أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم بن محمد شطورو - شارع الحرية 12















المزيد.....

شارع الحرية 12


هيثم بن محمد شطورو

الحوار المتمدن-العدد: 6178 - 2019 / 3 / 20 - 08:45
المحور: الادب والفن
    


"...وما الفائدة في سؤال العودة؟ انه مجرد رجع صدى حتى وان كانت من عودة فإنها ظاهرية فقط. الحقيقة انه التـقهقر الى الوراء والإنـتكاس عن المضي نحو المستـقبل بإبداع جديد. لا تحصل العودة ابدا حتى وإن عادت الأمور ظاهريا الى ما كانت عليه. هناك كثير من الاحداث تـفـترض التـقدم، وهناك أحداث مركزية لا يمكن ابدا ان لا تـفـترض الا التـقدم الى الأمام. النكوص بمنطق العودة وإعطاء كل شرعية للعودة، ما هو الا هروب من حقيقة العجز عن انتاج رؤية جديدة وواقع جديد...
28 سبتمبر 1994 ".
هكذا ألهمه قـلمه بسرعة على دفـتر مذكراته في حدود الساعة السابعة وأربعة دقائق، حين عاد الى شقـته ولم يجد غادة مثلما حدس ذلك، ولكن إضافة الى ذلك فقد وجد مفتاح الشقة الذي تحتـفـظ به موضوعا على طاولة المكتب.
أول ما خطر على ذهنه انها حركة احتجاج لما وقع ليلة البارحة، ولكن ما حدث بينها وبين منية جعله لا يقف عند هذا الرأي. مر مشهد عناقهما وعريهما أمامه كطيف عابر. ان تضع المفتاح وتخرج يعني انها لن تعود. هذا ما أضرم النار في وجدانه..
خرج من جديد بفعل السعير في نفسه، عل شارع الحرية ببناياته ذات الطراز الفرنسي القديم وضوضائه، ومقاهيه ومطاعمه وواجهات محلاته التجارية، تخفف من وقع الصدمة التي ما ان يتوقف عندها حتى يتـقوقع على نفسه، وبالتالي يذبل، وهذا أشد ما يخافه من نفسه على نفسه.
يمشي ويفكر وسيجارة لم تـنطفئ تحاول إطفاء ناره، ويصل الى شارع "حبيب بورقيبة"، وتـثـلج الصدر المؤخرات الجميلة والسيقان الممشوقة وتعابير الوجوه المختلفة. شيخ أنيق الملبس رأى في ملامحه الرضاء عن حياته وقـناعاته، فتوجه تـفكيره ناحية الرضاء عن الذات في الشيخوخة بكونه الجنة في القلب، وهذا الرضاء لا يتأتى إلا بالعيش وفق القناعات الذاتية وليس وفق الاكراهات والمطامع والتكالب على الإنجازات الواهية، التي تحيل القلب الى ركام من الأشياء الجامدة بما ان المعنى في الحياة قد تم تضيـيعه..
" من الممكن ان يكون هذا الشيخ أحد أبطال التحرير او مناضلا سياسيا او مفكرا، وفي كل الأحوال فيـبدو ان له سمات الذين يرون بقية الناس حيوانات."
ابتسم حين أدرج هذا التوصيف للمثـقـف في تـفكيره، وأبرق وجه منية في ذهنه بإحساس ممتع. تـذكر كم كانت رقيقة ولذيذة مع غادة ليلة البارحة. تـذكر تهافـتها الكبير على غادة " بل كأنها أرادت عصرها فيها"..
وانـتـقـل فجأة الى حالة التلاشي حين وجد أمامه وجها نحيفا مبتسما ابتسامة عريضة أحالت وجهه الأسمر الى نور يتـدفـق على القلب سلاما، ثم سرعان ما تلاشى التلاشي، فقال بصوت مرتـفع:
ـ اوه. جمال.. اين انت يا رجل؟
صديقه في الجامعة كان ناشطا سياسيا. تدحرجت بهما خطواتهما الى مقهى "الروتانت" الذي كان سيتوجه اليه قبل ملاقاة صديقه.
ـ الحرب الطاحنة في اليمن لا تـفصح عن أي مخرج، لكن يبدو ان الشماليين متـفوقون على الجنوبـيـين. أتصور انها ستـنـتـهي قريـبا بتحقيق حلم الوحدة ابتداء من اليمن.
قال أحمد:
ـ انت تسميها حرب الوحدة، ولكني أسميها حرب الردة.
قال جمال:
ـ الوحدة العربية ليست أيديولوجيا بل واقع فعلي. اننا مرتبطون شئـنا ذلك ام أبـينا.
ـ المشكل هو في الأيديولوجيا القومية وليس في الواقع القومي. باعتبارك قوميا أيديولوجيا فإنك تـقـف مع الشمال ضد الجنوب في هذه الحرب، ولكن باعتباري أقر بالترابط العربي والتأثير العربي المتبادل خارج منطق الأيديولوجيا السياسية ضيقة الأفق، فإني أرى مكمن الخطر فيما تسميه التوحيد الشمالي، بكونه القضاء على الحالة التـقدمية الحداثية في اليمن الجنوبي.
ـ هل أصبحت شيوعيا؟ (بنبرة استهزاء).
قال احمد:
ـ انظر كيف يتـقول ويتصرف القومي الوحدوي الأيديولوجي بمنطق التصنيف الأيديولوجي وبالتالي التـفرقة في الوقت الذي يدعي فيه النضال لأجل الوحدة. الايمان الحقيقي بالوحدة العربية يقـتـضي الارتـفاع عن هذه النظرة الضيقة. انت تـنظر الى اليمن الجنوبي كنظام سياسي شيوعي، وانا أنظر اليه كنظام حقـق تـقـدما حضاريا وثـقافيا في بلد هو من أكثر البلدان العربية جمودا لقرون، وبالتالي فحرب الجنرال "صالح" باستعانـته بالإسلاميـين ستكون نـتـيجتها القضاء على هذا البناء التـقدمي الذي لم يترسخ بعد..
ـ في إطار الوحدة سيحقق اليمن الموحد طفرة اقتصادية وسيكون كله تـقدميا.
ـ هذا مجرد أوهام أيديولوجية، لأن السلطة الجديدة لا تملك فكرا تـقـدميا، بل يهمها فقط الحكم ودليل ذلك استعانـتها بما يسمى حزب الإصلاح الإسلامي.. في الحقيقة لا أرى في هذه الحرب الا ارتكاسة عربية جديدة في المنحدر الذي تـقبع في أسفله قوى الانحطاط الحضاري..
