أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - سعود قبيلات - عندما اُتُّهِمتُ بتهمة نقل الرسائل!















المزيد.....

عندما اُتُّهِمتُ بتهمة نقل الرسائل!


سعود قبيلات

الحوار المتمدن-العدد: 6193 - 2019 / 4 / 6 - 18:04
المحور: أوراق كتبت في وعن السجن
    




ذات مرَّة، في أواخر تسعينيَّات القرن الماضي، قرأتُ لمحمّد الماغوط كلاماً باهراً توقَّفتُ عنده طويلاً؛ إذ قال:

«أنا أحمل السجن على ظهري، تماماً مثل ماكيت مجسَّم».

(قال ذلك في مقابلة أجرتها معه مجلَّة الوسط – العدد 369 الصادر في تاريخ 22/2/1999).

كان محمّد الماغوط قد سُجِن، قبل ذلك التاريخ بعقود، لمدَّة أشهر؛ فهالني أنَّه رغم طول هذه المدّة التي مرَّت على سجنه، ورغم أنَّ مدَّة سجنه قصيرة نسبيّاً، كان يفكِّر في تجربته في السجن على هذا النحو!

والحقيقة أنَّني، كسجين* سابق، كنتُ أنظر إلى تجربتي في السجن على نحوٍ مشابهٍ تقريباً؛ فكنتُ أقول: «السجين يتحوَّل، بعد خروجه من السجن، إلى سجينٍ سابقٍ بصورة دائمة». وفي الحلقة التلفزيونيَّة الطويلة التي أعدَّتها فضائيَّة الجزيرة عن تجربتي وبثَّتها في العام 2005 مراراً، قلتُ: «السجن مثل الحرب». وعنيتُ بذلك أنَّ مَنْ يدخل السجن أو مَنْ يدخل الحرب لا يمكن له بعد ذلك أنْ يعود كما كان سابقاً.

خطر هذا في بالي لأنَّني في مثل هذا اليوم، قبل زمنٍ طويلٍ، كنتُ قد خرجتُ من سجن المحطَّة بعد سنواتٍ طوالٍ قضيتها فيه. كان ذلك التاريخ هو الموعد المحدَّد لخروجي من السجن منذ أصدرتْ المحكمة العسكريّة برئاسة القاضي العسكريّ غالب سليمان حكمها عليَّ بالسجن خمس سنوات.

خلال مدّة سجني، تلك، صدرتْ عدَّة قرارات عفو ملكيَّة، أُطلِق بها سراح كثيرين، ولكنَّ أيَّاً منها لم يشملني.

وثمَّة فرق بين خروج السجين من السجن بعفو أو خروجه منه عند انتهاء مدَّة سجنة؛ ففي حالة العفو، يخرج السجين مِنْ باب السجن إلى بيته مباشرة. أمَّا في حالة انتهاء المدَّة، فإنَّ السجن يقوم بإرسال السجين إلى الجهة التي كانت قد أرسلته إليه ليخرج منها.

وهكذا، ففي صباح يوم 6 نيسان 1983، كنتُ – كما هو مقرَّر مِنْ سنوات – أقف عند بوَّابة السجن الداخليّة بانتظار السيّارة التي ستقلّني إلى مبنى المخابرات العامّة في العبدليّ. وبينما أنا واقف، فوجئت بالوكيل أبي عبد الله (مِنْ طاقم السجن) ينتظرني هناك، فما إنْ رآني حتَّى أقبل عليَّ ورحنا نتعانق بحرارة، وقال لي: أنا كنتُ اليوم في إجازة، لكنَّني جئتُ إلى السجن خصوصي لأودِّعك.

تأثَّرتُ كثيراً بهذه البادرة الطيِّبة مِنْ أبي عبد الله؛ فهو، نفسه، كان، قبل سنوات، مسؤول الحراسة التي أخذتني في السيّارة التي كنّا نسمِّيها «زنزانة» إلى المحكمة العسكريّة في ماركا. كان معي في تلك «الزنزانة» سجينٌ آخر أكبر مِنِّي سنّاً، كانت المحكمة قد سمَّته «ضنيناً أوَّل» وسمَّتني «ضنيناً ثانياً»، وكانت يدي اليمنى مغلولة إلى يده اليسرى بالكلبشات.

