أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير عزيز - إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات الحديثة















المزيد.....



إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات الحديثة


زهير عزيز

الحوار المتمدن-العدد: 6194 - 2019 / 4 / 7 - 07:17
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تمهيد:

نبت الخطاب وترعرع في حضن اللسانيات الحديثة، ولقي المجال شاسعا في المنحى الوظيفي المؤسس على الأبعاد التداولية. لكن الذي يدفعنا دائما إلى العودة لما خلّفه تراثنا العربي من إرث علمي وفكرٍ لغويّ رصين؛ هو درجة فهمهم العلومَ وضبطهم المفاهيمَ وتوظيفها بشكل أنطولوجي، وقدرتهم على صياغةِ تصوراتهم بشكل شُمولي تكاملي واضح المعالم. " فالمصطلحات التراثية تشكل رصيدا مشتركا لابد من الإفادة منه على نحوٍ واضح في إيجاد المصطلحات اللغوية الحديثة 1" ،لذا نجدهم وظفوا مفاهيم تتماهى مع الخطاب وتعبر عنه في كثير من السياقات؛ كالكلام والكلمة والنص والملفوظ واللفظ المركب والخطابة وبلاغة القول، واستطاعوا بفضل هذه المفاهيم أن يخلقوا الحدث في الحقلين الأدبي والنقدي وفي النحو والبلاغة وأصول التفسير والكلام وعلوم اللغة.
فالخطاب مفهوم "مائع متعدد الدلالات"2 أضحى من التعابير الاصطلاحية الأكثر استعمالا وتداولا وفعّالية في العلوم الإنسانية والمجالات المعرفية. فمنهم من أخضعه إلى رؤية اختزالية وغائمة أوقعته في مزالق دلالية، ومنهم من استوعب المفهوم في سياقه العام واستطاع أن يَصوغ رؤية شاملة تتوخى وضوح الأدوات المنهجية والمنطلقات النظرية عوض الالتجاء إلى التجزيء والتفييء. لذلك يرى ميشيل فوكو أن الخطابَ نظامٌ من المفاهيم والمصطلحات التي ينبغي على مؤرخ الخطاب أن يكون في غاية الحذر أثناء تعامله معها، من بين تلك المفاهيم نجد مفهوم التحقيب (Périodisation) الذي يوظفه في تقسيم الخطاب إلى مجالات زمنية بنيوية، ومفهوم الانفصال (Rupture) الذي يعني كل ما يقع من تحول في بنية الخطاب من حقبة إلى أخرى؛ أي ما ينتج عن الانفصال من قطائع معرفية وانتقال جوهري3 . وأدرك فوكو بذلك وأثناء تنقيبه عن نظم المعرفةِ المجالاتِ المتعاقبةَ للخطاب في التاريخ، ليضبط تُخومها ويلمّ شعتها. فالخطاب الذي يندرج ضمن مجال ما؛ هو الخطاب الذي يعدّ منطقيا ومقبولا من قبل المتعايشين في ذلك المجال، فهو بتعبير فوكو " الخطاب الذي يتحرك ضمن دائرة الصدق"4. وفي هذا الإطار يمكن قراءة هذا المفهوم ومحاولة تأصيله وفق تسلسل زمني يستدعي أرضية تتكامل فيها المعارف وتتحاور فيها الحقول رغم اختلافها وتباعدها.

1- في المعجم العربي:
إن القبض على مفهوم الخطاب ودرجة تداوله في التراث العربي؛ هو أمر بالغ الأهمية، لما له من جذور ضاربة في التاريخ، استطاع أن يتّخذ له معنى متواضعا عليه، وموطئ قدم واضح في كل الحقب والأزمنة التي وُجد فيها. فقد ورد في معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي بمعنى " الأمر الذي تقع فيه المخاطبة" 5. وهو لاشك ذلك السّياق الذي يوفر لنا إمكانية تبادل الخطاب الذي يحصل معه فعل التخاطب والمراجعة.
ولعلّ هذا ما سعى إلى تأكيده اللغوي الشهير - أحمد بن فارس – في معجمه ( مقاييس اللغة) لما قال في مادة (خطب) : " الخاء والطاء والباء أصلان: أحدهما الكلام بين اثنين، يقال: خاطبه يخاطبه خطابا، والخطبة: الكلام المخطوب به، والخَطب: الأمر يقع، وإنما سمّي بذلك لما يقع فيه من التخاطب والمراجعة 6. أما العلاّمة -جار الله الزمخشري- فقد أضاف إلى مفهوم الخطاب خصّيصة البلاغة والإبانة والإفصاح عن الحقيقة في قوله " خطب فلان أحسن الخطاب، والخطاب هو المواجهة بالكلام... واختطب القوم فلانا دعوه إلى أن يخطب إليهم بخطاب، وتقول له : أنت الأخطب البيّن الخطبة " 7. ويظهر أنه قد ربط الخطاب بمصدّره (الخطيب) وظروف إنتاجه حتى تُتاج إمكانية فهمه بشكل تلقائي؛ فهذه الحيثيات المحيطة بالخطبة كلّها تساهم في بناء المعنى وحصره في سياق محدد، كما يبدو جليا في ( المختار الصحاح) لأبي بكر عبد القادر الرّازي الذي جعل من الكلام "مخاطبة"، والخطبة "فعلا على المنبر" 8 ؛ فهما وجهان لعملة واحدة يلتقيان في الخطابة وبلاغة اللسان.
في حين جمع – جمال الدين ابن منظور- هذه الإشارات ونظمها أحسن تنظيم في لسان العرب ضمن مادة (خطب) في قوله " خطب: الخطب: الشأن أو الأمر، صغر أو عظم؛ وقيل: هو سبب الأمر، يقال: ما الخطب؟ أي ما أمرك؟ وتقول: هذا خطب جليل، وخطب يسير، والخطب: الأمر الذي تقع فيه المخاطبة، والشأن والحال: ومنه قولهم: جلّ الخطب أي: عظم الأمر والشأن. وفي حديث عمر، وقد أفطروا في يوم غيم من رمضان، فقال: الخطب يسير، وفي التنزيل العزيز قال: ما خطبكم أيها المرسلون، وجمعه خطوب...والخطاب والمخاطبة: مراجعة الكلام، والخطبة مصدر الخطيب، وخطب الخاطب على المنبر، يخطب خطابة، واسم الكلام: الخطبة، والخطبة مثل الرسالة التي لها أول وآخر9.
والأكيد أن -الفيروزآبادي- قد أحاط بمعنى "الخطب"؛ وهو ذلك الأمر العظيم الذي تقع فيه المخاطبة، وركّز في مصنّفه (القاموس المحيط) على الإعراب عن دلالة الخطبة التي تنضوي تحت لواء "الكلام المنثور المسجع ... والمخاطبة حسبه هي مراجعة الكلام 10،في حين انشغل أبو البقاء الحنفي الكفوي بحدّ الخطاب لفظاً ودلالةً ضمن كتاب "الكليات" حيث اكتفى بالقول " الخطاب هو الكلام الذي يقصد به الإفهام؛ إفهام من هو أهل للفهم، والكلام الذي لا يقصد به إفهام المستمع، فإنه لا يسمى خطابا" 11. والمستفاد من هذا التحديد أن - الكفوي- يضع شرطا ثابتا لتحقيق المنفعة المتوخاة من الخطاب، ويبقى هذا الشرط رهينا بالقصدية ونية المتكلم؛ فالمتحدث الذي لا يبحث في إمداد المستمع بفحوى رسالته يكون غير قادر على التواصل، والمتلقي بدوره يفترض فيه أن يتهيّأ لاستقبال الخطاب ورسائله التي لا تخرج عن المألوف، وما هو متواضع عليه عند العرب.
وبالعودة إلى مادة (خطب) وتداولها في كلام الله علا وجلا - القرآن الكريم- نجدها قد وردت في تسعة مواضع: (أربع مرّات بلفظ الخَطْب) و(مرّتين بصيغة الفعل خَطَبَ) وثلاث مرّات بلفظ الخطاب وهي:
1. قال تعالى: (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) – سورة ص: الآية 20-.
2. قال تعالى : ( فقال أكفلْنيها وعزّني في الخطاب) – سورة ص: الآية 23-.
3. قال تعالى : (ربّ السموات والأرض وما بينهما الرّحمن لا يملكون منه خطابا) سورة النبأ: الآية 37-.
نستشف من كل ما سبق ذكره أن مفهوم الخطاب في التراث العربي القديم قد وقع تأصيله إلى أن استوى على الصيغة التداولية، وانتقل إلى تحقيق حاجة المتكلم وأغراضه التواصلية، واهتم بالآخر من خلال البحث عن إفهامه وإقناعه، فهو لا يعدو أن يكون حسب (التهانوي) سوى " كلام موجه نحو الغير للإفهام" 12. ولتحقيق هذه المرامي التواصلية يُفترض حضور طرفي الكلام (المتكلم والمستمع)، فضلا عن سياق يحصر الخطاب في زاوية ويحد من عبثية تأويله، وهذا كله لن يتأتى إلا بامتلاك معارف عامة وخلفية مشتركة بين المتخاطبين.
2- في المعجم الغربي:
إن كلمة خطاب في المعاجم الغربية تستجيب لكل الحمل المصطلحي والزخم المفهومي والنقدي والفلسفي لكلمة (Discours) الفرنسية، المأخوذة من الأصل اللاتيني (Discurerre) التي تعني"الجري هنا وهناك " أو "الجري ذهابا وإيابا"13، وتدل على الجدل (Dialectique) والعقل أو النظام (Logos)عند أفلاطون 14. ولم تأخذ معنى الكلام إلا في أواخر العهد اللاتيني، حيث أصبحت تدل على الحديث والمقابلة قبل أن تعبر عن كل تصور حامل لفكر ما شفويا أم مكتوبا. وتجدر الإشارة إلى أن البلاغة اليونانية (بلاغة اللوغوس) والبلاغة اللاتينية (بلاغة الخطابة)؛ تمثلان بلاغة الخطاب15، مما يدل على أن تاريخ كلمة خطاب وتاريخ استعمالاتها تتوازى وتاريخ الفكر الإنساني.
وبالنظر إلى أهم ما تداولته المعاجم الغربية، وحملته من معاني ودلالات لكلمة (Discours) نجدها في معجم-لالاند- "تعبر عن الفكر وتطوره بواسطة متوالية من الكلمات والقضايا المتسلسلة المترابطة" 16. ويورد معجم (روبير الصغير- من تأليف آلان ري ودي بوف) عدّة دلالات لهذا الحقل المعجمي(Discours)من أهمها :
 الموضوع الذي نتكلم فيه (حوار أو محادثة).
 خطبة شفوية أمام جمع من المستمعين.
 كتابة أدبية تعالج موضوعا بطريقة ممنهجة.
 التعبير اللفظي عن الفكر الذي يوازي الكلام.
 قد يعني ملفوظا لغويا قابلا للملاحظة لجملة ومتوالية من الجمل المنطوقة، ونص مكتوب وذلك على النقيض من النسق المجرد للسان.
 عالم الخطاب أي مجموع سياقاته. 17 ( للتوسع : ينظر الخطاب المحددات وآليات الاشتغال، د. ربيعة العربي، دار أمجد للنشر والتوزيع،2017، ص 21).
أما قاموس الجيب (La Rousse de Poche) فيحمل في تحديده بعض ملامح الأسلوب الذي سلكه ابن منظور من حيث المخاطبة أو فعل التخاطب، الذي يشكل قطعة شفوية هدفها الإقناع، فهو "متوالية من الكلمات المشكلة للغة 18.في المقابل صاغ معجم -دوبوا وآخرون- (1994) أربعة تحديدات جوهرية لامست جوانب بلاغية حجاجية ولسانية لغوية، توازي بين الخطاب والجملة واللفظ، وتحصر أدوارهما في التوجيه والإقناع بخاصة والتواصل بعامة، نوردها كالآتي :
• الخطاب هو ممارسة للغة.
• الخطاب وحدة توازي الجملة أو تفوقها، إنه يتكون من متوالية تشكل خطابا له بداية ونهاية، وهو بهذا المعنى مرادف للفظ.
• في البلاغة يعدّ الخطاب متوالية شفوية موجهة للإقناع والتأثير.
• في اللسانيات يعدّ الخطاب لفظا يفوق الجملة منظورا إليها من حيث قواعد تسلسل الجمل. 19
والملاحظ في هذه التحديدات والتعاريف، أنها تؤول بنا بشكل أو بآخر إلى تحديد العلاقات التي ينشئها الخطاب مع اللغة والفكر والمجتمع الذي ولد فيه. فالكلام مهما كان ملفوظا فهو ليس إبداعا خاصّا بمنتجه وحده، ومهما كان مكتوبا فهو ليس صنيع الكاتب وحده، بل هو في كل الأحوال نسيج مشترك بين مصدّره ومتلقّيه، تطغى عليه تيمة الإقناع والتأثير.
ويقدم أصحاب – معجم اللسانيات – (1973) ثلاث تحديدات للخطاب، تحمل صبغة تواصلية وتشكل وعاء حاملا للغة في طور العمل، علاوة على موازاتها الجملة من جهة تسلسلها وترابطها هي :
أ‌- يعني اللغة في طور العمل أو اللسان الذي تستعمله ذات معينة بغرض التعبير والتواصل.
ب‌- الخطاب ملفوظ يوازي أو يفوق الجملة، ويتكون من متوالية تتشكل منها رسالة م ذات بداية ونهاية.
