أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - احسان طالب - مقالات التنوير 2 التمويه والتطبيع الاجتماعي في الثقافة المؤسسة للعنف ضد المرأة















المزيد.....



مقالات التنوير 2 التمويه والتطبيع الاجتماعي في الثقافة المؤسسة للعنف ضد المرأة


احسان طالب

الحوار المتمدن-العدد: 6190 - 2019 / 4 / 3 - 22:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



تسيطر على عقولنا نحن العرب مجموعة من المسلمات و البديهيات تعد أساسا ً و قاعدة لمواقفنا وآرائنا تجاه الآخرين و تجاه قضايانا المزمنة و المعاصرة ومن ذلك قناعتنا الراسخة بأننا أفضل الأمم وخير أمة حاضرا ً وماضيا ً ومستقبلا ً وللحفاظ على هذا التمويه ـ 11ـ نقوم كأفراد و مؤسسات و حتى حكومات بتجميل الصورة و إخفاء العيوب و عدم التحدث عن أي من مظاهر التخلف والرجعية و الفقر والمرض الذي تغص به مجتمعاتنا وأوطاننا وتغدو المسألة أكثر تعقيدا وأشد حرصا عندما تكون القصة متعلقة بأحوال المرأة و حقيقة مكانتها و دورها في المجتمع، فنحن نعتقد جازمين بأننا أكثر شعوب الأرض تعظيما ً للمرأة و تقديرا ً لها و نصر على ذلك و نأتي بالأدلة و البراهين لتأكيد ذلك، وفي الوقت نفسه نغمض أعيننا عن مظاهر شديدة الوضوح لا تترك جدلا ً حول حقيقة الوضع الملتبس الذي تعيشه المرأة في أوطاننا وبلداننا على وجه العموم فنحن نريد حجب عين الشمس بالمنخل.
بعد مرور نصف عقد من الألفية الثالثة ما زال العديد من المفكرين و المفكرات و السياسيين و الكتاب ينظرون إلى قضية المرأة ومساواتها ومشاركتها المباشرة في العمل السياسي ترشيحا ً وانتخابا ً وحتى احتلالا ً لمناصب ومراكز سياسية و قيادة أحزاب أو منظمات، نظرة طوباوية طهرانية أخلاقية فاضلة مرتبطة بالأساس برسوخ فكر ذكوري سائد حتى لدى أولئك الذين يعدون من أنصار المرأة.

الصورة المجردة مرتبطة بالجمال و الجنس و السكينة – الزوجة – العطاء و الحنان و العطف و الحكمة – الأم – الحماية و الرعاية و الوصاية – الأخت و الابنة – رغم ما تحمله من سمو وضرورة ؛ لا ترتق بعد تلك الصورة إلى اعتبار قيمة المرأة من منطلق إنساني مجرد من التوصيفات الاجتماعية والقوالب النمطية التي تحكم الموقف و القناعات عندما تثار مسائل الحقوق و المساواة ، كما هو الحال في العديد من القضايا الإنسانية تراجعت النظرة الحقوقية والحضارية للمرأة في بلداننا نحو الخلف رغم ما يبدو من مظاهر التقدم المادي والإعلامي و الغريب أن المجال الأوسع الذي زادت مشاركة المرأة فيه هو ميدان الإعلام و فنون الغناء و التمثيل وإذا كان ذلك يعد بحد ذاته تقدما ً ملحوظا ً فإن غالبية الرأي الشعبي العربي لا تنظر باحترام و تقدير إلى تلك الظاهرة بل تعدها خروجا ً عن العادات والتقاليد والقيم، وتميل بشكل لاإرادي إلى النظر إلى المرأة كعورة وجناح هضيم.

حدث ذلك نتيجة لتطور هيمنة وسيطرة المرجعية الثقافية الاجتماعية والفكرية للراديكاليين بانتماءاتهم الشمولية السياسية والدينية، فهذه السيطرة التي شملت كافة المؤسسات والبنى المعرفية الاجتماعية كان لها أثر سلبي كبير في صنع الوجدان الجمعي للغالبية الانتخابية في العالم العربي ، و تستفحل المشكلة و تعمق وتستعصي على الحل كلما أوغل أصحابها في تجاهلها وعدم الإقرار بوجودها بالسعي الدائم لإعطاء المبررات للظواهر الناجمة عن تجذرها.
هذه الحقيقة تنطبق تماما ً على ظاهرة العنف في مجتمعنا عموما والقسم المتعلق بالمرأة تحديدا، لذلك كان لا بد من الاعتراف بهذه الظاهرة والإحساس بها كمشكلة متأصلة حتى نبدأ السير في طريق الحل. إن إشاعة فكرة الحوار كمبدأ و التحاور كفعل و قبول الآخر من خلال تأصيل ثقافة الديمقراطية في المجتمع عموما ً، و في المنظمات والتجمعات و النقابات والمدارس وأفراد الأسرة الواحدة، يعد خطوة ضرورية للبدء في معالجة مسألة العنف عموما ً وضد النساء خصوصا ً؛ ذلك أن الانطلاق من القناعات الجامدة والتصورات المحددة بناءً على أفكار أيديولوجية و أصولية متحجرة لا يترك مجالا ً لقبول الآخرين أو الإقرار بالخطأ أو بوجود المشكلة.
على الرغم من التقدم الطفيف في العملية الديمقراطية وشروط تحقيقها وقواعد لعبها في كل من مصر وفلسطين والعراق، من حيث مشاركة المرأة في الانتخابات ترشيحا ً وانتخابا ً أو ممارسة للعمل السياسي ؛ إلا أن التطور المهم أيضا ً والظاهر هو انكفاء الرغبة و الحماسة نحو التحرر والمساواة بين النساء أنفسهن ومطالبتهن بتطبيق الأحكام و القوانين التي تعيق و تعرقل المشاركة والمساواة الحقيقية الكاملة للمرأة في السياسة و الاقتصاد و المجتمع المدني.

