المناصب، استناداً إلى قاعدتي الانتخاب أو الكفاءة. كما يتساوى فيها الرجال والنساء، في الكرامة الإنسانية، والأهلية، وتتمتع فيها المرأة بحقوقها الكاملة" .
لم يختلف الأمر كثيراً في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة عنه في المجلس الوطني. نسبة تمثيل متدنية للنساء، وحضور بروتوكولي قليل الفاعلية.
أما التنظيمات الإسلامية المتشددة فإنها تعمل بشكل حثيث على حذف حضور المرأة من الشأن العام وردّها إلى حدود "الشأن الخاص". وقد ذكرنا آنفاً أنه حتى الجبهة الإسلامية التي تشكلت مؤخراً والتي ينظر إليها على أنها أقل تشدداً لم تذكر في بيانها التأسيسي (مشروع أمة) ولو كلمة واحدة عن المرأة.
وفي المناطق الكردية، لم تضف الثورة السورية الكثير على حضور المرأة الكردية في الشأن العام، ذلك أن المرأة الكردية أكثر حضوراً وتمثيلاً من المرأة العربية نظراً، ربما، إلى غلبة الشعور القومي على الشعور الديني في المناطق الكردية. ففي ميثاق العقد الاجتماعي في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية الذي تم التوافق عليه في 6 كانون الثاني 2014 نقرأ نصاً واضحاً في احترام مبدأ إزالة كل أشكال التمييز السلبية ضد المرأة، ففي المادة السابعة والعشرين: للمرأة الحق في ممارسة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكافة مجالات الحياة. وفي المادة الثامنة والعشرون: للمرأة الحق في تنظيم نفسها، وإزالة كل أشكال التفرقة على أساس الجنس.
بشكل عام احتاج المجتمع السوري الاستناد إلى نصفه النسوي في مواجهة الكارثة المستمرة التي يعيشها، واندفعت المرأة السورية دون تردد لتلبية هذه الحاجة المجتمعية الملحة، ولكن العقلية الذكورية المستقرة نجحت دون عناء كبير في احتكار قيادة العمل والتحكم به وحصر النشاط الفعلي للمرأة في الخطوط الخلفية، على أن يكون حضورها في الصفوف الأمامية بروتوكولياً. وهذا ما دفع الناشطات السوريات للتمرد على هذه الأطر الذكورية ومحاولة العمل من خارجها.
تمرد المرأة السورية على الأطر الذكورية
حسب تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لم يتغير ترتيب سوريا وفق مقياس الفجوة الجندرية (ظاهرة عدم المساواة بين المرأة والرجل) خلال 2011، العام الأول للثورة. حيث جاءت سوريا في ذيل القائمة واحتلت الموقع 124 من أصل 135 دولة. مع العلم أن التمكين السياسي هو من ضمن المؤشرات الأربع الرئيسية المعتمدة في هذا الترتيب. وفي العام التالي، أي 2012، تراجع ترتيب سوريا إلى 132 من أصل 135 دولة . صحيح أن التقرير يعتمد مؤشرات شكلية في موضوع التمكين السياسي مثل عدد النساء في مجلس الشعب، ولكنه مع ذلك يعطي فكرة عن التباين بين الدور الواقعي للمرأة السورية في الثورة وبين دورها القيادي. ذلك أن الدور الواقعي أو التحتي الكبير للمرأة لم ينعكس زيادة في تمكينها السياسي ومرورها إلى دوائر القيادة وصنع القرار.
حتى حين تذكر الوثائق والبيانات المرأةَ وتنص على مبدأ مساواتها بالرجل يبقى الواقع بعيداً عن النصوص. ولا شك أن ما تراكم في الوعي العام والثقافة الشعبية والثقافة العالِمة لقرون من الزمن سوف يترك ثقله على دور المرأة التي تبقى الأكثر اضطهاداً والأقل تمثيلاً. وتبقى تحمل العبء الأكبر في الأعمال اليومية الصعبة، كما في الحياة العادية كذلك في الأزمات وأزمنة الصراع، ومع ذلك تبقى المرأة مقصاة عن الشأن العام رغم كل البلاغة اللفظية التي تتكلم عن المساواة والحقوق وما إلى هذا.
وقد بدأت النساء في سوريا تتجه نحو نشاط نسائي مستقل عن الأطر الذكورية بعد أن فشلن في الوصول إلى تمثيل سياسي مؤثر فيها. وكان آخر ما قام به الناشطات السوريات عقد مؤتمر (النساء السوريات في جنيف من تاريخ 11 وحتى 14 كانون الثاني/يناير 2014) وإصدار وثيقة باسم "مبادرة النساء السوريات من أجل السلام والديمقراطية" تضمنت عدة نقاط، منها اعتماد النقاط الست في خطة العمل الواردة في بيان جنيف 1 الصادر بتاريخ 30/ 6/ 2012- وخطة السيد كوفي عنان في وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المعتقلات والمعتقلين وفتح المعابر والطرقات والسماح بالتظاهر السلمي ودخول الصحافة ووسائل الإعلام .
واجتمع عدد من هذه النساء مع الأخضر الابراهيمي قبيل انعقاد مؤتمر جنيف الثاني مطالبين بتشكيل وفد نسائي إلى مؤتمر جنيف كوفد ثالث. لم تفلح النساء في تحقيق هذا المطلب ولكنهن أفلحن في "ضمان تواجد 47 امرأة منهن 19 من داخل سوريا ضمن قاعات وأروقة المؤتمر، لتكنّ كلجنة متابعة بين السياسيين والإعلاميين بشكل عام والمنظمات وممثلي الدول المتواجدين هناك" .