ت‌- الخطاب ملفوظ يتعدّى الجملة منظورا إليه من وجهة قواعد تسلسل متتاليات الجمل. 20
وقد يقابل هذا الخطابُ النصَّ حينما يحيل على علاقات ووحدات تركيبية قد تصل إلى الحدّ الذي تتخذ فيه إجراء سميوطيقيا يميز بين الكفاءة السردية للعلامة والكفاءة الخطابية، كما هو الحال في معجم (غريماس وكورتيس) 21،حيث يتشرّب سبعة معانٍ تعكس سبعة جوانب سيميائية – لسانية مختلفة هي :
1- الخطاب مرادف للنص.
2- مرادف للفظ.
3- متوالية من الجمل الملفوظة.
4- موضوع نحو الخطاب.
5- قدرة خطابية.
6- نتيجة لتفعيل الخطاب ( أي تحويل البنى السيميائية الحكائية إلى بنى خطابية).
7- إجراء يفرض نسقا يركز على الطابع المكتوب أو المنطوق في إقامة هذا الفصل، ومن ثمة يصبح النص مادة خاما، إنه مضمون أو ملفوظ قابل لأن يتجسد في خطاب.22
وبالاستناد إلى هذه القواميس الغربية جلّها؛ نكتشف أن الخطابَ كلامٌ وكتابةٌ وملفوظٌ ولفظٌ ونتيجةٌ ونحوٌ وقدرةٌ خطابيةٌ تتحكم في دلالاتها السياقات التي يرد فيها، حيث يسعى في عمقه إلى الإقناع والإلحاح حينا وخلق التفاعل والتواصل حينا آخر.
3- مفهوم الخطاب وعناصره الوظيفية في النحو وعلم اللغة القديم:
أ)- تداولية الكلام في كتاب سيبويه (ت 180ه) :
يعدّ " كتاب" سيبويه من أهم مصنّفات النحو العربي منذ نشأته على يد أبي الأسود الدّؤلي (ت69 ه) قديماً، وذلك رغبة في الحفاظ على سلامة كلام الله علا وجلا واللفة العربية من اللحن والرطانة، التي ذاعت بسبب التلاقح العربي العجمي من جهة ومجاورة الفرس من جهة أخرى. ولقد أثار هذا المؤلَّف زوبعة كبيرة في أوساط جمهور النحاة في عصره، وأمسى يصنّفه المعاصرون ضمن البحوث المؤسسة لعلم اللغة بعامة واللسانيات النّصية بخاصة؛ بما يحويه من قواعد منظمة لكلام العرب وآليات تحليل الخطاب العربي، وانفتاحه على علم الأصوات ومخارج الحروف والنحو وبلاغة الإيجاز. ومقاربة مفاهيم ذات صلة وثيقة بالكلام في سياقه العام وظروفه المقامية وأحوال المستمعين وأغراض المتكلمين، والأدوات التي من شأنها إنجاح العملية التخاطبية كما هو الحال في اللسانيات التداولية والبلاغة العربية.
يتذوق القارئ لكتاب سيبويه فرادَتَهُ في التناول ودقّته في وصف الظواهر اللغوية ونسْج الأحكام النحوية، وقدرته على اقتراح مفاهيم وصياغتها في أسلوب تَتَساوقُ معانيه مع الألفاظ، ومضامينه مع الأبواب التي يعتمدها، ويُوظفها في الشرح والتطبيق. فقد استعمل ملفوظ (الجملة المفيدة) للتعبير عن الكلام، الذي يرادف اصطلاح (الخطاب) في تصور لسانيات الوضع (Linguistique de situation). وبهذا يتّضح أنه يُدرك ارتباط الجملة بالكلام المتصل والعناصر المقامية التي تحيط به، والبنى الاجتماعية والنفسية والتاريخية التي يرتكز عليها. يراعي فيها أحوال المخاطَب وظروف إنتاج الخطاب أو ما يُصطلحُ عليه بالكلام الحي التفاعلي.
يقول في كتابه " هذا بابٌ يكون المبتدأ فيه مضمرا ويكون المبني عليه مظهرا، وذلك أنك رأيتَ صُورة شخص فصَار آيةً لك على معرفة الشخص فقلتَ : عبد الله وربّي، كأنّك قلتَ : ذاك عبد الله، أو هذا عبد الله، أو سمعتَ صوتا فعرفتَ صاحب الصّوت فصار آيةً لك على معرفته فقلتَ : زيد وربّي. أو مَسَسْتَ جسدا ًأو شَمَمْتَ ريحاً فقلت : زيد، أو المسكُ. أو ذقت طعاما فقلت: العسل. ولو حُدِّثْتَ عن شمائل رجل فصار آية لك على معرفته لقلت : عبد الله. كأن رجلا قال: مررت برجل راحم للمساكين بارٍّ بوالديه فقلت : فلان والله " 23.
ولاشك في أن هذا النص فريد في نوعه؛ لكونه النص الوحيد الذي يُشير إلى الحواس الإنسانية الخمس جميعا في عملية التواصل وبناء سياق الكلام، إذ تقوم هذه الحواس بدور كبير في إنشاء بنية الكلام بغياب عنصر المخاطَب الذي يشارك المتكلم في عملية التخاطب والتفاعل.24،فالكلام ههنا يتألف من عناصر لغوية لسانية تتجلى في الإشاريات أو المبهمات التي يفصح عنها السياق. لكن أيضا وفق تصور سيبويه في هذا النص، فإنه يرتكز على بُنى خارجية وظروف مقامية بالمعنى الواسع التي تحيط بالكلام، نراها أو نسمعها أو نشمها أو نذوقها باستعمال الحواس الخمس التي تقودنا إلى الحال والمعنى المقصود.
ويفرّق سيبويه بين الكلام والكلم في مستهل حديثه ضمن كتابه " هذا باب علم ما الكلم من العربية " 25،وقد حاول أبو الفتح عثمان بن جني تفسير ما يرنو إليه سيبويه في قوله " فاختار الكلم على الكلام، وذلك أن الكلام اسم من كلّم بمنزلة السّلام من سلّم، وهما بمعنى التكليم والتسليم، وهما المصدران الجاريان على كلّم وسلّم، قال الله سبحانه ( وكلّم الله موسى تكليما ) – النساء 164- وقال عزّ اسمه (صلوا عليه وسلّموا تسليما) – الأحزاب 56 – فلما كان الكلام مصدرا يصلح لما يصلح له الجنس ولا يختص بالعدد دون غيره عدل إلى الكلم الذي هو جمع كلمة بمنزلة سليمة وسلم ونبقة ونبق وثفنة وثفن، وذلك أنه أراد تفسير ثلاثة أشياء مخصوصة وهي الاسم والفعل والحرف، وجاء بما يخص الجمع وهو الكلم وترك ما لا يخص الجمع وهو الكلام، فكان ذلك أليق بمعناه وأوفق لمراده " 26.
فالكلم يدل على الكمّ والوفرة، واحده كلمة، أما الكلام فهو اسم مفرد يعبر عن المعنى القائم في النفس الذي تدل عليه العبارات والجمل الخبرية والإنشائية. ولا يستقيم – الكلام- إلا إذا استقام مع ما ألفته العرب وتقوّلت به وتحدثت عنه، قال سيبويه في باب الاستقامة من الكلام والإحالة :
".... فمنهم مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب:
فأما المستقيم الحسن فقولك : أتيتك أمسٍ وسآتيك غدا.
وأما المحال فأن تنقض أول كلامك بآخره فتقول : أتيتك غدا ، وسآتيك أمس.
وأما المستقيم الكذب فقولك : حملت الجبل وشربت ماء البحر، ونحوه.
وأما المستقيم القبيح فأن تضع اللفظ في غير موضعه، نحو قولك : قد زيدا رأيت، وكي زيد يأتيك، وأشباه هذا.
وأما المحال الكذب فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس. 27.
ويًجسد المتكلم عند سيبويه مثالا يُحتذى به في وضع أسس علم النحو، واستئصال الكلام المستقيم من القبيح والكذب والمحال، دون إقصاء المعاني البلاغية والمقام التواصلي ومقاصد المتكلمين. ويبنى هذا الكلام بالتركيب بين المسند والمسند إليه الذي"لا يغني واحد منهما عن الآخر،ولا يجد المتكلم منه بدّا،28. لذلك فالمتأمل لهذا الكتاب يجده نسقا ينهل أطرافا من كل شيء، من النحو واللغة والبلاغة في قالب يسوده الانسجام. ومن الأدوات والمصطلحات المستعملة في التأسيس لهذا الخطاب نجرد الآتي : المجاري - الاستقامة -الأصل والفرع -الإحالة - الكذب -الحدّ -القبيح -الكلام -الاستحسان - الحديث ... .
ب)- مظاهر الكلام في خصائص أبي الفتح عثمان بن جني (ت 392 ه) :
لقد استوى مفهوم الخطاب في التراث العربي وصار موضوعا مستقلا بذاته، تجاوز معاني اللفظة الواحدة وحدود الجملة واستقرّ عند أغراض المتكلم الذي يكشف عن رسالته بما هو أوسع من الألفاظ والجمل؛ يقدّم أبو الفتح عثمان بن جني في مصنّفه "الخصائص" مفهوما للكلام الذي يرادف الخطاب في قوله "هو كل لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه، وهو الذي يسميه النحويون الجمل، نحو: زيد أخوك، وقام محمد، وضرب سعيد، وفي الدار أبوك، وصه، ومه، وخاء وعاء في الأصوات. فكل لفظ استعمل بنفسه وجنيت منه ثمرة معناه فهو كلام " 29.وحتى لا يعتقد المتلقي أن الكلام هو اللفظة المفردة؛ استدرك ابن جني الأمر وأزال اللبس الحاصل بقوله " فلما أراك فيه أن الكلام هو الجمل المستقلة بأنفسها الغائبة عن غيرها، وأن القول لا يستحق هذه الصفة من حيث كانت الكلمة الواحدة قولا إن لم تكن كلاما 30.
وقد سبق أن أحدث سيبويه قطيعة بين الكلام والقول وساهم في إخراج الثاني من حيّز الأخر في قوله "اعلم إن قلت إنما وقعت في الكلام على أن يحكى بها ما كان كلاما أو قولا، ومن أدل الدليل على الفرق بين الكلام والقول إجماع الناس على أن يقولوا (القرآن) كلام الله ولا يقولوا (القرآن) قول الله. 31. فالقرآن الكريم خطابٌ موجه إلى البشرية في كل أصقاع الكون، يأمل ببيانه وقوة المعاني التي ينتجها أن يستقرّ في قلوب سامعيه. فهو كلام نسقي يشد بعضه بعضا بإحكام، ينفرد باتساق تراكيبه ويقوى بانسجامه لكأنه بؤرة واحدة. ولعل هذا ما تنبّه إليه سيبويه حتى حَصَرَ الكلام في خانة الإفادة ونزعها عن القول. لذا كان من الضروري أن يرتبط الكلام بنظم الألفاظ وترتيبها ترتيبا غير مخل بالصور التي يصبو إلى التعبير عنها.
وقد خصص -ابن جني- بابا جعله من أشرف الأبواب وأنبل فصول العربية وأكرمها على الإطلاق، يتعلّق بشجاعة العربية وبساطة الكلام للتواصل والإفهام؛ وتفسيرُ الشجاعة هنا كما يرى بعض المهتمين قد تتجلى في إقدام الخطاب الرهين باللغة العربية على طريق من التعبير لم تقدم عليها غيرها من اللغات. يقول في هذا الباب " اعلم أن معظم ذلك إنما هو الحذف والزيادة والتقديم والتأخير والحمل على المعنى والتحريف". 32، وتدخل خصيصة الحذف في الاقتصاد في اللغة بمعنى الإيجاز مراعاة للعملية التواصلية؛ فكلما أوجز المتحدث خطابه إلا وكان بليغا مؤثرا، كما تؤشر هذه الشجاعة على تنمية اللغة لتشتمل الحاجة الإنسانية في تحقيق البعد التواصلي بما يتوازى مع ترمي إليه اللسانيات التداولية والبلاغة العربية.
ويرتبط مدلول الخطاب/الكلام عند أبي الفتح عثمان بن جني بأحد مسالكه وهي "اللغة" 33 التي يحدّها في قوله " هي أصوات يعبّر بها كلّ قوم عن أغراضهم" 34،ويتسم هذا الحدّ حسب – الباحث محمود فهمي حجازي- بالدقة والصرامة في رسم الوظائف التي تؤديها اللغة؛ المتمثلة في الوظيفة الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر والوظيفة النفسية والطبيعة الصوتية، وتنوع البنية اللغوية من مجتمع لأخر35. ويشكل هذا التحديد الدقيق كذلك نواة أبحاث متعددة قدّمها الطّرح الوظيفي المؤسس على الأبعاد التداولية في الدرس اللساني المعاصر، الذي يعتبر اللغة فعلا حيويا يُنجز إبان التكلم وتصدير الخطاب.
ج)-ابن مالك الأندلسي(672 ه) وابن آجرّوم الفاسي (723 ه) وابن هشام الأنصاري (761 ه).
اكتسى مفهوم الخطاب حمولة متداخلة من الرؤى والمعارف جعلت منه مدلولا مركبا، وظفه النحوي ابن مالك الأندلسي في ألفيته موازيا للكلام في قوله :
كلامنا لفظ مفيد:كاستقم واسم،وفعل،ثم حرف.الكلم
واحده كلمة والقول عم وكلمة بها كــلام قد يـــؤم.