فالسعوديات قدمن عرائض للملك عبد الله طالبنه بعدم السماح بقيادة السيارة للنساء والتشديد على أنظمة الفصل بين الجنسين في المدارس و الجامعات، في المساجد و الصلاة، والنساء الأردنيات بأغلبيتهن لا يمانعن أو لا يعارضن أن يمارس الرجل حقه في تأديبهن وضربهن إذا ظن أنهن خرجن عن طاعته أو تجاوزن حدود الأدب في علاقتهن بالرجال أزواجا ً كانوا أم آباء وأبناء.

في برنامج حواري بث على قناة دريم الفضائية ـ شهر آذار مارس 2006 ـ تناول مسائل الزواج العرفي و الولادات الناشئة عن العلاقات غير القانونية أو الشرعية، اعتبر الأستاذ الدكتور عميد كلية الشريعة في جامعة الأزهر أن الحل يكون مطابقا ً لما كان عليه الحال منذ خمسة عشر قرنا ً فقال الأستاذ: " أقول لها ارجعي حتى تضعي حملك ثم ارجعي حتى تفطميه " و أطال بعد ذلك في شرح فضيلة العفاف و الستر و الطهر الذي كان سائدا ً – و لا نعرف متى كان غير سائدا ً – و كيف أن الفساد الخلقي استشرى في هذه الأيام و لما تدخل المحاور بالسؤال التالي: إنها أربعة عشر ألف حالة يا أستاذ – في إشارة إلى عدد قضايا تثبيت النسب المرفوعة أمام القضاء المصري – فما كان من العميد سوى أن رد بعنف : " يطبق عليهن الحد! " و كما هو معلوم فالحد هو الرجم حتى الموت، فهن في نظره لا يستحقون الحياة، أما الطرف الآخر و هو الرجل هنا فليس هناك من ضرورة أو حاجة لاستدعائه أو تحميله وزر عمله فالمرأة فقط هي المسؤولة عما ينتج من خلال علاقتها الآثمة رغم اشتراكه في الفعل و الإرادة و حتى أحيانا كونه المسؤول الوحيد لأنه قد يكون قام باغتصاب الفتاة رغما ً عن إرادتها و هي مع ذلك تعد زانية كما في القانون الباكستاني ما يسمى زنى الغصب أو زنى الجبر ( راجع دراستنا عن إثبات نسب ولد الزنا في الفصل الأول) –

بالرغم من أن مظاهر الالتزام الديني والتشدد غدت طاغية على مناحي الحياة في المجتمع المصري بما يؤكد التزام الغالبية الإسلامية من الشعب المصري بالتدين و إقامة الواجبات و الفرائض مبتعدين عن المحرمات، فإن حالات العنف الأسري المتبادل في ارتفاع وتزايد مضطرد حتى صارت ظاهرة مقلقة ينبغي التصدي لها مباشرة ، والبحث عن أسبابها و نتائجها وسبل معالجتها، وهنا نلحظ أن التوجيه الوعظي المنبري الذي تمارسه قيادات التيار الديني أتت أكلها باتجاه واحد حيث أصبح المجتمع أكثر ميلا ً للعنف و أكثر رغبة في إقصاء الآخر أو المختلف و لم تتمكن فضيلة التسامح بمفهومها الديني من تأليف المجتمع و زيادة اللحمة بين أفراده.

و إذا كانت القيود الاجتماعية و الدينية المتشددة ما زالت تثقل النهوض بالمجتمعات العربية و تعيق تطور الحريات و المساواة على كافة الصعد ؛ فإن الاستبداد السياسي ما زال يلقي بظلاله القاتمة على مفاهيم حقوق الإنسان العالمية التي تعد حقوق المرأة جزءا ً لا يتجزأ منها. " إن تحقيق الديمقراطية يقتضي شراكة حقيقية بين الرجل و المرأة في إدارة شؤون المجتمع على قدم المساواة " – الاتحاد البرلماني الدولي.
( إن القيد السياسي على التنمية الإنسانية هو الأكثر وطأة والأبعد إعاقة لفرص النهضة فيها )"ـ 12 ـ
يتحكم فكر الإنسان و قناعاته الراسخة بأسلوبه في التعامل مع الآخرين وفي طريقة معالجته للمشاكل والأزمات، ما ينطبق على المثقف والمفكر ينطبق على الأمي الجاهل الذي تراكم في لا وعيه مجموعة من القيم و المبادئ ، التي يتساوى فيها مع العديد من رواد الجامعات و السبب في ذلك أن ربط المواقف من الآخرين و الأزمات بمجموعة من القواعد المتكلسة التي لا تناقش ولا يأتيها الباطل لا من بين يديها و لا من خلفها يجعلنا نعتقد أننا على صواب دائما ً، وبذلك يتعذر الإصلاح و يغدو حل المشاكل أمرا ً في غاية التعقيد. تتفتح بذور المشكلة باعتبار المرأة كائنا ً يخضع للوصاية و الرعاية بشكل مستمر لا يملك القدر الكافي للتصرف بأموره ناهيك عن أمر الآخرين، باعتبار أن المرأة شخصا ً تتحكم به عواطفه و لا يحوز على الإمكانية اللازمة للاستفادة من عقله في المواقف العصيبة (كالقضاء مثلا ً) ما يوجب وضعها في درجة أدنى في حيز يقاد فيه من قبل الجنس الآخر، على هذه الخلفية ينشأ الطفل أو الشاب في بلادنا على الاعتقاد بعلو شأنه تجاه الأنثى حتى و لو كانت أكثر إنتاجا ً وثقافة ً وحكمة وأدباً فهو يربى بحسبانه رجلا ً له الحق في إصدار الأحكام و تنفيذ العقوبة، الجو نفسه تنشأ فيه الفتاة لتكون خاضعة راضية بما يمارس بحقها من ظلم لأن المنطق الرجولي الذي تربت عليه يستند إلى تاريخ معظم ، ومفاهيم نصوص قاطعة.