وعندما وصلنا مبنى المحكمة، جاء محامي معروف (أصبح، بعد ذلك بسنوات، وزير عدل) واقترح علينا أنْ يتطوَّع للدفّاع عنّا لكن بشرط أنْ نتقدَّم مِنْ خلاله بطلب استرحامٍ خطِّيٍّ إلى هيئة المحكمة. ظلَّ زميلي صامتاً، فقلتُ للمحامي بأنَّني أرفض أنْ يترافع عنِّي ما دام هذا شرطه، وبأنَّني لو كنتُ أوافق على مثل هذا الشرط لكنتُ قد خرجتُ من المخابرات مباشرة عندما كنتُ معتقلاً فيها ولَمَا تمَّ انزالي إلى سجن المحطّة.

المهمّ، عندما بدأتْ المحاكمة، دخل المحامي قاعة المحكمة ورأيتُه يقدِّم إلى القاضي ورقةً مطويَّةً، فطلبتُ الكلام، وقلتُ بأنَّني لم أوكِّل أيَّ محامٍ للدفاع عنِّي. وعندئذٍ، غضب القاضي، وقال لي: مَنْ قال لك بأنَّ أحداً سيترافع عنك؟

وبدأتْ المحكمة باستجواب زميلي، باعتباره الضنين الأوَّل، فسأله القاضي، قائلاً: هل أنتَ عضو في الحزب الشيوعيّ الأردنيّ؟

أجاب: نعم، ولكنَّني الآن لم أعد عضواً فيه.

سأله القاضي: لماذا لم تعد عضواً في الحزب؟

قال: لأنَّني أريد أنْ أتفرَّغ لتربية أولادي.

سأله القاضي: هل هذا فقط؟ أم أنَّك لم تعد تتَّفق مع آراء الحزب الشيوعيّ وأفكاره الهدّامة؟

قال: لم أعد أتَّفق مع آرائه وأفكاره.

بعد، ذلك بدأ استجوابي، وسألني القاضي: هل أنت عضو في الحزب الشيوعيّ الأردنيّ؟

فقلتُ له: بموجب الدستور الأردنيّ، مِنْ حقِّي أنْ أكون عضواً في أيّ حزب أو لا أكون؛ لذلك، ليس مِنْ حقِّك أنْ تسألني هذا السؤال.

فغضب وقال: أنت فاهم القانون غلط. عليك أنْ تجيب على سؤالي بوضوح وبلا مواربة.

فكرَّرتُ عليه ما كنت قد قلته عن حقوقي الدستوريّة كمواطن أردنيّ.

وعندئذٍ، صرخ بغضب قائلاً: هاتوا لي المدَّعي العامّ.

وجاء المدَّعي العامّ العسكريّ، تيسير نعناعة، ووقف خلف منصَّةٍ منفصلة، وقال: الضنين المدعو (وذكر اسمي كاملاً) عضو في جمعيّة سياسيّة غير مشروعة تهدف إلى قلب نظام الحكم وإقامة ديكتاتوريّة الطبقة، وأطلبُ إيقاع الحكم المناسب به.

ثمّ انصرف. وعندئذٍ، اتِّجه القاضي إليَّ وقال: آ. ماذا تقول بعد هذا؟

فقلتُ له مجدَّداً: بموجب الدستور الأردنيّ، مِنْ حقِّي أنْ أكون عضواً في أيّ حزب أو لا أكون؛ ولذلك ليس مِنْ حقِّك أنْ تسألني هذا السؤال.

عندئذٍ، قال لكاتب المحكمة: اُكتب إنَّه يرفض الإجابة.

ثمَّ سألني: هل تستنكر مبادئ الحزب الشيوعيّ الهدّامة؟

فأجبتُ بالنفي.

ثمَّ قال: ماذا تطلب من المحكمة؟

قلتُ: أطلب من المحكمة أنْ تبرّئني وتطلق سراحي.

بعد ذلك، دخل القضاة إلى غرفةٍ جانبيّة، وما لبثوا أن عادوا وطلبوا منّا الوقوف؛ فتلى رئيس المحكمة غالب سليمان الحكم على زميلي (الضنين الأوّل) بالسجن ثلاث سنوات. ثمَّ توجَّه إليَّ وقال حرفيّاً: أنت عشان نشافة راسك، قرَّرنا الحكم عليك بالسجن خمس سنوات!