مقهى " الروتانت" عبارة عن منـتـدى فكري وسياسي، فعديد المثـقـفين اليساريـين يتجمعون فيه، ليتـناقشوا بواسطة القوارير الخضراء التي يتدفق منها الماء الذهبي اللون لعصارة الشعير المخمور الذي ترافق اختراعه مع بدء التـفكير المجرد ربما. التـفكير المجرد بمعنى المتجاوز للآن والهنا الجسدي والممتد لمسافات طويلة لا تراها العين المجردة وانما عين الذهن تـقـتـفيها. وحين كانت تـتـصاعد وتيرة النقاش بينهما شيئا فشيئا كان صوتيهما يتصاعدان دون ان ينـتـبها لذلك، بحكم ارتـفاع الأصوات الأخرى. وهكذا انضمت وجوه جديدة لمجلسهما واحتد النـقاش بين الشمال والجنوب. ففي اليمن حرب بالمدافع، وهنا في مقهى "الروتانت" حرب شعواء بالأفكار والكلمات. أيهما أكثر واقعية ونجاعة يا ترى؟ يبدو واضحا ان حرب الكلمات تـقـشع كثيرا من الغبار وتجلي كثيرا من المعاني والأفكار التي تصل في النهاية الى التـفاعل في منحنيات التجاوز الواقعي لما بعد الواقع الذي من المفـترض ان نغوص فيه بكل بلاهة. تحقـق الكلمات وتبادل الأفكار اختـزالا للزمن والمرور الى أقصر الطرق نحو الهدف الجوهري لعقل التاريخ الماكر الذي يـبدو في ظاهره كأنه يلعب بالنرد..
وهكذا حقق مراده في الزحزحة النفسية بوعي قصد تغيـير الاتجاه. وما أن التـقى بالمفتاح الموضوع على طاولة المكتب حتى بدا له كأنه يرى نفسه ينكمش. قبل ان يغلبه رعب التوحد قال لنفسه:
ـ لنعتبرها حركة احتجاج على نفسها وليس علي. لأفترض أني ذهبت اليها في شقة "باردو"، فإنها ستبعث الي نادرة او شيماء لتـقول لي انها غير موجودة مثلما حدث سابقا، والتي اعترفت فيما بعد انها كانت في الشقة، ولكنها أرادت ان تـثير في الهواجس والغيرة من التـفكير انها صحبة أحد غيري.
وأثـناء خلعه لحذائه قـفـزت الى ذهنه فكرة وثق فيما بعد في صوابـيتها.
ـ فعلا. لقد خجلت من نفسها أمامي. أصبحت أنا جهاز تسجيل حي ترى من خلاله لحظة شبقها مع منية. قررت الاعودة وبالتالي عدم رؤية نفسها تـلتـذ شبقيا مع منية.. لو ذهبت اليها والتـقينا، لعزفت اللحن الحزين حول الخيانة والغدر وافتـقاد الرابطة الحميمية.. لكن الحقيقة ان مجرد رؤيتي كانت ستشعل نارا في عقلها ووجدانها هي نار الخجل من نفسها، وباعتبار رفضها ان تمتهن نفسها، فإنها كانت ستصب نار جحيمها على رأسي..
وهو يفرك أصابع رجليه الغاطستين في وعاء بنفسجي بلاستيكي جوانبه هزيلة مليء بالماء الحار المعطر بالشامبو، توصل الى الأفضلية المطلقة حين انقاد لنداء قدميه بالتوجه ناحية شارع "حبيب بورقيبة" وليس بمثل ما كان يفكر بالتوجه ناحية منطقة "باردو".
قال وهو ينشف قدميه ببشكير قرمزي اللون:
ـ يمكن القول ان للقدمين عقل صغير اذن. ذاك العقل كان يرى جمال قبل ان أراه بعيني رأسي. هذا منطقي جدا باعتبار اقتراب القدمين للأرض وتحسسهما لما يدب فيها من خطوات.. يا للروح الساحرة الكامنة في السيقان..
وهو يشغل شريطا لـ «خوليو غلاسياس"، قال:
ـ يبدو ان شغف الكلمات والأفكار والنقاشات والانـفـتاحات الفكرية لا يضاهيها أي سحر آخر. جلسة رائعة. لا أقول أنى نسيت نـفـسي بالتمام والكمال، حيث نسيت غادة والمفتاح على طاولة المكتب، ولكن أقول إني عشت نـفـسي بكل ما فيا.
وحين انـدس في فراشه وبيده كتاب، غمرته رائحة عطرهما الساحرة. تـذكر انهما رقدتا هنا البارحة عاريتين فاهتاجت نفسه. أخذ يعيد المشاهد في رأسه وعبثا ان عادت مرتبة بمثل ما أراد.. لكن لحظات البداية تطفح بلذة بركانية. أية قوة جارفة ناعمة. كانت منية كالسيل الجارف يتهادى على جسد غادة القابع على الكرسي. كلماتها المعسولة وتـدفـقها الخلاب. تحول العناق بسرعة الى لمسات. غادة ترمقه بنظرات تعبر عن اصطناع الاندهاش والمفصحة عن التـلذذ المتصاعد وتيرته في عينيها الآخذتين في الذبول شيئا فشيئا. ثم. يا لغادة كيف تحولت الى موضوع شهوي فرجوي. لأول مرة يراها موضوعا وليس ذاتا. يرى منية تكتـسحها بنعومة وبشيء من القسوة كذلك. تـتلمس ساقي غادة ثم تلعق فخذيها بلسانها ويرتـفع اللسان وينخفض ممررا خطا من النار التي أذبلت نظرات غادة بالكامل، ثم تـقـشع عنها الروب الأزرق، ثم تعريها تماما، وغادة طائعة تـنقاد لها، الى الفراش لتحركها مثلما تريد، وتـقلبها بين وضع ووضع، وتـذيـبها بالكامل بألسنة من نار..
وضع الكتاب جانبا وقال:
ـ الجمال هو جسد الانثى الجميلة. جسد المرأة هو الجسد المتكامل في تـناسقه. ليس الرجل فقط يعشق جسد المرأة والا كانت المسالة مسالة رغبة في النكاح فقط، وانما المرأة تعشق جسد المرأة في نفسها وفي غيرها. اذن، فالمسالة أعمق من كونها اشتهاء جنسي، بل الاشتهاء الجنسي هو جاذبـية الذوبان في الجمال. جاذبـية الاحتراق. لذة الانصهار المحترق المتلاشي في النهاية. لماذا التلاشي؟ لأنه ما لا يمكن لنا وعيه وادراكه. جمال الجمال روح مبهمة..





