أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - لحسن ايت الفقيه - جمعية «الأثر» وإشكال النهوض بالتراث المادي واللامادي لتافيلالت بالجنوب الشرقي المغربي















المزيد.....



جمعية «الأثر» وإشكال النهوض بالتراث المادي واللامادي لتافيلالت بالجنوب الشرقي المغربي


لحسن ايت الفقيه
(Ait -elfakih Lahcen )


الحوار المتمدن-العدد: 6178 - 2019 / 3 / 20 - 13:31
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تتميز منطقة تافيلالت بالجنوب الشرقي المغربي بسيادة الثقافة الجمعية التي أنشأها انتظام الحياة الجماعية في وحدات سوسيوثقافية متجانسة تسمى «القصر». والقصر سكن متراص بفضاء مسور، تتخلله أبراج، يعد بمثابة وعاء صغير للتكافل والتضامن والتربية على القيم. إنه وعاء للذاكرة الجماعية. وأم تافيلالت، أي الجرة بالأمازيغية، فهي وعاء ضخم يحوي مجموعة من القصور منشأة على امتداد واسع، وعاء للذاكرة الجمعية، ومحمية للقيم. ونحب أن نكشف في هذا التقرير، إن هو إلا نقل لأشغال ندوة حول التراث الثقافي، مجموعة من العناصر الثقافية التي حافظ عليها الدهر فأضحت موروثا يستدعي الكثير من العناية والتدبير.
أقدمت جمعية «الأثر» التي أحدثت لتسع رغبات الأطر الذين خرجتهم الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية، مساء يوم السبت 16 من شهر مارس من العام 2019 على تنظيم ندوة بتنسيق مع «اتحاد كتاب المغرب» فرع الرشيدية صحبة منظمة الكشاف المغربي، على تنظيم ندوة حول التراث الثقافي، أريد من سمتها أن تكون «الترافع عن التراث الثقافي بمنطقة تافيلالت بين سلطة الواقع ورهانات المستقبل». والندوة إن «هي إلا ثمرة لتفكير عميق في إشكالية التراث بمنطقة تافيلالت»، أضحت تجري أن جميعنا يدري أن «المنطقة تحمل تراثا غنيا»، يقول مسير الندوة، و«نحن على أعتاب الاحتفال بذكرى مرور 13 قرنا على تأسيس مدينة سجلماسة، منطلق الحضارة المغربية، ومنطلق الثقافات، ومنطلق جميع الإثنيات، وجميع الديانات التي تلتقي في هذه المنطقة»، ويضيف مسير الندوة «إن التفكير في شأن الترافع بمنطقة تافيلالت ليعد همزة وصل تجمع هذه التنظيمات سلطة الواقع المليئة بالمتناقضات، وبالإشكالات، والرهانات، كنحو الرهان حول المثقف الذي يناضل ابتغاء النهوض بهذا الإرث الثقافي المهم. وجمعية الأثر، بما هي تشمل أطرا شابة، وبما هي منخرطة في الإستراتيجية المندمجة للنهوض بالشباب الذي أعلنت عنه مجموعة من المواثيق الدولية»، والقوانين الوطنية، وجدت نفسها في «إطار تحرير مذكرة ترافعية يومه، مذكرة للنهوض بكل التراث بهذه المنطقة».
وبعد هذا الوطاء الذي فرشه المسير، أعطيت الكلمة لممثل منظمة الكشاف المغربي، الأستاذ حميد كريمي. أشار، بعد أن شكر جمعية الأثر على تنظيم اندوة المذكورة، وشكر الأساتذة المؤطرين: الأستاذ سعيد كريمي، والأستاذ عبد الصادق سالم، ولحسن ايت الفقيه، إلى أن «الموروث الثقافي بجهة درعة تافيلالت بصفة عامة ومنطقة تافيلالت بصفة خاصة»، تطبعه «مجموعة من المظاهر، أهمها ما عرفته المنطقة من وجود خارجي وشيعي قبل اكتساحها من لدن التيار السني الوسطي، فضلا عن عظمة التراث الأدبي واللغوي حيث ازدهار التعدد اللغوي في هذه المنطقة بوجود لغتين العربية والأمازيغية وازدهار مجموعة من العلوم بالمنطقة: العلوم الأدبية والشرعية والعلوم اللغوية غلى الجانب المعماري الذي يكسب خصوصية مجسدة في الزوايا والقصبات والقصور، وتميزت المنطقة بفنون متنوعة كنحو الملحون وأشكال الرقص العربية والأمازيغية. ومن هذا المنبر نطالب الجهات المعنية ولوزارة الوصية عى القطاع بوجوب جعل التراث في لب التنمية من أجل حمايته». وفوق ذلك «فالمنطقة تتوافر على الأمثال الأمازيغية المحلية التي تتناول موضوع المقاومة، والحياة الاجتماعية وأمثال أخرى ذات طابع عنصري، في زمان ماضٍ، تمس المرأة. إن هذه المنطقة ملتقى الحضارات والثقافات، وثقافات أقوام عديدة، عربية وأمازيغية وأفريقية وأندلسية، ويهودية. وقد تمخض عن ذلك التعدد اللغوي والثقافي فسيفساء إثنية واجتماعية انصهرت في أنساق ثقافية. إن منظومة القيم في المنطقة - منظومة- واحدة تتجلى في القيم الأخلاقية، من ذلك الصدق، والتكافل الاجتماعي والتضامن، والبساطة وما إلى ذلك من القيم. وتتميز منطقة تافيلالت بالقصور بما هي مكون ثقافي أساسي ووثيقة تاريخية، وجزء من الحضارة السجلماسية التي التقت فيهامكونات مختلفة، أمازيغ، وعرب، وأفارقة. وقذ ظهر القصر إثر انهيار سجلماسة التاريخية. إن أهم ما يميز القصور الأبراج والأبواب، ومن ذلك الباب الرئيسي، والمصرية، وغير ذلك، ونقدم أمثلة كقصر أولاد يوسف وقصر أبوعام بالريصاني، وقصر أولاد عبد الحليم وقص الفيضة. وللقصر باب واحد يغلق ليلا [اللي تعطل زمان في الدخول كيبقى في فم الباب ما عندو معاش إدخل]، ويتوافر القصر على أربعة أبراج تستعمل لحماية القصر. وإنه من الواجب الاهتمام بالموروث الثقافي، وندعو من هذا المنبر إلى إنشارء فرق بحث تهتم بالجانب العلمي، خاصة وأن هذه القصور غشيتها تحولات بفعل ما هو طبيعي كالفيضانات، فيضان 1965 الذي عرفه واد زيز، والذي انجرت عنه اندراس مجموعة من القصور، من الريش إلى تافيلالت، ونتج عن الجفاف الذي عرفته المنطقة في الأربعينيات وجفاف الثمانينيات هذا الأخير سبب الهجرة نحو المدن. وهناك عوامل بشرية تتجلى في الصراعات بين القصور. وأكتفي بهذا القدر».