يقتصر هذا التحديد على الاصطلاح عند النحويين، ولعل قول ابن مالك (ت 672) "كلامنا" خير دليل على ذلك، لذا فهو بمثابة اللفظ المفيد فائدة يحسن السكوت عليها،كما استغنى عن ذكر تتمة التعريف بإيراد مثال "استقم" الذي لا ينتظر السامع بعد التقاطها ما يتم معناها أو يفسرها. وقد يراد بالكلمة الكلام؛ من ذلك قوله تعالى " حتى إذا جاء أحدكم الموت قال ربّ ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها " (المؤمنون 99-100) ،وقال الرسول صلى الله عليه وسلم " أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل " 36
والجدير بالذكر أن ابن آجروم الفاسي (ت723) قد استهل "آجروميته" بالحديث عن الكلام وما يتألف منه، حتى يتخذ منه سبيلا في شرح النحو وتبسيطه؛ يقول رحمه الله " الكلام هو اللفظ المركب، المفيد بالوضع. وأقسامه ثلاثة : اسم ، وفعل، وحرف جاء لمعنى، فالاسم يُعرف؛ بالخفض، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض هي: من وإلى عن وعلى وفي وربّ والباء والكاف واللام، وحروف القسم وهي: الواو والباء والتاء. والفعل يعرف بقد، والسين وسوف وتاء التأنيث الساكنة، والحرف ما لا يصلح معه دليل الاسم ولا دليل الفعل" .37
وأما تصوره حول الكلام فيتأسس على أربعة دعائم: أولها اللفظ معناه النطق باللسان أو ذلك الفعل الحيوي الإنجازي. وثانيها المركب تركيبا إسناديا تحصل به الفائدة. وثالثها المفيد بحيث لا يتشوف بعده السّامع إلى غيره، وأخرها الوضع أن يكون الواضع لها قاصدا وضعه، وبذلك كلام السكران والمجنون والنائم والهاذي....لا يسمى كلاما لأن واضعه ليس قاصدا له، أو أن يكون بالوضع العربي. 38، فلا مناص إذن من حمل الكلام على القصد البيّن، وإلزامية ربطه بالقياس على الوضع العربي السائد في وسطنا من قرآن وحديث وشعر وباقي النظوم الأخرى. فلا يصح اعتبار كل قول يلقى على عواهنه كلاما.
وابن هشام الأنصاري(ت761ه) النحوي المصري الذي كان شديد النزوع إلى مدرسة البصرة، والذي يقول فيه ابن خلدون " ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له : ابن هشام أنحى من سيبويه" ، 39فإنه قد فرّق في تحديده مفهوم الكلام بين معنيين: الأول اصطلاحي يشمل القول المفيد المقصود. والثاني لغوي يطلق على ثلاثة أمور: أحدهما الحدث الذي هو التكليم كقولك: أعجبني كلامك زيدا أي تكليمك إياه، والثاني: ما في النفس مما يعبّر عنه باللفظ المفيد، وذلك كأن يقوم بنفسك معنى "قام زيد" أو "قعد عمرو" ونحو ذلك؛ فيسمى ذلك الذي تخيلته كلاما.... والثالث: ما تحصل به الفائدة سواء كان لفظا أو خطا أو إشارة أو ما نطق به لسان الحال." .40
وبهذا يكون (ابن هشام) قد حسم في قضية الإشارة والخط وباقي العناصر الأخرى بعدّها كلاما، ما دامت هذه الأطراف تدل على معيّن واضح وجلي؛ في طرح يخدم العملية التواصلية والبعد التداولي، بما يدفعنا إلى استحضار الجرجاني (ت 471) الذي استنجد هو الأخر بالنّحو لإنجاح العملية التخاطبية، حيث يقول فيه عبد السلام المسدي " إن النهج الذي سلكه الجرجاني لا لشيء إلا لأنه يعبر عن مقاصد المتكلم وأغراض الناطق" . 41
4- الإرهاصات التداولية لمفهوم الخطاب في علم الأصول :
اسْتُعْمِلَ مفهوم الخطاب في التراث العربي وورد منوطا بحقل علم الأصول، وشكّل العصب الأساس والرّكيزة المحورية لأبحاث الأصوليين التي تسعى إلى "معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد " . 42، فالشريعة في أصلها كتلة من النصوص التي تتجسد في الخطاب الشرعي، ولا يُفهم هذا الخطاب إلا بالاعتماد على مقاييس علمية وضوابط منهجية وقواعد استقرائية شرعية. لذا عدّ علماء السنة الإمام الشّافعي (ت 206 ه) مؤسِّسَ علم أصول الفقه ومجددا له من خلال كتابه الموسوم ب(الرسالة) التي ترجمت إلى لغات عديدة منها الفرنسية والانجليزية والهولندية... وأقرّ الجويني (ت 448 ه) " أنه لم يسبق الشّافعي أحد في تصانيف الأصول ومعرفتها " 43.فقد استلهم من سَبْقِهِ في هذا الحقل وعرّف لنا الخطاب بقوله" الكلام وا لخطاب والتكلم والتخاطب والنطق واحد في حقيقة اللغة وهو ما يصير به الحي متكلما" ، 44 إذ بواسطة اللغة وأجزاء الخطاب يحيا المتكلم ويخلق حياة يستنشق هواءها معية المتلقي المستهدف بالقول. في حين جعل منه الإمام الغزالي أبو حامد (ت 505 ه) في (المستصفى) " اسما مشتركا قد يطلق على مدلول العبارات، وهي المعاني التي في النفس كما قيل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا، وقال الله تعالى ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول (المجادلة -8) وقال تعالى وأسروا قولكم أو اجهروا به(الملك– 1)فلا سبيل إلى إنكار كون هذا الاسم مشتركا " .45
أما الآمدي فقد نحا دون تردد (ت 631 ه) البعد التداولي للخطاب، واستطاع أن يصوغ لنا مفهوما شاملا في قوله " هو اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيء لفهمه" ، 46كما لو أن هذا الخطاب هو في أصله نسيج تتم حياكته وفق مقاس متقبله ومتلقيه؛ نلمس فيه شيئا من الغلو والمبالغة في الاهتمام بالآخر المقصود وموضوع الخطاب وفحواه، خاصة لما جُعل اسما مشتركا حاملا للانفعالات النفسية للمتكلم / المخاطب. في المقابل استنجد الإمام علي بن عبد الكافي السبكي (ت 756ه) بسياقين في تناوله معنى الخطاب في معرض حديثه " وحصل في الخطاب قولان؛ أحدهما أنه الكلام، وهو ما تضمن نسبة إسنادية، والثاني أنه أخص منه وهو ما وجه من الكلام نحو الغير لإفادته" .47
والواضح أن بدر الدين الزركشي(ت 794ه) قد استفاد من هذا الزخم المصطلحي وهذه المفاهيم التي وضع أسسها الأصوليون قبله، وعرف الخطاب بقوله " إنه الكلام المقصود منه إفهام من هو متهيء للفهم" 48،ولعله قد تأثر إلى حدّ كبير بما صاغه الآمدي قبله ودعا إليه. فمفهوم الخطاب في علم الأصول عامة قد باح بحدوده وأفصح عن بنيته التي تحمل أبعادا تواصلية تداولية محضة، تحمل مؤشرات لغوية متنوعة دلالية وتخاطبية.
والأصل في هذا الحقل مثلما هو معروف، أنهم يقسمون الخطاب بحسب ما أنتجه من دلالة، إلى الجلي واضح الدلالة في مقابل الخطاب الغامض خفي الدلالة :
واضح الدلالة : الكلام البين الذي يستدعي جهدا تأويليا وهو على أربعة أوجه:
1. الظاهر : ما دلّ على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي، ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا 49.
2. المشهور : ما لا يتسرب إليه احتمال... فقولك الخمسة مثلا لا يحتمل الستة ولا الأربعة وسائر الأعداد. 50
3. المفسر : ما احتاج إلى تفسير وبناء تأويل لتقريبه من الأذهان.وهو " ما ازداد وضوحا على النص، سواء كان بمعنى في النص أو بغيره ". 51
4. المحكم ومعناه المتقن، وهو الخطاب/الكلام المنظم والمرتب ترتيبا مفيدا، إما علة ظاهر أو على تأويل.
خفي الدلالة :الكلام الغامض الذي يفتقر إلى البيان وهو على أربعة أوجه:
1. الخفي : وهو ما اشتبه معناه وخفي مراده.
2. المشكل : وهو الكلام الذي يأتي على أشكال تربك المخاطب، ولا يعرف إلا بدليل.
3. المجمل : وهو اللفظ المختلط وفي الاصطلاح " ما خفي المراد منه بنفس اللفظ حقا، ولا يدرك إلا ببيان من المجمل .52
المتشابه : وهو في الاصطلاح " اسم لما انقطع رجاء معرفة المراد منه، ولا يعرف معناه بحجة عدم إدراجه في كلام العرب .53
أخيرا يظهر أن الأصوليين قد اهتموا بضبط آليات تفسير الخطاب وفهم مقاصده، وحصر مجال تأويله. كما أن فهم الخطاب - حسب إشاراتهم- "ينبنى على ضرورة وجود خلفية مشتركة لعملية التخاطب؛ هذه الخلفية ترفدها منظومة الاعتقادات التي يؤمن بها متلقي الخطاب في كل زمان ومكان، سواء بخصوص المتكلم الأول/ المتكلم المبلغ وحكمته، أو بخصوص الخطاب نفسه وغاياته. وهي رغم ثباتها المضموني؛ فإن عمومية مقاصدها تسمح بتجدّدها وفق اجتهادات المتلقي وسياقات التأويل... لم يغب عنهم ضرورة وجود خلفية مشتركة للتخاطب ينبني عليها تشكل الخطاب وفهمه معا،وإدراك مقاصد المتكلم وأغراضه ومراداته" .54
5- تجليات مفهوم الخطاب / الكلام ومنزلته في البلاغة والنقد الأدبي:
يعدّ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 ه) أحد نوابغ عصره، وأكثر النقاد والبلاغيين شهرة وحظوة في وسطه، تحسب له الرّيادة في عرض معجزة الصادق الأمين، وبسط القضايا التي يزخر بها كلام الله علا وجلا. اهتم بالنثر وحث الشعراء على الطلاوة والعذوبة والفصاحة في إلقاء الشعر، يُقال إنّه لم يبرع في نظم الشعر، ولم يصل به إلى المعيار الأدنى ممّا ينبغي أن يكون، إلا أنه قد برع في تذوقه ونقده وتقويمه وبيان شعريته. في حين ترى فئة أخرى أن الجاحظ شاعرٌ تفوّق في الشعر لكنه " كان مشغولا فلم ينل ما أمل " .55
ويبدو أن الجاحظ يشترط في الكلام أن يكون متراصّا سهلا، تتلذذه الأذن ويصل إلى القلب في أبهى حلله وأليقها. وقد تحدث عن أجزاء الكلام وشروطه في قوله " وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغا واحدا وسبك سبكا واحدا. فهو يجري على اللسان كما يجري الدّهان" 56،لذلك وجب الاعتناء بالكلام من خلال سبكه سبكا واحدا، واختيار ألفاظه والمعاني التي تطرقها، وانتقاء الكلمات العذبة المتجانسة في نظمها بعيدا عن التشاكل والتعقيد؛ مما يسهل تأثيره على النفوس، وإدراكه إدراكا واعيا، فمحمود اللفظ لمحمود المعنى، وسخيف الألفاظ لسخيف المعاني. يقول أيضا واصفا مصدّر الخطاب " ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات .57
يرتكز الخطاب في منظور الجاحظ على ضرورة التخفيف عن المستمع ومراعاة مقتضى الحال وقدرته على الاستيعاب، والموازنة بين المعاني والألفاظ وأقدار المقامات، كما يستدعي إقامة الحجة الدّامغة باستحضار سلطة اللغة في التوكيد والإلحاح والحجاج والتعضيد؛ يقول فيما نقله عن –عمرو بن لبيد- "إنك وإن أوتيت تقرير حجة الله في عقول المكلفين، وتخفيف المؤونة على المستمعين، وتزيين تلك المعاني في قلوب المريدين بالألفاظ المستحبّة في الآذان المقبولة على الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب" .58
وفي هذا السياق يضفي – محمد العمري- حكما على مقصدية المخاطب في البلاغة ومرامي الخطاب النقدي البلاغي بأنها تداولية في عمقها. يقول في كتابه ( البلاغة العربية ) " إن التداولية الحديثة بعد "جاحظي" في أصله، لاهتمام الجاحظ وتركيزه على هذا المستوى في كتابه " البيان والتبيين"، وعلى عملية التأثير في المتلقي والإقناع، وقد سميت هذه النظرية عنده، والتي تعرف اليوم ب(التداولية) بنظرية التأثير والمقام، ويضيف جازما " أن هذا البعد هو أحد الأبعاد الأساسية في البلاغة العربية، وهو بعد جاحظي .59
وترتبط هذه البراغماتية في الخطاب عند – ابن سنان الخفاجي- بغرض الإفادة والإبلاغ في قوله "والكلام يتعلّق بالمعاني والفوائد بالمواضعة لا لشيء من أحواله" . 60 ويضيف شارحا أهم الشروط التي وجب على المتكلم إقحامها في كلامه ووضعها في صلب اهتماماته؛ " ... وإذا كنا قد بيّنا حدّ الكلام، وحقيقته. فينبغي أن نذكر حقيقة المتكلم فنقول: إن المتكلم من وقع الكلام الذي بيّنا حقيقته بحسب أحواله من قصده وإرادته واعتقاده وغير ذلك من الأمور الرّاجعة إليه حقيقة أو تقديرا، والذي يدلّ على ذلك أن أهل اللغة متى علموا وقوع الكلام بحسب أحوال أحدنا وصفوه بأنه متكلم، ومتى لم يعلموا ذلك أو يعتقدوه لم يصفه، وجرى هذا الوصف في معناه مجرى وصفهم لأحدنا بأنه ضارب ومحرّك ومسكن وما أشبه ذلك من الأفعال" . 61 فلمّا يكون للكلام وقع، وتكون للغة سلطة وإنجاز فعلي في الواقع يقع معه التأثير وإخضاع النفوس؛ جاز وصف ما قُدّم وتم تصويره بالخطاب. وهذا ينطلي على ما أرساه – جون لانغشو أوستين- في بنائه التداولي لنظرية أفعال الكلام، وما تربوه من مفاهيم تتضام مع القصد والاستعمال وتغيير واقع سائد مرجعه المعارف المشتركة بين المتكلم والمستمع.