وهذه، في حدود علمي، هي المرَّة الأولى التي يقترن فيها حكمٌ بالسجن بـ«جريمة نشافة الرأس»!

عدنا إلى السيّارة الزنزانة. وفي أثناء هبوطنا مِنْ ماركا إلى سجن المحطَّة، ظلَّ الوكيل أبو عبد الله يلومني على موقفي، قائلاً: ضيّعتْ حالك. أنتَ شابّ والحياة قُدَّامك. لماذا لم تفعل مثل ما فعل زميلك؟

لذلك، عندما رأيته، في صباح يوم 6 نيسان 1983، يقطع إجازته ويأتي إلى السجن ليودّعني، شعرتُ بتأثُّرٍ عميق.

أخذوني، بعد ذلك، بوساطة السيّارة الزنزانة، إلى النظارة الموجودة في مديريّة شرطة العاصمة في العبدليّ. انتظرتُ، هناك، حوالي ساعة، وجاء إليَّ شقيقي سليمان، وقال إنَّه سينتظرني بالقرب مِنْ مبنى المخابرات العامّة. وما لبثوا أنْ أخذوني إلى المخابرات، وأدخلوني للانتظار في غرفة فيها عددٌ من الفتيات اللواتي كنَّ منهمكات بالطباعة. وبينما أنا جالس، هناك، جاء شابٌّ، ونظر إليّ بعدائيّة واضحة، وسألني: كم سنة قضيت في السجن؟

قلتُ: خمس سنوات.

قال، بشماته: تستاهل!

قلتُ: أنا أفتخر وأعتزّ بهذه السنوات التي قضيتها في السجن.

أدار ظهره ومضى مِنْ دون أنْ يقول شيئاً.

وعندئذٍ، شالت إحدى الفتيات رأسها عن الطابعة، ونظرتْ إليَّ وقالت: ألا تعرف مَنْ هذا؟

قلتُ لها: لا.

قالت: هذا مِنْ قرايبك.. مِنْ بني حميدة.

فلم أعلِّق.

بعد ذلك، أخذوني إلى مكتبٍ كبيرٍ فاره، فإذا هو مكتب رئيس قسم مكافحة الشيوعيّة – آنذاك – مروان قطيشات. كان قد تولَّى هذا المنصب أثناء وجودي في السجن، وكان هو نفسه على رأس المجموعة الكبيرة التي اعتقلتني قبل سنوات، بينما كان سميح البطيخيّ في ذلك الحين هو رئيس قسم مكافحة الشيوعيّة. ولي مع هذا الأخير، عند اعتقالي، قصَّة ليس هنا موضع سردها. أمَّا مروان قطيشات، فأذكر أنَّه، في اليوم الأوَّل لاعتقالي، وبعد تعذيبي، قد قام بدور مضمِّد الجراح.. مضمِّد الجراح بالمعني الحرفي وليس المجازي.

عندما أدخلوني على قطيشات في اليوم الأخير لسجني، كان جالساً خلف طاولة مكتبه، فنهض واتّجه إليَّ وصافحني بحرارة، ثمَّ دعاني للجلوس على مقاعد الضيوف وجلس إلى جانبي، وسأل عن أحوالي، ثمَّ قال كلاماً ودوداً، أذكرُ منه ما يلي: صحيح أنا ضابط مخابرات وأنت شيوعيّ، ولكنَّني أحترمك وأُقدِّر تضحياتك. أنتَ ثَبَتَّ على مبادئك، وضحَّيتَ في سبيل ذلك تضحياتٍ باهظة (وراح يفصِّل بعضها).

ثمَّ أضاف قائلاً: أنا لا أكنّ لك سوى المودّة والاحترام. وآمل أنَّ السجن لم يترك في نفسك أيّ ضغينة.

بعد ذلك، دار بيننا حديث سياسيّ قصير، اختلفنا فيه (كما هو متوقَّع).

وما لبث أنْ قام ورافقني إلى المصعد مودِّعاً، وفي أثناء ذلك سألني: هل معك نقود؟

قلتُ: نعم، معي.

ثمَّ سألني قائلاً: هل ينتظرك أحدٌ مِنْ أهلك؟

قلتُ: نعم؛ أخي.