سبق ذلك أنشطة نسائية أخرى تتعلق بالثورة السورية، مثل انعقاد "ملتقى سوريات يصنعن السلام" في القاهرة في الفترة ما بين 30 تشرين الأول ولغاية الأول من تشرين الثاني 2012، حضرته أكثر من أربعين امرأة سورية من مختلف أطياف المجتمع السوري، من أجل "صناعة دور للمرأة السورية في جميع مناحي الشأن العام، وخاصة بمواجهة العنف الذي يستشري في البلاد على كل الصعد". وتأسس الملتقى من منظمتين نسائيتين هما هيئة النساء السوريات للعمل الديمقراطي ومنتدى المرأة الديمقراطي ومن ثم انضم إليه مكتب المرأة في هيئة التنسيق الوطنية وانضم له اتحاد ستار المرأة الكردية وجمعية أسو للمرأة الكردية. أي إن المرأة السورية اتجهت نحو العمل في الشأن العام كامرأة باستقلالية عن الرجل، كرد فعل على تهميشها من جهة، وتأكيداً لحقيقة أن لها مقاربة مختلفة. وهو ما دفع النساء للمطالبة بتشكيل وفد ثالث (محايد) كما قلن.
ومعروف أن من بنود مؤتمر جنيف الأول المنعقد في 30 حزيران/يونيو 2012: "تمثيل كامل للمرأة في كافة جوانب المرحلة الانتقالية". ويمكن اعتبار هذا نتيجة جهود نسائية في سياق الثورة السورية ميدانياً وسياسياً، وإن كانت النصوص المتعلقة بالمرأة لا تزال كلاماً لا يترجم إلى واقع.
خاتمة
بعد ثلاث سنوات من الصراع لا يبدو أن المرأة السورية حققت تقدماً كبيراً في مستوى حضورها وفاعليتها في الشأن العام. لا يزال هناك فجوة كبيرة بين فاعلية المرأة في الواقع وحجم أعبائها من جهة، وبين نسبة تمثيلها وحضورها على المستوى السياسي من جهة أخرى، وذلك رغم بروز أسماء نسوية مهمة في سماء الثورة. وقد أدى التحول العسكري مع انحسار الوسائل السلمية في الثورة إلى زيادة دفع المرأة إلى الخطوط الخلفية حيث تحملت المزيد من الأعباء نتيجة غياب الرجل، ونالت القليل من الاعتراف، أمام احتكار ذكوري للمواقع القيادية.
وهذا الاحتكار الذكوري هو ما دفع الكثير من الناشطات إلى العمل السياسي النسوي إن صح القول، فشكلن المنظمات والجمعيات وعقدن اللقاءات باستقلالية عن الرجل. وحاولن إبراز رؤيتهن النسوية السياسية السلمية عبر مؤتمرات وندوات وجمعيات نسائية. وظهر في الثورة السورية، بشكل واضح لا مثيل له في ما سمي ثورات "الربيع العربي" الأخرى، رأي نسوي سياسي سوري حاول الحصول على موافقة في الحضور إلى مؤتمر جنيف الثاني كوفد ثالث لا ينتمي إلى وفد النظام ولا إلى وفد الائتلاف. ولعل هذا الملمح السوري يشكل مقدمة أو أرضية لقيام تصورات سياسية نسائية الطابع تحمي ما تبقى من سورية وتفتح آفاقاً للمستقبل بعد أن جرى تدمير سوريا وآفاقها على يد سياسة ذكورية موغلة في الوحشية وعقيمة الأداء.
سوف يدرك السوريون مهما طال الوقت وامتد الصراع، أن التصور السياسي النسائي، والحضور النسائي الفاعل في الشأن العام، أكثر خصوبة ومعنى، وهو ما دأبت العقلية الذكورية المحتمية بعباءة إسلامية زائفة أو بعباءة علمانية كاذبة على إقصائه ووأد طلائعه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,420,993,200
- من الذي قلع عين الرئيس؟
- حزب السيارة الزرقاء
- عميد مغلق وباب مفتوح
- الطبيب المسكين وفخامة الجريح
- يا حيوان ليش ما قلت انك -منهم-؟
- تموت وتاكل غيرها
- موت الرواية
- أرض الألغام
- عزلة المنكوبين
- الاغتصاب
- العلويون والثورة السورية
- سلعة العداء للامبريالية في سوق العالم الثالث
- صادق جلال العظم، تراجيديا مفكر
- حسين العودات، النهضة العربية المفترضة والهمّ المزدوج
- الصراع القطبي
- النظام السوري: افتراق السياسة عن القيم
- في علمانية اللاعلمانية
- عقدة نقص الدولة الفلسطينية
- العلمانية والديمقراطية وفك الاحتكارات
- عن العلمانية والديموقراطية


المزيد.....




- مسابقة قفز مثيرة عن صخرة الروشة في بيروت
- أكثر الشوارع انحداراً في العالم يدخل موسوعة غينيس
- طلاب الجزائر: سعداء بتأهل المنتخب لنهائي -الكان- والمظاهرات ...
- المخابرات المصرية تسلم رئيس جنوب السودان رسالة من السيسي
- مصر.. الأرصاد تحذر وتعلن عن موعد انكسار موجه الحر في البلاد ...
- لندن.. تفشي الجرائم بالسلاح الأبيض
- دوتيرتي: لن أرد على أسئلة يوجهها لي رجل أبيض!
- ظريف: على الغرب أن ينهي بيع الأسلحة إلى أشباه صدام
- خطاب -طارئ- للرئيس نيكسون يكشف مصير رواد القمر حال فشل -أبول ...
- بسبب قتل خارج نطاق القانون للمسلمين الروهينغا أمريكا تفرض عق ...


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - النساء في الثورة السورية