ويربط الجرجاني (ت471 ه) الكلام بمستعمليه، ويراعي فيه عنصرا ثالثا ينضاف إلى أطروحة اللفظ والمعنى؛ وهو النظم. فاللفظ بمثابة حروف وكلمات أو وحدات بنيوية يستعيرها المتكلم لتأدية خطابه، والمعنى هو القصد الذي تبتغيه وتسعى من ورائه إلى خلق انفعالات وأحاسيس تستميل القلوب وتهتم بالمتلقي عبر إنتاج الفهم. وبهذا تكون الألفاظ قوالب للمعاني، والمعاني تلك المرامي التي تستنجد بها الألفاظ وتتشبث بإدراكها. فإذا تأملت المحيط أدركت معجزة الخالق وتجلت لك عظمته، وإذا لمحت أزهارا في روض مريع أعجبت برونقها، وإذا حضرت جورا ساءك حاله أحسست بالظلم وتغير مزاجك.
هذا التداخل في الكلام بين اللفظ ومعناه؛ أنشأ فرقا ومجموعات منها من تشيد بالمعنى، ومنها من تستقبحه وتنتصر للّفظ، لكن الجرجاني اتخذ موقفا وسطا وحسم الخلاف وبلغ الغابة فيما بيّن وفصل، لمّا جمع بين الاثنين بواسطة النظم وحسن السبك وترتيب المعاني في النفس والألفاظ في النطق؛ يقول "واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخلّ بشيء منها، وذلك أنّا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه" .
إذن؛ فلا يصح تناول بلاغة الكلام دون الميل كلّ الميل إلى مقتضيات علم النحو، لأنه مقياس العلاقات التي تضبط النظم، به نستجلي التراكيب السليمة من اللاحنة. فإذا كان النحو يهتم بتراكيب الكلام من حيث الصحة والسلامة اللغوية، فإن البلاغة تبتدئ من حيث ينتهي النحو وتبحث في الجودة والفصاحة والبيان. ويكاد الجرجاني يقتفي آثار سابقه الجاحظ في استحضار فضل الخطاب ومزاياه، والاهتمام بحسن صياغته وسبكه؛ يقول في (أسرار البلاغة) " ... اعلم أن الكلام الذي يعطي العلوم منازلها، ويبين مراتبها، ويكشف عن صورها، ويجني صنوف ثمرها، ويدلّ على سرائرها، ويبرز مكنون ضمائرها، وبه أبان الله تعالى الإنسان من سائر الحيوان، ونبّه فيه على عظم الامتنان. فقال عز وجل من قائل: (الرحمن علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان)(الرحمن1-4) فلولاه لم تكن لتتعدّى فوائد العلم عالمه، ولا صحّ من العاقل أن يفتق أزاهير العقل كمائمه، ولتعطلت قوى الخاطر والأفكار من معانيها، واستوت القضية في موجودها وفانيها. نعم ، ولوقع الحيّ الحساس في مرتبة الجماد. ولكان الإدراك كالذي يوافيه من الأضداد. ولبقيت القلوب مقفلة تتصون ودائعها، والمعاني مسجوعة في مواضعها .62
لا مجال للشك أن في هذا النص حصرا للمفهوم التداولي للخطاب واستجلاءً للخدمات التي يقدمها قربانا لمستعمليه. فهو آلية من آليات نشر العلوم وتفتقها، وباعث من بواعث ارتياح القلوب واطمئنانها، به ميّز الله تعالى الإنسان وكرّمه للكشف عن سرائره ومكنوناته، وبواسطته نستخرج الحي الحساس من الساكن الجامد.
وتجدر الإشارة إلى أن الباحث التونسي – عبد الله صولة - 63 قد زاوج بين نظرية النحو العربي التقليدي وبين نظريات تحليل الخطاب المعاصرة والأصول التداولية في تصوره الذي يقول فيه: " إن نظرية النظم في القديم تلحّ بلغة نظريات تحليل الخطاب المعاصرة على ما يحصل في الجملة أو في النص من ظاهرة الانسجام (Cohérence) ذات الأصول النحوية من دون شك، أكثر بكثير من إلحاحها على ظاهرة الإفادة ((Pertinence فيه، التي هي ذات منطلقات وأصول تداولية 64.ويقرر قائلا " إننا بدراسة اللغة القرآنية حجاجيا، نكون من ناحية أولى في صميم تداولية الخطاب أي في مجال بلاغة التأثير التي وقفوها ( أي العرب) على دراسة الشعر، ونكون من ناحية ثانية خارج مجال بلاغة النظم التي جعلوها لدراسة القرآن .65
وأما السكاكي (626 ه) الذي اتهم بالضحالة في أسلوبه، وبعده عن الذوق الفني في بلاغته، وحوكم بجريرة تقعيد الحقل البلاغي وإفساده بإقحام أعشاب ضارة إليه؛ كان في الحقيقة يحمل همّا مضاعفا تعلوه رغبة ملحّة في بناء نظرية محكمة في علم الأدب، وهي بمثابة مفتاح لكل المطالب العلمية في العربية التي يمتاح منها الباحث، ويرجع إليها في صياغة العمل الأدبي بكل تلاوينه. فهو لم ينشئ قطيعة تامة بين البلاغة وسائر العلوم، ولم يعزلها عن مسائل الصرف والنحو وعلم اللغة، بل كان يتطلّع إلى جمع الشتات في مشروع علم الأدب، بالارتكاز على بنية منهجية صارمة تلبي كل مقومات المنهج العلمي، وتستهدف التبسيط و" الاحتراز عن الخطإ في العربية وسلوك جادة الصواب فيها " ، 66 وبسط الإعجاز القرآني " لاسيما إذا انظم إلى همّتك الشغف بالتلقي لمراد الله تعالى من كلامه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" .67
يبدو أن أبا يعقوب السكاكي – رحمه الله- كان يَحُوزُ فكرا سابقا لأوانه، لمّا انساق وراء تأسيس مشروع في علم الأدب يلمّ بعض العناصر وشيئا من الأوجه في قوله " واعلم أن علم الأدب متى كان الحامل على الخوض فيه مجرد الوقوف على بعض الأوضاع، وشيء من الاصطلاحات، فهو لديك على طرف التمام " . 68 ولإرساء هذه الأوضاع وضبط هذه الاصطلاحات، سارع إلى الانتقال من الجزء إلى الكل، ومن المفرد إلى المركب، وانطلق من المقدمات لينتهي إلى النتائج والخلاصات عبر الحدود، في تدرج منطقي عقلاني تطبعه الدقة والصرامة، بعدما لمح البعثرة والتفكك وغياب التكاملية في عصره.
واعتمد في تشكيل بنية (مفتاح العلوم) على ثلاثة أقسام هي ؛ الصرف والنحو وعلمي المعاني والبيان؛ جزّأ الصرف إلى ثلاثة فصول ممهدا لها بالحديث عن الكلمة وأنواعما. وجعل الفصل الأول في بيان حقيقة علم الصرف والتنبيه على ما يحتاج إليه في تحقيقها، والثاني في كيفية الوصول إليه، والثالث في بيان كونه كافيا لما علق به من الغرض. وأما علم النحو فقد انشطر إلى فصلين؛ فصل أول حدد فيه ماهية النحو، وفصل ثان ضبط فيه ما يفتقر إليه علم النحو، لينتهي إلى علمي المعاني والبيان، ويشرع في تحديد جوهرهما والقوانين المؤطرة لهما.
إن المتأمل لهذه الترسيمة وما تزخر به من انشطارات؛ يلمس دون أدنى شك صرامة السكاكي ووعيه التام بما يقوم به. وسيكون من الحيف وضربا من الخيال تصنيف هذه المخطوطة بفصولها وأبوابها ومنهجها العلمي الرصين ضمن خانة البلاغة وحدها، وإن كان قد حصر قوانينها وبسطها لفهم الخطاب وتفسيره. فالمفتاح يسعى في عمقه إلى تقويض موضوع الأدب وهدم حدوده ليشمل عناصر من علوم أخرى تساهم في بناء الفهم وإضفاء الأبعاد الفنية التي لا يخلو منها أي عمل أدبي.
ويظهر أن – رومان ياكبسون- قد أعطى لهذا المشروع صيغته النهائية حين قال "إن موضوع العلم الأدبي ليس هو الأدب وإنما " الأدبية" (Littérarité) أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا، ومع ذلك، وحتى الآن، فإننا نستطيع أن نشبه مؤرخي الأدب بالشرطة التي تفكر في اعتقال شخص، فتصادر على سبيل الخطإ، كل ما وجدته في حجرته، وحتى الناس الذين يعبرون الطريقة القريبة منها. وهكذا فإن مؤرخي الأدب يأخذون أطرافا من كل شيء: من الحياة الشخصية، ومن علم النفس، ومن السياسة، ومن الفلسفة. إنهم يركبون جمعا من الأبحاث التقليدية، بدلا من علم أدبي" 69.
بناء على هذا التشبيه المغري؛ يصحّ أن نعتقد جازمين أن مؤلفنا –السكاكي- كان يرمي إلى تقنين البلاغة ضمن مشروع أساس وهو علم الأدب، وامتاح في سبيل ذلك أطرافا من كل شيء، من علم النحو، وعلم الصرف، وعلمي البيان والمعاني، وعلم اللغة وتمام تمامها.
وبخصوص دلالة الكلام وشرط صياغته في "مفتاح العلوم"، فقد لقي تفاعلا وتجاوبا عند أبي يعقوب السكاكي وغيره من البلاغيين في مبحث الخبر والإنشاء. فهم جميعا ينظرون إلى الجمل والعبارات في علاقتها بالمتكلم ضمن مقامات وأحوال معينة بخلاف النحاة. ويرتبط الكلام بمبحث الخبر والإنشاء من جهة رغبة المتكلم في الإفادة عن حدث (خبر) أو عن أمر يأمل حدوثه (إنشاء)، فالكلام وفق هذا المبحث؛ إما أن يكون خبرا يقصد التبليغ بفحوى لا علم للمستمع به، يبدو مشوشا مبهما بالنسبة له ضمن واقع خارجي، أو أن يكون إنشاء متجردا عن العالم الخارجي، يستدعي مطلوبا لم يكن حاصلا وقت الطلب.