وفضلا عن كلمة ممثل منظمة الكشاف المغربي، الأستاذ حميد كريمي انتظمت الندوة في ثلاث مداخلات. عرضت المداخلة الأولى لصاحبها لحسن يت الفقيه. انطلق تأسيس المداخلة من تحليل عناصر العنوان: «الترافع حول التراث الثقافي بمنطقة تافيلالت بين سلطة الواقع ورهانات المستقبل». فالترافع، أي: ترافع عن زيد دافع عنه بالحجة. فكيف ندافع عن التراث الثقافي؟ وبعبارة أخرى ما هي الحجج التي سنؤسس عليها الدفاع عن التراث الثقافي؟.
والتراث الثقافي منعاه ثاويا في المادة 02 من اتفاقية باريس، لعام 2003. تعريف التراث الثقافي وفق الفقرة (1) من المادة المذكورة: «يقصد بعبارة التراث الثقافي غير المادي، «الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات - وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات، وأماكن ثقافية- التي تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحيانا الأفراد، جزءا من تراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث، جيلا عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد، بصورة مستمرة بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها، وهو ينمي لديها الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها، ويعزز من ثم (ثمة) احترام التنوع الثقافي والقدرة الإبداعية البشرية. ولا يؤخذ في الحسبان لأغراض هذه الاتفاقية سوى التراث الثقافي غير المادي الذي يتفق مع الصكوك الدولية القائمة المتعلقة بحقوق الإنسان، ومع مقتضيات الاحترام المتبادل بين الجماعات والمجموعات والأفراد والتنمية المستدامة.
( الفقرة 02) وعلى ضوء التعريف الوارد في الفقرة (01) أعلاه يتجلى «التراث الثقافي غير المادي« بصفة خاصة في المجالات التالية:
(أ‌) التقاليد وأشكال التعبير الشفاهي، بما في ذلك اللغة كواسطة للتعبير عن التراث الثقافي غير المادي؛ ) ب ( فنون وتقاليد أداء العروض؛ ) جـ (الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات؛ ) د (المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون؛) هـ (المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية». و«ويقصد بعبارة «الصون» التدابير الرامية إلى ضمان استدامة التراث الثقافي غير المادي، بما في ذلك تحديد هذا التراث وتوثيقه وإجراء البحوث بشأنه وحمايته وتعزيزه وإبرازه ونقله، لا سيما عن طريق التعليم النظامي، وغير النظامي، وإحياء مختلف جوانب هذا التراث».
وتعني تافيلالت الجرة بالأمازيغية، وتفيد الوسعة والرحابة، فضلا عن كونها واسعا ممتدا جغرافيا من فج (أزاط حجيرت) إلى تومبوكتو، وإلى أعالي تودغى. إنها وعاء ثقافي متعدد. ويمكن اعتبار هذا الامتداد غنى ونقطة قوة تؤسس لاقتصاد التراث الثقافي بالجنوب الشرقي المهمش.
وأما سلطة الواقع، وإن كانت مليئة بالمتناقضات كما ورد لدى المسير، فهي عبارة عن مجموعة من الإكراهات سنقف عند بعضها فضلا عن رهانات المستقبل.
فالوقوف عند عبارة «الترافع عن التراث الثقافي بمنطقة تافيلالت بين سلطة الواقع ورهانات المستقبل» يوحي بوجوب التشخيص وإنشاء التوصيات لغاية «تحرير مذكرة ترافعية، مذكرة للنهوض بكل التراث بهذه المنطقة»، كما ورد في كلمة المسير. وعليه حسن التمرين على تطبيق التحليل الرباعي وذلك بالوقوف عند نقط القوة ونقط الضعف والفرص والتهديدات، وبعدها يصح استخراج التوصيات.
إن الحديث عن عناصر القوة في التراث الثقافي بمنطقة تافيلالت غير سليم بالمرة. إذ يمكن القول، إننا نتوافر على موارد ثقافية. فلا قوة لدينا ونحن نواجه تخلف التنمية في هذا الجانب. من منا ينكر أركان الحضارة التي تداعت وانهدت؟ أو ليست مؤسساتنا تدمر مواضع التاريخ كما حصل بتينجداد وتينغير؟ أو لا نطمس الرمز عن غفل وعن تغافل؟ إننا نتوافر على موارد وحدها ولا نتوافر على نقط القوة.
إن أول مورد يمكن استثماره الواحة في حد ذاتها، إن هي إلا إنشاء ثقافيا حسب تعريف اليونسكو. وحينما تغيب الثقافة تنتهي الواحة. وهل لازلنا نحافظ على الواحة بما هي نقطة قوة ثقافية؟ وهل لدينا الواحة من حيث مواصفاتها التقليدية؟ وهل الرغبة في الحفاظ على الواحة قائم؟ أسئلة يتوجب طرحها إن كنا نبتغي اعتماد الواحة موردا ثقافيا قويا.
وأما المورد الثاني الواجب الانتباه إليه، بقوة، فيكمن التراث المعماري التقليدي. وكلنا يتفق أنه متصل بشكل أو بآخر بالواحة، بما هي وليدة الثقافة. وهل بقي من البنايات ما يقضي الحفاظ عليه؟ وهل يمكن توجيه السياسة المحلية للاعتناء بهذا التراث؟ وهل المعمار حاضر لدينا في صورة الذاكرة؟ وهل للمعمار صلة بحقوق الإنسان؟
ويكمن المورد الثالث في الممارسة المتحفية ذات الصلة بالهوية الثقافية. فإذا صح تقدير هذه الممارسة عاليا، أن تكون ذات الصلة بالأفراد، أو بالاستثمار السياحي في أحسن الأحوال، فإن هذا الركن الحي المتمثل بمجال صيانة الهوية الثقافية، لم يجد بعد مكانه في السياسة العمومية المحلية.
ويخص المورد الرابع مجال الثقافة العالمة أن كانت مرسومة في مخطوطات ذات الصلة بالزوايا، أو بالأشخاص، أو مطبوعة في بحوث علمية. ولئن كانت هناك مجهودات محترمة وتراءى أن هذا المورد غني في حاجة إلى يعض العناية، لكنه ضعيف من حيث البنية التحتية. وكلنا يعلم أن المخطوط إن لم يجر تمحيصة بالصيانة والتحقيق، يعد تراثا شفاهيا محضا، أو تحفة متحفية. صحيح أن هناك مجهودات منبلجة في الدراسات واستثمار بعض المخطوطات، لكنها لم ترق إلى ممارسة الأرشفة والاعتناء بالمخطوطات.
