أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد عصيد - تدريس العلوم ليس موضوعا هوياتيا أو إيديولوجيا















المزيد.....

تدريس العلوم ليس موضوعا هوياتيا أو إيديولوجيا


أحمد عصيد

الحوار المتمدن-العدد: 6189 - 2019 / 4 / 2 - 19:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مرة أخرى يتم تأجيل المصادقة على القانون الإطار الخاص بالتعليم في البرلمان المغربي، بسبب تعنت التيار التقليدي المحافظ إزاء موضوع لغة تدريس المواد العلمية، وهذا يجعلنا نعود إلى هذا الموضوع لبيان بعض الأمور التي تخفى على كثير من الناس.
يعتقد الكثيرون بأن تدريس العلوم بلغة ما إنما يتعلق بقرار سياسي يفرض تلك اللغة لتصبح "لغة علم"، والحال أن الأمر أعقد من ذلك بكثير. فقد تبنت الكثير من الدول المتخلفة هذا الإجراء دون أن تكون له أية مردودية فعلية.
إنّ "لغة العلم" لا تتواجد خارج عملية إنتاج المعرفة العلمية، بل إن هذه العملية لا تتم إلا بتلك اللغة، فهي ليست فقط لغة تدريس العلوم بوصفها معارف جاهزة، بل هي أيضا لغة تنبني من خلالها المعرفة العلمية، حيث لا يتوقف دورها على وصف الظاهرة أو فهمها بل تدخل في بناء تلك المعارف أيضا بناء عقليا. وهذا معناه أن من لا ينتج معارف علمية وطنيا لا يمكن له أن يجعل من لغته الوطنية لغة تدريس العلوم. وهذا هو الجواب على من يقدم إسرائيل نموذجا للدولة التي تستعمل العبرية في تدريس العلوم، فإسرائيل تخصص للبحث العلمي ميزانية ضخمة قدرها 4,7 في المائة، في مقابل 0,01 في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، فعلى من يريد للغة العربية مثلا أن تمارس بنجاح تدريس العلوم أن يوفر هذه القاعدة الصلبة التي لا تتواجد في أي بلد من البلدان المذكورة. وفي غياب أسس وطنية للبحث العلمي، مع شيوع الخرافة والدجل في المجتمع والنزعات اللاعقلانية المضادة للعلم، سيكون من الصعب اللحاق بالركب وجعل اللغات الوطنية لغات لتدريس العلوم الدقيقة.
يفسر هذا لماذا لا يفهم بعض المغاربة الأسباب التي تؤدي إلى ضعف مردودية التكوين باللغة العربية في العلوم، كما يفسر سبب العجز عن تدريس العلوم بهذه اللغة في التعليم العالي. إن الأمر لا علاقة له بنية مبيتة أو بمؤامرة تحول دون تعريب العلوم في الجامعة، بل السبب الرئيسي هو أن مستوى تدريس العلوم في التعليم العالي يحتاج إلى لغة لصيقة بتطور المعارف العلمية يوميا، أي أن تكون لغة تنتج بها المعارف وتتحقق بها الاكتشافات وتصاغ بها النظريات العلمية، ويعلم الجميع أن اللغة العربية لا تمارس هذه الوظائف اليوم، وأنها قد انقطعت عن ممارستها منذ زمن غير يسير، أي منذ ما لا يقل عن ثمانية قرون.
إن الذين يعتقدون أن أية لغة يمكن أن تدرس العلوم بنجاح دون أن تكون لغة تفكير في العلم، ولغة إنتاج للمعارف العلمية هم مخطئون، لأن العلاقة الجدلية بين اللغة والفكر تثبت أن اللغة ليست مجرد وعاء يحمل بعض الأفكار التي يتم تلقينها، بل إن العمليات الفكرية لا تتشكل إلا في لغة، ولغة العلم هي التي ينبني فيها الفكر العلمي ويتكون من خلالها، بينما عندما يسمي الناس لغة ما لغة الدين أو "لغة القرآن" فهم بذلك قد حدّدوا بوضوح وظيفتها وربطوها بمجال اشتغالها الذي سيصعب عليها تجاوزه إذا لم يقم الفكر بالخطوة الحاسمة. وهذا معناه أن اللغة العربية لن تكون أبدا لغة علم أو تدريس للعلوم بنجاح إن لم يكن لدى مستعمليها فكر علمي وإنتاج علمي محلي للمعارف بتلك اللغة.
يفسر هذا لماذا لا تتعدى وظائف اللغة العربية الآداب والمعارف الدينية والصحافة والإعلام مع بعض الوظائف الإدارية البسيطة، فالعقل الذي لا يمارس التفكير إلا في مجالات محدودة لا يمكنه أن يسمح للغة التي يستعملها بممارسة وظائف أخرى تتجاوز المهارات التي اعتاد عليها الفكر، والدليل على ذلك التحريف الخطير الذي يقوم به بعض الأساتذة المنخرطون في إيديولوجيا "الإسلام السياسي"، والذين يدرّسون العلوم الطبيعية والفيزياء أو الرياضيات في الإعدادي والثانوي، حيث يتخلون عن دورهم الحقيقي فيخاطبون التلاميذ بلغة الفقهاء والدعاة، ويحوّرون الدروس من النظريات العلمية إلى تخاريف ما يُسمى بـ"الإعجاز العلمي في القرآن"، مع العلم أن النظريات المذكورة ـ والتي أنتجها علماء حقيقيون داخل مختبرات البحث العلمي الدقيق ـ لا علاقة لها مطلقا بالتأويلات الدينية المتعسفة التي تُعطاها باسم "الإعجاز"، فكيف يمكن لفكر من هذا النوع أن يبدع نظريات علمية أو ينتج معارف في مجالات العلوم المتخصصة، وكيف يمكن للغة التي يستعملها هؤلاء أن تصبح "لغة علم" وهم يمارسون بها وظائف تتعارض مع العلم؟