و تزداد مشكلة العنف ضد المرأة تعقيدا ً عندما تعد المرأة حرمة أي كائنا ً ينبغي حجبه و إبعاده عن المجتمع إلا لضرورة ، يقوي ذلك ويثبته الموقف الحساس جدا ً من مسألة الشرف الجنسي والعرض والحرام والحلال الذي يهيئ أرضية خصبة للرد على أي تجاوز لحدود تلك الحرمة ، حتى لو كان الأمر مجرد شبهة ، فالتربية بالنصوص العرفية المدعومة بالموروث التشدد الديني تبيح الدفاع مباشرة بأشد العقوبات ولو لمجرد الشك :(من اطلع في بيت قوم بغير أذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه. ولو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح. ومن اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقئوا عينه فلا دية له ولا قصاص) ـ 13 ـ ينطوي الحديث على إعطاء الحق المباشر للفرد بممارسة العنف الجسدي تجاه من اعتدى على حرمته بالنظر دون إذنه أو قصد النظر إلى عورته وإسقاط لضمان سلامة العين، ولقد وقف الفقهاء وشراح الحديث موقفين متعارضين الأول أخذ الحديث على ظاهره بدون تأويل وأباح ممارسة الرجل إصدار الحكم وتنفيذه مباشرة، والآخر أول الحديث على إرادة المبالغة على سبيل التغليظ والإرهاب، ولم يسقط الحق بالقصاص من المبادر لفقأ عين المتلصص، وعدو التلصص معصية يعاقب عليها الله و الدولة، وفرق بعضهم بين المبادرة إلى رمي الناظر قبل إنذاره أو بعده، أيا كان القول الفصل في الأحكام المستخلصة من الأحاديث المتضمنة على حض مباشر لممارسة العنف، في ظرف عادي تحكمه طبيعة المجتمع فإن ورود أمثال تلك النصوص لها أثار قوية في تأصيل ثقافة العنف إذا ما أخذت بالظاهر فقط وابتعد التشريع عن القصد والغاية ، وعندما نعلي شأن الإنسان المكرم من الله تعالى لن تعجزنا القراءات والتفاسير المنضبطة بالقصد والغاية. ويكون الموقف غاية في العنف عندما يكون الشك متعلقا ً بالمرأة ذاتها أو بمواقفها أو رغبتها في الانفراد في تقرير حاضرها و مستقبلها، و ما ينطبق على الفتاة في بيت أهلها يتحول إلى واجب مرتبط بالمآل والجنة و النار عندما تتحول إلى زوجة يفرض عليها ضوابط وقواعد قاطعة يعد أي تجاوز لها اعتداءات على حرمات الله و خروجا ً على أصول الشريعة. هنا يأتي النص بإمكانية ضرب المرأة إذا عصت زوجها ولا يعد الضرب عنيفا ً بل تأديبا ً وإعادة إلى جادة الصواب، لذلك علينا دائما التركيز على روح الدليل وتخليصه من ظرفية المكان والزمان ، والاقتداء بالأقرب للخلق الحسن واللين، فمن المشهور عن النبي الكريم أنه ما خير بين أمرين إلا أختار أيسرهما وأنه قال : عن عائشة - رضى الله عنها - ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ( يا عائشة ، إن الله رفيق يحب الرفق ، و يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ، و ما لا يعطي على ما سواه ) . رواه مسلم
ما خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا
حديث رواه مسلم برقم 4419ا.
(إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانهُ، ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانهُ) رواه مسلم.
نعود لنطرح إشكالية النص، فالتأثير المباشر للفهم الظاهري يقوي مطروحات سلبية تكتسب يوما بعد يوم أنصارا جدد، يؤمنون بأصولية النص وشموليته قارنين بين علم وإرادة منزل النص وبين فهمه وتفسيره، ففي نص فقأ العين اتخذ الفهم الظاهري موقفا صلبا جامد واسقط حق ضمان سلامة جسد الإنسان من الاعتداء لمجرد النظر أو محاولة النظر إلى عورة أو حرمة آخر بدون علمه، ولم يكتف بهدم ركن مهم من أركان الفقه ـ حفظ حياة الإنسان ـ بل نقض حق المعتدى عليه بالدية أو القصاص؛ تلك القراءة السطحية للنصوص مآلاتها الفوضى والبدائية، فالمجتمعات المدنية تحكمها القوانين والسلطات وليس للفرد مباشرة اتخاذ القرار وتنفيذ العقوبة، في التفسير والفقه الشيعي قالوا بالقرينة العقلية قبالة الفهم الظاهري للنص: (الرأي الذي سار عليه الخلف من المحققين وعلماء الإسلام الذين بذلوا جهدهم في دراسة القرآن والتعرف على مقاصده وتأويله على أساس العقل، فإذا جزم العقل بشيء وورد النقل خلافه، يكون حكم العقل القطعي قرينة على أن النقل لا يراد به ظاهره، حيث يرون) ـ 14 ـ ـ لكن واقع الحال لا يظهر تغيرا جذرا في الرؤية والفعل فالعنف ضد النساء والموقف المتعالي الذكوري شائع في مجتمعات تتبني فقه أهل البيت ، حتى إن أكثر الدول الإسلامية التي تطبق فيها حدود الرجم على النساء هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
في استفتاء أجرته قناة اقرأ الفضائية الدينية _ في شهر تموز 2005 ـ على مجموعة من النساء أجابت الغالبية العظمى منهن بحق الرجل بتأديب زوجته إذا عصته أو تأخرت في إطاعة أوامره. فعندما تعتقد المرأة بحق زوجها الشرعي في ضربها تنطلق من مفاهيم تربت عليها أو اقتنعت بها في الجو المحموم للتشدد، والعينة مدار التحقيق من عامة الناس ولسن فئة مخصوصة بحزب أو جماعة. في أمثال تلك البيئة الاجتماعية يصبح الحديث عن العنف ضد المرأة ً تعديا ً على المقدسات وتجاوزا ً للخطوط الحمراء. وهذا أمر يدعو إلى مراجعة شاملة لثقافتنا الدينية والاجتماعية المهيمنة ، ومحاولة إدخال الحوار والنقاش إلى تلك الثقافة. إن العمل لوقف العنف ضد النساء يتطلب مباشرة العمل على مشروع يتبنى المسألة، يبدأ التوعية بها انطلاقا ً من الاعتراف بوجودها و انتشارها ومضارها بشفافية وجرأة، ومن ثمة إعادة الاعتبار للمرأة ومكانتها في المكون والوعي الثقافي الشعبي الذي غالباً ما يساهم في دونيتها وتراجع موقعها.
اعتقاد الرجل بحقه في تأديب المرأة يجعله يبادر إلى ضربها كلما رأى ضرورة لذلك أما عندما يعتبرها كائنا ًمساويا ًله يتمتع بنفس الحقوق ، والواجبات وأنه لن يجد التغطية القانونية الشرعية أو الاجتماعية لممارسته للضرب سيبدأ بالكف عن اللجوء إلى العنف كحل وسيفكر مليا ً بالعواقب قبل نشر غضبه، وبالمقابل فإن توعية النساء بحقوقهن وقناعتهن بحرمة ممارسة العنف ضدهن سيدفعهن للدفاع عن أنفسهم والاستعانة بالآخرين لحل المشاكل وعدم الرضوخ والرضا بالذل لمجرد كونهن نساء.
و الجدير ذكره ارتباط العنف بضعف التعليم لدى الجنسين فالجاهل عادة لا يتراجع عن رأيه أو موقفه كونه لا يملك الحجة للدفاع عن أفكاره أو قناعاته يلجأ إلى القوة و العنف كحل مباشر لقضايا الخلاف.
إن التأسيس لتعظيم قيمة الإنسان في المعتقدات والقيم الدينية والاجتماعية ؛ يساهم بشكل فعال في الحد من العنف، فإذا توصلنا إلى اعتبار الإنسان مجردا ًمن كل انتماء عقائدي أو عرقي أو جنسي كائنا ً يستحق العيش بكرامة ولا يجوز التعرض له لمجرد الاختلاف والشبهة أو إبداء الرأي يتيح ذلك الفرصة لمزيد من التعامل السلمي والبعد عن حل الخلافات بالقوة.