مجال التقاليد الشفاهية مورد خامس ضمن موارد التراث الشقاهي لتافيلالت، بقطع النظر عن أصلها المرجعي، أن يكون ملة، أو نحلة. ذلك أن الجنوب الشرقي المغربي متصل في جميع الأحوال بشأن تدوين التراث الشفاهي بما هو تقاليد تتمثل في عادات اجتماعية، أن تكون طقوسا وشعائر وممارسات، من جهة، أو بما هي معرفة، أشعار وقصص وأمثال تتداول شفاهيا، ومخطوطات غير محققة وغير منشورة، مرتبط أشد الارتباط بإعمال حقوق الإنسان الثقافية. ويندرج التراث الشفاهي والعبارات ضمن التراث غير الملموس المحدد في المادة 2 من اتفاقية باريس لسنة 2003 (اليونسكو). كما سلفت إليه الإشارة.
ولقد طرحت الشفاهية إشكالا كبيرا في الجنوب الشرقي عامة، وفي حوض درعة بشكل خاص، في السنوات الأخيرة، حيث عرض التراث الشفاهي للتدوين في بعض المناطق ونودي للتدوين بأوساط أخرى بصوت مرتفع. فهي ليست شفاهية محضة «Une oralité pure» غير ذات اتصال بالكتابية، ولكنها شفاهية مزدوجة نشأت في أوساط قبلية لا تزال تعتمد الكتابية في تدوين عقودها والتزاماتها، ومنها التي ذهبت بعيدا في تدوين الفتاوى والأذكار والأمداح والأعراف، في الغالب، ونسخ المخطوطات، إلا أنها لا تدون الأشعار غير الدينية والأمثال ذات الصلة بالثقافة غير العالمة، ولا تعتني بتقاليدها الشفاهية، أوساط يميزها أيضا أنها تملك القدرة على مقاومة النص الكتابي بتكييفه ليتلاءم وما تقتضيه الهوية الثقافية لمجتمعات الجنوب الشرقي.
وبفعل تفوق بعض المناطق في التكييف، تكييف النصوص المكتوبة لتتجانس والأنساق الثقافية، استطاعت أن تحمي نطاقا واسعا من التعود، يحتضن بعض التقاليد الشفاهية التي تعود إلى الماضي التاريخي القديم. إن الحفاظ عن الهوية الثقافية وضمنها التعدد الثقافي الذي يتناسب والتعدد الإثني في الغالب، مطلب حقوقي يتصل بإعمال الحقوق الثقافية وصيانتها من الانتهاك. ولبلوغ هذا الشأو، والمتمثل في الاعتناء بالهويات الثقافية، لا بد من وسائل منها ما هو متاح، للآن، كالتدوين الكتابي ومنها ما يستدعي بعض الجهود كالتصوير الفوتوغرافي والتضمين في أفلام وثائقية وغير ذلك، دون إغفال أن مطلب إنجاز الحفريات في معظم المواقع، وتحقيق المخطوطات والتعريف بالأماكينية وتصحيح المسميات المشوهة منها، بات أيضا مطلبا حقوقيا قائما.
إن الحفاظ على الهويات الثقافية بما هو مطلب حقوقي قائم على سياقات متعددة منها ما يرتبط بالتاريخ الشفاهي المحلي للجنوب الشرقي، ومنها ما يتصل بالشفاهية ذاتها كمعرفة وكثقافة غير عالمة، وما يرتبط بالسياق الحقوقي الجهوي والوطني والدولي المرتبط بالتحولات، وما هو قائم على مجهود بعض المؤسسات كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
والمورد الخامس يتثمل في الرموز الثقافية التي يحملها المعمار شأنه شأن الزرابي والأواني الخزفية والأزياء وهي رموز نشأت تتدهور بفعل الإهمال. ولئن حصلت محاولات للتجديد، فهي تقليدية غير معقلنة.
نلفى المعين، أول هذه الرموز. إنه رمز امرأة. وكلما أشرنا إلى المرأة في الرموز القديمة، نستحضر الخصوبة، واستمرار الحياة وجمالها. والرمز هنا يخمل في كلتا الغايتين أبنة، مما يوحي بالربط القوي بين شيئين، أو أشياء متناقضة. وطلما يكم سر الأشياء في الجمع بين المتناثضات جمعا مخكما بعقدة الربط. وللقيد معنى في توجيه التوتر نحو غاية معينة. ذلك ما يمكن استخلاصه من الرمز الذي زين بعض المواقع المعمارية بأسرير، بجماعة فركلا العليا، بإقليم الرشيدية، ويزين المعين وشما مرسوما في وجوه نساء قلبيلة أيت إبراهيم بإملشيل.
والرمز الثاني يشير إلى الشمس، ويتراءى في الوشم في الوشم مختزلا، في ثلاث نقط، أو بمجموعة من النقط المصففة، في شكل عمودي في صفين، يتوسطهما خط. ولقد تعدل رمز الشمس في المعمار، فأصبح يرمز إلى النخلة التي تعبر عن الشموخ بأبراج تافيلالت. ولئن كانت الشمس قوة سيئة، فهي رمز الحياة. وكانت بعض العشائر تخضب أكفّ أبنائها الذكور برمز الشمس تعبيرا عن الحياة. والشمس معبود أمازيغي قديم.
والحمل رمز ثالث يزين معمار قرية أسرير. ولقد أشار البكري إلى عبادته قبل وصول الإسلام المغرب. إنه رمز القوة الطبيعية، ورمز الإله أمون الذي اتخذ له معبد بواحة سيوا المصرية. ولقد بات الحمل ذبحه طقسا أساسيا في ليلة الدخلة، لدى معظم العشائر الأمازيغية. وتراءى رمز الحمل في أبراج تينجداد التي تعرضت للكسح، كما سلفت ليه الإشارة.
وإلى جانب الرموز نجد الأزياء المحلية وكلها تحمل رمز جالوت، الذي يستخلص من الفوة، ثم اللون الأسود الصحراوي والبنفسجي اليهودي، رمز الخوف، والأحمر الناصع.
ورغم وفرة الموارد التراثية، فالبرامج المخصصة لتثمينها قليلة للغاية. ويمكن تسجيل تراجع خبرة الصناعة التقليدية، إذ تجدد موارد التراث، إثر استفحال الهجرة اليهودية طيلة عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مما أدى إلى تضرر المتحفية على وجه الخصوص. وتنفرد منطقة تينجداد باختزانها مواد نفيسة تغذي الممارسة المتحفية فضلا عن الخبرات الفائقة في هذا المجال.