قال: أكيد؟ إذا كان لا يوجد أحدٌ بانتظارك، فأنا مستعدّ لإيصالك إلى أهلك.

عندما خرجتُ مِنْ بوَّابة مبنى المخابرات، كان شقيقي سليمان ينتظرني، وأراد أنْ يوقف تاكسي لنمضي بها؛ لكنَّني اعترضتُ على ذلك، وقلتُ له إنَّني أريد أنْ أمشي. كنتُ متلهِّفاً للمشي مسافةً طويلة مِنْ دون أنْ يعترضني جدار. فمشينا مِنْ عند مبنى المخابرات إلى مطعم النيروز السابق الذي كان يقع عند الدوّار الثالث. دخلنا المطعم ومكثنا فيه بعض الوقت، ثمّ نزلنا مشياً حتَّى شارع سقف السيل.

القصَّة طويلة، وفيها الكثير من التفاصيل؛ لكنَّني أريد أنْ أتوقَّف، هنا، عند بعضها فقط.

جاءني إلى «مليح» (بلدتي)، بعض رفاقي القدماء في قيادة الحزب الشيوعيّ الأردنيّ: زكي الطوال (أبو زويا)، وعوني فاخر (أبو موسى)، وإسحق الخطيب (أبو إسماعيل). وهم جميعاً قامات كفاحيّة مجيدة، وقد رحلوا تباعاً عن هذه الفانية وتركوا لنا وراءهم ذكرهم الطيِّب.

وبعد التهنئة بخروجي من السجن، أخذوني معهم في سيَّارتهم، وهبطوا باتّجاه وادي الوالة، وقالوا لي إنَّ قيادة الحزب تريدني أنْ أذهب إلى موسكو لأكون ممثِّلاً للحزب هناك.

اعتذرتُ لهم ورجوتهم أنْ يعفوني مِنْ ذلك، وقلتُ لهم إنَّني لا أقوى على مغادرة البلاد أكثر مِنْ شهر، أو شهرين في الحدود القصوى، أمَّا أنْ أصبح ممثِّلاً للحزب وأمكث في الخارج سنواتٍ طوالاً، وفي أثناء ذلك أسمع عن نضالات الرفاق وتضحياتهم مِنْ بعيد، فهذا صعبٌ جدّاً بالنسبة لي.

وصلنا الوالة وعدنا إلى مليح ثمّ اتّجهنا إلى لب ثمّ عدنا إلى مليح، وكانوا في أثناء ذلك لا يكفّون عن محاولاتهم لإقناعي بالذهاب إلى موسكو، قائلين إنَّهم بحاجة إلى وجودي هناك وما إلى ذلك؛ لكنَّى، رغم الإحراج الشديد الذي كنتُ أشعر به تجاههم، أصررتُ على رفض الذهاب إلى موسكو.

وكانت المحاولة الأولى لإخراجي من البلاد، مع فارق الأهداف والنوايا، قد جرت في المخابرات عند اعتقالي. فبعد مدّة من اعتقالي واستخدام مختلف أنواع الضغوط الجسديّة والمعنويّة عليَّ، قال لي المحقِّق: ما رأيك أنْ تذهب إلى تشيكوسلوفاكيا أو هنعاريا، وتُنَظِّر هناك زيّ ما بدّك؟

كنّا، لحظتها، في أحد مكاتب التحقيق في مبنى المخابرات الأقدم الذي كان موجوداً في حضن المبنى الأزرق السابق، وكان باب المكتب يفتح على ساحة التعذيب، فقلتُ للمحقِّق: والله لو نصبتوا لي مشنقة في هذه الساحة ما غادرت البلد.

قال لي: إذاً، بدَّك تتوقَّع إنَّك تنزل ع السجن وتنحكم سنوات.

بعد خروجي من السجن، وجدتُ أنَّني بالكاد أستطيع التواصل مع الناس الموجودين خارج السجن. كنتُ أشعر بأنّني لا أنتمي إلى عالمهم ولا أستطيع أنْ أفهمهم، وأنَّ مَنْ أنتمي إليهم حقّاً وأفهمهم جيّداً هم مَنْ تبقَّى مِنْ رفاقي في السجن فقط. كان الناس يأتون للسلام عليَّ والتهنئة بخروجي من السجن، وبعد السلام والمجاملة، كنتُ أصمتُ صمتاً مطبقاً ولا أعرف ماذا أقول لهم، بل لا أعود راغباً في الكلام معهم؛ فتصبح الجلسة ثقيلة جدّاً وأكون متلهِّفاً للحظة انتهائها.