لعل إشاعة ثقافة حقوق الإنسان و تدريس الميثاق العالمي الخاص بهذا الشأن في مدارسنا وترسيخه قيما تربوية، يساهم بفاعلية في بناء منظومة معرفية منفتحة تجنح نحو قبول أفكار وقيم الآخرين وتبادل الثقافات ، كذلك تبني فكر مستنير في حوارنا ونقا شاتنا الخاصة أمر هام بالغ التأثير للالتفاف حول قيم إنسانية ومبادئ يشترك بها العالم أجمع بما يجعلنا جزء منسجما ً مع العالم حولنا يقر بالمساواة بين الجنسين و يعطيهما ذات الحقوق والواجبات. إن التعارض القائم بين تفاسير وشروح النصوص الشرعية الأصلية ـ الكتاب والسنة ـ كما تاريخية الدليل الشرعي ؛ يخلق حالة و جوا ً من الازدواجية في المواقف حيال مكانة المرأة و علاقتها بالرجل. و تصل تلك الازدواجية إلى حد التناقض الشديد ، فبينما ترد نصوص تجعل النساء شقائق الرجال و تتبنى المودة و الرحمة و الألفة و السكينة أساسا و قاعدة للمساواة في المكانة و الحقوق و الواجبات ً و تعتبر الأمر بالعناية بالنساء و الحض على التعامل معهن برفق وإنسانية و طيبة ، تقف في الجهة المقابلة نصوص تبيح الضرب غير المبرح و تشدد على القوامة و تجعل الرجل في درجة أعلى من النساء في الدنيا و الآخرة و تعطي الزوج الحق في تلبية مطالبه الجنسية تحت أي شرط أو ظرف طالما أنه لا يعارض ما حرمه الشرع. و تميل بعض الشروح والفتاوى إلى وضع المرأة في مكانة تؤهلها لمقام العبودية دون الرجل.

إن حل ذلك الإشكال لا يتم إلا بتبني قيم أخلاقية إنسانية أممية ودينية توافقت عليها الثقافات و الحضارات الإنسانية على مدار العصور. وبفهم تاريخي عقلاني لجملة النصوص المسيرة للمجتمع والناظمة لطرائق ثقافته.فإدخال القرائن العقلية والقرائن الظرفية والتاريخية ميدان علم الأصول يفتح الباب لإعادة التجديد وفق بيانات تعبد الطريق لتجاوز عثرات التراث المنقول وسقطات التفسيرات الضيقة لما ورد عن السلف، وإعادة الاعتبار لفقه المقاصد وروح النص الديني بغاياتها الإنسانية والحضارية العليا.
تتباين وجهات النظر حيال العلاقة المثالية التي تربط الرجل بزوجته بناءاً على الخلفية الثقافية والاجتماعية للأفراد والمجتمعات، حيث ترى المنظمات والهيئات الحقوقية والمدنية النسائية الأممية والأهلية أن أساس تلك العلاقة هو المساواة في الحقوق والواجبات كقاعدة وركن ينظم الحدود الضابطة للروابط التي تفرضها مؤسسة الزواج على الرجل والمرآة، و تقوم العلاقة الزوجية بمفهومها الشرعي والفقهي الغالب على مقاربة عامة تنطلق من كون البشر سواسية ولا فرق بين أعربي أو أعجمي إلا بالتقوى، وبأن أساس المكانة هو الخلق الحسن وتقوى الله هي التي تقرر درجة الإنسان ورفعته بالمعنى الأوسع للتقوى الذي يشمل تحقيق مصالح العباد والقيام بما ينفعهم والابتعاد عما يضرهم في الطرف الآخر يبرز خطاب التشدد والزمت حيث تتأسس الروابط بين الرجال والنساء على القوامة الصارمة للرجل وإجبار المرأة على تلبية متطلبات الزوج الجسدية حيثما شاء ومتى أراد باستثناء ما حرمه الشرع زمانيا أو مكانيا، وعليه يكون إجبار الزوجة على الجماع أو إكراهها على الخضوع في فراش الزوجية أو في أي مكان أمرا يبيحه الشرع يأخذ درجة الواجب الفرض ، تلتزم به المرأة تجاه زوجها تلبية لما يترتب عليها من قناعات تفرض عليها مقارنة رضا الزوج برضا الرب. الاختلاط والاشتباك بين الحقوق الدينية والعلاقات الاجتماعية سلاح ذو حدين يساهم من جهة في توطيد أواصر الترابط الاجتماعي الأسري ويسمح ببناء الروابط الاجتماعية على أساس من الود والرحمة والتكافل، لكن إذا أسيء تفسيره وفهمه يتحول في ذات الوقت لقانون قاهر يتيح سلطات غير محدودة لطرف على حساب الأخر، ويضفي على طبيعة العلاقات الإنسانية ظلاً جبريا ينأى بها عن الجانب الأخلاقي ليلقيها في خضم الحلال والحرام الفقهي والاجتماعي ، دافعا البعد الإنساني لما تحت القيمة العقدية الدينية. بهذا التحليل يصبح المعيار الأخلاقي والإنساني خاضعا لمراد الفقهاء والمفتين الدينيين، فما حللوه خلقي وإنساني وما حرموه همجي ومعيب ؛ بيد أن الواقع مخالف تماما لميزان التعديل الفقهي ومنظومة القيم الدينية السائدة.