وقد ساهمت الأبحاث العلمية اللغوية التي أنجزها فلاسفة أوكسفورد (جون لانغشو أوستين، J.Austin ، وجون سورل، J.Searle) في إعادة صياغة هذا المبحث وفق نظرية الأفعال الكلامية، بعد الثورة على مذهب الفلاسفة الوضعيين70؛ يقول الباحث مسعود صحراوي " وتندرج ظاهرة الأفعال الكلامية تحديدا ضمن الظاهرة الأسلوبية المعنونة ب"الخبر والإنشاء" وما يتعلق بها من قضايا وفروع وتطبيقات. ولذلك تعتبر نظرية الخبر والإنشاء عند العرب من الجانب المعرفي العام مكافئة لمفهوم الأفعال الكلامية." 71
وتماشيا وفق هذا التسلسل الكرونولوجي والترتيب الزمني الذي صاغه الدكتور أمجد الطرابلسي؛ سنحاول قدر المتاح أن نقف عند تجليات مفهوم الكلام/الخطاب التداولية استنادا إلى هذه المصنفات وأعلامها :
أولا : الخطاب في "منهاج البلغاء وسراج الأدباء " لحازم القرطاجني :
المنهاج أولا مصنف في النقد والبلاغة، يبدو من خلاله أن حازما كان له اطلاعٌ واسع على التراث الأرسطي عبر شروح الفلاسفة المسلمين الفارابي وابن سينا. نقل عن الفارابي نقلين لا يُعرف مصدرهما، وورد اسم ابن سينا إحدى وعشرين مرّة، ونقل عنه خمسة عشر نقلا، والمثير للانتباه حسب – عباس ارحيلة- " أن حازما لم يذكر في كتابه ابن رشد، وهو (الشارح الأكبر) وبينهما قرب عهد (بين وفاة ابن رشد 595ه وولادة حازم 608ه حوالي اثني عشر عاما) وهما ينتميان إلى إقليم واحد." 72. ويعزو محقق المنهاج – الحبيب ابن الخوجة- باعث تجاوز ابن رشد وعدم الإشارة إليه، إلى تقصيره ومساهمته في إفساد المفاهيم الأرسطية بواسطة رداءة الترجمة وسوء النقل فضلا عن جملة من العيوب التي طالت تطبيق آراء أرسطو على الشعر، يقول موضحا "ولعلّه وجده غير أمين في ترجمته ل كتاب (الشعر) لأرسطو أو كان مقصرا لديه أن يضيف من ذلك شيئا إلى أصول النقد الشعري عند العرب، فدعاه إلى الاستدراك عليه.. " . 73، في حين ينزع عباس أرحيلة هذه الاتهامات عن ابن رشد الحفيد ويبرئه، ويذكر " أنه لم يترجم كتاب (الشعر) ولم يكن بصدد تأصيل نقد الشعر عند العرب، وإنما كان يمارس قراءة لكتاب (الشعر ) في ضوء ما تأتى له من مخطوطات وشروح" . 74
ويعقب عما جُمِّعَ من أسباب وبواعث تتعلق بإغفال حازم لابن رشد؛ أنها تظل غير مقنعة، ويبقى هذا الرأي حسبه متأثرا برأي المستشرقين ومن تبعهم، طارحا سؤالا مركزيا مفاده : كيف كان يتأتى لأمثال حازم أن يستوعبوا التراث الأرسطي في ظل غياب الشارح الأكبر؟ 75،بل ويواصل التعبير عن اندهاشه واستغرابه في قوله " ومن المثير للانتباه والعجب أن يستوعب أراء أرسطو في (الشعر) و(الخطابة) من خلال ما تأتّى له من شروح أو ترجمات دون أن يكون له إلمام باللغة اليونانية، وهو لا يستشهد بنص أجنبي قام بترجمته، إذ غالبا ما ينص على الترجمة." 76
لكن المتأمل لموضوعات المنهاج يلمس ثقافة صاحبه الواسعة وحسّه الذوقي، وقدرته على الانتباه إلى جملة من النظريات والقضايا الشائكة بأسلوب فذ وسبك محكم. فبالرغم من التأطير – أو التقعيد إذا شئتم- الذي لفّ البلاغة قبله والشروع في استئصالها من خانة النقد. استطاع القرطاجني أن يوفق في الجمع بين الحقلين بمنهج منطقي رصين مع إضفائه لعدد من الشواهد المتنوعة من القرآن والشعر. فمنهاجه هذا كتاب حامل لموضوعات الرماني والجرجانيّ، ومكمل لصنيع كثير من النقاد أمثال قدامة بن جعفر والآمدي وابن سنان الخفاجي. يتكون عنوانه حسب –محمد العمري- من مركبين متناظرين: منهاج البلغاء، وسراج الأدباء. السراج يوازي المنهاج، والأدباء يوازي البلغاء. العلاقة بين المنهاج والسراج علاقة استعارية: المنهاج سراج. فكما أن السراج ينفي الظلمة، وينير الطريق نحو الهدف، فكذلك المنهاج، أي الخطة الواصفة للطريق توصل بدورها إلى النتيجة المتوخاة. الصورة المستعارة أقوى، لأنها ملموسة، واضطرارية، فبدون وجود سراج منير يستوي الأعمى والبصير، بل تكون حظوظ الأعمى أقوى لاستئناسه بالسير في الظلام، ومع ذلك فإنه لا يصل إلى الهدف ما لم يكن سلك الطريق، أي خزّن منهجا. إذن العطف هنا للبيان، يمكن الاستغناء عنه إجرائيا: منهاج البلغاء سراج الأدباء. 77
ومن المؤكد أن –القرطاجني- قد تناول مفهوم الخطاب/الكلام بالدراسة والتحليل، وساهم في صياغة تصور شامل إزاءه، وبنى على ما صاغه النقاد والبلاغيون قبله. واهتم بالجانب التواصلي والتداولي للكلام وعناصره التخاطبية، كما اعتنى بدور اللغة في تدليل سوء الفهم وتبديده عبر الإفصاح والإعراب عن البعد النفعي التواصلي؛ يقول في باب (معلم دالّ على طريق العلم بما ينقسم إليه{130- ب} الشعر بحسب اختلافات أنحاء التخاطب) " لما كان الكلام أولى الأشياء بأن يجعل دليلا على المعاني التي احتاج الناس إلى تفهمها بحسب احتياجاتهم إلى مُعاونة بعضهم بعضا على تحصيل المنافع وإزاحة المضارّ وإلى استفادتهم حقائق الأمور وإفادتها وجبَ أن يكون المتكلم يبتغي إمّا إفادة المخاطب، أو الاستفادة منه. إمّا بأن يلقي إليه لفظا يدلّ المخاطب إما على تأدية شيء من المتكلم إليه بالفعل أو تأدية معرفة بجميع أحواله أو بعضها بالقول، وإما بأن يلقي إليه لفظا يدله على اقتضاء شيء منه إلى المتكلم بالفعل أو اقتضاء معرفة بجميع أحواله أو بعضها بالقول، وكان الشيء المؤدى بالقول لا يخلو من أن يكون بيّنا فيقتصر به على الاقتصاص أو يكون مشتكلا فيؤدّى على جهات من التفصيل والبيان والاستدلال عليه والاحتجاج له.
فكلام المكلّم فيما يؤدّيه قسمان: قسم يقع فيه الاستدلال، وقسم الاستدلال فيه.
وكلامه فيما يقتضيه من المخاطب قسم واحد في أكثر الأمر؛ لأن الإجابة بالاستدلال أو عدمها في ذلك للمخاطب. وليس ذلك من كلام المتكلّم إلا أن يحكي ما دار بينه وبين مخاطبه، فيكون ذلك كالتركيب من القسمين، وليس به على الحقيقة لكون ذلك ليس من كلام واحد.
1- إضاءة: ولا يخلو فيما حكاه من ذلك أن يكون مسلّما أو محاجا. فإن كان مسلّما فهو الذي أشرنا إليه، وإن كان محاجّا كان من باب المشاجرة. وهو متركّب من تأدية المخاطب نقيضَ ما أدّاه المتكلم، والمتكلم نقيضَ ما أدّاه المخاطب، كما أن باب الإشارة أيضا مركب من تأدية واقتضاء، لأن المتكلم يؤدي إلى المخاطب رأيَه ويقتضي قبوله.
2- تنوير: وجملة ما ينقسم إليه الكلام من جهة ما يقع فيه من تأدية واقتضاء باعتبار البساطة فيهما والتركيب {131- أ}ستة أقسام :
1. تأدية خاصّة
2. أو اقتضاء خاصّة.
3. أو تأدية واقتضاء معا.
4. وتأديتان من المتكلم والمخاطب.
5. أو اقتضاء منهما: فكان هذا يكون على جهة من الحيدة بأن يقتضي المتكلم من المخاطب شيئا فيقتضي المخاطب من المتكلم شيئا آخر قبل أن يؤدي إلى المتكلم ما اقتضاه.
6. أو يكون مركبا من اقتضاء المتكلم تتبعه تأدية من المخاطب على جهة السؤال والجواب.
فإذا حكى المتكلم كلام المخاطب مع كلامه، أو حكى كلامهما معا غيرُهما، وُجد الكلام ينقسم على هذا الاعتبار بحسب البساطة والتركيب ستة أقسام" . 78
يعلّق الباحث المغربي – محمد بن الحسن بن التجاني- في أطروحته " التلقي لدى حازم القرطاجني" على هذا التعريف بكونه ينهض باللغة على تحديد أطراف عملية التخاطب وهي : الناس والمتكلم والمخاطب، وتتمظهر اللغة في شكل كلام، ويصبح له فضل كبير باعتباره معبرا أو دليلا على المعاني. وأن اضطلاع الكلام بهذه المهمة جعله يضطلع في الحقيقة بوظيفة تواصلية أساسية واجتماعية في المقام الأول. ويبتدئ العنصر الوظيفي في استعمال الكلام من لدن حازم من خلال إناطته بغاية تحقيق المنافع وإزالة المضار" .79
ولم يقف حازم عند هذا الحد؛ بل واصل تقريب مقتضيات هذه العملية التواصلية من المتلقي. وجعل من الخطاب آلية للإفادة والتأثير، واهتم بالألفاظ والمعاني التي تقتفي آثرها، وسائر عناصر الخطاب كالانسجام والوزن والتناسب. والحقيقة أنه " بضياع القسم الأول من كتاب منهاج البلغاء الذي يظن أن حازما خصّصه للألفاظ وتشكيل العبارات وما يتعلق بها، ضاع قسم مهم قد يكون خلاله أبرز رؤيته للغة، ونظرته إلى علاقة الألفاظ والمعاني . 80
ومما لاشك فيه أن حازما قد تناول بالدرجة الأولى الخطاب الشعري، وقدرته على إخضاع النفوس. فهو بمثابة الآمر الناهي في شؤون القبيلة العربية؛ يقول في منهاجه " لأن الشعر يختلف يحسب اختلاف أحوال القائلين وأحوال ما يتعرّضون للقول فيه، وبحسب اختلافهم في ما يستعملونه من اللغات، نجد واحدا يحسن في الفخر ولا يحسن في الضراعة، وآخر يحسن في الضراعة ولا يحسن في الفخر. ونجد واحدا يحسن في مدح الطبقات الأعْلَيْنَ وآخر لا يحسن إلا في أمداح الطبقات الأدْنَيْنَ، ونجد واحدا يحسن في النظم المصوغ من الألفاظ الحُوشية والغربية وآخر لا يحسن إلاّ في نظم اللغات المستعملة." .81
ثانيا : الخطاب عند ابن البنّاء المراكشي في "الروض المريع في صناعة البديع":
يجسد "الروض المريع" حلقة من سلسلة الدراسات النقدية والبلاغية التي انبجست من التقليد الدائر حول المحور الفلسفي الهيليني في الغرب الإسلامي. واصل فيه ابن البناء العددي طريق الفلاسفة المسلمين، وسيّج تقاليد المدرسة البلاغية مثلما رسمتها مؤلفات ابن عميرة المخزومي وحازم القرطاجني وأبي القاسم السجلماسي ، 82. واستطاع أن يحشد فيه تجربته الواسعة في المنطق والرياضيات والنقد الأدبي وعلم التفسير والأصول وعلم الكلام، وأن يضفي عليه رؤيته المتبصرة العميقة التي تمزج بين الذوق الفني والحس المنهجي الصارم. فقد حاول جاهدا تقديم تصوره التكاملي حول علم البلاغة، التي كانت تحتل منزلة سامية في النفوس، وتزخر ببالغ الأهمية في الثقافة العربية والإسلامية؛ منطلقا من فرضية محورية مفادها تقريب أصول البديع من الأذهان والمستمعين، ووضع آليات فهم الكتاب وتفسير السنة وباقي النظوم الأخرى. واختار للإعراب عن مقصديته ديباجة مؤلَّفه في قوله " وبعد، فغرضي أن أقَّرِّبَ في هذا الكتاب من أصول صناعة البديع، ومن أساليبها ووجوه التفريع، تقريبا غير مخلٍّ، وتأليفاً غير مُمِلٍّ، يصغر جِرمه، ويكثر عِلمه، وسميته بالروض المريع في صناعة البديع، ومنفعته في زيادة المنة وفهم الكتاب والسنة" . 83
ويبدو أن النقاد والبلاغيين المغاربة لم ينساقوا وراء الاتجاه الذي قسم البلاغة إلى ثلاثة علوم، بل ظلوا متمسكين بمصطلح البيان بمعناه الواسع في مقابل البلاغة بمختلف أبوابها، 84،وارتبطوا بأصول البديع والذوق الرفيع. وإن إفصاح – ابن البناء- عن غرضه في المقدمة يدفعنا إلى تقدير أهمية هذه المخطوطة الرّصينة، والعمل على استئصال أبعادها التّداولية عبر زخم من المفاهيم المؤسسة لهذا الخطاب البلاغي، وعدد من الاصطلاحات المؤطرة لهذا المشروع التي تتمثل في الكلام والدلالة والبلاغة ومقاييس اللفظ ومعناه، ومفهوم الفصاحة ومستلزماتها، علاوة على أصول البديع والبيان وأغراض الخطاب البلاغي ومقاصده.
وبخصوص مبحث الكلام وأجزائه؛ يقسّمه ابن البناء إلى قسمين كبيرين: شعر ونثر؛ إذ يقول "وينقسم القول إلى موزون مقفى وهو المنظوم، وإلى غير ذلك وهو المنثور، ويستعمل كل واحد منهما في المخاطبات، وهي على خمسة أنحاء على ما أحصيت قديما.85.وإذ نظرنا جليّا إلى هذا التقسيم سنجده رائجا لدى نقاد اليونان والفلاسفة المسلمين؛ كابن وهب وابن سينا وابن رشد؛ فابن وهب مثلا يرى " أن سائر العبارة في لسان العرب إما أن يكون منظوما أو منثورا، والمنظوم هو الشعر، والمنثور هو الكلام" .86
ويتيح لنا هذا القول حسب – الدكتور المهدي لعرج - أن نسجل الملاحظات التالية :
 احترام ابن البناء التقسيم التقليدي للقول: شعر/نثر.
 انطلاقه من مبدإ أن كلاّ من المنظوم والمنثور يستعملان في المخاطبات، ومعنى هذا أن الحاجة ماسّة إلى استعمال القول المنظوم تماما، كما تمسّ الحاجة إلى استعمال الكلام المنثور. ونتصور أن -ابن البناء- من خلال هذا الافتراض قصد إلى إضفاء الشرعية على الخطاب الشعري في سياق كان وما يزال ينظر فيه بعين من الرّيبة إلى قيمة الشعر والفائدة منه. فقد شكّل الخطاب الشعري باستمرار مسألة خلافية وقضية عميقة بين مختلف العلماء، بمن فيهم المشتغلين في دائرة البلاغة والنقد. وعلى الرغم من أن الجميع كان يسلم بأصالة هذا الجنس الكلامي، ولا يتردّد في استعماله وتوظيفه إلا أن الحاجة كانت ماسّة أيضا باستمرار إلى أهمية علاقته بمشروع وحدة الأمة وصيانة معتقدها . 87.
