أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - راتب شعبو - أرض الألغام














المزيد.....

أرض الألغام


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6192 - 2019 / 4 / 5 - 13:03
المحور: كتابات ساخرة
    


في أمسية صيفية، لم يكن لدى صديقي علي الشهابي (أرجو أن يعود إلينا من سجنه سليماً متهكماً كما كان) ما يكفي من الرغبة للمشي في باحة التنفس، فجلس على الدرج الهابط إلى الباحة. جلس يدخن بكسل وهو يتأمل المساجين في الأسفل، في ساعة التنفس. نفوس متعبة تعيش على أمل باهت بعد أن اجتهدت الدولة كاملة على تصنيعهم كأعداء وتحويلهم إلى مادة تعتاش عليها المطاحن الأمنية، يائسون ينغمسون في تفاهات يومهم لكي يهربوا من بؤسهم ومن ثقل الزمن على قلوبهم، يختلفون على تسمية ألوان الخرز كما يختلفون على تقييم المرحلة التي تمر بها بلادهم. سنوات طويلة على هذا الروتين اليومي الحديدي الذي حاول علي مرةً أن يقتل بلادته القاتلة، فخرج إلى الباحة في يوم غزير المطر، خرج حين لا يخرج أحد. كانت الباحة خالية. جلس تحت المطر كما يجلس عجوز تحت شمس الربيع. كان علي سعيداً بتنفسه الانفرادي ذاك الذي لم ينقصه سوى القدرة على التدخين تحت المطر. لكن حديد الروتين كان أقسى من ابتكارات علي.
في تلك الأمسية الصيفية جلست إلى جوار علي الذي كان صامتاً أكثر مما اعتدت عليه، بادلته الصمت بالصمت لكي أحرضه على الكلام. التفت إلي، بعد حين، وقال متهكماً: "سيأتي يوم لا يكون أمام المعارض للنظام السوري من قدرة على المعارضة أكثر من أن يقول نعم للرئيس بالحبر وليس بالدم". أضحكني ذاك التهكم الرؤيوي، كان ممتعاً وطريفاً، لكنه استقر في ذهني كشيء غير ممتع وغير طريف، إلى جانب نبوءات مقلقة أخرى من أشخاص آخرين، مثل النبوءة المقتدرة لرئيس فرع الأمن السياسي في دمشق الذي وضع يده على شاربيه الحليقين، بينما أنا (شاب عشريني في السنة الثالثة من دراسته الجامعية) مطوي في الدولاب بجانب قدميه، وتنبأ بأنني لن أستلم في حياتي شهادة الطب، ومثل نبوءة صديقي عبد الحكيم الذي قال، في لحظة عجز غامر، وبطريقة الغريق الذي يجاهد لإبقاء رأسه فوق الماء كي يقول جملته اليائسة: إننا لن نخرج من السجن إلا موتى أو مجانين.
في السجن، كلما حاولت أرانب اطمئناني أن تسرح لتلهو في المرج، كانت أمثال تلك النبوءات تخرج من أوكارها مثل طيور جارحة. بعد السجن، رحت أقطع الزمن يوماً بيوم مترقباً كمن يتحرى الألغام في أرض ملغومة شاسعة. كنت قد تجاوزت لغم عبد الحكيم، خرجت من السجن قبل أن أموت أو أجن. وبقي اللغم المقتدر لرئيس الفرع وعيداً أخشاه. أما لغم علي فقد سمحت له أن ينفجر في وجهي حقاً.
في صيف قائظ بعد السجن، كان على طلاب الجامعة الذكور الموزعين كنباتات ذابلة في خيم التدريب الجامعي، ان يجتمعوا في الساحة لكي يقولوا نعم في استفتاء على رئيس شاب ورث الرئاسة عن أبيه المتوفي.