ولا يختلف كثيرا الحال القانوني في معظم الدول العربية عما تخطه الأحكام الفقهية والاجتهادات الشرعية ففي القانون السوري مثلا، ليس هناك نص يتيح للمرآة الاعتراض على الإكراه المفروض من قبل زوجها.

تنص المادة 489 من قانون العقوبات السورية عام 1949على أن: من أكره غير زوجه بالعنف أو بالتهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة خمس عشرة سنة على الأقل.
فالنص القانوني يخلو فرض عقوبة على الزوج الذي يكره زوجه على القيام بالجماع تحت التهديد أو العنف. وبالمفهوم المخالف للنص القانوني يمكن القول أن إكراه الرجل لزوجته بدفعها بالعنف أو التهديد نحو ممارسة الجنس أمر مسموحا ولا مخالفة للقانون فيه.
هذه حالة من الحالات التي يختلط فيها مفهوم الزواج بمسألة الاغتصاب الذي يعني ممارسة العنف أو التهديد لدفع الشريك نحو القيام بالفعل الجنسي مرغما ً نتيجة الضعف أو الخوف أو نتيجة استغلال القوة المادية أو المعنوية تجاه الطرف الآخر، وتبقى المسألة هنا نسبية وتقديرية طالما بقي الأمر بالحدود الدنيا التي لا تصل لحد استعمال العنف أو عدم تفهم الحالة الصحية أو النفسية للمرأة ، فالعلاقات بين الزوجين يفترض أن تقوم على الحب والتفاهم وحسن العشرة ، وتلك توصيات نبوية كريمة ، وليس على الإكراه والجبر والانقياد للغرائز دون قيد أو شرط.

إن المبررات الشرعية أو القانونية أو الاجتماعية التي رسخت في ذهن المجتمع الذكوري أعطت الرجل كل الذرائع القانونية والشرعية التي تسمح له بإكراه زوجته على مشاركته الفراش، شاءت أم أبت وفي ذلك إخلال و تقويض لأركان العلاقة الزوجية القائمة على المشاركة والود والتفاهم ناهيك عن المساواة بإلغاء التمييز بالحقوق والواجبات بمقياس الجنس. أحد معضلات النص الديني السائد التمييز بين الواجب والمندوب. فالواجب المفروض يجبر الفرد على الالتزام به ولا خيار له برفضه أو قبوله. أما المندوب فهو فعل يحض الفرد على الإتيان به، يثاب على فعلة ولا يأثم أو يعاقب على تركه، بالتأمل داخل وحول عشرات ومئات النصوص الناظمة للعلاقات الاجتماعية، تظهر الحدية والشدة في الحقوق العامة للرجل والنساء ، كحفظ الحياة والمال والعرض ، و تميل نحو الندب والتكرم عندما تتحدث عن حقوق المرأة تجاه زوجها وتأخذ صورة أكثر صرامة عند الحديث عن حقوق الجل تجاه الزوجة ، وهذا على وجه العموم باستثناء قضايا معدودة محدودة وهي بحاجة لوعي إنساني وقانوني وشرعي إنساني ، ومن الأمثلة على وجود تلك الاستثناءات التي ينبغى علاجها ومنع انتشارها وتكاثرها في ظل قصور قانوني وفقهي وفكري : نشرت الصحافة السعودية عدة قضايا تم من خلالها التفريق بين الزوج وزوجته لعدم التكافؤ وأبرم الحكم مع وجود أولاد أثمرت عنهم العلاقة الزوجية الطويلة، ولقد أثيرت القضية إعلاميا أكثر من مرة ومسالة العصبية القبلية ليست خاصة بالمملكة العربية السعودية بل تتعداها إلى المجتمع القبلي العربي في العديد من البلدان العربية ـ 15 ـ