إن تخلف مجتمعات شمال إفريقيا والشرق الأوسط سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وفكريا قد أدى إلى جعل اللغة المعتمدة فيها عاجزة عن مواكبة الانفجار العلمي الهائل الحادث في العالم المتقدم، والذي أصبح يقاس بالثواني لا بالسنوات والقرون كما كان عليه الأمر فيما قبل، فجميع الذين فازوا من أبناء هذه البلدان مثلا بجوائز في العلوم أو تفوقوا في مجالات علمية متخصصة ودقيقة كالفيزياء النووية أو غيرها إنما اشتغلوا بالانجليزية في الغالب الأعم، أو باللغات الأجنبية الأخرى كالألمانية والفرنسية، وغالبا ما يجدون صعوبة في شرح نتائج عملهم باللغة العربية.
يعني هذا أننا أمام أحد اختيارين، إما أن نعمل على نشر المعرفة العلمية والتربية عليها وتغيير بنيات التفكير في مجتمعنا، وبهذا تتحول اللغات الوطنية عبر الممارسة العلمية اليومية والتفكير العلمي إلى لغات علوم، وإما الحفاظ على بنيات التخلف في التفكير والسلوك، ونشر النزعة المحافظة المعادية للعلم، والاكتفاء عندئذ بتدريس العلوم باللغات الأجنبية التي تنتج بها المعارف العلمية في البلدان المتفوقة، والقيام بتحديد وظائف لغاتنا في المجالات التي يمكن أن تمارس فيها أدوارا مفيدة كالتواصل وتلقين المعارف الأدبية والتاريخية والدينية وغيرها من علوم الإنسان، وفي حالة إصرارنا على تكريس فكر محافظ له أولويات أخرى غير علوم العصر، فلا ينبغي أن ننتظر لا من العربية ولا من غيرها أن تكون "لغة علم".
إن الهدف الحقيقي وراء تشبث التيار الإسلامي المحافظ بتعريب العلوم ليس الرقي بالتعليم العلمي والتقني، لأن ذلك لا يمكن أن يكون متاحا باللغة العربية في السياق الراهن، بل الهدف هو استمرار مسلسل التعريب الذي يخدم أسلمة المجتمع على الطريقة المتشدّدة، ونشر الوعي المحافظ الذي يتغذى عليه هذا التيار انتخابيا واجتماعيا. أما من يريد معرفة حقيقة موقف هؤلاء فعليه أن ينظر فيما يختارونه لأبنائهم، وما هو التعليم الذي يوفرونه لهم وبأية لغات ؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,771,694
- لماذا يلجأ الإسلاميون إلى الإشاعة الكاذبة ؟
- بيان من أجل الشفافية
- رسالة مفتوحة إلى السيد وزير التربية الوطنية
- أيها المغاربة، احموا أعيادكم وأفراحكم من ثقافة الموت والكراه ...
- باختصار شديد: سيستمر الإرهاب ما دامت أسبابه قائمة
- الحريات العامة بين الدستور والقوانين والممارسة السلطوية
- الفنان إحيا بوقدير: سحر الصوت والكلمة والإيقاع
- -الجهاد الكروي-
- منع ندوة الحريات الفردية لا ينهي النقاش في المجتمع
- كنز -بولمان- وأسطورة -المنقذ-
- العقلية الإجرامية في رمضان
- عندما يكون الإنسان هو الرأسمال الأول
- تكريم المرأة على الطريقة الإخوانية (3)
- -تكريم المرأة- على الطريقة الإخوانية (2)
- -تكريم المرأة- على الطريقة الإخوانية (1)
- صفعة تونسية للمغرب
- أسئلة إلى -أهل الاختصاص-
- نعم -صحيح البخاري- ليس صحيحا
- النقاش في الإرث ليس إرادويا
- عندما يتهم الفقهاء غيرهم ب-الجهل-


المزيد.....




- السعودية.. أمر ملكي بإعفاء إبراهيم العساف من منصبه كوزير للخ ...
- يخلف العساف بعد أقل من عام على تعيينه.. 8 نقاط بسيرة الأمير ...
- أول تصريح لوزير خارجية السعودية الجديد الأمير فيصل بن فرحان. ...
- تصريح -عالي السقف- للمطران اللبناني الياس عودة يثير تفاعلا
- لماذا تنقل اسبانيا رفاة الديكتاتور فرانكو؟
- بعد التحذير الإثيوبي.. هل تستخدم مصر القوة للدفاع عن -شريان ...
- -خناقة تغريدات-... إعلامية لبنانية تنتقد ساويرس والملياردير ...
- البنك الدولي: روسيا تتقدم إلى المركز 28 في ممارسة الأعمال
- تركي آل الشيخ يعلق على إصابة لاعب الأهلي المصري بالرباط الصل ...
- ثغرة خطيرة تحول المساعدات الذكية المنزلية إلى جواسيس!


المزيد.....

- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد عصيد - تدريس العلوم ليس موضوعا هوياتيا أو إيديولوجيا