أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - موت الرواية














المزيد.....

موت الرواية


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6193 - 2019 / 4 / 6 - 02:35
المحور: الادب والفن
    


في سجن تدمر، كان حسين يكرر، بعد كل ذروة من ذرى الخوف، أو كل بعد قسوة عارية تحل علينا: "لا بأس، فهذا يزودنا بما نحكيه لأبنائنا وأحفادنا"، قبل أن يردف: "إذا خرجنا أحياء". وكان تيسير، من ناحية أخرى، يحرص على استرجاع المواقف الطريفة التي تنشأ على خلفية ذلك الجو الرهيب، ليس فقط لكي نضحك، بل لكي نحفظها من النسيان أيضاً. "يجب أن لا ننسى هذه المواقف، إنها جديرة بأن تُروى".
من جهتي، كان يساعدني على تمرير التجارب القاسية، أنني كنت أنشغل في سرد الحدث المرير بيني وبين نفسي كأنني أسرد إلى مستمع افتراضي، كانت هذه الآلية تخفف المرارة، إذ تحيلها إلى حكاية هي حكايتي، وتستحضر جمهوراً يتشوق للسماع، ويتضامن ويقاسمني المرارة، فتهون. الراحة التي تسببها هذه الآلية تتناسب مع رضى الراوي عن رسم الحدث باللغة، عن نقل مفعوله النفسي إلى المستمع. ثم تتوسع متعة السرد، فتفتح حقلاً جديداً لها لا يرتبط مباشرة بالحدث، تتوسع فتتناول الزمن الفارغ من أحداث بارزة، أو الزمن الفاصل بينها: أصوات الصباح، هندسة المهجع وتقطيعاته، آثار السابقين على الجدران ودلالاتها، انطباعات شركاء التجربة وتحليلاتهم وتوقعاتهم، طرق التحايل على الخطوط الحمر، تقطيع الوقت، الحضور الكثيف لذكرياتك وحياتك الماضية، تأمل الذات في لحظة الضعف والخوف، الانشغال في تصور ماذا يفعل أحد ما من أصدقائك أو من عائلتك في هذا الوقت الذي لا يتيح لك شيئاً آخر سوى الخوف والتأمل .. هناك الكثير مما يروى.
تشتد الرغبة في السرد والانتباه إلى التفاصيل جميعاً وامتلاكها باللغة، حين تتصور نفسك عين الخارج على الداخل. تصور أن هناك خارجاً يتلهف لمعرفة الداخل الذي أنت فيه، ولكنه مقطوع الصلة تماماً عن هذا الداخل الذي أنت تراه وتعيشه وتشكل جزءاً من "بطولته". تلتقط عينك المشاهد، ثم تحاول، حين يتراجع التوتر، أن تصوغ المشهد في كلمات وكأنك تحكي لخارج ملهوف لمعرفة ما يجري.
في الرواية ما يعوض الناجين عن قسوة التجربة. متعة سرد التجربة القاسية أو الخطيرة، بعد أن تصبح ذكرى، تأتي من متعة النظر إلى المحنة الماضية من موقع الناجي الآمن، وتأتي من متعة وضع التجربة في كلمات تناسبها وتنقل ما فيها من انفعالات، من تحويل التجربة إلى حكاية تُروى أحداثها بعين الناجي الذي يحوز سلطة تامة على التجربة، هي سلطة الراوي الذي يروي رواية هو بطلها، ليس بالضرورة لأنه البطل أو مركز التجربة، بل لأنه الراوي ولأن التجربة تُرى بعينيه وتُسمع بلسانه وترتبط بملامحه وطرائق تعبيره.
حين تنتهي المحنة لا يبقى منها سوى السرد أو الرواية، سوى ما علق في ذاكرة الناجي، لذلك تكون "حياة" المحنة مرهونة لذاكرة الناجي، لكيفية رؤيته للتفاصيل، لموقعه من المحنة، لموقفه منها، وهكذا "تعيش" المحنة وهي تحمل قصورات الراوي وظلال انحيازاته النفسية، أي تحمل بصمة الراوي. إنها تعيش كما أراد لها الراوي، باستقلال كثير أو قليل عن حقيقتها، إذ لا حقيقة للتجربة سوى "حقيقتها" في رواية الناجي. تمر التجربة العامة إلى العموم عبر قنوات خاصة أو شخصية. وحين لا يستطيع الراوي التغلب على جاذبية السرد المجرد، أو حين تغويه سلطته على التجربة التي نجا منها، فإنه قد يدوس على أصابع الحقيقة البليدة، ويزين روايته بما هو أجمل من الحقيقة وأكثر سحراً.
على هذا، يبدو الموت في التجربة خسارة مضاعفة. خسارة الحق والواجب والمتعة في أن تروي ما جرى معك ولك وحولك، أن تروي من موقعك وبطريقة فهمك وبطبيعة إحساسك ومفرداتك ولغتك. خسارة أن تخلق التجربة بكلماتك، وتعطيها شكل حياتها اللاحقة. خسارة أن تنتقم بالسرد من أبطال الشر في محنتك. خسارة أن تقول ما تبين لك في التجربة، أن تكون مسموعاً ومرجعاً مفيداً للقادمين إلى تجربة مشابهة بعدك، ففي روايتك فائدة للقادمين، رغم "شخصية" السرد التي لا محيد عنها. الموت في التجربة، يضيف هذه الخسائر مجتمعة إلى خسارة الحياة. ما هو أقسى من الموت أن تموت روايتك معك.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,611,140
- أرض الألغام
- عزلة المنكوبين
- الاغتصاب
- العلويون والثورة السورية
- سلعة العداء للامبريالية في سوق العالم الثالث
- صادق جلال العظم، تراجيديا مفكر
- حسين العودات، النهضة العربية المفترضة والهمّ المزدوج
- الصراع القطبي
- النظام السوري: افتراق السياسة عن القيم
- في علمانية اللاعلمانية
- عقدة نقص الدولة الفلسطينية
- العلمانية والديمقراطية وفك الاحتكارات
- عن العلمانية والديموقراطية
- لماذا الصحوة الإسلامية؟
- تعليق على مشروع البرنامج السياسي للتجمع الوطني الديموقراطي ف ...
- في شأن إعدام صدام حسين
- حول اعتقال علي الشهابي
- حرب لبنان ومأزق -العقلانية- السياسية
- سوريا السوريالية
- عن الداخل والخارج مساهمة في الحوار الجاري


المزيد.....




- صور لسعاد حسني وصباح وعمر الشريف وغيرهم تُعيد إحياء أجمل مشا ...
- وزارة الداخلية: اللائحة المتداولة لعقوبات تأديبية في حق رجال ...
- مشروع فني يُعيد إحياء أجمل مشاهد الأفلام وأبرز نجوم السينما ...
- جائزة البوكر: 7 نصائح تحسن مهارتك في الكتابة
- مارغريت آتوود وبرناردين إيفاريستو تتقاسمان جائزة بوكر
- خنازير عملاقة في الصين.. كيف تنبأ فيلم -أوكجا- بالمستقبل؟
- تطبيقات مجانية للأفلام الرقمية والموسيقى والكتب الإلكترونية ...
- بالفيديو... فنانة خليجية تصدم جمهورها بمظهرها الجديد
- هذا ما ابلغه العثماني للنقابات والباطرونا
- الجزائر تشارك في الاجتماع المشترك لوزراء السياحة والثقافة ال ...


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - موت الرواية