لقد كنتُ – آنذاك – أشعر بغربةٍ شديدة، وكثيراً ما كنتُ أمشي وحيداً في الشوارع، وأتوقَّف عند الأماكن التي كنت أتردَّدُ عليها قبل السجن. فتتردَّدُ في وجداني أصداء أغنية فيروز «في قهوة ع المفرق»، إذ تقول:

«مثل السهم اللي راجع مِنْ سفر الزمان،
قطعت الشوارع ما ضحك لي إنسان،
كلّ صحابي كِبروا وتغيّر اللي كان،
صاروا العمر الماضي، صاروا دهب النسيان».

وفي تلك الفترة، نفسها، بدأتُ أفكِّر في كتابة كتابي «مشي». وكانت أوَّل أقصوصة كتبتها فيه هي «مشي». وتقول:

«كان رجلٌ يمشي،
أدخلوه السجن، فقال:
أربط حذائي.
ومرَّتْ سنوات،
أنهى الرجل ربط حذائه، وبينما هو خارجٌ من السجن، قال:
الآن، أواصل المشي».

وآنذاك، أيضاً، قراتُ رواية «تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم. وبطلها سجين سابق كان قد خرج من السجن حديثاً. وبينما هو يتجوّل في الشوارع تائهاً، يقول، مِنْ دون مناسبة أو سابق تمهيد: ... وتذكَّرتُ (أو ربّما قال: «وفكَّرتُ في...».. لا أذكر بالضبط) رواية الطاعون لألبير كامو.

فدهشتُ جدّاً؛ لأنَّني كنتُ، حينها، كثيراً ما أفكِّر في هذه الفكرة نفسها!

ولكن، ما إنْ كانت تأتي أيَّام زيارة السجن، حتَّى أمضي إلى هناك مسرعاً، فأطلب رفاقي وأقف معهم على شبك الزيارة ونظلّ نتحدَّث بلا انقطاع حتَّى نهاية الزيارة.

كثرة زياراتي للسجن أدَّت إلى الارتياب في الأسباب التي تدفعني إلى ذلك. وهكذا، فذات يوم، وأنا أهمُّ بدخول بوَّابة السجن الخارجيّة، فوجئتُ بصدور قرارٌ بمنعي نهائيّاً مِنْ زيارته.

سألتُ عن السبب، فقالوا: لا علم لنا.

قلتُ: مَنْ أسأل عن ذلك إذاً؟

قالوا: اسأل في مديريّة الأمن العامّ.

ذهبتُ إلى مديريّة الأمن العامّ، فأدخلوني على مدير العلاقات العامّة. وإذا أسعفتني الذاكرة فقد كان برتبة عقيد. وعندما سألته عن سبب منعي مِنْ زيارة السجن، قال لي ساخراً: هل تظنّ بأنَّنا لا نعرف السبب الذي يجعلك تتردَّد على السجن؟!

فسألته: وما هو السبب برأيك؟

قال: أنت تنقل رسائل بين السجناء وبين قيادة الحزب.

حاولتُ جاهداً أنْ أقنعه بأنَّه لا رسائل ولا ما يحزنون. فأفهمني، في النهاية، بأنَّ القرار من المخابرات وليس مِنْ عندهم.