وحتى لا ينغمس – ابن البناء- في الطروحات والمسائل الخلافية بين من هو أجدر بصيانة هوية الأمة انبرى بسلاسة إلى ذكر الأوجه الخمسة المشكلة للمخاطبات معرّفا كل وجه على حدة:
1- الخطاب البرهاني: وهو الخطاب بأقوال اضطرارية يحصل عنها اليقين.
2- الخطاب الجدلي: وهو الخطاب بأقوال مشهورة يحصل عنها الظن الغالب (الشك).
3- الخطاب الإقناعي: (الخطابة) وهو الخطاب بأقوال مقبولة يحصل عنها الإقناع.
4- الخطاب الشعري: وهو الخطاب بأقوال كاذبة مخيلة على سبيل المحاكاة يحصل عنها استفزاز بالتوهمات.
5- الخطاب المغالطاتي (السوفسطائي):وهو الخطاب بأقوال كاذبة،يحصل عنها ظهور من ليس بحق أنه حق.
وقد صرّح بجلاء أن الخطابات الثلاثة الأولى :هي التي تستعمل في طريق الحق مستشهدا بالآية الكريمة ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) الآية -13- "سورة النحل"، وهذا ما سلكه ابن رشد في تصنيفه الدلائل الخطابية والدلائل الجدلية والدلائل البرهانية حيث يقول:" فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدّق بالأقاويل الجدلية، ومنهم من يصدّق بالأقاويل الخطابية." 88
أما النوعان الرابع والخامس؛ أي الخطاب الشعري والخطاب المغالطاتي، فيعتبرهما ابن البناء خارجين عن باب العلم وداخلين في باب الجهل، باب من يؤمن بأهمية الشعر من البشر، وباب من لا يرى له أية فائدة تذكر. وبالنظر إلى هذه الأوجه الخمسة التي حصرت فيها المخاطبات، ستلفي أن المناطقة قد تناولوها بالعناية والتفصيل، خاصة في أقسام الحجة والاستدلال كما هو واضح عند ابن سينا الذي يبدو أن – مؤلفنا- ابن البناء كان متأثرا به بشكل لافت وكبير. كما يجدر التنبيه إلى أنه قد استند في المفاضلة بين الشعر والنثر على رأي ابن سنان الخفاجي الذي يؤكد " أن النثر تعلّم فيه أمور لا تعلّم في النظم...وأن الحاجة إلى صناعة الكتابة ماسّة، والانتفاع بها في الأغراض ظاهر، والشعر فصل يستغني عنه ولا تقود ضرورة إليه ." 89
وقد أعاد ابن البناء طرح ثنائية اللفظ والمعنى في تحديده جوهر الكلام؛ من خلال رؤية بلاغية ثاقبة تسعى إلى الجمع وتستدعي التكاملية، ويجزم أن العلاقة بينهما جدلية، كل واحد منهما يفتقر إلى الأخر، ولا يمكنه الاستغناء عنه. ويحرص على وضوح المعاني وتفاعل النفس معها عبر هجّ الغموض ونبذ الحشو في الباب المتعلّق باللفظ من جهة دلالته على المعنى؛ أي من حيث الإخلال والحشو والإطالة والإيجاز والمساواة، أما الباب المرتبط باللفظ من جهة مواجهة المعنى نحو الغرض المقصود في الخطاب، فقد حدّده في أحوال لم يفصل فيها وهي :
الخروج من شيء إلى شيء.
تشبيه شيء بشيء.
تبديل شيء بشيء.
تفصيل شيء بشيء.
إن المتأمل لهذه الإشارات التي قدّمها – ابن البناء- المنوطة بمفهوم الخطاب وارتباطه بمعناه من جهة دلالته عليه، يطرح تساؤلات حول ما إذا كان مؤلفنا مهتما فعلا بالبعد التداولي التواصلي، والنمط الحجاجي الإقناعي للكلام؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى رصد لجملة من القواعد والاصطلاحات والقوانين الكلية لخدمة مباحث البلاغة؟.
ثالثا: الخطاب عند أبي القاسم السجلماسي في " المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع":
يمثل "المنزع البديع" بأثره الهيليني وأسلوبه الفلسفي والمنطقي جنساً فذا في النقد الأدبي المقارن، يحمل في طيّاته تفاعل الثقافة العربية الإسلامية والاتجاه اليوناني في دائرة النقد والبلاغة. عمد فيه السّجلماسي إلى إحصاء أساليب البديع وترتيبها في أجناس عاليّة هي : الإيجاز، والتخييل، والإشارة، والمبالغة، والرّصف، والمظاهرة، والتوضيح، والاتساع، والانثناء، والتكرير. واعتبر هذه الأقسام منفذا لإدراك الإعجاز البياني للقرآن الكريم، ونموذجا للوقوف عند لطائفه ومعانيه الرّائقة. ومن هنا يقول كاشفا عن غايته " فقصدُنا في هذا الكتاب الملقّب بكتاب "المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع" إحصاء قوانين أساليب النظوم التي تشتمل عليها الصناعة الموضوعيةُ لعلم البيان وأساليب البديع، وتجنيسها في التصنيف وترتيب أجزاء الصناعة في التأليف، على جهة الجنس والنوع، وتمهيد الأصل من ذلك للفرع، وتحرير تلك القوانين الكلّية، وتجريدها من المواد الجزئية بقدر الطاقة، وجهد الاستطاعة، والله تعالى وليّ التسديد، والكفيل بالتأييد. "90.
والمرجّح أن -أبا القاسم السجلماسي- يأمل وضع قوانين كلية لصناعة البيان، ولم يأبه حسب -عباس أرحيلة- "بالتقسيم الثلاثي للبلاغة الذي عُرف على عهده في المشرق: فالبيان والبلاغة والبديع عنده سواء، وتقسيمه البلاغة عشرة أجناس يذكرنا بتقسيم الرماني(384ه) الذي جعل البلاغة عشرة أقسام منها: الإيجاز، والتشبيه، والاستعارة، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس، والتضمين، والمبالغة، وحسن البيان" .91
ويرى علال الغازي ( محقق المنزع) أن حصر المؤلف نظريته في علم " الأساليب" داخل عشرة أجناس عاليّة؛ هو عمل يهدف به إلى إزالة الفوضى والاضطراب الذي عاش فيه المصطلح البلاغي خارج صناعة تحكمه كما حكمت مصطلحات النحو واللغة والعروض والمنطق وعلم الكلام والتفسير والفقه والحديث وغيرها 92. وتماشيا مع همّ إزاحة هذه الفوضى العائمة انشغل على ترتيب مقولات البلاغة ضمن أجناس عالية تخضع لمنزع رصين في التصنيف والتحليل والنمذجة، لا تتداخل أنواعه ولا يشوبها الالتباس على حدّ قوله " فالجنس العالي لا يترتب تحت شيء ولا يُحمل على جنس آخر عال أصلا لما قد سبق بيانه، والنوع القسيم لا يُحمل على قسيمه ولا على نوع آخر تحت جنس آخر، ولا يترتب تحته من قبل ارتقائهما معاً إلى جنس يعمّهما معا، وارتقاء واحد واحد من النوعين اللذين تحت جنسين عاليين إلى جنس غير الجنس الذي يرتقي إليه الآخر" .93
والملاحظ أن السجلماسي لا يشير في بعض المواقف إلى مصادره إلا في غضون التحليل والتفسير خاصة لمّا تناول قضية التخييل في الخطاب المنوط بالشعر في العملية الإبداعية، وجعلها جنسا عاليا من علم البيان تشتمل على أربعة أنواع تشترك فيه هي : التشبيه والاستعارة والمماثلة والمجاز. واعتبر الخطاب الشعري " كلاما مخيلا مؤلفا من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفاة. ومعنى كونها موزونة: هي أن يكون كلّ قول منها مؤلفا من أقوال إيقاعية، فإن عدد زمانه مساو لعدد زمان الآخر. ومعنى كونها مقفاة هو: أن تكون الحروف التي يُختم بها كل قول منها واحدة، وكل معنى من هذه المعاني فله صناعة تنظر فيه إما بالتجزئة، وإما بالكلية " .94
يبدو أنه يسعى إلى بناء نظرية المعنى، واعتبر في سبيل ذلك جوهر كل خطاب في معناه، مما يعيد إلى الأذهان قضية اللفظ والمعنى، التي صاغها أبو القاسم وفق نسق أسلوبي يقوم على تكسير حاجز الثنائية. اقتسم هذا التصور مع جملة من النقاد قبله في وجه كل من انتصر لهذا الطرف مقابل الطرف الآخر، حيث يرى " إلزاميّة امتزاج اللفظ بالمعنى حتى لا توجد بينهما منافرة " . 95 واستحضر عناصر السياق والمقصدية والدلالة شروطا لإنتاج الخطاب الدّال " وتوفر صحة المعنى وسلامة النظم وحسن البيان" 96، بشكل يلفت الانتباه إلى الأدوات نفسها التي يشتغل بها الخطاب في لسانيات الاستعمال.
6- سيرورة الخطاب في اللسانيات الحديثة ( لسانيات الوضع ولسانيات الاستعمال):
يتغير التعبير الاصطلاحي للخطاب تبعاً للحقول المعرفية التي يمتاح منها، فقد أضحى منذ ترجمة مقال " تحليل الخطاب" لزيليغ هاريس في مجلة (اللغات الفرنسية) سنة (1969) بواسطة " جون دوبوا" من بين المفاهيم الأكثر استعمالا وتداولية. بل أمسى يشكل كيمياء بين جملة من المجالات والتخصصات التي تختلف بتنوع المعارف الإنسانية؛ مما أولاه صبغة زئبقية ومشوشة ما لم يحصر ضمن سياق معرفي وإطار بحثي محدد؛ نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر: (اللسانيات البنيوية: سوسير وإيميل بنفنيست)، و(السيميائيات التأويلية: غريماس وأمبيرتو إيكو)، و(الشعرية: إسهامات الشكلانيين الرّوس وتودوروف)، و(الدراسات الثقافية: ميشيل فوكو)، و( اللسانيات التداولية المؤسسة على الأبعاد الوظيفية: مانغونو وشارودوا وسيمون ديك والمتوكل وأخرون).
أ‌- لسانيات الوضع :
يفرّق الأب الرّوحي للسانيات الحديثة اللغوي السويسري"فرديناند دي سوسور" في كتابه "محاضرات في علم اللسان العام" بين اللسان (Langue) والكلام (Parole).ويرى أن اللغة (Langage) هي الجديرة بالدّراسة والاهتمام لكونها ظاهرة اجتماعية ونسق لغوي قائم في ذاته، وخاص بكل مجتمع على حدة. يسعفنا في الوصول إلى المشترك بين الأفراد والجماعات، وإدراك كيفية اشتغال الذهن البشري. أما الكلام الذي يرادف مفهوم الخطاب في اللسانيات البنيوية؛ فهو تحقق فردي وممارسة فعلية للعلامات اللسانية من جانب أحادي مرتبط بالذات المتكلمة، من سماته التعدد والتلون والمراوغة. وعليه فإن اللسان بنية مغلقة يصعب على أي كان أن يغيره ويتصرّف في حدوده، واللسانيات في تحديدها الدقيق "هي دراسة علمية للغة البشرية، التي تقوم على عنصر الملاحظة لتمييز الحقائق " .9ويرجع الفضل في إعادة إحياء هذا المفهوم وإيلائه عناية فائقة إلى اللغوي الفرنسي "إيميل بنفنيست" الذي استفاد من محاضرات سوسير، وانتقد أطروحته القائمة على اعتباطية العلاقة بين الدّال والمدلول، وضَعْفِ الكلام/الخطاب في إرساء تصور علمي عقلاني. وميّز بين الملفوظ (Enoncé): باعتباره قولا، والتلفظ (Enonciation): وهو كيمياء بين مجالات متفرقة تعدّه فعلا ذاتيا وإجراء فرديا لما قيل.
أما سيمياء التواصل مع لوتمان ورومان جاكبسون؛ فقد تجاوزت المفاهيم الشكلية للخطاب لتبحث في أطرافه ووظائفه اللغوية في إطار تصور ناضج يتكون من :
السياق (المرجع)
المرسل (الذات المتكلمة) الرسالة المرسل إليه ( المتلقي)
اتصال – صلة / شفرة – قانون
ويرى جاكبسون أنه لا يجب على دارسي الخطاب أن يقفوا عند حدوده اللسانية واللغوية؛ بل عليهم أن يتجاوزه إلى الداخل وأن ينطلقوا من أبعاده الفنية التي لا تخلو من الأدبية (Littérarité). ويؤكد أن كلّ عنصر من هذه الوظائف تتولد عنه وظيفة لسانية مختلفة يجملها إلى ست وظائف:
• السياق : وظيفة مرجعية.
• المرسل : وظيفة تعبيرية.
• القناة: وظيفة انتباهية.
• القانون: وظيفة ما وراء لغوية.
• المرسل إليه: وظيفة إفهامية.
• الرسّالة : وظيفة شعرية.