في سوريا ورد التحقيق الصحفي التالي حادثة مرتبطة بالموضوع :
بعد تمام الزواج بعام ونصف قتل شاب شقيقته المتزوجة متسلحاً بالعصبية القبلية والرواسب الاجتماعية كالثأر والانتقام والدفاع عن الشرف، و تحت هذه الشعارات تنتهي سنويا حياة عشرات الضحايا من الفتيات و النساء يقابلها في الطرف الأخر رضوخ اجتماعي و أحكام قضائية مخففة بحق المجرمين ما يساهم في ازدياد وانتشار هذا النوع من الجرائم.
في منطقة دير بعلبة شمال شرق مدينة حلب أقدم شاب في العقد الثالث من العمر على قتل شقيقته التي تزوجت دون موافقة الأهل حيث قام الزوج بخطف الفتاة وتزوجها رسمياً أمام المحاكم الشرعية في حلب إلا أن عملية الزواج هذه لم ترق للأخ وعندما سنحت الفرصة له أقدم على إطلاق أربع عيارات نارية من مسدس حربي كانت كافية لإنهاء حياة الشقيقة. وقامت الجهات المختصة بإلقاء القبض على الشقيق القاتل وأصدر قاضي التحقيق مذكرة توقيف بحقه وضبط أداة الجريمة وتسليم جثة المغدورة إلى ذويها أصولاً.ـ 16 ـ وفي الأردن نقلت الصحافة تحقيقا عن جريمة عنوانها الشرف أيضا :
تزوج الشاب جلال من الفتاة افتخار عام 1987 وأمضى معها 12 عاما وأنجب منها عدة أطفال، ولسبب ما ، وربما كان اعتراف الزوجة، اكتشف عدم عذريتها ليلة الزفاف فقرر الصبر والتحمل، لكن الخلافات استمرت، طيلة الأعوام السابقة وفي عام 2000 طلق جلال افتخار التي كانت حضرت مع أهلها من الضفة الغربية إلى الأردن، وعندما علم الأهل بطلاق ابنتهم وبالسبب الذي كان وراء طلاقها قرروا الحضور إلى الأردن لقتلها انتقاما منها لأنها أساءت إلى شرف العائلة، فحضر والدها وأعمامها، وتوجهوا إلى منزلها وتظاهروا أمام زوجها وأهله أنهم يريدون أن يصطحبوها معهم إلى الضفة الغربية، إلا أنهم سلكوا بالسيارة طريقا يؤدي إلى أحراش في شمال الأردن وأقدم ثلاثتهم على طعنها بالسلاح الأبيض في مناطق قاتلة من جسمها وأردوها قتيلة ثم القوا بالجثة تحت الأشجار، وغادروا بنفس اليوم إلى الضفة الغربية وكان ذلك في عام 200 أحد أيام الصيف

وفي عام 2006 أي بعد 6 سنوات من الجريمة اتصل أحدهم بالشرطة وأبلغ عن اختفاء المغدورة ،وقد أعيد فتح ملف القضية من جديد وأرسلت الشرطة إلي الضفة الغربية طلبا لإحضار ولديها وبعد وصولهما تم إجراء فحص D N A وبمقارنتها مع دم الأم أكد الفحص الجيني الوراثي أنها أمهما.
قررت هيئة المحكمة أن نية الأب وشقيقيه بقتلها كانت مبيتة ومصمما عليها ولم تكن نية وليدة لحظتها، لذا قررت تجريمهم بجناية القتل العمد بالاشتراك والحكم عليهم بالإعدام شنقا حتى الموت ـ 17ـ

ليست هذه الحادثة فريدة أو وحيدة و لقد تم في شهر أيلول 2005 قتل الفتاة السورية هدى العسلي لزواجها من شاب لا ينتمي لنفس الطائفة.

إن مثل تلك الجرائم لا تجد الرادع الاجتماعي ولا القانوني، و بالرغم من أن الزواج تم بصورة شرعية و قانونية فإن الضحية عادة ما تكون الفتاة ، وأمثال تلك الأفعال تنطلق من عادات جاهلية و عصبيات قبلية ودينية مازالت تطبعها اجتماعيا ثقافة هجينة تمزج النص الموروث بالفهم المحدود بالعرف السائد تسيطر على شرائح واسعة من المجتمعات العربية ، ولن يتم الحد منها إلا بالمعالجة المعرفية ذات الأفاق المستنيرة والإصلاح القانوني والفقهي ،من خلال حذف اعتبار الظرف المخفف الذي يصل في بعض الأحيان إلى تسليط عقوبة الجنح على الجرائم الكبرى المتمثلة بالقتل العمد عن سابق الإصرار و الترصد .

ويقع على عاتق الإعلام المرئي و المكتوب مهمة معالجة الرواسب الجاهلية في المجتمعات العربية و يقع على عاتق السلطة القضائية الوقوف أمام تلك الجرائم باعتبارها جرائم خطيرة وليس جنح ترتكب تحت ذريعة الشرف و الهيجان الغاضب .