إن تشخيص التراث يهدف إلى تحديد الخام المتوافر، وتنمية موارده، بدعم البنية التحتية الملائمة طمعا في الترويج والتسويق، وتلك مقدمة لا بد منها للولوج إلى اقتصاد التراث الثقافي بالجنوب الشرقي المغربي.
ومحصل القول، تتوافر تافيلالت على غنى ثقافي وتاريخ وحضارة، وتتوافر على رصيد ثقافي أمازيغي لغة وثقافة. وتحوز بعض الفرص لتعميق المكسب لانقطاع المجتمع المدني، الواع بواقع الحال، والمحس بالمآل، على الاشتغال، بشكل دؤوب، على التراث والهوية.
وأما نقط الضعف فتتجلى في كوننا نعمل جاهدين على توديع الواحة. نودع الواحة إذ نحملها ما لا طاقة لها به من حيث كثافة الإنتاج. إن ما تنتجه الواحة بالأمس من زيوت، وتمور، وحناء، وورد، يعد أضعافا مضاعفة مما أصبحت تنتجه اليوم، ومرد ذلك إلى النزوع إلى إنتاج السوق، فالوحة متجاوزة مجاليا. وأما معمار الواحة فمآله التدهور إن بالانجرافات والفيضانات أو بزحف المعمار الإسمنتي على المعمار التقليدي وعلى أشرطة الواحة ذاتها. إننا نصادف أطلال سجلماسة التي تحول بساطها إلى مطرح الأزبال، ونصادف نزول الجرافات على أبراج تينجداد وقصور تينغير. ولا تتوافر المنطقة على إمكانيات البحث، وحتى لو افتراضنا توافر البحوث الميدانية فإن استثمارها ضعيف للغاية.
لئن توافرت إرادة الاعتناء بالتراث المعماري، وبرزت رغبة الترميم فإن الأشغال تسند إلى مقاولات لا يعنيها ولا الثقافة لذلك حصلت خسائر فادحة بقصر أسرير بتينجداد سنة 2010، وطمست بعض أبواب القصور، وتلك واحدة من نقط ضعفنا، أن كنا جاهلين بمقومات تراثنا الثقافي بمنطقة تافيلالت.
ويمكن التسجيل أن هناك مبادرات إيجابية تروم تحسين وضع التراث الثقافي بجهة درعة تافيلالت، من ذلك الإقدام على جمع التراث الثقافي وبذل مجهودات في ترميم القصور والقصبات وتنشيط المهرجانات الثقافية، وسلف لمجلس جهة درعة تافيلالت أن مول عددا من المشاريع سنة 2018، تنصب حول الثقافى والتراث الثقافي. ونجح الفعل في ترميم بعض القصبات والقصور. لكن ما نقوم به من أفعال يتوجب الوقوف عنده بالسؤال: هل نشتغل وفق المادة2 من اتفاقية باريس حول التراث الثقافي؟ فإذا كان الجواب بالنفي، نقول: يتعذر علينا انتهاز الفرص المتوافر أمامنا.
ومن التهديدات الممكن ملامستها أن التقاليد الشفاهية وإن كانت متصلة بالهوية الثقافية، فهي تهاجم أحيانا الحداثة، وتؤسس لمرجعيات منغلقة متخلفة عن الركب، يعتنقها أناس ينكرون الإنسان أن كان كائنا ذا أبعاد كائنا ذا ماض يتذوق الجمال والفن. فإذا حصل تدوين هذه التقاليد حسن تذييلها بدراسات نقدية. وبعبارة أخرى، كثرت التقاليد الشفاهية التي تنتهك بعض الحقوق، كنحو حق المرأة في الإرث في كثير من الأوساط، وحقها في الاستفادة من أرض الجموع، وحقها، في بعض الأوساط، من الاستفادة من بعض المشروبات والمأكولات، وهو تقليد شفاهي في طريق الاختفاء. ومن جانب آخر، لا نصادف الدولة تتدخل في الفعل الثقافي، إن بالسلب أو الإيجاب، ولا تتوافر على إستراتيجية جهوية لممارسة الفعل الثقافي.
فما العمل أمام هذا الوضع؟
- أن نمارس فعل الإحياء، إحياء الخبرات الثقافية والمهارات، خاصة ونحن نواجه الفراغ الذي خلفه هجرة اليهود من الواحة.
- أن نراجع القيم المتصلة بتلك المهارات ونمحصها ونجدد الجاد منها، ونذيل ما يهدد الحداثة منها بالنقد والتحسيس.
- تشجيع الممارسة المتحفية بالمنطقة واستثمارها وتعزيزها.
- تعبئة مجموعة من الشركاء والماهنين ولو كانوا أولي الاتصال بمؤسسات الزواية والقبيلة. وحسبنا أن كثيرا من المكتبات تحتضنها الزوايا، وكثيرة هي الزوايا التي تعزز التعليم والعلم.
مداخلة الأستاذ عبد الصادق سالم:«... في البداية أتوجه بالشكر الجزيل للإخوة والأعزاء في جمعية الآفاق للثقافة والتراث، وفي منظمة الكشاف المغربي، وفي اتحاد كتاب المغرب الذين أتاحوا لنا هذه الفرصة، وهذا الفضاء الزماني والمكاني لكي نتواصل ونلتقي في موضوع أثير لدينا جميعا لأنه موضوع يمس الذات سواء كانت الذات الفردية أو الذات الجماعية. إن الحديث عن التراث معناه الحديث عن الأنا، معناه طرح مشكل الهوية، وطرح مشكل الوجود وجود الفرد ووجود الجماعة في امتداده سواء كان في امتداده نحو الماضي، لأن كلمة تراث تحيل دائما على الماضي، وما يورث كان ماضيا وتحيل كذلك على الحاضر وعلى المستقبل باعتبار أن هذا التراث نفسه، هو الذي يؤمل فيه أن يكون ركيزة لكل نهوض وركيزة لكل تقدم وركيزة لكل حركية يريد أن يعرفها هذا المجتمع وهذه الثقافة. إن الحديث عن التراث بتافيلالت، سنبنيه كما فعل الأخ والصديق العزيز السيد لحسن ايت الفقيه على التمييز المعروف بين التراث المادي والتراث اللامادي. وعلى سبيل المثال، هذا الملف المعتمد ملفا للندوة، فضلا عن الصور التي بسطها السيد لحسن ايت الفقيه في مداخلته يحوي صورا حول مجموعة من المآثر ومجموعة من المعالم، وهي ذات الطبيعة المادية، بوابات القصور، والآثار، والقصر في حد ذاته، والأبراج ...إلخ. إنها مظاهر للتراث المادي . والترافع من أجل التراث اللامادي يتطلب قانتين: الأولى الوعي بهذا التراث، أي: إدراك قيمة هذا التراث، والاعتزاز به، وهذا بعد سيكولوجي . وسنكون قد حسمنا مع ماضينا، هل يحوي ما هو مشرق ويبطنه؟ هل يبطن ما يمكن أن نعتز به ونحافظ عليه ونعض عليه بالنواجد، أم أنه يتطلب الهدم والتخلي عنه، ويتطلب تصفية الحساب معه؟. فاشرط الأول هو الوعي بأهمية التراث. وأما العنصر الثاني الذي يتطلبه الترافع عن التراث اللامادي وهو العنصر المادي، أي الأموال. أن يترمم ويجدد ونحافظ عليه، وخزنه في وضعيات ملائمة للتخليد. وحسبنا أن الآثار الفرعونية تخلد بمواد كيماوية، وإعداد شروط مادية لهذه الآثار ضمانا لخلودها.