وتعدّ هذه النظرية التواصلية للخطاب من أهم النظريات اللسانية الحديثة التي تُنسب لمنظرها رومان جاكبسون رغم إرهاصاتها الأولى التي برزت على يد فرديناند دي سوسير، كما أن هذا الخطاب لم يستقم إلا في كنف المجهودات العلمية العميقة للشكلانيين الرّوس التي ارتكزت هي الأخرى على أرضية سوسير. واهتمت بالخصائص النوعية للموضوع الأدبي في قالب نظري جمالي وعلم أدبي مستقل . 98 ، وفي المقابل ارتأى ميشيل فوكو أن يقحمه ضمن دائرة ضيّقة وأن يجعل منه كلاما مخنوقا، فهو بنية لسانية مغلقة مضطهدة، يثوي فيها المعنى خلف درجات تمارس عليه نوعا من الحصر والتضييق؛ يقول في هذا السياق " نعلم جيّدا أن ليس لنا الحق في قول كل شيء، في أيّة مناسبة، وأن أي شخص لا يستطيع أن يتحدّث كيفما اتفق في نهاية المطاف. ثمة قدسية الموضوع، وطقوس المقام، وحقّ الأفضلية، أو حق التفرد الذي يتمتع به الشخص المتحدث. نحن هنا بإزاء ثلاثة أنماط من الحظر تتعانق وتتآزر ويعدّل بعضها بعضا، لتشكل جميعا مصفاة تخضع لتحوير مستمر. 99
فطبيعة الموضوع وطقوس المقام وحقّ الأفضلية هي عناصر تمارس الحظر على الخطاب، لذلك نجد - رولان بارت – يتحدث عن سلطة اللغة والقيود التي تفرضها على المتكلم، إذ لا يفصل بين الذات المتكلمة والبنية المشكلة للخطاب، حيث تربطهما علاقة حتمية يخيم عليها الموجه الأيديولوجي.
ب‌- لسانيات الاستعمال :
إن التداولية " مبادرة لسانية بدأ العمل بها منذ 1930 بواسطة (شالرل موريس وكارناب وشارل ساندريس بورس) تسعى إلى معالجة بناء الجملة في ظل علاقة علاماتها اللغوية بعضها ببعض" .100،فهي مقاربة جديرة بالدّراسة والاهتمام، لأنها تجاوزت المزالق والمتاهات التي وقعت فيها لسانيات الوضع. وإن في الاشتغال بها والارتكاز عليها تقويما لبعض المسارات المنهجية للسانيات البنيوية (القدرة)، وحلاّ توفيقيا لجملة من المعيقات في المجالات المعرفية التي يرتكز عليها بناء الفهم وتحقيق التواصل وفق عناصر سياقية ومعارف عامة مشتركة بين المتحدثين والمنتفعين باللغة. فقد مكّنت الأبعاد التداوليةُ الباحثَ من أن يمتلك آليات جديدة في البحث والتحليل وحصر مجال التأويل في فهم اللغة وسائر الخطاب.
وأسدى اللغوي الأمريكي " زيليغ هاريس" خدمة كبيرة للمهتمين بالتداوليات واللسانيات الوظيفية لماّ قام بتوسيع حدود البحث اللساني من الجملة إلى وحدة أكبر منها وهي: الخطاب، الذي بات لا يقارب إلا باستحضار البنى الاجتماعية التي يرتكز عليها والعناصر المقامية التي يتضح بها. فالتداوليون عادة ما يدرسون اللغة التي يتشكل منها الخطاب في الاستعمال، وفي علاقاتها بمتكلميها, يعرفه - دومينيك مانغونو- مثلا " بأنه يحيل على نوع من التناول للغة، أكثر مما يحيل على حقل بحثي محدد، فاللغة لا تعدّ بنية اعتباطية بل نشاطا لأفراد مندرجين في سياقات معيّنة " .
ويقترح – مانغونو- و-باتريك شارودو- عددا من المهام التي يضطلع بها مفهوم الخطاب وهي :
 الخطاب تنظيم أكبر من الجملة: مع هذا فإن عبارة (ممنوع التدخين) تعدّ خطابا.
 الخطاب موجه: " إنه (موجه) لا فقط لأنه مصمم حسب مرمى المتكلم، وإنما لأنه يتطور في الزمان. إنه يبنى فعلا حسب غاية ويعتبر سائرا نحو جهة ما ".
 الخطاب شكل من أشكال الفعل: " إن كلّ ملفوظ هو عمل ( وعد، اقترح، أكد، سأل...) يهدف إلى تغيير وضعيّة" . وهذا الطرح مستمد من نظرية (أعمال اللغة) عند أوستين (1962) وسورل (1969).
 الخطاب تفاعل: " إن كل تلفظ، ولو أنجز بدون حضور مرسل إليه، هو في الواقع داخل في تفاعلية تكوينية، فهو تبادل صريح أو ضمني مع متكلمين آخرين افتراضيين أو واقعيين، ويفترض دائما جهة تلفظ أخرى يتجه إليها المتكلم ويبني خطابه بالنسبة إليها."
 الخطاب مقترن بسياق: " إن الخطاب لا يقع في مقام كما لو لم يكن المقام سوى إطار زينة تحيط به؛ الواقع لا وجود لخطاب بدون أن يكون مظروفا في مقامه " أي؛ مقترنا بسياق.
 الخطاب متكفل به: أو نقول صادر عن ذات واعيّة.
 الخطاب محكوم بمعايير: " إنه يخضع ككل سلوك اجتماعي، لمعايير اجتماعية عامّة جدا؛ زيادة على هذا؛ فالنشاط محكوم كما تبين قوانين الخطاب، بمعايير خصوصية، كل عمل من أعمال اللغة يتضمن معايير خاصة."
 الخطاب واقع بين خطاب: " لا يكون للخطاب معنى إلا داخل عالم خطابات أخرى يشقّ لنفسه طريقا خلالها، ويجب لتأويل أدنى خطاب ربط علاقة بينه وبين أنواع مختلفة من الخطابات الأخرى.102"
وأفلح النحو الوظيفي في أن يصوغ مذهبا يكاد يكون خاصا به ؛ يربط البنية الداخلية للخطاب بمراميه السياقية؛ فهو حسب –سيمون ديك- بمثابة لفظ عام أكثر من مجرّد جمل معزولة وقطع متناثرة؛ عمل الدكتور (أحمد المتوكل) على تقييدها بمعارف قبلية مشتركة بين الباث والمستقبل في قوله " هو كل لفظ يربط فيه ربط تبعيّة بين بنيته الدّاخلية وظروفه المقامية بالمعنى الواسع" . 103 أما مفهوم النص عند – هاليداي ورقية حسن- (صاحبا كتاب الاتساق في اللغة الانجليزية) فيتجسد " في كل متتالية من الجمل، على أن تربط هذه الجمل علاقات تركيبية ودلالية ".واقترح – جون ميشيل أدم- هذه التصور للتفريق بين المفهومين، وإن كان في الأمر مجازفة حسب "تشيرلي طوماس" وهو على الشكل الآتي :
• خطاب = نص + سياق .
• نص = خطاب _ سياق . 105
يتضح جليّا أن هذا الاتجاه التداولي لا يهمل البنية اللغوية في تناوله الخطاب ؛ بل يضيف إليها حيثيات خارجية مؤثرة فيها. فهو نسيج جمالي بين الأجزاء البلاغية والأبعاد التداولية، هدفها إضاءة المعنى وتجنب سوء الفهم، وضمان التوازن والتفاعل بين الذات المتكلمة والذات المتقبلة.
استجلاء مفهوم الخطاب في الثقافة العربية المعاصرة:
ابتغى محمد عابد الجابري إعادة بناء العقل العربي وبلورته انطلاقا من نمط الخطاب وبنياته المعرفية ضمن مشروعه الفكري الهائل، حيث يجسد مصنفه الموسوم بالخطاب العربي المعاصر أحد اللبنات الأولى لهذا المشروع. فهو كتاب فلسفي يتبنى المنهج النقدي التحليلي في معالجة القضايا السياسية المتشعبة، والمنهج الابستمولوجي التاريخي في رصد الأحداث التاريخية ضمن سيرورة محكمة بإتقان. تحمّس فيه الجابري لتقديم رؤية الفلاسفة والمناطقة العرب القدماء حول مفهوم الخطاب الذي يشكل حلقة وصل بين الكاتب المبدع والمتلقي القارئ. فهو حقّا لمّا يتحدّث عن الفكر العربي أو أي فكر فإنه يقصد أساسا مجموعة من النصوص. والنص حسبه " رسالة من الكاتب إلى القارئ، فهو خطاب، والاتصال بين الكاتب والقارئ إنما يتم عبر النص تماما مثلما أن الاتصال بين المتكلم والسّامع إنما يتم عبر الكلام. أي عبر الإشارات الصوتية، وكما يسهم السامع، مساهمة ضرورية في تحقيق هذا الاتصال الكلامي يساهم القارئ بدوره، مساهمة ضرورية في تحقيق " الاتصال الكتابي" عبر النص. 106
فالخطاب إذن مرآة تعكس جرأة صاحبه وقدرته على الإنتاج والبناء، وموسوعية القارئ النموذجي في الإدلاء بآرائه وأفكاره. فالاثنان معا يساهمان في بناء الخطاب؛ الكاتب بما يقوله، والقارئ بما يقرأه، كما هو الشأن في بناء (المنزل) " إذ لابد من استعمال مواد (مفاهيم) ولابد من إقامة علاقات معيّنة بين تلك المواد حتى تصبح بناء يشدّ بعضه بعضا (الاستدلال أو المحاكمة العقلية).107فمهما كانت درجة وعي القارئ، فلاشك أنه يمارس في النص ما يمارسه مصدّر الكلام عند بناء خطابه؛عن طريق إبراز المسكوت عنه وإنتاج وجهة نظر بأدواته الذاتية والمغايرة تماما لآليات المتكلم.
أما كلمة (خطاب) عند – الناقد صلاح فضل- فهي تستمدّ مشروعيتها من طبيعة تصور المادة التي تعالجها والسياق الذي تندرج فيه، تستمد صلابتها من البنية الأيديولوجية المغلقة، مما يجعلها " هيكلا متناميا لا يقوم في فراغ مثالي، بل هو خطاب على خطاب، أي أنه كاشف عن الخطاب الإبداعي الموازي له والممتد معه108 لأنه (الخطاب) ينمو ويتوالد بواسطة إواليات خارجية تتمثل في المعرفة الخلفية والمقصدية وما يقوم به من علاقات التعاون والتعاضد، وإواليات داخلية عن طريق التفاعل مع نصوص أخرى بشكل منطقي محكوم بآليات تضبط تطوره وتوجهه نحو الهدف. يصطلح عليه – الناقد محمد مفتاح- " بالمدونة الكلامية والحدث التواصلي التفاعلي. له بداية ونهاية، أي انه مغلق كتابيا، لكنه توالدي معنويا، لأنه متوالد من أحداث تاريخية ونفسانية ولغوية...وتتناسل معه أحداث لغوية أخرى لاحقة له.109
وقد اقترن هذا المصطلح " خطاب" في الثقافة العربية المعاصرة بحقول دخيلة من قبيل الحقل السوسيولوجي وعلم الاجتماع؛ يقول -جابر عصفور- " إن أية نظرية عن الخطاب بعامة تتضمن نظرية عن المجتمع بالضرورة .110 بما معناه أن الأديب يحكي عن واقع مجتمعه ويعكس همومه ضمن خطابه بشكل جلي، فالظواهر اللغوبة والحيثيات الاجتماعية وجهان لعملة واجدة، يتفاعلان داخل دائرة واحدة. ويبدو بذلك أن للخطاب في هذا المنحى جذورا تداولية حجاجية تتناول قضايا محيطة بالبنى الخارجية في سياق تواصلي بين المتحدث والمستمع، دون أن تندرج تحت نظام اللغة وقوانينها وحدها. إنه في اعتقاد الباحثة –يمنى العيد- رهين بمهمة تداولية تتجلّى في إيصال مضمون المحادثة التي لا تخلو من تأثير ما هو اجتماعي يحيط بالمتكلم . ولعلّ هذا التداخل بين الاجتماعي والذاتي والعناصر الاجتماعية الخارجية والبنى الداخلية للخطاب دفع الناقد – سعيد يقطين- ليعدّه مفهوما مائعا ومتعدد الدلالات.


خلاصة :
إن الخطاب مفهوم شائع ومترامي الأطراف في كل التخصصات العلمية والمعارف الإنسانية، يَفرضُ علينا ضبطهُ ضمن تخومه وحدوده المجالية، حتى تتضح مراميه وأبعاده الوظيفية. لذا كان من البدهيّ أن نبتدئ من معانيه التي تواضع عليها علماؤنا في التراث العربي، ويبدو أنها تقوم على عنصر المخاطبة والمشافهة ومراجعة الكلام. ودلالاته في الثقافة اليونانية التي تمزج بين الجدل والأخذ والردّ والعقل والنظام. وملامحه التداولية في البلاغة العربية حيث تنمّ عن وعي شامل وقدرة هائلة على الاقتراح والاستعمال بشكل دقيق، تجعل من - الخطاب - ممارسة تضم سيلاً من الأغراض والفنون والمقاصد كالبرهان والجدل والشعر والخطابة والمغالطة في قالب يلمّ سائر المخاطبات ويجمع شتاتها. إلا أننا نلحظُ أن هذا الاصطلاح سيكتسي مصداقية كبرى وواقعية مثلى في حقل اللسانيات وعلوم اللغة الحديثة، بفضل جهود اللغويين أمثال " دي سوسير وإميل بنفنيست" والتوزيعي الأمريكي " زيليغ هاريس" ، ورواد المدرسة الفرنسية لتحليل الخطاب واثنوغرافيا التواصل من قبيل "دومينيك مانغونو وباتريك شارودو" والباحثة الإيطالية " كاترين كربرات أوريكيوني" وعلماء اللسانيات النصية أمثال " جون ميشيل أدام" و" هاليداي ورقية حسن" ...