إن الثقافة السائدة والمتراكمة بالتوارث والخبرات العملية والأعراف الاجتماعية تشكل دافعا رئيسا للاستخفاف بحياة النساء واعتبار قتلهن لأ سباب قبلية أو دينية متشددة وجاهلة بمقاصد التشريع وروح النص الأصلي فعلا حميدا، تحتاج لتصحيح و تغيير من قبل النخبة من علماء الشريعة و القانون و منظمات المجتمع المدني
هذه الأمثلة تدل ببساطة على ضرورة الانعتاق من ثقافة سائدة ومسيطرة على مجتمعنا لا تقر بالشفافية ولا تعترف بالإنسان كقيمة فوق الأيديولوجيات والأصوليات .
لما سئل الرسول الكريم عن أحسن الناس قدم أكثر من إجابة ثم لخص الجواب بأهمية المنشأ والتربية والتعليم والفقه ، وبذلك وضع الإسلام قاعدة أصيلة مفادها أن الخيرية بالعمل النافع والصالح والخلق الحسن والعلم ، وليس بالمظاهر
عن َأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ قَالَ أَكْرَمُهُمْ أَتْقَاهُمْ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ قَالُوا لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا ـ 18 ـ فالقصة ليست مجر مظاهر خارجية ، فطهارة القلوب والتمسك بسلوك الرسول مع النساء أولى بالاتباع من فهم ظاهري لمرويات وآثار قد تكون مرتبطة بظرف ما أو إشكال بعينه.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) سورة الحجرات الآية 13 تلك الآية قاعدة أولية وقيمة على ينبغي العمل بمعانيها الجلية عند فهم أو تفسير أدلة تحط من قدر المرأة أو تهين مكانتها بصفتها الأنثوية وجنسها ، وهذا جهل سائد بين كثير من أفراد مجتمعات متزمتة بحجة تمسكها بالتعاليم الدينية
وللإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في هذا المعنى وهو مشهور من شعره :
الناس من جهة التمثيل أكفاء أبوهم آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشاكلة
وأعظم خلقت فيهم وأعضاء فإن يكن لهم من أصلهم حسب
يفاخرون به فالطين والماء ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم
على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه
وللرجال على الأفعال سيماء وضد كل امرئ ما كان يجهله
والجاهلون لأهل العلم أعداء ـ 19 ـ
ولكي ندرك أهمية اتباع السلوك النبوي تجاه النساء والمرأة عموما نسوق بعض تفاصيل حادثة الإفك وكيف كان موقف النبي ، في حين ما نشهده في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية حيث يبادر أهل المرأة للعنق والقتل والجريم بداعي التمسك بالدين وهو في الحقيقة خلاف جلي ومعارضة صادمة للتربية النبوية (وتظهر رحمته صلى الله عليه وسلم عندما رُمِيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في عِرْضها، وتكلم الناس فيها شهرًا، وكان عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين هو من يُروِّج لذلك، فيبْلُغ الكلامُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، يبلغه ذلك في حق زوجه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، فما يتكلم صلى الله عليه وسلم بشيء في حقِّها، وما رماها صلى الله عليه وسلم بشيء مما يتكلم به الناس، إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتأذى من ذلك، ويُرى ذلك في وجهه صلى الله عليه وسلم، وما قال لها إلا كلمات يسيرة، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عائِشةُ، إِنّهُ بلغنِي عنْكِ كذا وكذا، فإِنْ كُنْتِ برِيئةً، فسيُبرِّئُكِ اللَّهُ، وإِنْ كُنْتِ ألْممْتِ بِذنْبٍ فاسْتغْفِرِي اللّه وتُوبِي إِليْهِ، فإِنَّ الْعبْد إِذا اعْترف ثُمَّ تابَ تابَ اللَّهُ عليْهِ» ولما نزلت براءتها من عند الله عز وجل، قال لها صلى الله عليه وسلم: «أبْشِرِي يا عائِشةُ، أمَّا اللَّهُ فقدْ برَّأَكِ» وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الآيات من سورة النور في براءة أمنا عائشة رضي الله عنها: ﴿إِنَّ الَّذِين جاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبةٌ مِّنكُمْ لا تحْسبُوهُ شرًا لّكُم بلْ هُو خيْرٌ لّكُمْ ﴾ [سورة النور : الآية 11] إلى آخر الآيات. قالت أم عائشة: يا عائشة، قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحمديه. فقالت عائشة رضي الله عنها: والله لا أحمده، إنما أحمد الله الذي أنزل براءتي.

يقول ابن القيم رضي الله عنه ورحمه وغفر له: وكان هذا من أحب ما يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ إنها وَحَّدت الله ونسبت النعمة إليه تبارك وتعالى، ولم تنسبها إلى أحد من البشر. ـ 20 ـ
لنلاحظ الفرق الرهيب في موقف الرسول وهو ما هو من مكانته السياسية والاجتماعية والدينية ومكانته الرفيعة العالية ، وما كان منه إلا الصبر والانتظار ، ولم يمارس العنف تجاه زوجته التي افتري عليها بالشك ؛ بل وقبل منها ما يمكن للبعض عده خروجا عن الدين ـ والصواب هو ما شرحه ابن القيم ـ في حين نجد أن مجرد الشبهة كافية للعنف وقتل النساء في مجتمعات حديثة ومعاصرة.
تعريف الظاهرة الاجتماعية :
عندما يتحول فعل ما أو مشهد بذاته أو حادثة بعينها إلى سلوك اجتماعي ، تمارسه فئة ما أو فئات من المجتمع ويلقى قبول جزئيا أو كليا ، وتعوم آثاره ـ سلبية كانت أم إيجابية ـ من قبل الرأي العام ؛يتحول ذلك المشهد أو السلوك إلى بيئة فكرية منتشرة وسائد ، نصبح أمام ظاهرة اجتماعية تتحرك وتنتشر بتلقائية ، وتفعل فعلها بصورة ميكانيكية ، فتبدو كردود أفعال مباشرة ، يتواطأ على ارتكابها أفراد أو مجموعات ، دون وجود حاجة للتنظيم أو التخطيط لسلوك أو فعل أو ممارسة ، فهي تتحرك كما وأنها مشحونة بطاقة داخلية شبه خفيه ، تفرض وجودها وظهورها بعفوية ، كما لو كان الأمر مدروسا وخططا له ، تأخذ أحيانا مسارات شعبوية ، وتسير أحيانا أخرى كسياق مؤسساتي ، خاصة عندما تتجذر في المجتمع معتمدة على منظومة فكرية ونصية سائدة وشائعة . ما يلزمها البحث الإجرائي والتحليل ومعرفة الأسباب والدوافع والآثار ، من أجل استنباط الحلول ، فيلجأ المجتمع بمؤسساته المدنية والرسمية لمحاصرة الظاهرات السلبية وتشجيع وتمكين الظاهرات الايجابية .
(صنف دور كايم الظاهرة الاجتماعية على أنها ضرب من السلوك ثابتا كان أو غير ثابت. ويمكن أن يباشر نوعا من الضغط الخارجي على الأفراد، كما يعتبر كل سلوك يعم في المجتمع بعمومه.) تتميز الظاهر الاجتماعية بطابعها الإنساني، ما يعني تميزها عما سواها ما الظواهر الطبيعية ،
الظاهرة الاجتماعية رغم انتظامها تتحلى بالمرونة الكافية لاستمرارها وتطورها في كافة الاتجاهات ، على صعيد الوعي الفردي والحدس الجمعي ، ويتكرر تظاهرها ببعض العلامات الثابتة وأخرى متغيرة ، ما يعطيها قدرة هائلة على التأثير والاستمرار ، ومن الملاحظ أن مستوى هيمنة القيم الخيّرة ـ على الأفراد والمجتمعات يحد من انتشار وتفاقم الظاهرة السلبية التي تصبح مدمرة أو مأساوية ـ كانتشار الخرافة والجهل والأمية ـ كما يؤدي تجذر تلك القيم السيئة ـ الشريرة ـ كظاهرة انتشار تعاطي المخدرات ، أو انحطاط قيمة الإنسان ما لم تكن مقترنة بانتماء أيديولوجي أو إثني أوديني ـ إلى قبول شبه كلي أو عمومي من قبل مجتمعات بعينها ، ولابد من الإشارة إلى كون الظاهرة لا تنطبق فقط على تلك المرتبطة بفعل أو عمل أو ممارسة ، بل هناك ما هو كامن في العقل الباطن الجمعي ، الحدس المشترك أو الجمعي ـ الذي يفرض وجوده كمحرض أساسي ودافع رئيس للظاهرة .