كان يقف على باب غرفة الاقتراع أحد ضباط التدريب الجامعي وبيده دبوس يخذ به إصبع الطالب الذي عليه أن يضع شيئاً من دمه في دائرة ال"نعم". حين جاء دوري تنحيت جانباً لكي يمر الطالب الذي بعدي، فجاءني الضابط مستفسراً. قلت له إنني مجرد من الحقوق المدنية بحكم صادر عن محكمة أمن الدولة العليا ولا يحق لي التصويت، سيكون هذا مخالفاً للقانون. ارتبك قليلاً وتأملني قليلاً وسرعان ما انتفض قائلاً: "قانون ماذا؟ ما هذه المجرد وغير المجرد يا رجل، أنت ستقول نعم للرئيس، يالله!" ثم رفع الدبوس طالباً إصبعي، فأخرجت قلماً من جيبي وأمسكته بيدي بطريقة تقول سأقترع بالحبر.
وجدت نفسي في مفاضلة سريعة بين لغمين، إذا أبطلت مفعول لغم علي فسوف ينفجر لغم رئيس الفرع في وجهي دون شك، وإذا تقبلت انفجار لغم علي في وجهي فقد (قد فقط) أتجاوز اللغم الثاني. دخلت الغرفة برأس يتصارع فيه لغمان.
في الغرفة ارتاب بأمري الضابط الذي يجلس إلى الطاولة والعساكر من حوله. طالبٌ أكبر سناً من بقية الطلاب بما يزيد عن عقد ونصف من الزمن، ويمسك بيده قلماً بدلاً من الاصبع الموخوذة. ما كان من الضابط إلا أن سحب ورقة استفتاء ووضعها أمامي على الطاولة واضعاً كفه على دائرة ال"كلا"، وما كان من "معارضتي" إلا أن تضاءلت إلى حد الرسو في المسافة الفاصلة بين النعم "الحبرية" والنعم "الدموية". "عارضتُ" بنعم حبرية وخرجت. ربما ظن ذلك الضابط أنني يمكن أن أختار غيرها. ربما خشي علي، أو خشي على نفسه في أرض الالغام الشاسعة هذه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,123,262
- عزلة المنكوبين
- الاغتصاب
- العلويون والثورة السورية
- سلعة العداء للامبريالية في سوق العالم الثالث
- صادق جلال العظم، تراجيديا مفكر
- حسين العودات، النهضة العربية المفترضة والهمّ المزدوج
- الصراع القطبي
- النظام السوري: افتراق السياسة عن القيم
- في علمانية اللاعلمانية
- عقدة نقص الدولة الفلسطينية
- العلمانية والديمقراطية وفك الاحتكارات
- عن العلمانية والديموقراطية
- لماذا الصحوة الإسلامية؟
- تعليق على مشروع البرنامج السياسي للتجمع الوطني الديموقراطي ف ...
- في شأن إعدام صدام حسين
- حول اعتقال علي الشهابي
- حرب لبنان ومأزق -العقلانية- السياسية
- سوريا السوريالية
- عن الداخل والخارج مساهمة في الحوار الجاري
- الخارج وفق محددات الداخل - المثال السوري


المزيد.....




- فنانون يقتحمون تليفزيون لبنان احتجاجا على عدم تغطية المظاهرا ...
- بالفيديو.. فنانون يقتحمون مقر تلفزيون لبنان
- بسبب نملة... فنانة سورية شهيرة تخضع لجراحة
- فيلم سكورسيزي The Irishman يفتتح مهرجان القاهرة السينمائي ال ...
- -أنتج أفلاما جنسية للجميع .. وليس للرجال فقط-
- المرشحة لخلافة إلياس العماري.. طردتها الصحافة واحتضنتها الس ...
- الوزيران أمكراز و عبيابة أمام أول امتحان بمجلس المستشارين
- عقب أيام من طعن ابنها... فنانة عربية تتعرض لحادث سير
- عازفة الكمان صاحبة واقعة الهاتف تعاود الهجوم
- سفير تركيا لدى أوزبكستان يؤكد على وجود خطأ في ترجمة تصريحات ...


المزيد.....

- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - راتب شعبو - أرض الألغام