التراث اللامادي يطور لدي رغبة لأقول فيه كلمة. إن الترافع حول هذا التراث يتطلب، فضلا عن الوعي بأهميته، فعلا آخر متميز، فعل العلم، معرفة هذا التراث، أي: الامتلاك العلمي لهذا التراث. ومن هنا وجب جمع هذا التراث وتحقيقه، وإنجاز مجموعة من العمليات أساسها المعرفة. فالعلاقة مع التراث من هذا المستوى علاقة معرفة. وسأتحدث عن هذا الشق بشكل عرضي، وقد سلفت الإشارة إليه من قبل.
وأريد جعل الشق الثاني موضوعا لمداخلتي. فالتراث اللامادي لا يحتاج، فقط، لأن نعرفه ونجمعه وندرسه، وإنما يتطلب إجراء آخر، ألا وهو فعل التربية. فالشؤال الذي يفرض نفسه: ماذا سنفعل بالتراث؟ وكما تعلمون جميعا أننا، في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أننا وثقنا مجموعة من المكونات التي تمثل بعض أوجه هذا التراث اللامادي، يشمل الأشعار والأمثال والحكم، والحكايات الشعبية بالأمازيغية وبالعربية. ولننتقل إلى المرحلة الثانية أن نخضع هذا التراث للاختبار والتحليل والتحقيق، هذا شيء أساسي ومهمة مطلوبة. ولكن ماذا بعد؟ في نظري ينبغي لهذا التراث، لأنه أصلا كذلك، كلمة التراث كلمة مخادعة تحيل على الموت. فمتى تتحدث عن الإرث؟ تتحدث عن الإرث حينما يموت كبير العائلة. فإن كنا، نحن الورثة، فإننا نأخذ حصيلة من أجدادنا، فهل تركوا لنا إرثا حيا متجددا قابلا للحضور في الزمان أم تركوا لنا أشياء جامدة ومعطيات: منزل قديم، قصور، أبواب، بقايا سجلماسة، بقايا قصور، يعجلنا نتذكر أجدادنا. هل انتهى الأمر أم أن الأمر يتعلق بشيء حي لا يزال يتفاعل فينا، لا يزال هو نفسه يمتلك القابلية للحياة والقابلية للتجدد. إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في كون العنصر الذي نتحدث عنه، التراث اللامادي هو أساس تراث حي متجدد لا يزال يسكننا، لا يسكن خرائبنا، يسكن عقولنا ويسكن وجداننا ويسكن عواطفنا ونحمله معنا، بما هو هوية. هذا هو الأساس الذي نبتغي أن نعالجه لصلته بالثقافة العالمة، والمخطوطات الي تركها العلماء، واجتهادات الفقهاء في سجلماسة وتافيلالت، هنا وهناك، وجهودهم في المنطق والبلاغة، وكلها جهود ذات قيمة. لكن دعونا أن نصاحب الإنسان في شموليته، أي مع العامة. نحن في تافيلالت التي لم نرث عنها، فقط، سجلماسة بآثارها، والقصور بأبوابها وأبراجها، وأسوارها، لقد ورثنا عنها أشياء أخرى ورثنا عنها قيما ومثلا عليا وثقافة حية، وذلك هو التراث الحي لتافيلالت. ذاك هو الجانب الذي أبتغي التركيز عليه، وأعتبر ضمان حياته، وقناة ضمان استمراريته ينبغي أن يمر عبر فعل التربية. ينبغي أن يربى ابن تافيلالت على ثقافة تافيلالت. ينبغي أن ينشّأ لأن التنشئة الاجتماعية أساس التربية. وبها تنقل الثقافة. فماذا تريد هذه التنشئة الاجتماعية أن تنقله إلينا في مجتمعنا الفيلالي؟ وحينما أقول مجتمعنا الفيلالي فلسنا سوى جزء من مكون أكبر، من عالم أكبر، الذي هو المغرب، والذي هو الثقافة العربية الإسلامية، بكل مكوناتها وتمظهراتها، الأمازيغية ويمكن الانفتاح على الثقافات الأخرى التركية والفارسية، وغيرها. نحن بصفتنا مسلمين، وبصفتنا مغاربة وبصفتنا سكانا ينتمون إلى هذه الربوع لدينا رصيد تراثي جدير بأن نجعله أساسا لحياتنا الجماعية. وبأضدادها تعرف الأشياء، وقد سلف أن عرضت الجواب قبل عرض المشكل، وتلك مفارقة، لأن المشكل يأتي من هنا. نريد أن نعيش مجتمع الحداثة الذي يقوم أساسا على قيمة أساسية خاصية الفردانية (Individualité)، نزعة الاتجاه نحو الفرد، والتمركز على الفرد، باعتبار الفرد أساس المجتمع. والفرد هو الغاية، وهو كل شيء. وماذا ترتب غن حياة الفرد، والحياة الفردية، بما هي نتيجة المجتمع الحداثي، المجتمع الغربي الصناعي؟ صحيح أنها الأساس، ولكنها تتفاعل، في نفس الآن، مع النزعة العقلانية التي هي أساس التوجه الحداثي للمجتمع الغربي. فالعقلانية من جهة والفردانية من جهة ثانية هما أساسان قامت عليهما الحداثة الغربية. نريد أن نبنيَ مجتمعا حديثا، وهذا صحيح، لا جدال فيه. وهذه رغبة لا يختلف حولها اثنان. ولا تفيد الحداثة بالضرورة الثقافة الغربية. فكل مجتمع يعيش حداثته بطريقة خاصة. نحب بناء مجتمع حديثا حداثيا، مجتمعا متفتحا، مجتمعا عصريا، مجتمعا يعيش لحظته، وزمانه، ويضمن كرامة الإنسان، وسعادة الإنسان، وعدالته، وحريته. إنها أمور لا نختلف فيها ولكن هذه الخاصية، خاصية الفردانية التي كانت أساس قيم المجتمع الأوروبي المجتمع الغربي المجتمع الحديث، قد كانت له عواقب أخرى، وأدخلت المجتمع الغربي في متاهات عواقب هذه الفردانية، نحن لا نريد أن نعيش هذه العواقب السلبية التي هي عواقب المجتمع الفرداني والحياة الفردانية. والسؤال الذي يطرح نفسه، الآن، فهل من سبيل إلى ضمان الحياة الحداثية، حياة مجتمع متقدم، ونحن نتجنب فيه سلبيات الفردانية وخطورة الحياة المبنية على الفرد أساس كل شيء؟ فالدرس الذي نستفيده هو أن حياتنا داخل المجتمع الإسلامي برمته، ولنقلص الدائرة وندخل المجتمع المغربي، وداخل المجتمع المغربي نفسه، ونلفى أن هذه هي القيم السائدة فيه، لكن الذي جرى أن مجتمعنا صار يسير بسرعات متباينة. فالسرعة التي يسير بها المجتمع في طنجة والرباط والدار البيضاء ليست هي السرعة التي يسير بها المجتمع هنا في تافيلالت، أو في زاكورة أو في محاميد الغزلان. هناك اختلاف وتفاوت في الإيقاع. ومرد التفاوت في الإيقاع إلى الثقل التراثي الذي يميز إنسان المنطقة ويجعله يعيش الصراع على أشده بين رغبة جارحة ليعيش حداثة المرحلة، وبين أن يبقى وفيا إلى قيمه وإلى تراثه وإلى مخزونه، وإلى مثله التي أطرت مجتمعه منذ أن كان هذا. ولنا في الحياة الجمعية التي ميزت ثقافتنا وميزت مجتمعنا في هذه الربوع لنا فيها ملجأ ودخيرة وكنز لا يمكن أن نفرض فيه. إن هذه الحياة الجمعية هي التي تلخص الحياة داخل القصر. سلف للسيد لحسن ايت الفقيه أن تحدث عن القصر، بما هو بناية، بما هو أبراج، بما هو تراث مادي. فالقصر كل هذه الأشياء التي تحدث عنها السيد لحسن ايت الفقيه، لأنه هو يريد أن يشتغل على هذا الملف، وأعي وأدرك أنه ينشغل بما يتفاعل داخل هذا القصر، ليس في الواقع الحالي. فالقصور اندرست بمجملها، انفجرت. لكن الدائرة حول القصر منحصرة على المستوى المكاني، وعلى المستوى المادي. فالقصر الذي هو مكان يتفاعل بداخله نمط حياة وقيم معيشية وتراث إنساني حي. ألخصها في خاصية الحياة الجمعية. فالناس يفرحون جماعة داخل القصر، ويتألمون ويفجعون داخله. أن تحتفل أسرة بعرس يعني القصر كله يعيش الفرح، وكلما شهدت أسرة ما مصابا فإن القصر سكانه مصابون بمصيبة. وسآخذ لكم مثالا ما فتئت أضربه في مداخلاتي جميعها، ويتصل بالتسول. ليكن في علم الجميع أن ظاهرة التسول في تاريخ تافيلالت لا وجود لها. سكان تافيلالت غير معافين، وما حصل أن طلب أحدهم الجدوى. ولا يفيد ذلك استفحال الغنى وغياب الفقر، فالاحتياج قائم لكن المجتمع متكافل متضامن. هذه القيم تعد مستوى آخر من التراث، فضلا عما هو مكتوب، وما هو موجود، وما هو بناء. إنه تراث أساسي حي. إن هذه القيم التي تميز هذه المحمية الثقافية نريد أن نجعل منه تراثا حيا تراثا حيا نحافظ عليه، ونضمن له الاستمرار عن طريق التربية. وهكذا، وكما نتحدث عن التربية على المواطنة يجوز الحديث عن التربية على التراث. أن يضحى التراث هدفا للمشروع التربوي والمدرسة المغربية. نؤسس مناهجنا التربوية على القيم التي يؤسسها هذا التراث، وتصبح المناهج التربوية في جميع مستويات التكوين ملائمة للمراحل التعليمية، من التعليم الأولي إلى التعليم الثانوي والجامعي. التربية على التراث تشتغل على القدرة الأساسية -أعتذر كنت أحب أن أفصل القول في ذلك، ولو من المنظور السيكولوجي والمنظور السوسيولوجي، لكن الوقت يزاحمني، وسألخص الرسالة التي أحب أن أبلغها. وستأتي التفاصيل في سياق آخر- تنبني على القدرة على الثقافة. لأن بهذه القدرة يصنع الفرد ذاته. فالإشكال من يصنع الآخر، هل الثقافة تصنع الفرد، أم الفرد هو الذي يصنع الثقافة. وانطلاقا من هذا المنظور نلفى أن الثقافة هي التي تصنع الفرد، وليس العكس. وما يصنع الثقافة بنيات دهنية موجودة عندنا موجودة لدينا وقدرات (aptitudes) نمتلكها تحدث عنها علماء النفس والسوسيولوجيون بصيغ متباينة والحصيلة واحدة. نجد لدى تشومسكي الكفاية اللغوية، أي: القدرة على إنتاج اللغة، وإنه لاستعداد أساسي، وهي قدرة سابقة على إنتاج اللغة، ولولا هذا الاستعداد السابق ما أصبحنا قادرين على إنتاج اللغة، ولا أن نتواصل بلغة، ولا أن نتداول لغة. وبالقدرة على الثقافة يمكن أن نؤسس مشروعا سمته القدرة على التراث. فالأساسي أن يكون لحياتنا معنى، وذلك باعتماد هذه المثل».