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,323,178,491
- شارع الحرية 11
- شارع الحرية 10
- شارع الحرية 9
- شارع الحرية 8
- شارع الحرية 7
- شارع الحرية 6
- شارع الحرية 5
- شارع الحرية 4
- شارع الحرية 3
- شارع الحرية 2
- شارع الحرية 1 ( رواية)
- في تناقض الإسلام مع النص
- الحب في زمن الكوليرا
- صديقي الفلسطيني
- فرنسا تريد الثورة من جديد
- الإضراب العام في تونس
- ما وراء خطاب الرئيس التونسي
- تونس أمام المجهول
- من الثورة و إليها
- على تخوم مربع الإغتيال السياسي في تونس


المزيد.....




- اخنوش: منذ 12 سنة.. مكناس لم تتغير
- نجوم يجتمعون لصنع هذه الأغنية.. فما هي؟
- الفنان التشكيلي عمر الفيومي: القهوة ليست مكانا.. القهوة حياة ...
- شاهد.. عراقيات يقبلن على تعلم فنون القتال
- رامز جلال يطرح برومو مقلبه الجديد والمثير لشهر رمضان (صورة) ...
- استجار غريق بغريق: الوطن الجزائرية تأكل الثوم بفم المرابط
- تعز.. العميد الحمادي يوجه بفتح طريق جبهات الاقروض بعد تطهيره ...
- أماكن غريبة لجأ إليها أشهر الأدباء بحثا عن الإلهام
- العزواي ينطلق فنياً مع الرسم ليستقر عند الموسيقى: السمفونية ...
- فنانون على مسرح الثورة


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هيثم بن محمد شطورو - شارع الحرية 12