.الهوامش:
1محمود فهمي حجازي : الأسس اللغوية لعلم المصطلح، ص 233.
2سعيد يقطين : تحليل الخطاب الروائي ، المركز الثقافي العربي، 1988، ص 18.
3 مختار الفجاري: " مفهوم الخطاب بين مرجعه الأصلي الغربي وتأصيله في اللغة العربية" ، مجلة جامعة طيبة للآداب والعلوم الإنسانية، السنة الثانية، العدد 3، 1435 ه.
4 ميشال فوكو :" نظام الخطاب، تعريب أحمد السطاتي وعبد السلام بنعبد العالي. 1988 ص 1.
5الفراهيدي : كتاب العين، تحقيق:مهدي المخزومي وإبراهيم السّامرائي، الجزء الرابع، ط1، بيروت، 1408ه/ 1988م، ص 222.
6 أحمد بن فارس بن زكاريا: معجم مقاييس اللغة، تحقيق وضبط:عبد السلام محمد هارون،دار الجيل،المجلد الثاني،بيروت،ص 198.
7 محمود بن عمر الزمخشري: أساس البلاغة، مادة (خطب)، الجزء الأول، ص 255.
8 الرّازي : المختار الصحاح، باب الخاء، دار الرسالة ، الكويت، 1983، ص 137.
9ابن منظور : لسان العرب، المجلد الأول ، مادة (خطب)، ص 361.
10 الفيروزآبادي مجد الدين : القاموس المحيط، الجزء الأول، دار الجيل، بيروت، مادة (خطب)، ص 65.
11الكفوي: الكليات: معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق:عدنان درويشي ومحمد المصري،ط1،مؤسسة الرسالة، بيروت 1992، ص 419.
12التهانوي علي : كشاف اصطلاحات الفنون، تحقيق: لطفي البديع، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، الجزء الثاني، 1972،ص 175.
Encyclopédie universalise : Parties du Discours Ecrit par Barbara Cassin .13
14 ينظر الزواوي بعورة : مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو ، 2000، ص 90.
15عبد السلام حيمر؛ سوسيولوجيا الخطاب: من سوسيولوجيا التمثلات إلى سوسيولوجيا العقل، الشبكة العربية للأبحاث والنشر؛ ص 12.
16André Lalande vocabulaire technique et critique de la philosophie (paris : presses universitaires de France .1996) pp. 277-278
17Le petit Robert sous la --dir--ection de Josette Rey Debove Et Alain Rey 2001. P 735
18Larousse de Poche Librairie . P 113. 1968
19 ينظر : الخطاب المحددات وآليات الاشتغال، د. ربيعة العربي، دار أمجد للنشر والتوزيع، 2017، ص 22.
20 سعيد يقطين : تحليل الخطاب الروائي ، المركز الثقافي العربي، 1988، ص 21.
21ينظر : الزواوي بعورة : مفهوم الخطاب في فلسفة ميشيل فوكو ، 2000، ص 90.
22الخطاب المحددات وآليات الاشتغال، مرجع سابق، ص 22.
23سيبويه: الكتاب ؛ ج 2 / ص 130.
24أسعد خلف العوادي ؛ سياق الحال في كتاب سيبويه : دراسة في النحو والدّلالة ، ص 100.
25 سيبويه :الكتاب ؛ ج 1 / ص 12.
26ابن جني : الخصائص ج 1 / ص 25.
27سيبويه : الكتاب ج 1 / ص 25 – 26.
28المصدر نفسه : ج 1 / ص 23.
29ابن جني : الخصائص ، تحقيق محمد علي النجار، ط 2، ج 2، ص 17-18. د ت .
30المصدر نفسه : ص 18
31ابن منظور : لسان العرب ، مادة (كلم).
32ابن جني : الخصائص ، ص 360.
33للتوسع :ينظر مقال : الخطاب بين الدرس اللغوي العربي القديم واللسانيات، لعبد الكريم سحالية، مجلة حوليات التراث- العدد 09/ 2009، الجزائر، ص 161.
34المصدر نفسه : ج/1 ، ص 33.
35محمود فهمي حجازي : علم اللغة العربية ، دار غريب ، القاهرة، 1996، ص 9.
36محمد بن صالح العثيمين : شرح ألفية ابن مالك في ياب الكلام وما يتألف منه .
37أبو عبد الله محمد بن داود الصنهاجي : متن الأجرومية ، ط 1 ، 1991، ص 5.
38محمد بن صالح العثيمين : شرح الأجرومية ، ط 1، 2005 ، ص 13.
ا39بن هشام : شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، ط 1 ، ص 6.,
40المصدر نفسه : ص 20.
41عبد السلام المسدي : اللسانيات وأسسها المعرفية ، ط 1 ، ص 767.
42ينظر : الإبهاج في شرح المنهاج: لتقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي (1/19) 1995.
43الزركشي : البحر المحيط في أصول الفقه : شرح رسالة الشافعي 1/10.
44محمد البخيث : سلم الوصول لشرح نهاية السول ، المطبعة السلفية ، 1 /58.
45الغزالي : المستصفى في علم الأصول ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1413، ط1 ، 1/80.
46الآمدي علي بن محمد:الإحكام في أصول الإحكام ،تحقيق :سيد الجميلي،دار الكتاب العربي،ط2، ج2 ،بيروت، ص137،1986.
47لطفي فكري محمد الجودي : جمالية الخطاب في النص القرآني : قراءة تحليلية في مظاهر الرؤية وآليات التكوين، ط1، 2014، ص 74.
48الزركشي : البحر المحيط في أصول الفقه، ج1، ط1، ص 168.
49الآمدي : الإحكام في أصول الإحكام ، 3/73.
50نفسه : 1/157.
51أصول البزدوي ، 1 / 49.
52أبو العباس شهاب الدين الملقب بالقرافي(ت 684ه) : شرح تنقيح الفصول ، دار الكتب العلمية،ص 38، 2007.
52 سعد الدين التفتازاني (ت 793 ه) : التلويح على التوضيح ، دار الكتب العلمية ، 1/ 223.
53ثروت مرسي : في التداوليات الاستدلالية : قراءة تأصيلية في المفاهيم والسيرورات التأويلية ، دار كنوز للمعرفة ، ص 108-110، 2018.
54مقامات الهمداني : ص 75 – 77 .
55الجاحظ : البيان والتبيين ، تحقيق عبد السلام محمد هارون ، دار الجيل ، بيروت ، د ت، ج 1 ، ص 67.
56نفسه : ص 1/ 138.
57نفسه : ص 1/ 144.
58محمد العمري : البلاغة العربية ، ص 293
59ابن سنان الخفاجي : سر الفصاحة، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 1982، ص 44.
60الخفاجي : سر الفصاحة، ص 44.
61الجرجاني : أسرار البلاغة، ص 2.
62عبد الله صولة : من الباحثين الدؤوبين في اللسانيات وعلوم الدلالة والأسلوبية والنقد والأدب في الجامعة التونسية، له كتاب هو في الأصل دكتوراه الدولة " الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية " نوقشت في منوبة بتونس عام 1997، وطبعت سنة 2002 و 2006.
63ينظر: صابر الحباشة : التداولية والحجاج مداخل ونصوص، الدار البيضاء، 2010، ص 59.
64نفسه : ص 144.
65السكاكي أبي يعقوب : مفتاح العلوم، ضبطه وكتب هوامشه وعلّق عليه نعيم زوزور، دار الكتب العلمية ، بيروت، ط 1، 1983، ص 7.
66مفتاح العلوم : ص 7.
67مفتاح العلوم : ص 7.
68Groupe d’ entrevernes :Analyse Sémiotique des textes Introduction (théorie-pratique) Presses Universitaires de Lyon P :7.ينظر أيضا كتاب (الخطاب الروائي المغربي) لعبد الرحمان غانمي ، منشورات القلم المغربي2016، ص:22. :
69مسعود صحراوي : التداولية عند العلماء العرب ، ص: 49.
70مسعود صحراوي : التداولية عند العلماء العرب ، ص: 49.
71عباس ارحيلة : الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن الهجري، 1995، ص 686: أخذ هو الأخرعن عبد الرحمن بدوي في كتابه " إلى طه حسين" ص 87.
72حازم القرطاجني : منهاج البلغاء وسراج الأدباء ، تحقيق :محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط 3، ص 118.
73عباس ارحيلة : الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن الهجري، ص 687.
74نفسه : ص 687.
75نفسه : ص 688.
76محمد العمري : من النقد الأدبي إلى البلاغة العامة، من النص إلى الخطاب، مجلة البلاغة وتحليل الخطاب عدد11 ، خريف 2017،ص 31، بني ملال، المغرب.
77حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، ص 311-312.
78محمد بن الحسن التجاني: التلقي لدى حازم القرطاجني من خلال منهاج البلغاء وسراج الأدباء، 2011، ص 253.
79نفسه : ص 255.
80حازم القرطاحني: المنهاج : ص 338.
81 بنظر : البحث البلاغي بالمغرب، لعبد الوهاب الأزدي، المطبعة والوراقة الوطنية، الحي المحمدي، مراكش، ط1، 2008، ص 84.
82ابن البناء المراكشي: الروض المريع في صناعة البديع، ص 69.
83ينظر : نشوء البلاغة العربية وتطورها في المغرب، رضوان بنشقرون، مجلة كلية الآداب فاس، المغرب،العدد السادس، السنة 1982-1983.
84ابن البناء المراكشي: الروض المريع في صناعة البديع، ص 81.
85ابن وهب : البرهان في وجوه البيان، ص 160 وما بعدها.
86المهدي لعرج: الخطاب البلاغي في كتاب الروض المريع في صناعة البديع لابن البناء المراكشي العددي، بني ملال، المغرب، 2018، ص 17-18.
87ابن رشد : فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، ص 31.
88ابن سنان الخفاجي : سر الفصاحة، ص 340 .
89السجلماسي : المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، تحقيق وتقديم علال الغازي، مكتبة المعارف بالرباط، 1980، ص 180.
90عباس أرحيلة: الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين إلى حدود القرن الثامن، منشورات كلية الآداب بالرباط، 1999، ص 703.
91علال الغازي: مناهج النقد الأدبي بالمغرب خلال القرن الثامن للهجرة، منشورات كلية الأداب الرباط رقم 42، المغرب، ص 503.
92المنزع البديع : ص 209.
93نفسه : ص 218.
94نفسه : ص 236.
95نفسه : ص 387.
96André Martinet : Eléments de linguistique général Nouvelle édition remaniée et mise a jour 1980 Paris page 6
97ينظر : الخطاب الروائي المغربي، لعبد الرحمان غانمي، منشورات دار القلم المغربي، 2016، ص 17.
98 ميشال فوكو : نظام الخطاب، جينولوجيا المعرفة، تعريب أحمد السطاتي وعبد السلام بن عبد العالي، المغرب، 1988، ص 61.
99 The Handbook of Pragmatics : Edited by Laurence R. Horn and Gregory Ward blackwell publishing 2006 p 4.
100دومينيك مانغونو:المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب، ترجمة: محمد يحياتن،منشورات الاختلاف الجزائر،ط1،2008،ص 40.
101باتريك شارودو ودومينيك مانغونو: معجم تحليل الخطاب، تر: عبد القادر لمهيري وحمادي صمود، دار سيناترا،تونس،2008، ص 183-184.
102 أحمد المتوكل : قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية: بنية الخطاب من النص إلى الجملة، دار الأمان الرباط، ط1، 2001، ص 16.
103Carter- thomas ,Shirley – La Cohérence Textuelle : pour une nouvelle pédagogie de l’écrit paris Hartmann 2000 p :27
104 Adam (J-M) : Eléments de linguistique textuelle ( théories et pratiques de l’analyse textuelle) Mardage Liège p 11
105 محمد عابد الجابري: الخطاب العربي المعاصر، ص 10.
106 نفسه : ص 10.
107 صلاح فضل : بلاغة الخطاب، ص 7.
108محمد مفتاح : تحليل الخطاب الشعري استراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، البيضاء/بيروت، ط3، 1992، ص 120.
109 جابر عصفور : أفاق العصر، دار الهدى للثقافة والنشر، سوريا/دمشق، ط1، 1997، ص 50.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,291,870
- كتاب-شعرية اللغة والرؤيا في الشعر المغربي المعاصر- للباحث ال ...


المزيد.....




- نصيحة -قبل الإفطار-.. ما هي كمية القطايف المناسبة في رمضان؟ ...
- ماذا قال بوريس جونسون بأول تعليق على استقال رئيسة وزراء بريط ...
- نتنياهو: أشكر صديقي السيسي على ارسال مروحيتين لإخماد الحرائق ...
- صُنع منها 3 فقط.. أغلى سيارة -بورشه- قد تكون من طراز 1939
- في إيطاليا.. لائحة تدلك على-أجمل- 10 قرى عليك زيارتها
- باكو تستضيف نهائي “يوروبا ليغ” بين تشيلسي وأرسنال
- مصدر لـCNN: ترامب يوافق على إرسال تعزيزات عسكرية إلى الخليج ...
- مصدر لـCNN: ترامب يوافق على إرسال تعزيزات عسكرية إلى الخليج ...
- ظريف ينعت ترامب بكلمات غير مسبوقة
- وسائل إعلام: ترامب يوافق على إرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطق ...


المزيد.....

- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - زهير عزيز - إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات الحديثة