الأستاذ سعيد كريمي في المداخلة الأخيرة « شكرا للسيد رئيس الجلسة ولجمعية الأثر على هذه الدعوة الكريمة شكرا للحضور الذين شرفوننا بمشاركتهم معنا في هذه الندوة، والشكر موصول للسيد نور الدين الإعلامي وصديقه إذ يغطيان هذه الندوة التي اختار لها الإخوان مسمى:«الترافع عن تراث منطقة تافيلالت بين سلطة الواقع ورهانات المستقبل. وقبل ذلك أشكر صديقي السيد لحسن ايت الفقيه [اليوم ما نكولكش المتخلف]، وكذلك أستاذي سيدي سالم عبد الصادق على مدخلتهما القيمة. ربم سأنطلق من السياسة الثقافية في المغرب. فقبل أن نخوض في مدارسة التراث بشقيه المادي واللامادي، أن نسائل أنفسنا. هل المغرب يمتلك فعلا السياسة الثقافية، وهل هذه السياسة الثقافية واضحة المعالم والقسمات في رؤيتها وفي إستراتيجيتها هل المغرب له إرادة سياسية حقيقية للاهتمام بتراثه الثقافي بشقيه أيضا فالواقع أن أسمى قانون في البلاد الذي هو الدستور في فصله الخامس الذي ينص على التعدد اللغوي، ينص على أن اللغة الرسمية للمغرب هي اللغة العربية واللغة الأمازيغية. وللأسف الشديد، ولحد الآن، لازال لم يصدر حتى القانون التنظيمي (La loi organique) المتعلق باللغة الأمازيغية. فحينما نتحدث عن اللغة الأمازيغية نتحدث عن تراث لغوي وثقافي. لأن اللغة وعاء للحضارة ووعاء للثقافة. وبالتالي، يمكن القول، حتى اللغة العربية، وإن كانت منذ دستور 1962 هي اللغة الرسمية، فالحقيقة أن اللغة الرسمية في المغرب هي اللغة الفرنسية، وغن كان الدستور قد سكت عن هذه التسمية، وأشار إلى الانفتاح على اللغات الأجنبية. لكن الحقيقة أن اللغات الرسمية في المغرب، لغة الاقتصاد، ولغة السياسة، ولغة الإدارة هي اللغة الفرنسية. وبالتالي يمكن القول إن المغرب غير متصالح مع لغاته. لا العربية ولا الأمازيغية. فالعربية تحضر، فقط، في خطب الجمعة، أو في المدرجات. وما خلا ذلك فإن اللغة العربية مغيبة. والمسألة الأخرى تتعلق بالروافد الثقافية. فالمغرب غني بروافده الثقافية الهوياتية، فحينما نتحدث عن المغرب، فالمغرب له روافد، ومرجعيات ثقافية، مرجعية عربية ومرجعية إسلامية، ومرجعية أفريقية ويهودية...إلخ. وكلها روافد ينبغي أن نهتم بها ونعطيها القيمة نفسها. ومعنى ذلك أننا نحن المغاربة يجب أن نعتز بأمازيغيتنا وعربيتنا، وبكوننا أفارقة إلى غير ذلك. ولا أحد يزايد على الآخر. وهناك مسألة أخرى تتعلق بالمداخل الحقيقية للترافع عن التراث الثقافي. فعندما نتحدث عن التراث في شقه المادي الذي عنى بجميع منطقة تافيلالت خاصة القصور والقصبات وبالواحة أيضا، والتي تتوافر على مؤسسة تعنى بها: الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجرة الأركان (ANDZOA). ولحد الآن لم نر بعد أثرا واضحا على هذه الواحات. وحينما ننزل الواحات نلفى أن معالمها تتراجع. فلا وقع لهذه المؤسسة على الواحة. ثم القصور والقصبات من خلال الترميم. ولحد الساعة لا تزال القصور تتهاوى وتندرس. ولا تزال القصبات تمحا. وبالتالي وجب الاهتمام بهذه القصور، وأن نرد لها الاعتبار، في إطار تثمين التراث المادي ورأسملته. ونعني بالتراث اللامادي التراث الشفاهي. وفي هذا الإطار، فالمغرب عندما نتحدث عن الثقافة العالمة وتقابلها الثقافة الشعبية، وينظر إلى الثقافة الشعبية في الغالب نظرة ازدراء، ونظرة احتقار، ونظرة تهميش. فما هو شعبي بمعنى [شي حاجة زايدة وصافي]، وأن مظاهر الحداثة والتحديث هي التي تهم. فالمهم لدى البعض ثقافة الكتب وثقافة المحاضرات. تلك هي الثقافة العالمة، وأما الثقافة الشعبية فهي الموروث الثقافي بمختلف تمظهراته. إنها لنظرة دونية تكرست من خلال المنظومة التربوية إذ قل ما نجد داخل هذه المنظومة احتفاء برموز ثقافية مغربية، احتفاء بموروث ثقافي مغربي من قبيل شعر الملحون، لماذا نغيب شعر الملحون مثلا، ونحتفي بالشعر العربي، ولا نحتفي حتى بشعرائنا المغاربة، بل نحتفي بالشعراء المشرقيين مع العلم أن شعر الملحون – يحضر معنا الأستاذ سالم عبد الصادق الذي يعد مقامة علمية كبيرة جدا في هذا المجال- يعبر عن شخصية الإنسان المغربي عن هوية الإنسان المغربي عن ذات الإنسان المغربي، وهو أيضا في بعده الجمالي من اسمى وأفضل الأنماط الشعرية التي عرفتها الإنسانية. فهذا الشعر الذي يجب أن يحتفى به. وقلما نلفى طالبا يعرف أسماء شعراء الملحون. فالجمهور يعرفون المنشدين ولا يعرفون الشعراء فالقصيدة «النحلة شاما» لسيد التهامي المدغري من أروع القصائد المعروفة، الآن، والمتداوة بفضل مجموعة ناس الغيوان. وينحدر سدي التهامي المدغري من الرشيدية ، في منطقة تافيلالت، يجب أن يتحول إلى رمز ثقافي، وأن يحتفى به، وأن يكرم بجعله يدخل المنظومة التربوية والتعليمية، وهو دفين مدغرة بالقصر البراني [ياك يا أستاذ]، دفين قصر أيت مسعود. وإننا نتحدث عن المناهج الجهوية في التربية والتكوين، وحينما نتحدث عن التراث نتحدث عن الذاكرة الجماعية. وقد سلف للأستاذ عبد الصادق أن تحدث عن المنظومة القيمية الجمعية. والتراث الثقافي ذاكرة جماعية لهذه المنطقة التي يكمن مستقبلها في ماضيها. إن ماضي تافيلالت لهو الركيزة الأساسية لمستقبلها، وليست دعوة ارتدادية، بقدر ما هي دعوة للاعتزاز بالهوية والاعتزاز بهذا التراث الذي هو نتحدث عنه اليوم. فالترافع عن هذا التراث يقتضي أن نثمنه ونرسمله، عبر