ولكن، ربَّ ضارَّةٍ نافعة؛ إذ أنَّ هذا جعلني محكوماً بخيارٍ واحدٍ لا بديل له، هو التكيّف مع الناس والحياة خارج السجن. ولم يكن أمامي سوى النجاح في ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*اُعتُقِلتُ على إثر المظاهرات والإضراب الكبيرين اللذين شاركتْ فيهما الأغلبيّة الساحقة مِنْ طلبة الجامعة الأردنيّة في آذار ونيسان من العام 1979. وكان ذلك، في البداية، احتجاجاً على زيارة مناحيم بيغن (رئيس وزراء العدوّ الصهيونيّ في حينه) إلى الإسماعيليّة لاستكمال توقيع اتِّفاقيّات كامب ديفيد مع الرئيس المصريّ الأسبق أنور السادات. ثمَّ ما لبث الطلبة أنْ تبنّوا، بعد ذلك، عدداً من المطالب المتعلِّقة بالحرّيّة وباتّحاد الطلبة وبالرسوم الجامعيّة.
ومَنْ يرغب بالمزيد من المعلومات عن هذه الحركة المجيدة، يمكنه الرجوع إلى كتاب سامر خير عن الحركة الطلّابيّة الأردنيّة، وكتاب الراحل إبراهيم بكر عن سِجلّ الحريّات وحقوق الإنسان في الأردن.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,988,079
- «وصيَّة بليخانوف».. أهي وصيّة أم تصفية حساب؟
- هنديّ أحمر في «ملقا»!
- اجتمَعوا بدعوى التصدّي.. والنتيجة مخيّبة
- ثورة تشرين الأوَّل/أكتوبر وانهيار الاتّحاد السوفييتيّ
- كلمة موجّهة إلى الحِراك الأردنيّ وإلى الشعب الأردنيّ
- نصفا الساعة الفارغ والملآن.. في «الشرق» و«الغرب»
- وِشْ عرَّفك بالمراجل يا رِدِيّ الحَيل؟!
- «إسرائيل» دولة ديمقراطيّة جدّاً
- خطاب التحرّر الوطنيّ ونقائضه
- بعض الذين فاهوا بآياتهم ومضوا
- لماذا يكرهوننا؟
- فجوة حضاريَّة هائلة
- ليس رغماً عن التاريخ
- عندما «اختفت» الطبقة العاملة!
- أيَة دولة إسلاميَّة تلك التي تريدون؟
- تسقط غرفة «الموك».. والعار للمتورّطين فيها
- «سيريزا» اليونانيّ والعودة إلى الجذور
- قرار مشين!
- منذ المتوكِّل وحتَّى يومنا هذا
- المسلمون أيَّام الرشيد كانوا يحتفلون بالأعياد المسيحيَّة


المزيد.....




- لا مساءلة في خطة لبنان لمعالجة مظالم الاحتجاج
- ريبورتاج: هل تحقق -المنطقة الآمنة- في شمال سوريا حلم اللاجئي ...
- قيس سعيد يخط أولى كلماته في سجل مكافحة الفساد (صورة)
- إيران تدعو الأمم المتحدة للمشاركة في تحقيقات الهجوم على النا ...
- مفوضية حقوق الإنسان العراقية: ارتفاع ضحايا التظاهرات إلى 155 ...
- الأمم المتحدة تحذر من انخفاض حاد لعدد سكان بعض الدول الأوروب ...
- صورة الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى -القسام- في غزة تشغل الإ ...
- 140 منظمة حقوقية تطالب الإمارات بالإفراج الفوري عن الناشط أح ...
- هجاء الترفيه يقود إلى السجن.. اعتقال شاعر سعودي انتقد آل الش ...
- بعد عقود من إعدام صاحبه.. الفكر الجمهوري يعود للواجهة بالسود ...


المزيد.....

- سنابل العمر، بين القرية والمعتقل / محمد علي مقلد
- مصريات في السجون و المعتقلات- المراة المصرية و اليسار / اعداد و تقديم رمسيس لبيب
- الاقدام العارية - الشيوعيون المصريون- 5 سنوات في معسكرات الت ... / طاهر عبدالحكيم
- قراءة في اضراب الطعام بالسجون الاسرائيلية ( 2012) / معركة ال ... / كفاح طافش
- ذكرياتِي في سُجُون العراق السِّياسِيّة / حـسـقـيل قُوجـمَـان
- نقش على جدران الزنازن / إدريس ولد القابلة
- تازمامارت آكل البشر 2011 / إدريس ولد القابلة
- يوميات سجين مبتورة لولا الحلم لانتهيت / إدريس ولد القابلة
- ذكرياتي في سجون العراق السياسية- الجزء الاول / حسقيل قوجمان
- سياسة السجون بالمغرب بولمهارز مراكش نمودجا -ابوغريب المغرب - ... / غسان المغربي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - أوراق كتبت في وعن السجن - سعود قبيلات - عندما اُتُّهِمتُ بتهمة نقل الرسائل!