الهوامش والمراجع :

1 ـ المدخل لدراسة التشريع الإسلامي الجزء الأول الصفحة 106 الدكتور عبد الرحمن الصابوني
2 ـ المصدر السابق ص 107
3 ـ قضية المرأة في فكر النهضة: فرج بن رمضان صفحة 62
4 ـ مجمع الملك فهد لطباعة القرآن الكريم أسباب نزول الآية 34 من سورة النساء
الإصابة المجلد الرابع صفحة 144 في تميز الصحابة
كتاب: تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري
تأليف / جمال الدين عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي
لسان العرب باب فرش
المعجم الوسيط باب الفاء
فتح القدير للشوكاني : المجلد الرابع صفحة 462 أخرجه عيد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن
5 ـ سنن ابن ماجة كتاب النكاح باب ضرب النساء رقم 1985 وروي عند غيرة أيضا
6 ـ : صحيح مسلم تفسير القرطبي سورة التحريم
7 ـ تفسير ابن كثير سورة التحريم ، رواه الإمام أحمد
8 ـ سنن ابن ماجة كتاب النكاح باب ضرب النساء رقم1976 موسوعة الحديث وضعفه الشيخ الألباني
9 ـ رواه البخاري ومسلم وكسرها طلاقها زيادة في رواية أخرى
10 ـ فتح القدير للشوكاني المجلد الرابع صفحة217 ـ 222ـ
11ـ يعرف هشام شرابي التمويه في كتابة مقدمات لدراسة المجتمع العربي :حجب حقيقة ما أو واقع ما بمختلف الطرق والوسائل ... وبواسطة التمويه تتمكن الثقافة الاجتماعية المهيمنة من أن تفرض نظرتها وقيمها وأهدافها. ولا يقتصر التمويه على الحقول الأيديولوجية والسياسية والدينية والأخلاقية فحسب، بل يتعداها إلى الحقول العلمية والفلسفية. صفحة69
12 ـ تقرير التنمية الإنسانية العربية 2004
13 ـ الراويات متفق عليها رواها البخاري ومسلم والأخيرة رواها احمد و النسائي, أحاديث شرحها الشوكاني في الجزء السابع من نيل الأوطار باب من اطلع من بيت قوم مغلق عليهم بغير إذنهم
14 ـ رسالة التقريب السيد محمد باقر الحكيم: الفصل الأول في مبررات الخلافة والحكمة من استخلاف آدم
15 ـ العربية نت ثالث قضية تفريق بين زوجين لعدم تكافؤ النسب خلال أسبوع 2-7-007
16 ـ موقع - سيريانيوز006-10-02 ،
17 ـ العربية نت 20-2-2007 وفقا لما ورد في صحيفة "القدس العربي".
18 ـ رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ، زمثله أيضا في صحيح البخاري
19 ـ تفسير القرطبي ، من تفسير الآية 13 من سورة الحجرات الصفحة 517 نسخة إلكترونية
20 ـ دراسة بعنوان : العنف عوامله وأسبابه وموقف الإسلام منه، الشيخ الدكتور/ سلطان بن عبدالرحمن العيد. مع تخريج الأحاديث والأدلة والمراجع





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,121,599
- مقالات التنوير (1)علاقة ثقافة العنف وجرائم الشرف بمفاهيم الن ...
- أصنام متكاثرة تناحر سبطا حرا خيّرا
- عالم مجهول يتلقف خطيئة محكمة
- عقول مستنيرة تضيء عتمة عريقة
- إلهام غامض ثائر
- توق يتوالد وسط غوغاء
- أضواء مزيفة تجمّل أوهاما قبيحة
- نقد حدود العقل *
- أنفاس المعاني دخان يهدئ ضوضاء المقال
- قطيع حائر بين الوهم والحقيقة
- كل الأسماء أشياء تنتهي كما هي موجودة
- رقي صوب العلا يناجي الخلود
- إشكالية العقل والنص تفكيك التناقض .*
- تحليل الموروث كنتيجة موضوعية لذات النص
- النص ذاتا وموضوعا وهوية
- المعالجة الواعية للتطرف النصوص التاريخية غير قابلة للحذف !
- الكهف الأفلاطوني الحديث والمعاصر *
- مقاربة حداثية للتراث *
- ما هو النص ؟ معنى الإشكالية بين المحكم والمتشابه
- الحضور الأنطولوجي للعلم إشكالية المشروع الإسلامي


المزيد.....




- مظاهرات لبنان: هل بدأ نظام المحاصصة الطائفية يتصدع؟
- اجتماع -الأمازون- بالفاتيكان.. هل حان زمن القساوسة المتزوجين ...
- كتاب: الفاتيكان على حافة الإفلاس... والأخير ينفي
- الفاتيكان يقترب من -حافة الإفلاس-
- الجالية اليهودية المفقودة في السودان
- تواصل المنتدى المسيحي الدولي بموسكو
- رئيس الوزراء الفلسطيني: ممارسات إسرائيل بحق المسجد الأقصى ته ...
- ريبورتاج: طلاب الجامعات يشاركون في الإضراب العام بلبنان ويطا ...
- احتجاجات في بنغلادش بسبب منشور "مُسيء للنبي محمد" ...
- احتجاجات في بنغلادش بسبب منشور "مُسيء للنبي محمد" ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - احسان طالب - مقالات التنوير 2 التمويه والتطبيع الاجتماعي في الثقافة المؤسسة للعنف ضد المرأة