آليات يمكن أن تعتمد لكي نترافع حقيقة عن هذا التراث. فالإخوة الجزائريون الذي يقدمون، الآن، صورة رائعة على الحراك تحركوا أيضا حتى على مستوى محاولة امتلاك تراث الملحون الذي هو تراث تافيلالت حاولوا أن يترافعوا ويصوغون مذكرة، ويتبنون الملحون، إلى اليونسكو. وقد حضر الأستاذ عبد الصادق في صياغة المذكرة الترافعية على مستوى أكاديمية المملكة. والملاحظ أن الذاكرة الجمعية تهرب، يتبناها الآخر. إنهم إخواننا وجيراننا، لكن ما لله لله وما لقيصر لقيصر. وبالتالي وجب أن نتحدث يومه، حتى مع السياسيين على ما يسمى اقتصاد الثقافة، لأن الثقافة ذات بعد رمزي، ويمكن أن تتحول من بعد رمزي إلى بعد ثقافي. فكيف نصنع من ثقافتنا المادية واللامادية إلى اقتصاد مذر للدخل، وبواسطته يمكن أن نجعل هذه المنطقة بفضل التراث رافعة للتنمية الحقيقية. فكثيرة هي المواقع الآثرية، مثلا سجلماسة التي هي، لللأسف، مدينة مندرسة، يمكن أن تتحول إلى قبلة للسياح. ولكن كيف نحول سجلماسة على قبلة للسياح،وهي مجرد أطلال. يجب أأن نعيد ترميم – ولو جزء من- هذه المدينة، ونشتغل على المتحفية، فوق ذلك، ونجعل قصورنا متاحف مفتوحة. كل ذلك لندفع في اتجاه تكريس منطقة تافيلالت وجهة سياحية ثقافية. فالسياحة في هذه المنطقة تحتاج إلى بنية تحتية. ويجب إعمال المقاربة الحقوقية للبعد الثقافي. وننشد تحقيق العدالة المجالية، وذلك بالترافع عن التراث الثقافي. وتثمين التراث يحتاج إلى مجهود جماعي. وإن تأسيس رؤية إستراتيجية في حاجة إلى مداخل سياسية واقتصادية، ومداخل حقوقية». المسير يرفع أمام الأستاذ سعيد كريم الورقة الحمراء لانتهاء الوقت «وأضيف ضرورة التحسيس بالتراث. وعموما، إن منطقة تافيلالت تعد منطقة التحول الثقافي بامتياز. أريد أن أبسط مجهود بسيطا أبطاله هؤلاء، الأستاذ سالم عبد الصادق، الأستاذ لحسن ايت الفقيه، ومجموعة من الإخوان الآخرين الذين ساهموا معنا في توثيق «التراث الشفاهي بتافيلالت، الأنماط والمكونات»، وهي موسوعة في ثلاث مجلدات، وحاولنا من خلاله أن نجمع بعض النصوص الشفاهية ونحولها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. وإنها متن حاولنا أن نوثقها وأن نجعلها في نهاية المطاف في متناول الطلبة والمهتمين. ومن حسنات هذا المشروع أنه تحول إلى مشروع وطني، يعني أننا صدرنا التجربة إلى زاكورة، وأكادير، ووجدة. فجل المناطق المغربية تبنت المشروع. وليس لدينا في الثقافة الوطنية المركز والهامش فالهامش يتحول إلى مركز. ونتوافر على 2000 نسخة من التراث الشفاهي التي تنتظر النشر لتكون في متناول الباحثين. فالتراث الشفاهي غني ومتميز بمختلف تلويناته الأمازيغية والعربية. ونعول على الطلبة أن يكملوا المسيرة التي بدأناها. شكرا لكم». انتهى إلقاء المداخلات في ظرف ساعة و24 دقيقة.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,067,394
- ورزازات: زواج القاصرات بين تخلف التنمية وإشكال التعدد الثقاف ...
- الرشيدية: زواج القاصرات والنزوع إلى إعمال القاعدة القانونية
- تاريخ واحة «سكورة» بجنوب شرق المغرب وتراثها
- الانغلاق الثقافي والمؤسسات الاجتماعية بالجنوب الشرقي المغربي ...
- القبلة المغربية بين مؤثر الشمس الأمازيغية والاجتهاد في الملا ...
- تدهور الواحات المغربية رغم المؤشرات المشجعة للإنقاذ
- من أجل تدوين أعراف الماء بتافيلالت بجنوب شرق المغرب
- النباتات والأعشاب الطبية بجبال الأطلس الكبير الشرقي المغربية
- التنمية والثقافة، أي علاقة؟ -الجنوب الشرقي المغربي نموذجا-
- الأطلس الثقافي لإقليم ميدلت بالجنوب الشرقي المغربي
- التوتر بين الثقافي والحقوقي وإشكال عقلنة مستقبل حقوق الإنسان ...
- مظاهر تكييف الإسلام لتقدير الإنسان في مغرب القرن التاسع عشر
- حقوق الرعي والتنقل لدى فيدرالية « أيت ياف المان» بجبال الأطل ...
- سدود الماء لتنمية الواحات بجهة درعة تافيلالت أم السدود لإهلا ...
- ورزازات: تجربة رائدة في التخطيط والتعلم بالممارسة و تحقيق ال ...
- ورزازات: الطفل والحق في النسب والهوية
- الرشيدية: الاعتقال الاحتياطي، القلق والآفاق
- الرموز الثقافية الأمازيغية في المغرب بين الوظيفة والجمال
- المساواة في ملكية الأرض بين إكراه الأعراف والمطلب الحقوقي بد ...
- مدخل إلى اقتصاد التراث الشفاهي بالجنوب الشرقي المغربي


المزيد.....




- يوتيوبر أمريكي يصنع حاسوبا من اللازانيا!
- التونسية أسماء بن حميدة.. المديرة التنفيذية لمنظمة -أندا الع ...
- تركيا عن قرار -عدم تجديد الإعفاءات-: لا نقبل الإملاءات في عل ...
- تركيا ردا على قرار ترامب بشأن النفط الإيراني: نرفض الإملاءات ...
- ترامب يعول على الرياض وأوبك لتعويض إمدادات النفط الإيراني وت ...
- أمريكا تفرض العقوبات وقافلة هواوي تسير.. أرباح بقيمة 39% في ...
- واشنطن تعلن عدم تمديد إعفاء بعض الدول من العقوبات على شراء ا ...
- ترامب يعول على الرياض وأوبك لتعويض إمدادات النفط الإيراني وت ...
- أمريكا تفرض العقوبات وقافلة هواوي تسير.. أرباح بقيمة 39% في ...
- معارك عنيفة في جبهات متفرقة في الضالع


المزيد.....

- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - لحسن ايت الفقيه - جمعية «الأثر» وإشكال النهوض بالتراث المادي واللامادي لتافيلالت بالجنوب الشرقي المغربي